“عبور” زينة قاسم …

“عبور” زينة قاسم …

استلمت الكتاب واودعته طاولتي

” عبور” انه العنوان، قرأته عشرات المرات اثناء جلوسي اتابع عملي على الحاسوب وقرأته عشرات المرات وانا امر بجانب طاولتي، اذ وضعته كما اطار الصورة، للمشاهدة!

الصورة هنا كلمة ” عبور”  بالاحمر، اصبحتُ مُحاطة بها وكأنها منفصلة عن الكتاب، الذي اقتحمته مرة اعاين العناوين وصفحة الاهداء واعيده الى مكانه واعدة نفسي بقراءته.

مرت ايام، نقاش يدور بين الاصدقاء في لقاء بمقهى بيروتي على البحر، وجدتني استخدم كلمة عبور اكثر من مرة اثناء مجادلة حول التسامح، هذا الحس النادر والعصي على الكثيرين منا، ها انا استدعي كلمة “عبور” الى قاموسي معتبرة ان التسامح بحاجة الى ما يشبه العبور من حالة الى حالة من الحنق والغل الى التسامي وقوة التجاوز، وانفصلت عن الحديث الدائر بعد ان اثرته  وورطت الجالسين بجدال عالي النبرة:

” عبور” تلك الكلمة التي استخدمتها هي عنوان الكتاب – الصورة على طاولتي، كلما مررت به استبعدته عن لائحة قراءاتي، وها انا اكرر كلمة عبور اكثر من مرة.

رغم عودتي المتأخرة تلك الليلة، كنت تواقة الى طاولتي لالتقاط  الكتاب بالعنوان الاحمر” عبور”  وتذكرت كيفية وصوله الي:

 بصوتها البعيد، الدافىء، الحزين، الخجول، ارسلته الي…

من الغلاف الى الغلاف، اقلب الصفحات، واكفكف الدموع

وابحث في اسئلتها عن اسئلتي

 وابحث في عزائها عما يعزيني

 وابحث في هواجسها عن موت طلال اليافع، عن هواجسي امام موت احبتي واسترق من حزنها الكثير من حزني على نوال اصغر شقيقاتي التي رحلت باكرا

قلب زينة ام طلال قلب يلهف للقبض على ساكنيه كما قلبي يلهف وراء ابي حين رحل ورحل معه الامان المطلق.

امتلكني الكتاب واستنفر احاسيسي وعقلي فشعرت انني لا اقرأ  بل  اسمع صوت زينة ام طلال، يخاطبني، يروي لي قصة العبور المضني، يحضرني صوتها الهادىء الدافىء المتأوه بصمت ورقي.

zeina kassem1

شريط صور يتداعى في مخيلتي، لم ينته مع استفاقة فجر بيروت البارد، تصدرته صورة طلال في جسده الفتي الملقى على احدى الطرقات القاسية من بيروت: جدل لن ينتهي اليوم لانه لم ينته بالامس:

الموت هو الحقيقة الوحيدة في حياتنا وكل الحياة التي نحياها تصبح سرابا وفي اصدق الحالات تصبح حكايات وذكريات وصور في قلوب من نحب.

ما الفرق بين موت وموت وما الفرق بين موت بعد حياة وحياة بعد موت وهل هناك بين بين، لسنا فلاسفة…

يحولنا الموت الى فلاسفة للحظات او فترات نجيد فيها طرح السؤال الصحيح، ونتأمل في كم من الاجوبة ينهال فوق دماغنا بما لا طاقة لنا على الاحاطة

ارغمتني زينة قاسم بتأملاتها ومحاولاتها التفسيرية وفي مشّائيتها صوب البحر هذا الحاضن للاحزان المكفكف للدمع الشافي الى حين من الالم،

 ارغمتني على البوح امام نفسي بأنني اخاف، لكنها اقتحمت ارادتي تحثها على احتواء الخوف بالتزام الصمت تارة ومعايشة الحزن حتى الثمالة طورا واجتراح فعل الحياة منذ الآن الى يوم كان محتوما، كما فعلت  هي.

عبر طلال من الموت الى الحياة، مع امه زينة، التي اصّرت ان تنجبه مرة ثانية، وعبرت زينة من الحزن السلبي الى الحزن الايجابي في مشوار لم ينته ولكنه سوف يتوقف في محطة انقاذ لروح تلاقت مع روح طلال على طريق عبور، ذهب طلال وعادت الروح

زينة قاسم، لا شيء سوى الصمت استطيعه امام عبورك…

نجوى زيدان
الخميس‏، 09‏ حزيران‏، 2016

الثقافة والفنون » أهم المقالات » كتب