افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الإثنين 24 كانون الأول، 2018

افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الإثنين 24 كانون الأول، 2018

تابعت الصحف التظاهرات المطلبية للمواطنين في بيروت والمحافظات، لكن التركيز كان على ملف تأليف الحكومة. أشارت "اللواء" لـ"تجمَّد الموقف التأليفي"، بسبب الوزير جبران باسيل "الذي لا همّ له سوى الاحتفاظ بالقوة الوزارية، عددياً ونوعياً  في الحكومة المصرفة، أو التي هي قيد التأليف". أما "الأخبار" فاختصرت أسباب هذا "التجمد" في مطالب باسيل الوزارية، الذي يريد الحصول على 11 وزيراً (الثلث المعطل) في الحكومة الجديدة، وكسب وزارات ذات موازنات دسمة، وشطب الوزير سليم جريصاتي من لائحة وزراء حزبه الوطني الحر. وقد ذهبت مصادر "البناء" إلى أبعد من ذلك، فقالت إن الوزير باسيل "يريد الاحتفاظ بالثلث المعطل لاعتبار أنه بعد نهاية ولاية الرئيس عون لن يتم الاتفاق على رئيس آخر فتعيش البلاد فترة شغور رئاسي، وبالتالي ستملأ الحكومة العتيدة الفراغ. والإمساك بالثلث الحكومي يمكن الفريق المسيحي الأقوى بالتحكم بمصيرها حتى انتخاب رئيس للجمهورية". 
الحكومة: خلاف على عدرا والحقائب
الأخبار
وقائع حمل كاذب
من تشاطُر باسيل وخطأ حزب الله الى «نقزة» بري وعناد «الستة»

ما كاد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ينهي خطابه في «يوم الشهيد»، قبل شهر وعشرة أيام، حتى اقتنع من بيده أمر تأليف الحكومة بأنه لا مناص من حل عملي يقوم على قاعدة تمثيل اللقاء التشاوري للنواب السنّة المعارضين للرئيس سعد الحريري. بعد ذلك بساعات، بدأت الاتصالات تجرى على أساس توفير إخراج لهذا المطلب، بما يضمن حقهم في التمثيل أولاً، ولا يكسر الرئيس سعد الحريري ثانياً، ويترك لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون أمر الإخراج ثالثاً (مقال إبراهيم الأمين).
لم يكن احد من المعنيين بتشكيل الحكومة ينكر أن حزب الله قال منذ حزيران الماضي إنه لا يقبل بحكومة لا تضم ممثلين عن «سنّة 8 آذار»، وخصوصاً الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل. لكنهما، اعتقدا، عن اقتناع أو عن مناورة، بأن هذا المطلب ليس شرطاً لازماً، وأنه يمكن تجاوزه بحجة الظروف الدقيقة. وكان اتكالهم، ضمناً، على تراجع الحزب لأجل سلامة البلاد. لكن الذي حصل يومها، أن باسيل ــــ على الأقل ــــ لمس من خلال اتصالاته شبه اليومية بقيادة حزب الله أن المطلب ليس مناورة، وأنه لا بد من تحقيق التمثيل. ولذلك، سارع الى وضع خطة طوارئ، تقوم على قاعدة توفير المتطلبات الثلاثة: التمثيل، عدم استفزاز الحريري وتولي عون الإخراج.
تبيّن، بعد وقت، أن باسيل كان قد أعد لائحة بأسماء من يعتقد بأنهم يحاكون هذه التسوية الثلاثية. وكان الأبرز لديه، اسم رئيس مؤسسة «الدولية للمعلومات» جواد عدرا، وذلك، انطلاقاً من اقتناعه بأن الحريري لن يقبل بأمرين:
ـ لا حاسمة للتخلي عن مقعد سنّي لهؤلاء.
ـ لا قوية جداً لتمثيل نواب اللقاء في الحكومة.
لكن باسيل لم يحتج الى جهد كبير لإقناع الحريري بالتسوية. والأخير صار يريد أي حل لإعلان الحكومة، علماً بأن وزير الخارجية لم ينتظر طويلاً ليسمع موافقة حزب الله، ولا سيما أن قيادة الحزب سمعت مواقف بعض حلفائها، ومن بينهم تيار «المردة» الذي رحب ممثله الوزير يوسف فنيانوس بالأمر، علماً بأن عدرا ينحدر من منطقة الكورة التي تشهد نزاعات قوية بين فرنجية وباسيل.
عندها عمد باسيل الى إبلاغ المفاوضين ما قال إنه «توضيح أساسي»، فيه أنه يرفض بقوة أن يكون المخرج على شكل تنازل كتلته عن مقعد من المقاعد الـ 11، وأن تنازل الرئيس عون عن المقعد السني لا يعني خروج المقعد من حصة رئيس الجمهورية. وشرع في مناورات مختلفة، من إعادة المقعد السني الى الحريري مقابل استرداد وزير مسيحي، إلى توسيع الحكومة لتضم وزيرين إضافيين يكون أحدهما مسيحياً من حصته والآخر مسلماً من حصة الحريري، الى فكرة مقايضة عدرا بحقائب وازنة تضاف الى كتلة لبنان القوي.
طبعاً، لم يترك باسيل الأمر يمر من دون السعي الى استغلال أكبر لهذه المحاولة. فعاد إلى الحديث عن تركيبة الحكومة من ناحية المقاعد والحقائب. وأوحى بداية أنه يهتم حصراً بإبعاد المرشحة القواتية مي شدياق عن أحد المقاعد المارونية. ولذلك، عمد الى تقديم سلسلة من المقترحات، رفضها الحريري الذي قال إنه التزم مع «القوات اللبنانية» بما أرسلته من لائحة بعد الاتفاق على حصتها. لكن الحريري عاد وناقش أمر التعديل، وفق متطلبات أخرى.
في ملف الوزير السني، أدى رفض الحريري التخلي عن مقعد من حصته، سواء كان سنياً أو مسيحياً، ورفضه فكرة توسيع الحكومة الى 32 وزيراً، ليحسم الأمر عند باسيل، وأن الحل الوحيد يكون من خلال تسمية وزير سني من حصة رئيس الجمهورية. وهنا عاد ليثبت ترشيح جواد عدرا، وباشر مع الحريري وحزب الله، ثم مع الرئيس نبيه بري البحث عن آلية للإخراج. وعهد الى اللواء عباس إبراهيم إدارة العملية، انطلاقاً من ثابتتين:
ـ أن اللقاء التشاوري يتمثل باسم من خارج أعضائه الستة.
ـ أن يكون المرشح عضواً في كتلة الرئيس عون طالما أن الرئيس عون قبِل التخلي عن المقعد السني من حصته.
حتى هذه اللحظة، كانت الأمور تسير بشكل منطقي. لكن اللافت أن استمزاج رأي عدرا بالموضوع، وتثبيت التفاهم العام مع حزب الله والحريري وحتى بري، لم يكن يتم بعلم أو معرفة نواب اللقاء التشاوري الذين قبلوا على مضض فكرة ترشيح واحد من خارجهم. لكنهم كانوا يعتقدون بأن الأمر يكون بطريقة تتناسب مع تصوراتهم، وهي تصورات جعلتهم يفكرون بمرشحين من الشخصيات العاملة معهم. وكانت «الصدمة» ــــ كما قال عضوان في اللقاء ــــ عند الاجتماع مع اللواء ابراهيم وتقديم الأسماء، إذ خرج النائب قاسم هاشم بمظروف فيه ورقة عليها اسم عدرا.
عند هذا الحد، كانت الأمور تسير وفق ما هو مقرر. كان على الرئيس بري ــــ قال إنه كان خارج المفاوضات، لكنه لا يمانع في ترشيح عدرا إذا كان في ذلك الخلاص لأزمة الحكومة ــــ أن يتولى الإخراج، وهو من طلب الى النائب هاشم وضع اسمه، مفترضاً، كما الآخرين، أنه سيساعد حزب الله و اللواء ابراهيم في اقناع اللقاء التشاوري بالقبول بهذا المخرج.
عدرا نفسه كان يطّلع على نتائج المشاورات شيئاً فشيئاً، وكان الأمر بالنسبة اليه يقوم على فكرة انه جرى ترشيحه لأسباب عدة، اهمها انه لا توجد عداوة بينه وبين اللقاء التشاوري، وهو ليس محسوباً على القوى السياسية البارزة حتى يقال انه وديعة لغيرهم عندهم، كما ان علاقاته بمعظم القوى السياسية تتفاوت بين الجيدة والممتازة، ما يمنع بروز اي فيتو، وأن قبوله بهذه المهمة سيكون انطلاقاً من كونه عنصر حل لا عنصر اشتباك. لكن عدرا الذي يعرف بأمر الشياطين في تفاصيل اي اتفاق، سأل المعنيين بالأمر مرة ومرتين وأكثر، عن شكل الإخراج. وكانت أسئلته تتركز حول شكل علاقته باللقاء التشاوري، وحول موقعه داخل الحكومة وعلى اي كتلة وزارية سيكون محسوباً، بالاضافة الى كونه شدد في أكثر من اتصال على انه لن يكون وزيراً صامتاً، وأن له موقفه من غالبية الأمور التي تطرح على جدول اعمال مجلس الوزراء، وقد يحصل كثيراً ان لا يوافق من رشحه او من وافق على ترشيحه، على موقف من هذه القضية او تلك، ولا سيّما أن عدرا يعبر عن المعترضين على السياسات العامة المتبعة في البلاد.
ظلت الامور تسير على هذا النحو، الى ان أعلن عن وجود اتفاق بأن يكون عدرا مرشح اللقاء التشاوري ويجلس في تكتل لبنان القوي. وفي هذه النقطة، بدأت الإشكالات:
أولاً: عبّر غالبية اعضاء اللقاء التشاوري عن امتعاضهم من طريقة الإخراج، وأبلغوا احتجاجهم هذا الى حزب الله قبل الآخرين. وطالبوا بتعديلات على طريقة تمثيل عدرا، وإلا فإن النتيجة تكون بفرط اللقاء وفشل هذه التجربة، وسيكون لذلك الأثر الكبير على حزب الله قبلهم. وقال اعضاء في اللقاء «ألا يكفي انه تم اسقاط اسم عدرا علينا من دون التشاور معنا، حتى يتم استخدامنا جسراً لوصوله الى الحكومة باسمنا من دون أن يكون ممثلاً صريحاً لنا؟».
ثانياً: أعد اللقاء ورقة عمل تتضمن في واحد من بنودها (الخامس) ان يكون عدرا، او الاسم الذي يختاره الرئيس عون، ممثلاً لهم في مجلس الوزراء، وعضواً في كتلتهم النيابية والوزارية، وأن «وزير اللقاء التشاوري سيلتزم التصويت حسب توجهات اللقاء».
هنا، لم يقفل اللقاء التشاوري الباب امام علاج معضلة تموضع عدرا داخل الحكومة. ولكن أعضاء فيه عادوا الى رفع السقف، بعدما بلغهم ان الوزير باسيل يرفض ان يكون عدرا ممثلهم وأن يرتبط تصويته داخل الحكومة بموقفهم. وأن وزير الخارجية يصر على ان عدرا هو الوزير الرقم 11 في كتلة لبنان القوي داخل الحكومة. وتبين لاحقاً ان باسيل لم يكن متحمساً لأن يلتقي عدرا أعضاء اللقاء التشاوري قبل إعلان تبنيه من قبل الرئيس عون، لكنه لم يكن ليقدر على منعه من الاجتماع بالنواب الستة.
بعد ذلك، أدى تدخل وسطاء الى استمهال اللقاء التشاوري وعدرا، وعدم اعلان الجانبين اي موقف نهائي من الذي سيحصل. لكن تفصيلاً إضافياً طرأ، يتصل بمحاولة البعض اتهام عدرا بأنه كان لاعباً في ما سمي «مؤامرة باسيل»، وذلك خطأ وفيه ظلم للرجل، الذي حرص طوال فترة المشاورات على ان يكون مرشح الحل لا مرشح الخلاف، وأبدى مراراً رغبته بالخروج من هذا السباق إذا كان سبباً في تفجير الأزمة. وما تمهله في اعلان موقف يومي الخميس والجمعة الماضيين، الا استجابة لطلب وسطاء كانوا يواصلون الاتصالات لتذليل عقبة التمثيل. وإزاء إلحاح عدرا على ان يكون المخرج واضحاً ولا يتسبب بمشكلة لأحد، فقد أعدت جهة اساسية في الاتصالات نصاً ــــ اطلع عليه معظم المعنيين ــــ لبيان يعلنه عدرا ويعبر فيه عن «سروره بأن يكون ممثلاً للقاء التشاوري في حال اختياره» من قبل الرئيس عون وأن «أكون في الحكومة ممثلاً حصرياً للقاء التشاوري» على «ان اكون من حصة رئيس الجمهورية» وفي الاجتماعات «أكون حيث يكون وزراء الرئيس عون».
ما حصل ان رفع السقف من جانب اللقاء التشاوري تزامن مع بروز عنصر آخر يتعلق باستئناف الخلاف على الحقائب الوزارية. وفي هذه الخانة، عبّر رئيس المجلس النيابي عن غضبه جراء محاولة باسيل تعديل التوزيع المتفق عليه للحقائب. ووفق المقترحات التي جرى التداول بها، كان بري يشعر بأن باسيل لا يريد حصراً إبعاد مي شدياق عن الحكومة، بل أيضاً تصفية حسابات داخل كتلته مثل ابعاد الوزير سليم جريصاتي. لكن رئيس المجلس غير المهتم بهذه الحسابات، توقف عند سعي باسيل لانتزاع حقيبتي البيئة والثقافة مقابل التخلي عن حقيبة الإعلام، وبري ــــ مثل الحريري وباسيل والآخرين ــــ يعرف أن «قيمة» وزارتي البيئة والثقافة في هذه الحكومة مرتبطة بوعود مؤتمر باريس ــــ 4 (سيدر) التي تشمل إنفاق اكثر من 350 مليون دولار عليهما، إضافة إلى الموازنة الخاصة بكل منهما.
صحيح ان بري رد سريعاً على الحريري برفض اي تعديل على واقع الحقائب والحصص، لكن رئيس المجلس استفاق على «نقزة» أعادته الى الأيام الأولى، فلم يخف قلقه من تفاهم بين الحريري وباسيل على ادارة الأمور بطريقة تتجاوزه كما الآخرين (وخصوصاً ان مقترح تعديل توزيع الحقائب يطاول حقائب مخصصة لوزراء الحزب الاشتراكي كما وزراء «القوات اللبنانية»). ولذلك، أرفق بري رفضه التعديلات بتوصية عاجلة الى النائب هاشم، بأن يكون هو المتقدم على اعضاء اللقاء التشاوري في ما سمّي «منع باسيل من الفوز بالمقعد السني».
على هذا الأساس، توجه هاشم الى اجتماعات اللقاء التشاوري متحصناً بموقف بري والسقف المرتفع، ليجد ان اعضاء اللقاء حصلوا من حزب الله على دعم لموقفهم بالتشدد حيال موقع تموضع المرشح عدرا داخل الحكومة. ولم يبخل احد من اللاعبين، بمن فيهم اعضاء اللقاء التشاوري، في استغلال كل الثغَر التي شابت عملية الاخراج، في سياق اطاحة ترشيح عدرا، وهذا ما حصل.
وحتى ساعة اعلان بيان اللقاء بسحب ترشيح عدرا، كان اللواء ابراهيم يسعى بالتفاهم مع حزب الله الى ايجاد مخرج مناسب للطرفين، واتفق صباح الجمعة الماضي مع الرئيس عون على أن يكون عدرا مندوب اللقاء التشاوري في كتلته، في مقابل ان يُسقِط اللقاء عبارة او شرط الحصرية التي وردت في بيانه. وعندما أصرّ عون على باسيل بأنه يوافق على هذا المخرج، كان اللقاء التشاوري يحصد من مكان آخر:
عبّر اعضاء اللقاء التشاوري عن انزعاجهم من طريقة التعامل معهم، واستفادوا من رفض عدرا ان يكون عضواً خالصاً في اللقاء، لرفع سقف الاحتجاج عند الحزب. وهم ارفقوا الاحتجاج، بملاحظات وجدت صداها داخل قيادة حزب الله ايضاً، لناحية الأخطاء التي رافقت عملية اخراج اسم عدرا. فحسم حزب الله القرار بأن يترك للنواب الستة أمر اختيار المرشح وموقعه وطريقة تمثيله وتموضعه.
كان هذا القرار، معطوفاً على موقف بري، كافياً ليقرر اللقاء التشاوري رفض اي تفاوض على موقع مرشحه في الحكومة. وأصر اللقاء على حصرية تمثيل عدرا لهم في الحكومة وعدم التحاقه بأي كتلة اخرى. ما أدى عملياً الى النتيجة المعروفة، وهي تعطل المبادرة وتوقف الحل!
أين المفاوضات الحقيقية؟
يُشهد لأركان الطبقة الحاكمة قدرتهم العالية على المناورة. إذ لا يكتفون بتجاهل احتجاجات الناس على الهريان القائمـ ولا تجاهل كل قواعد العمل العادية في اي دولة فحسب، بل يقومون بكل انواع المناورات لابعاد الانظار عن خططهم الفعلية لكيفية ادارة الدولة في المرحلة المقبلة.
وعلمت «الاخبار» انه منذ الاتفاق على توزيع الحصص الوزارية، وفي الوقت الذي شُغِّل فيه «فيلم الوزير الملك»، كان الأركان يلتقون ويبحثون مباشرة، ومن خلال مساعدين اساسيين، في جدول اعمال الحكومة المقبلة. وتركز البحث على الآتي:
اولا: ضمان انجاز بيان وزاري عام يركز على الجانب الاقتصادي ويحظى بتغطية عامة تتيح للحكومة الحصول على الثقة قبل منتصف كانون الثاني المقبل.
ثانيا: اتفاق رئاسي غير قابل للنقض، بإطلاق مشروع الكهرباء وفق اعتماد مبدأ الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والاستفادة من تمويل مصرفي لعملية بناء معامل واعادة تحديث شبكة التوزيع، على ان يجري ذلك بالتعاون مع الجهات المانحة في الخارج. وأن يجري التفاوض مع شركات البواخر لمد لبنان بالطاقة لعامين ونصف عام بعد خفض السعر.
ثانيا: اطلاق حملة اعلامية وسياسية تشارك فيها كل القوى (ينقل عن الرئيس سعد الحريري قوله ان الجميع موافق، ما عدا حزب الله) بهدف تحضير الرأي العام لقرارات «غير شعبية» تشمل مناقشة اقتراح تجميد دفع نحو 15 في المئة من قيمة الزيادات المقرة في سلسلة الرتب والرواتب.
ثالثا: اطلاق ورشة تطبيق البنود المطلوبة من المؤسسات المالية والنقدية الدولية، وما يفرضه برنامج باريس – 4 لصرف التمويل، وان يحصل ذلك بالتعاون مع مجلس النواب وخلال فترة لا تتجاوز اواخر شباط المقبل.
رابعا: اقدام مصرف لبنان على اعتماد اجراءات طارئة هدفها خفض كلفة الدين العام خلال العام 2019، بغية تقليص حاجات المصرف الى العملات الصعبة، ما يسمح بإعادة خفض اسعار الفوائد، وتعزيز الاستقرار النقدي، وذلك قبل نهاية اذار، حتى لا تعمد مؤسسات التصنيف العالمية الى وضع لبنان في مرتبة متدنية قد تنعكس تراجعا كبيرا في قوة النقد الوطني.
بري: البعض لا يريد ولادة الحكومة
ليس التعثّر الأخير الذي أصاب مسار تأليف الحكومة، في اليومين الماضيين، مجرّد فرملة مؤقتة. إذ يبدو أن الاتصالات أخذت إجازة طويلة قد تمتدّ الى ما بعد الأعياد. فدراماتيكية المشهد بعد فشل مبادرة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون نتيجة محاولة وزير الخارجية جبران باسيل سحب مرشّح اللقاء التشاوري جواد عدرا ليكون من حصّة رئيس الجمهورية رسم علامات استفهام كثيرة دفعت برئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى اعتبار ما حصل «غير بريء» بحسب ما قال لـ«الأخبار». وأبدى برّي قلقاً كبيراً إزاء «ما ينتظر البلد في المرحلة المقبلة»، معتبراً أن «ما حصل يؤكّد وجود أطراف لا تريد للحكومة أن تولد بالمطلق، وأن الموضوع على ما يبدو أكبر من ثلث معطّل وحقائب وحصص». ولفت رئيس المجلس إلى «وجود قطبة مخفية من طريقة طرح توزير جواد عدرا ومن ثم التمسك به على اعتبار أنه من كتلة الرئيس، لكن ملامح هذه القطبة لم تتضح بعد، وأن من الواجب التنبه جيداً ومراقبة ما يجري». وربط برّي التطورات الأخيرة في الداخل بما يجري في الإقليم، ملمحاً إلى أن «ثمّة شيئاً يحضّر للبلد والمنطقة»، وقال إن «الانسحاب الأميركي من سوريا لا يُمكن أن يكون من دون ثمن».
من جهة أخرى، علمت «الأخبار» أن الاقتراح الذي تقدّم به الحريري الى معاون الأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل بالحصول على وزارة المهجرين بدلاً من «الشباب والرياضة» أثار استغراب الحزب، علماً بأن رئيس الحكومة حاول إقناع الخليل بهذا الطرح بالقول إن «الحزب معروف بنزاهته وأمانته وقادر على ضبط هذه الوزارة والسرقة فيها»، لكن جواب الخليل كان واضحاً بأن «الحزب لا علاقة له بملف المهجرين وأن موضوع التفاوض بالحقائب ليس معنا، فنحن فوّضنا الرئيس برّي بهذا الأمر وإن كنت تريد النقاش به، فاذهب الى الرئيس بري».
من جهة أخرى، وبعد تبادل التراشق الإعلامي المنسوب إلى مصادر كل من التيار الوطني الحر وحزب الله بشأن تحميل كل من الحليفين الآخر مسؤولية عرقلة تأليف الحكومة، أصدر الحزب بياناً أمس ليؤكد فيه أنه «للمرة الألف لا يوجد مصادر في حزب الله أو مصادر قريبة منه» وأن «كل ما ينقل عن المصادر ما لم يصدر عن جهة رسمية أو مسؤول محدد في حزب الله باسمه، لا يعنينا إطلاقا ولا قيمة له».
الأزمة تخرج إلى الشارع
تأثُّر المُتظاهرين، في بيروت أمس، بحركة السترات الصفر الفرنسية، لا يعني أنّ تحرّكهم غريب عن الواقع اللبناني. فالأوضاع هنا مأسوية، والأحوال الاقتصادية التي تُهدّد الفئات المُهمشة وأبناء الطبقة المتوسطة، تُشكّل عبئاً ثقيلاً على اللبنانيين. تداعى الشباب إلى الشارع في بيروت وطرابلس والجنوب، بمبادرة منهم، ومن دون أن يظهر أنّ لهم غطاءً حزبياً، سقفهم المطالب المعيشية.
التظاهرات التي نُظِّمت أمس في بيروت وطرابلس والجنوب، قد لا تكون دليلاً على أنّ «الثورة» قد انطلقت، ومن الممكن أن لا تُعلَّق عليها آمالٌ كبيرة لزلزلة أركان «النظام». إلا أنّها، وبالإضافة إلى التظاهرة التي نظّمها الحزب الشيوعي اللبناني في 16 الشهر الجاري، أساس يمكن المراكمة عليه، ومؤشر إضافي على حالة الحنق العامة التي وصل إليها أبناء الفئات المُهمشة والمواطنون من الطبقة المتوسطة. هؤلاء مُهدّدون بخسارة أبسط حقوقهم، وبأن يتحمّلوا النتائج الكارثية لسقوط النموذج الاقتصادي المعتمد منذ عقود. لم يعد أحدٌ منهم بمنأى عن صعوبة المرحلة، والجميع يشعر بوطأة الأزمة. شهرٌ سابع يمرّ على الفراغ الحكومي في البلد، بسبب صراعات على مقعدٍ زائد من هنا وتمثيل من هناك. تضاف إلى الوضع السياسي المُعقّد، الحالة الاقتصادية الخطيرة، وما يُنشر من تقارير تحذّر لبنان بأنّه يقف على حافة الانهيار، إن لم يكن قد دخل في المسار الذي سيوصل في النهاية إلى السقوط العظيم. مُعدلات البطالة في لبنان هي شديدة الارتفاع، إذ تصل بعض التقديرات إلى تحديد نسبة العاطلين من العمل بين الشباب بنسبة 36%، وترتفع النسبة لتصل إلى 47% في المحافظات البعيدة عن العاصمة. الصورة سوداوية من كلّ جوانبها، ولا تترك أي مجال للأمل، حتى ولو حُلّت العقد الحكومية وانطلقت «الإصلاحات». فثمة ما يشبه الاقتناع العام بأنّ الوضع لن يتحسّن، طالما أنّ السياسات هي نفسها، يجري تناقلها من حكومة إلى أخرى، بوجود القوى السياسية عينها. كلّ هذه الأمور، دفعت بلبنانيين أمس، وقبله في 16 كانون الأول، إلى الشارع. تحرّكات بيروت وطرابلس والجنوب، التزمت سقف المطالب المعيشية ومحاربة الفساد. الدعوات انطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من دون أن يكون للتحرّك هوية واضحة أو تتبناه جهة سياسية ما. على الرغم من ذلك، تمكن المنظمون من حشد عدد لا بأس به من المتظاهرين، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ كثيرين يُفضّلون الانتظار إلى أن تتضح هوية التحرك ومآل الأمور، قبل أن يضعوا ثقتهم به وينزلوا إلى الشارع.
المتظاهرون أمس تنوعوا بين مُلتزمين حزبياً ومُستقلين. تداعوا إلى التظاهر عبر «تويتر» و«فايسبوك»، من دون اجتماعات تنسيقية مُسبقة. لم يوجهوا تحركهم ضدّ «جهة مسؤولة» مُحدّدة. ولم يحملوا شعارات موحدة، كما أنّه لم يكن لتحركهم مطالب واضحة. كلّ واحد منهم صرخ بالشعار ــــ المطلب، الذي يُعبّر عن وجعه. إلا أنّهم مُجمعون على نقطتين: سوء الأوضاع الاقتصادية، ومواجهة الفساد.
انطلق المتظاهرون في بيروت، ظهر أمس، من ساحة الشهداء نحو ساحة رياض الصلح، حيث رمز السلطة التنفيذية. كانت الأمور هادئة إلى أن انطلقت المواجهات بين بعض المتظاهرين والقوى الأمنية، بفعل تقدّم عدد من الشبان في محاولةٍ منهم لإزالة الحواجز الحديدية الفاصلة أمام السرايا الحكومية. عبوات مياه، تدافع، دخان… العدّة «الطبيعية» لكلّ تظاهرة. المواكبة الأمنية من قبل عناصر الأمن الداخلي ومن الجيش اللبناني للتظاهرة، كانت بأعدادٍ وعتاد كبيرين. فجأةً بدا أنّ الأمور تخرج من تحت السيطرة: إشعال النار في مستوعبات النفايات على جسر بشارة الخوري، مواجهة بين الجيش والمتظاهرين على جادّة شفيق الوزّان، اعتداء عناصر من الجيش على الصحافيين والمُصورين، انتقال التظاهرة من وسط العاصمة إلى شارع الحمرا مع إقفال للمحال التجارية لبعض الوقت، قبل أن تعمد القوى الأمنية إلى تفريق المُحتجين، عودة قسم من المتظاهرين إلى ساحة رياض الصلح… لينتهي النهار بتحوّل المُتظاهرين إلى «فريقين».
فقد أصدر «حزب سبعة» بياناً يُعلن فيه أنّه كان موجوداً في الشارع «كمكون أساسي في تظاهرة رياض الصلح وساحة الشهداء، ورفعنا الصوت عالياً، وأصررنا على سلمية النضال. ونستنكر عمليات الشغب التي تحصل في شارع الحمرا، مع تفهّمنا الكامل لوجع المواطنين الذين وصلوا إلى حالة اليأس والغضب». في حين أنّ أحد الداعين إلى التظاهر، الزميل علي مرتضى، غرّد على «تويتر»، مُتهماً «حزب سبعة وطلعت ريحتكم، بأنّهما أدخلا خلال التظاهرة، مُكبّراً للصوت، مُطلقين من خلاله الشتائم. تدخّلت مانعاً إياهم من استكمال مسعاهم للفتنة بين المتظاهرين (…) كان هناك مجموعة من المتظاهرين مصنفين من الحراك المدني، وكانوا غاية في الرقي والاحترام، رغم الاختلاف في النظرة السياسية وركّزوا على المطالب المعيشية كما فعلنا نحن مناصري الأحزاب السياسية». وأضاف مرتضى إنّ «التظاهرة التي دعا إليها بعض نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي انتهت عند الساعة الثانية ظهراً». وأعلن تعليق التحركات إلى ما بعد انتهاء عيدَي الميلاد ورأس السنة.
ولكن مساءً، وبعدما عاد المتظاهرون من شارع الحمرا إلى ساحة رياض الصلح، أعلنت المُرشحة السابقة إلى الانتخابات النيابية نعمت بدر الدين «بدء المشاورات مع ناشطي «الحراك المدني» ورواد التواصل الاجتماعي، لبحث إمكانية استمرار الاحتجاج والنزول إلى الشارع غداً (اليوم) أو في نهاية الأسبوع ليعلنوا بداية اعتصام مفتوح».
وفي تحرّك بات أسبوعياً في طرابلس، اتجهت مسيرة من ساحة التلّ إلى ساحة عبد الحميد كرامي، ردّد المُشاركون فيها شعارات يتهمون فيها المسؤولين بالفساد، ويطالبون برفع الظلم عن المدينة وتأمين فرص العمل للشباب. ثمّ انطلقت، في شوارع مدينة الميناء، مسيرة دراجات نارية، ضدّ الظلم والفساد ومع الثورة.
أما في الجنوب، فنظم «تحرّك شباب الجنوب» اعتصاماً عند مثلّث النبطية ــــ كفررمان ــــ حبوش. هنا أيضاً الصرخة نفسها: ضد الفساد والأوضاع الاقتصادية، ومُطالبات بتوفير الماء والكهرباء وضمان الشيخوخة والطبابة. أهالي صور شاركوا أيضاً في التحركات، فاعتصموا عند مدخل صور الشمالي.
وأصدرت نقابة المصورين الصحافيين، مساء أمس، بياناً استنكرت فيه «الاعتداء الذي تعرّض له بعض المصورين من ضرب وتكسير للكاميرات خلال التحركات في بيروت»، داعيةً إلى «فتح تحقيق شفّاف بما حصل». وجدّدت تأكيدها أنّ «المصورين ليسوا طرفاً في الأحداث، وعلى الجميع أن يكونوا تحت سقف القانون».

اللواء
جمهورية «تذاكي الأقوياء»: غضب في الشارع.. وحكومة عصية على التأليف!
الحريري يلوذ بالصمت «احتجاجاً».. وتصدُّع تحالف 8 آذار مع تيّار باسيل

بعيداً عن السؤال: إلى أين يمكن ان تذهب الأزمة المتعلقة بتأليف الحكومة، على وقع حركة غير مسبوقة في الشارع: تظاهرات متفرقة، شعارات تحت سقف الأوضاع المعيشية والاقتصادية البالغة السوء والصعوبة.. واحتجاجاً أيضاً على الفساد المستشري في مؤسسات الدولة؟
واستطراداً، هل ثمة رسائل بين الشارع ولغة «التويتر» ولعبة المصادر بعد ان تراجعت لغة الاتصالات، وتحطمت التفاهمات، وعادت «صنوف الندم» تدخل طرفاً، وتسمّم الأجواء عشية عيد الميلاد، والرهانات القوية التي بنيت على هذه المناسبة المجيدة.
على ان الثابتة الوحيدة، ان تأليف الحكومة العتيدة لم يعد أم المسارات بل واحد منها: فهناك مسار أمني، منفصل بآليات محددة، بعد احداث الجاهلية وهناك مسار إقليمي، محكوم هو الآخر بمنظومة اجتماعات الناقورة الثلاثية (لبنان – إسرائيل – الأمم المتحدة) لمعالجة ادعاءات النفق وخلفياته، وهناك أيضاً مسار الكهرباء، وهو محكوم بقرار وزير الاقتصاد مدعوماً بعناصر أمنية، وقضاء لا يتأخر باتخاذ القرارات..
على ان الأهم في السياسة: مساران الأوّل يتعلق باستقلال «تشريع الضرورة» عن حكومة اصيلة، فهو أضحى ضرورة التشريع، ولا هم بحكومة تصريف أعمال أو أية حكومة، والثاني مسار الحكومة نفسها التي لم تعد أولوية بل تحوّلت إلى محاولات، لرفع العتب، ليس الا، بانتظار أمر إقليمي، أو داخلي، كان مفعولاً، كما يقال..
والاهم الأهم، من كل هذه المسارات فصل تمويل الاستحقاقات المالية للدولة (رواتب العاملين في القطاع العام، خدمات الدين، المستحقات وغيرها وغيرها) لمدة عام كامل عن تأليف الحكومة، عبر دور محوري لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بالتنسيق مع وزير المال في حكومة تصريف الأعمال علي حسن خليل، وبالتشاور شبه اليومي، مع الرؤساء الثلاثة: العماد ميشال عون، ونبيه  برّي وسعد الحريري.
لا اهتمام أوروبيا أو دوليا أو اقليميا بإنجاز أي تفاهم على حكومة جديدة، إذا بدا للمراقبين، ان مسارها بات محكوما بحركة خجولة، ليس وفقا للحاجة، بل وفقا للفراغ، الذي يُمكن ان يتوفر للوزير المفوض من بعبدا، وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال ايضا، ورئيس تكتل لبنان القوي (الذي لا همّ له سوى الاحتفاظ بالقوة الوزارية، عددياً ونوعياً  في الحكومة المصرفة، أو التي هي قيد التأليف..) جبران باسيل، قبل ان ينكفئ الرجل إلى تغريدة جاء فيها: كان بدنّ إيانا نكذب، ونحنا ما منكذّب، ويمكن بدّن إيانا نستسلم، ونحن ما رح نوقّف لحتى تتألف الحكومة مثل ما لازم.. وتربح اماني اللبنانيين بهالعيد»؟
أمر يثير العجب، لمن هذا الكلام: هل لحليفه حزب الله، أم اللقاء التشاوري، أم الرئيس سعد الحريري، الذي لاذ بالصمت، «لعلّ الآخرون يسمعون».
تجمَّد الموقف التأليفي، فهل تفتح مناسبة الميلاد الباب مجدداً، بدءاً من بعد غد الأربعاء؟
تطورات دراماتيكية
وإذا كانت الانتكاسة الجديدة التي تعرّضت لها عملية تشكيل الحكومة، لم تكن مفاجئة بعد خروج «تفاصيل الشياطين» من جحورها، إلا ان أحداً لم يكن يتصور ان تنفلت العملية رأساً على عقب، بين ليلة وضحاها، حتى ولو ان كانت عملية الولادة كانت ستتم بطريقة قيصرية، إذ ان يوم السبت الذي كان مقرراً ان يشهد الولادة، في حضور جميع المعنيين بها، شهد تطورات دراماتيكية سريعة، تمثلت صباحاً بسحب «اللقاء التشاوري» لنواب سُنة 8 آذار، ترشيح اسم جواد عدره لتمثيله في الحكومة، لرفضه ان يكون ممثلاً حصرياً للقاء، ثم الزيارة الخاطفة للرئيس المكلف سعد الحريري إلى عين التينة، والتي لم تستغرق اكثر من ربع ساعة، كانت كافية للاشارة بأن اللقاء مع الرئيس نبيه برّي لم يكن ايجابياً، للتفاهم معه على مسألة تبديل بعض الحقائب الوزارية، والتي أثارها الوزير جبران باسيل مع الرئيس المكلف قبل ذلك، أي الجمعة، في سياق تصحيح التوازنات الطائفية داخل الحكومة، بحسب مصادر «التيار الوطني الحر»، لينتهي نهار السبت بامتناع أو اعتذار الرئيس الحريري عن حضور «الريسيتال» الميلادي في قصر بعبدا، بالتزامن مع إعلان «بيت الوسط» عن «وقف» محركات تأليف الحكومة، ومن ثم إعلان الرئيس المكلف «اعتصامه بالصمت ليسمع الآخرون» من دون ان يوضح هوية هؤلاء، وما إذا كان صمته بمثابة اعتكاف، احتجاجاً على عمليات تعطيل تأليف الحكومة، للمرة الثانية، وربما الثالثة.
اما قصر بعبدا، الذي كان ينتظر مجيء الرئيس المكلف، وقبله الرئيس برّي ليصار إلى إعلان الولادة، رغم ادراكه ان «سيناريو الاخراج» تعطل، بسبب سحب نواب سُنة 8 آذار لتسمية عدره، وتعثر عملية تبديل الحقائب، فلم يكن امام الرئيس ميشال عون، الذي بدا متهجماً في حفل «الريستيال»، سوى الاعتراف بأن الوضع بات صعباً، لكنه استدرك بأن «ليس هناك من وضع صعب إلا وينتهي، وما من وضع سهل لا ينتهي»، قائلاً: بأن هذا ما علمتني اياه الحياة، مشددا على ان المطلوب ان نبذل جهداً أكبر لكي نخلص وطننا ونوصله إلى شاطئ الأمان».
عقد ثلاث
وفي تقدير مصادر متابعة لتأليف الحكومة، ان ثلاث عقد باتت تُهدّد بعودة الأمور إلى المربع الأول إذا لم تتم معالجتها بين عطلتي الميلاد ورأس السنة، مشيرة إلى ان هذه العقد هي التالية:
ـ عقدة تمثيل نواب «اللقاء التشاوري» الذي يضم ستة نواب متحالفين مع «حزب الله»، حيث يُصرّ الوزير باسيل ومعه فريق رئيس الجمهورية على اعتبار المرشح الذي سيمثلهم عضواً في تكتله الوزاري، ما أدى في نهاية المطاف إلى تخلي اللقاء التشاوري عن تسمية عدره، وطرح أسماء جديدة، لكن باسيل رفض، معتبرا ان الاتفاق الذي أرساه المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم سقط مع سقوط ترشيح عدره.
ـ وتتمثل العقدة الثانية، بمحاولة باسيل الحصول على وزير ماروني من حصة «القوات اللبنانية» بحيث تنال «القوات» مقعداً مارونياً واحداً، وهو ما ترفضه بشدة.
ـ اما العقدة الثالثة، فتتمثل بمحاولة باسيل أيضاً، اجراء تبادل في الحقائب للحصول على حقيبة البيئة، وهو ما قوبل برفض شديد لم يخل من حدة من الرئيس برّي.
ويبدو من محصلة العقد الثلاثة ان جميع الأطراف تحمّل الوزير باسيل مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة، ولا تعفي الرئيس المكلف من المسؤولية عبر تبنيه بعض طروحات باسيل بتبديل الحقائب، التي ربطها البعض بما قرره مؤتمر «باريس- سيدر» من دعم مالي كبير لوزارات معينة بينها البيئة والاشغال والصحة والصناعة والزراعة.
ومع ذلك، فإن المشكلة وان أصبحت أكبر من مجرد خلاف على تمثيل شكلي لوزير ما من حصة فريق ما، لارتباطها بالتوازنات السياسة الدقيقة، الا انها أصغر من ان تتحول الى ازمة سياسية خطيرة تطيح كل التفاهمات الكبرى التي تم التوصل اليها منذ الاتفاق على انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية. ذلك ان «العبث واللعب « الجاري بالتسويات الكبرى من الصعب ان يستمر لأن الاقطاب الكبار رعاة التسوية لن يسمحوا باستمراره طويلا بسبب مطالب ظرفية ومصلحية لهذا الفريق السياسي او ذاك، لما يرتبه من محاذير ومخاطر على مجمل الوضع اللبناني في ظل الانهيار الحاصل على كل المستويات لا سيما المالية والاقتصادية والاجرائية.
«اللقاء التشاوري»
واذا كان «اللقاء التشاوري» قد سحب ترشيحه لجواد عدره لأسباب اوضحها بيانه واقطابه بتصريحاتهم قبل يومين، فإن عدره فضّل في عدة اتصالات من «اللواء» عدم الادلاء بأي موقف بانتظار جلاء غيوم الازمة. 
 لكن مصادر اللقاء التشاوري استغربت رمي موضوع الخلاف على توزير عدره ومكانه في الحصص الوزارية على اعضاء اللقاء، اكدت ان الاتفاق الذي ارساه اللواء  ابراهيم واضح وينص على ان يكون عدره في حال اختياره ممثلا حصرا للقاء ويلتزم قراراته، وقد تم نشر هذا الاتفاق.
واعتبرت المصادر ان العقدة الاساسية والاكبر هي في غير مكان،  ولكن لا يريد احدالاعتراف انها ليست عند «اللقاء التشاوري» فقط، وقد تم تجاوزها بسحب ترشيح عدره بأسم اللقاء، وتم التأكيد على بقية الاسماء الاخرى التي رفعها اللقاء كمرشحين من قبله للتوزير، ومنهم شخصية رابعة من تسمية ممثل «جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية» النائب الدكتور عدنان طرابلسي وهو الدكتور الجراح احمد الدباغ من بيروت، تمت تسميته اضافة الى عضو اخر من قيادة الجمعية هو الشيخ طه ناجي، وعثمان المجذوب الذي اقترحه النائب فيصل كرامي وحسن مراد الذي اقترحه النائب عبد الرحيم مراد.
واشارت المصادر الى ان يوم امس، اتسم بهدوء تام على صعيد الاتصالات واللقاءات بحيث لم يُسجل اي جديد. موضحة ان اتصالات جرت امس الاول السبت بين اركان اللقاء التشاوري وبين المعاون السياسي للامين العام ل «حزب الله» حسين الخليل، اكد خلالها الخليل دعم الحزب لموقف «اللقاء التشاوري» في موقفه من سحب ترشيح عدره وفي كل ما يقرره.
باسيل يوضح
إلى ذلك، قالت مصادر سياسية مطلعة على أجواء بعبدا لـ «اللواء» ان ما من شيء عملاني سجل امس يتصل بالملف الحكومي بعد التعثر الذي اصابه وقالت أنه ربما جرت بعض الاتصالات لكن ما من شيء خارق. 
واوضحت أن نهار السبت شهد اتصالات ولقاءات  في قصر بعبدا ظلت بعيدا عن الاضواء لاسيما بين رئيس الجمهورية والمدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم في حضور الوزير جبران باسيل جرى فيه التداول بالوضع الذي استجد.
لكن المصادر نفسها تحدثت عن استياء من الوزير باسيل لما صدر بحقه من تحميل له من مسؤولية الوضع الحالي، مؤكدة ان ما جرى هو انقلاب على الاتفاق الذي قضى بأن يكون من يسميه اللقاء التشاوري من حصة رئيس الجمهورية، متوقفة عند البيان الواضح الذي صدر عنهم في هذا الخصوص. واكدت ان ما جرى جزء من استهداف سياسي لباسيل الذي لم يفاتح الحريري في زيارته الاخيرة له عن تبديل في الوزارات انما كان يريد التسهيل.
 ولفتت الى انه لم تكن هناك مشكلة في الوزارات من حصة «التيار الوطني الحر» وسألت عن الحاجة الى الثلث المعطل في ظل وجود رئيس الجمهورية، ولم تشأ المصادر الحديث حاليا عن المشهد المقبل.
وتعليقا على ما جرى وصفت مصادر «الوطني الحر» الوضع بالمقرف.
وغرد باسيل عبر «تويتر» قائلاً: «بأنهم كانوا يريدون ان نكذب، ونحن لا نكذب»، مؤكداً «أنه لن يستسلم حتى تتألف الحكومة، كما هو مفروض، ونربح أماني اللبنانيين بهذه الاعياد».
تزامناً، نقل موقع «ليبانون ديبايت» عن مصادر في «التيار الوطني الحر» مطلعة على مسار مفاوضات التأليف، تأكيدها أن «التيار ورئيسه سهلوا ‏الأمر على رئيس الحكومة المكلف ولم يفتعل أي مشكلة لكن الآخرين رفضوا حقائب وأصروا على أخذ حقائب تعود للتيار من دون أن يقدموا البدائل، وهنا مسؤولية رئيس الحكومة المكلف بتأمين وإتمام التوزيع العادل للحقائب الوزارية وليست مسؤولية التيار»، مشيرة الى أنه «صحيح ‏أننا وعدنا بحكومة قبل الاعياد ولا يمكن ان نكسف انفسنا، ولكن يبدو ان الآخرين غير مكترثين لموضوع الاعياد والناس لدرجة أن البعض منهم يراهن على مظاهرات شعبية ضد العهد مما يوحي بوجود نوايا وارادة بشلّ العهد وهذا ما سنواجهه».
في المقابل، نقلت محطة M.T.V عن مصادر مقربة من «حزب الله» ان باسيل هو الذي يتحمل مسؤولية تأخير تشكيل الحكومة، وهو اصطنع عقدة توزيع الحقائب لتمرير توزير مستشاره الماروني فادي جريصاتي للاطاحة بالوزير سليم جريصاتي، مما أدى إلى «خربطة» في التوزيع المذهبي، وإلى خلافات مع «القوات اللبنانية» ومع الرئيس المكلف.
واعتبرت المصادر أن «باسيل التف على المبادرة الرئاسية التي تنص على أن رئيس الجمهورية يختار الاسم وأن الوزير المختار يلتزم بقرارات «اللقاء التشاوري» السني»، مشيرةً إلى أن «قضية جواد عدره هي «تهريبة» ومع إنها كذلك فإن الحزب لعب دورًا إيجابيًا وضغط على «اللقاء التشاوري» للقبول بالاسم، علمًا أنه يدرك أن عدره لا يمثّل سنة 8 أذار».
ولفتت المصادر إلى أن «باسيل مصرّ على نيل 11 وزيرًا، أي الثلث المعطل، والحزب لا يعارض هذا الأمر مبدئيًا لكنه أيضًا يريد أن يكون هناك تمثيل لكل الأفرقاء السياسيين الذين فازوا في الانتخابات».
وردًا على سؤال عما إذا كان «حزب الله» يقف خلف التظاهرات، أشارت المصادر إلى أن «هناك تعميمًا داخليًا ينص على 3 بنود وهي لا للتظاهر ولا لمهاجمة المتظاهرين ويجب تأجيل التظاهرات إلى ما بعد تشكيل الحكومة، وعليه فإنه لم يستنهض مناصريه للمشاركة في التظاهرة».
لكن الحزب، نفى لاحقاً، كل ما نسب إليه من كلام لمصادر قريبة منه، مؤكداً عدم علاقته بها.
وقال عضو كتلة المستقبل النائب نزيه نجم لـ«اللواء» ان المسألة توضحت ووضعت الامور على الطاولة وهناك ثقة معدومة بين قوى الثامن من اذار وأكد ان كل طرف سيعيد حساباته على ان يكون التركيز لابجاد الحل واصفا ما جرى بأنه غير مقبول. ورأى انه تم تجاوز الخطوط الحمر وان المواطنين لم يعد في مقدورهم التحمل. واعتبر ان حكومة اقطاب من 14 وزيرا قد تكون الانسب.
تظاهرات احتجاجية
وسط هذه التطورات الدراماتيكية سياسياً، شهدت العاصمة بيروت ومدن لبنانية أخرى مثل طرابلس وصيدا والنبطية، تظاهرات احتجاجية شعبية، تطالب بضمان الشيخوخة واستعادة المال المنهوب ووقف الموت على أبواب المستشفيات، وبعضهم طالب بتسريع تأليف الحكومة، وتأمين الكهرباء والمياه ووقف تفشي البطالة والفساد، الا انها لم تكن لها علاقة بالأزمة الحكومة المستجدة، ولا بالتعثر الذي أصاب عملية تأليف الحكومة، على اعتبار ان الدعوات إلى انطلاق هذه التظاهرات من قبل هيئات المجتمع المدني، كانت صدرت قبل هذا التعثر، على الرغم من خشية «التيار الحر» من ان تكون تستهدف عهد الرئيس عون.
غير ان مصادر مطلعة، لا تستبعد ان تكون هناك «قطبة مخفية» وراء تحريك الشارع في اللحظة السياسية الحرجة التي تعاني منها البلاد، سواء على الصعيد الحكومي، أو على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والمالية، بحيث جاءت كل هذه التحركات في وقت واحد لتزيد من انطباع الخارج بأن البلاد دخلت مرحلة الانهيار، خصوصاً وأن هذه التحركات والتظاهرات لم تخل من أعمال تخريب للمؤسسات التجارية والاملاك العامة والخاصة، مثلما حصل في شارع الحمراء، وعنف ضد القوى الأمنية، الأمر الذي استجوب تدخل الجيش اللبناني، ودعوته للمتظاهرين الى عدم الخروج عن السياق المطلبي وتحذيره لهم من عدم التعدّي على الأملاك العامة والخاصة، على الرغم من تأكيد قيادته على احترام حق التظاهر السلمي وحرية التعبير عن الرأي، واحقية المطالب المعيشية التي يطالب بها المتظاهرون.
ولوحظ ان الجيش سير دوريات مؤللة بالعربات المصفحة، في شارع الحمراء، في حين انتشر الجنود خلف المتظاهرين لدفعهم من الخروج من الشارع، وهكذا حصل.
ومنذ ساعات الصباح الأولى بدأت وفود المتظاهرين بالوصول إلى ساحة الشهداء، ارتدى بعضهم سترات باللون الأصفر تيمّناً بالتظاهرات في فرنسا، وتجمعوا في ساحة الشهداء على وقع الاناشيد والاغاني الوطنية ويرفعون العلم اللبناني، وما هي الا ساعات قليلة حتى امتلأ المكان بمتظاهرين من لون معين وبعضهم يضع أقنعة وآخرون تلثموا بالكوفية والشالات وبدأ هرج ومرج، أدى إلى انفصال قسم كبير من المشاركين عنهم، وبعد مطالبة المقنعين بالتوجه إلى ساحة رياض الصلح والتظاهر امام السراي الحكومي انشق عدد كبير من التظاهرة وعادوا إلى بيوتهم قبل ان تبدأ أعمال الشغب وتتواصل في أكثر من منطقة وشارع، لا سيما في منطقة الحمراء والنويري والبسطة الفوقا.
وبعد يوم احتجاجي طويل، أعلن ناشطو «الحراك المدني» مساءً أمس، عن إنهاء مشاركتهم في الوقفة الاحتجاجية أمام السراي الحكومي في ساحة رياض الصلح.
وأكدت نعمة بدر الدين بإسمهم «بدء مشاورات مع ناشطي الحراك ورواد التواصل الاجتماعي من المواطنين، لبحث إمكانية استمرار الاحتجاج والنزول إلى الشارع غداً (اليوم) أو في نهاية الأسبوع، للاعلان عن بداية اعتصام مفتوح، يرجح ان يكون الأربعاء، أي بعد الانتهاء من عيد الميلاد.

البناء
ترامب لانسحاب منسّق وتدريجي خلال مئة يوم… ونتنياهو منزعج وأردوغان يرحّب 
اللواء علي المملوك في القاهرة… وملفات المنطقة والوضع العربي على الطاولة 
فوضى سياسية وإعلامية تواكب العقد الحكومية والتظاهرات… وحزب الله يوضح 

فيما لا يزال الحدث الدولي والإقليمي الأول هو القرار الأميركي بالانسحاب من سورية مع تداعياته الداخلية في واشنطن، في ظل تصدّعات تصيب إدارة الرئيس دونالد ترامب، وتجاذب بين الإدارة والكونغرس يؤدي لتعطيل الحكومة، برزت المزيد من الخلفيات التي توضح سياق القرار مع التخفيض التدريجي لحجم القوات الأميركية في أفغانستان، وصولاً للانسحاب الكامل، وما يرافق هذا التخفيض من تبلور مرجعية إقليمية خماسية تضمّ روسيا والصين وإيران وباكستان وأفغانستان تحظى بتأييد أميركي يمنع مواصلة ربط الوجود الأميركي في سورية بالانسحاب الإيراني، وهو ما يفسر الغضب الإسرائيلي على القرار، الذي أتبعه الرئيس الأميركي بتوضيحات عن طابع تدريجي ومنسق لتنفيذه لقي ترحيباً تركياً، بينما الاستعدادات التركية العسكرية على حدود سورية تستمر مرفقة بإعلان تأجيل موعد خوض عملية عسكرية قريبة شرق الفرات، يرافقها حشد عسكري سوري باتجاه دير الزور، ومحادثات سورية مع القيادات الكردية في ظل معلومات عن وجود قيادات كردية بارزة في دمشق.
الموقف السوري الذي يزداد قوة مع التطوّرات والمتغيّرات المرتبطة بالتسليم الدولي والإقليمي بكون الدولة السورية الموحّدة هي الضامن الوحيد للأمن الدولي والإقليمي في سورية وعبرها، جرى تظهيره عبر الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس مجلس الأمن الوطني السوري اللواء علي المملوك إلى القاهرة بدعوة من وزير المخابرات المصرية عباس كامل، وفيما اقتصرت البيانات الرسمية في الحديث عن بحث العلاقات الثنائية، قالت مصادر متابعة إن الزيارة مفصلية في رسم المشهد الإقليمي وتعبر عن رغبة مشتركة ببلورة موقف عربي قادر على استعادة زمام المبادرة بعد غياب طويل ارتبط بغياب دور قيادي لمصر وتغييب الحضور السوري في المؤسسات العربية الرسمية، وفيما تبدو سورية متحمّسة لتشجيع مصر على التقدم نحو تفعيل حضورها الإقليمي ومستعدّة لوضع أوراق القوة السورية في خدمة استعادة دور عربي فاعل ملتزم بثوابت للأمن القومي، لا تبدو متحمّسة لعودة باردة إلى المؤسسات العربية المشلولة والعاجزة خارج إطار تفاهم مسبق مع مصر على الكثير من العناوين، لتشكل الزيارة فرصة لاختبار الإمكانيات المتاحة قبل تبلور قرار سوري نهائي بكيفية التعامل مع الوضع العربي المتغيّر على إيقاع انتصاراتها.
لبنانياً، كانت الفوضى السياسية والإعلامية هي السائدة مع تزامن سقوط الآمال بحلحلة حكومية بعد العقد المستجدة، سواء بسوء التدبير الذي رافق صيغ تمثيل اللقاء التشاوري، وما كشفه ترك التفاهم على موقع الوزير المفترض جواد عدرا لما بعد تقديم اسمه، أو لما ظهر من ملفات لا تزال عالقة تنتظر التفاوض كتوزيع الحقائب التي تبين أنها لم تحسم رغم الكلام الكثير عن أن العقدة الأخيرة كانت في حل مسألة تمثيل اللقاء التشاوري، وترتب على هذه العقد بلبلة سياسية وإعلامية في ساحة العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر ملأتها تسريبات منسوبة لمصادر، وزاد الطين بلة ترافقها مع تظاهرات بيروت الاحتجاجية وقيام مواقع ومؤسسات إعلامية بنسبتها لحزب الله كمحرّض ضمني عليها ومنظم لقيادتها، ما استدعى توضيحات من حزب الله ليلاً حول المسألتين، فأعاد حزب الله توزيع تعميم سابق له حول التظاهرات قبل يومين ورد فيه «نحن لا نشارك بأي تحرك لسنا مشاركين في تنظيمه وقيادته وتحديد أهدافه ومساره والنتائج المرجوة، ونحن نقف إلى جانب الناس في تحقيق مطالبهم المعيشية وتحصيل حقوقهم كمواطنين، ولكننا ندعو في نفس الوقت إلى إعطاء العمل الحكومي ونحن على أعتاب تشكيل الحكومة وقته لتحقيق إصلاحات جدية من خلال الوزارات، والعمل التشريعي في مجلس النواب للحدّ من موارد الفساد، ونتمنى من جميع الأخوة والأخوات الابتعاد عن لغة التخوين واحترام خيارات من يودّ المشاركة في التظاهر»، بينما وزعت العلاقات الإعلامية في حزب الله توضيحاً حول العقد الحكومية، وما نسب لمصادر محسوبة على حزب الله وقال التعميم:
«أولاً: حزب الله لم يُصدر أي بيان أو تعليق في هذا الشأن.
ثانياً: للمرة الألف لا توجد مصادر في حزب الله أو مصادر قريبة منه.
ثالثاً: كل ما ينقل عن المصادر ما لم يصدر عن جهة رسمية أو مسؤول محدد في حزب الله باسمه لا يعنينا إطلاقاً ولا قيمة له».
الحراك الشعبي يتمدّد ويسابق ولادة الحكومة
لم تَصمُد موجة التفاؤل التي سادت المشهد الحكومي بقرب ولادة الحكومة عشية عيد الميلاد المجيد سوى أيام معدودة ليعود التشاؤم ليحل مكان التفاؤل الحذر، فالحكومة التي جهِد السياسيون لتقديمها كعيدية للبنانيين علّها تسهم في لجم الغضب الشعبي العارم الذي انفجر أمس، في الشارع في مختلف المناطق اللبنانية، عادت المصالح السياسية والمالية لتتحكم بقرار المعنيين بالتأليف في ربع الساعة الأخير، ما أعاد الحكومة الى مربع الجمود، بعد سحب اللقاء التشاوري للنواب السنة المستقلين المرشح جواد عدرا من لائحة المرشحين التي تسلمها رئيس الجمهورية بعد رفض عدرا إعلان انتمائه الى اللقاء التشاوري والالتزام بقراراته في مجلس الوزراء.
ما يدعو للتساؤل: هل سقطت المبادرة الرئاسية الخماسية؟ ومَن أسقطها؟ هل هو تمسُك رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بالثلث المعطل؟ وهل يتدخل رئيس الجمهورية مجدداً للإمساك بزمام الأمور ودفع مبادرته الى الأمام والموافقة على أن يكون عدرا ممثلاً لسنة المعارضة لا للرئيس أو لتكتل لبنان القوي؟ وماذا لو لم تُشكل الحكومة خلال الأيام القليلة المتبقية من العام الحالي؟ وهل باتت المواجهة بين السلطة الحاكمة والشارع حتمية وسط تفاقم الأزمات المعيشية والاقتصادية وتمدد دائرة الحراك الشعبي؟
وبعد تظاهرة الأسبوع الماضي، شهدت العاصمة بيروت وبعض المناطق اللبنانية أمس، اعتصامات وتظاهرات احتجاجاً على استشراء الفساد وتردّي الأوضاع المعيشية والاقتصادية، أما التظاهرة الأضخم فكانت في وسط بيروت، حيث انطلق المتظاهرون بعد تجمّعهم في ساحة الشهداء نحو ساحة رياض الصلح، رافعين الأعلام اللبنانية وأطلقوا شعارات «لا للطائفية كلنا بدنا بطاقة صحيّة»، «الشعب يريد إسقاط النظام». وأعلن المنظمون أنهم لا يقلّدون التظاهرات التي تحصل في فرنسا، بل إنهم يطالبون الدولة اللبنانية بأن تحذو حذو الدولة الفرنسية في رفع أجور العمال والموظفين وخفض الضرائب وغيرها من الأمور التي تحفظ للمواطن كرامته في وطنه.
وحصل صدام بين القوى الأمنية والمتظاهرين أمام السراي الحكومية، بعد محاولة منهم لإزالة العوائق الحديدية، كما رشقوا عبوات المياه على القوى الأمنية.
وبعد الضهر توجّه المتظاهرون إلى وزارة الداخلية في منطقة الصنائع. واستقدم الجيش والقوى الأمنية تعزيزات. ووضع المتظاهرون مستوعبات النفايات في وسط الطريق المؤدي إلى شارع الحمراء، وأشعلوا النيران داخلها، مردّدين الشعارات الداعية إلى تأمين البطاقة الصحية، إضافةً إلى مطالب معيشية أخرى، ومنها تأمين العمل والحدّ من العمالة الأجنبية.
وبعد ذلك، تجمّع عدد من المتظاهرين أمام مبنى وزارة السياحة، وعمد عدد آخر منهم إلى تكسير واجهات بعض المحال التجارية في شارع الحمراء الرئيسية، مردّدين هتافات «ثورة»، وسط انتشار أمني بداية من أمام مصرف لبنان، فتدخلت قوى الامن وعناصر الجيش بالقوة لإبعاد المتظاهرين وحصلت اشتباكات بين الطرفين لم يسلم من نتائجها الجسم الصحافي والإعلامي حيث أدى الى اصابة مصور قناة الجديد في يده وفريق عمل قناة أو تي في، وعلى الفور أصدرت قيادة الجيش بياناً دعت فيه «المتظاهرين إلى التظاهر السلمي وعدم التعدّي على الأملاك العامة والخاصة، وتؤكّد أن الاعتداء عليها يخرج عن هذا الإطار وأنّها لن تسمح بالتعرض لهذه الأملاك، كما تدعو المتظاهرين إلى عدم الخروج عن السياق المطلبي المحدّد للتظاهرة». وتمكنت القوى الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي، من تفريق المتظاهرين الذين غادروا منطقة الحمراء.
كما شهد الجنوب والشمال والضاحية الجنوبية عدداً من التظاهرات شملت النبطية وطرابلس وطريق المطار. وتوعد المتظاهرون بتكرار مشهد الأمس في كل يوم أحد.
«الثُلث المعطل» مجدداً يعرقل التأليف
ووسط هذه الأجواء لم يجد الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري للتعبير عن امتعاضه مما آلت اليه الأوضاع سوى الصمت، مغرداً على تويتر بالقول: «لا بد أحياناً من الصمت ليسمع الآخرون.»
لكن مَن هم الآخرون الذين قصدهم الحريري؟ هل هم اللقاء التشاوري؟ بالتأكيد لا تجيب مصادر مطلعة لـ»البناء» لأن «الرئيس المكلف ليس مسؤولاً عن تعثر المبادرة الرئاسية، بل هو وافق على هذه المبادرة وعلى آلية إخراجها وهو كان ينتظر اتصالاً من رئاسة الجمهورية للحضور للقاء الرئيس ميشال عون وأعضاء اللقاء التشاوري والتشكيلة النهائية في جيبه، لكن الاتصال لم يحصل وتغير كل شيء»، ما يعني بحسب المصادر أن الحريري لا يقصد اللقاء التشاوري لأن المبادرة جاءت لمصلحة الرئيس المكلف، إذ إن الاسم الذي وافق عليه سنة المعارضة لا يشكل استفزازاً له ولا ينتمي الى 8 آذار كما أنه مُثِل من حصة رئيس الجمهورية وليس من حصة المستقبل، ما يؤكد بأن الحريري قصد الوزير باسيل وليس اللقاء التشاوري.
وفي سياق ذلك، رأت أوساط مطلعة في 8 آذار لـ»البناء» أن «الأمور عادت الى الوراء ليل الجمعة الماضي حيث لم يأتِ عدرا الى الاجتماع مع اللقاء في دارة النائب عبد الرحيم مراد لإعلان انضمامه الى هذا اللقاء كما كان متفقاً عليه، بيد أنه لم يأخذ الضوء الأخضر من الوزير باسيل الذي يفسر البند الأخير في المبادرة بأن اللقاء التشاوري يسمّي أسماء عدة، لكن مجرد اختيار عون الاسم يصبح من حصة الرئيس وتكتل لبنان القوي»، ويبدو بحسب الأوساط بأن «باسيل مصر على 11 وزير، وما زاد الطين بلة هو أنه فيما كان حزب الله يبذل جهوداً كبيرة لإقناع اللقاء التشاوري بتسمية عدرا لإنهاء الأزمة كان باسيل يفتح معارك تبديل الحقائب على الجبهات كافة، فحاول انتزاع وزارة الشباب والرياضة من حزب الله مقابل وزارة المهاجرين واستبدال وزارة البيئة من الرئيس نبيه بري على أن يتولى الحريري إقناع الوزير وليد جنبلاط بالتخلي عن وزارة الصناعة مقابل الإعلام الى جانب الضغط على القوات اللبنانية لاستبدال مقعد كاثوليكي بماروني غير أن جميع الأطراف رفضت عروض الرئيس المكلف»، وقد تردّد بأن إصرار الوزير باسيل على وزارات الأشغال والبيئة والصناعة التي لها علاقة كبيرة بالمشاريع الاستثمارية المخصصة في مؤتمر سيدر.
إلا أن مصادر التيار الوطني الحر سرّبت عبر قناة للـ»ام تي في» ان «الاتفاق هو ان يكون عدرا من حصة رئيس الجمهورية ميشال عون وأن يلتزم بقراراته»، وأضافت: «الأفرقاء كانوا يدركون التزام عدرا وبطليعتهم اللقاء التشاوري». وقالت المصادر: «تفاجأنا بعودة «اللقاء التشاوري» عن المتفق عليه»، وأشارت الى أن «الطرف الذي تراجع ليس رئيس الجمهورية وليس رئيس التيار جبران باسيل».
وختمت: «هناك قطبة مخفية في مكان ما لعرقلة العهد والمطلوب حالياً من الذي انقلب على المبادرة أن يعود الى رشده». وردت مصادر «التيار الحر» على اتهام الرئيس وباسيل بالتعطيل، وقالت لـ «أو تي في» إن «المنطق يقول إن أحداً لا يقوم بتعطيل نفسه والواقع أن الرئيس والتيار سهلا عملية التأليف الى الحد الأقصى، وقدما مبادرة من المستحيل أن يقوما بتعطيلها بأنفسهم». ولاحقاً كتب باسيل على «تويتر: «كان بدّن يانا نكذب ونحنا ما منكذب ويمكن بدّن يانا نستسلم ونحنا ما رح نوقّف لحتّى تتألف الحكومة متل ما لازم وتربح اماني اللبنانيين بهالعياد».
في المقابل ردت مصادر اللقاء التشاوري على وزير الخارجية عبر «البناء» قائلة: «حاول المعنيون بالتأليف تمرير اسم عدرا كمؤامرة لشق صف اللقاء التشاوري ودفعه للموافقة عنوة، بعدما استشعر ضعف موقف اللقاء بعد الخلاف بين أعضائه وضغط حلفائه عليه، فحاولوا الضغط أكثر علينا وعلى عدرا كي يكون من حصة التيار الوطني للاحتفاظ بالثلث المعطل. وهذا ما لن يحصل، فكيف فسّر التيار الحر المبادرة الرئاسية على أن الوزير الـ 11 سيكون من حصته؟ مطلبنا كان واضحاً منذ البداية نوافق على وزير يعبر عن موقف اللقاء ويعلن انتماءه لنا وليس لغيرنا».
وتشير المصادر الى «أننا دعونا عدرا أكثر من مرة لكنه رفض الحضور، وأعلن أنه سيكون من حصة الرئيس عون»، وأضافت المصادر: مصير الحكومة معلق على توجه رئيس الجمهورية هل يريد إنعاش مبادرته واختيار أحد الأسماء الأخرى أم الاستمرار في تغطية باسيل لنيل الثلث المعطل؟
أما عن احتفاظ التيار الوطني الحر بالثلث المعطل فأشارت مصادر مطلعة لـ»البناء» الى أن باسيل يريد الاحتفاظ بالثلث المعطل لاعتبار أنه بعد نهاية ولاية الرئيس عون لن يتم الاتفاق على رئيس آخر فتعيش البلاد فترة شغور رئاسي، وبالتالي ستملئ الحكومة العتيدة الفراغ والإمساك بالثلث الحكومي يمكن الفريق المسيحي الأقوى بالتحكم بمصيرها حتى انتخاب رئيس للجمهورية». وتضيف المصادر بأن «الحريري لا يريد وزيراً سنياً مع المقاومة بل يريد وزيراً مستقلاً أو مع رئيس الجمهورية».
وقد علمت «البناء» في هذا الصدد أن الاجتماع الذي حصل بين عدرا والنائب فيصل كرامي لم يؤد الى نتيجة بل رد عدرا على طلب كرامي بأن ينضم الى اللقاء التشاوري: «لا أستطيع أن التزم مع فريق محسوب على حزب الله والمقاومة. مصالحي في الولايات المتحدة والخليج لا تسمح لي».
وكان «اللقاء التشاوري» للنواب عقد اجتماعاً مطولاً في منزل النائب عبد الرحيم مراد، في حضور أعضائه الستة وأعلن ببيان سحب تسمية جواد عدرا».
بينما شنّ البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي خلال قداس الأحد في بكركي هجوماً عنيفاً على المسؤولين السياسيين الذين «يماطلون منذ سبعة أشهر كاملة في تأليف الحكومة، مختلقين في كل مرة تصل الحلول إلى خاتمتها، عقدةً جديدة. وهم بذلك يلحقون ضررًا كبيرًا بالدولة موقعين فيها يوميًا خسائر مالية جسيمة، وينتهكون كرامة شعب يحكمون عليه بمزيدٍ من الفقر والحرمان والقلق».

أخبار لبنان