افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الثلاثاء 11 كانون الأول، 2018

افتتاحيات الصحف اللبنانية، يوم الثلاثاء 11 كانون الأول، 2018

أكد رئيس المجلس النيابي "ألا صحة للمزاعم الإسرائيلية حول الأنفاق". وحسب "البناء" فإنه قال للسفيرة الأميركية التي زارته أمس، "لم أحصل أنا ولا الجيش حتى الأن، على الإحداثياتٍ التي طلبناها عن الأنفاق المزعومة". ولفتت "الأخبار" إلى أن هدف "إسرائيل" من تلك "المزاعم"، هو "التحريض في الداخل اللبناني والدفع لتغيير مهمة يونيفيل". أما على مسار التأليف الحكومي، الذي لا يتوقع المواطنون ختامه قريباً، فاعتبرت "اللواء" أن الرسالة إلى مجلس النواب، التي ألمح لها رئيس الجمهورية، كانت "آخر خرطوشة". فيما شددت "الأخبار" على أن الرسالة الرئاسية هي "خيارٌ متداولٌ لا خرطوشة أخيرة".
Image result for ‫الرئيس عون في المجلس النيابي‬‎
اللواء
لقاءات رئاسية في بعبدا: طي الرسالة والبحث عن مخارج
فرع المعلومات يكشف عن «الجُبنة القاتلة» .. ونائب عوني يتوعد علامة «بتطيير رأسه»!

أنعشت مبادرة الرئيس ميشال عون، والتي تمثلت بزيارتين منفصلتين لكل من الرئيسين نبيه برّي وسعد الحريري إلى بعبدا الآمال، بإمكان احداث خرق، في بحر أسبوع، يفصل بين سفر الرئيس الحريري إلى لندن، للمشاركة في مؤتمر للاستثمار ينعقد هناك، وعودته نهاية الأسبوع الجاري..
وفقاً لمصادر واسعة الاطلاع، فإن الموضوع الرئيسي كان الرسالة التي يزمع الرئيس عون توجيهها إلى المجلس النيابي..
وكشفت ان الرئيسين عون وبري ناقشا الرسالة، من زاوية انها حق للرئيس، ولكن لا جدوى منها، وهي قد تفاقم الأمور من دون جدوى، في وقت ان المهم الآن الخروج من المأزق، لا الدخول في مأزق إضافي.
وكشفت ان رئيس المجلس، بدا غير متحمس للرسالة في هذا التوقيت، متمنياً على الرئيسين البحث في مخارج ما تزال ممكنة، لإنهاء عقدة التأليف، وإصدار المراسيم.
وأشادت المصادر بدور رئيس المجلس، ووصفته «بالايجابي» وتابعت ان التطور الأبرز كان صرف النظر عن الرسالة الرئاسية إلى مجلس النواب..
ووصفت المصادر أجواء اللقاء بين الرئيسين عون والحريري بأنه أدى إلى كسر الجمود، وإعادة قطار التأليف إلى سكة الحوار..
وأشارت هذه المصادر إلى ان صيغاً عدّة طرحت للخروج من المأزق..
ومن بينها العودة إلى خيار سبق واقترحه الرئيس برّي ويقضي بأن يكون الوزير السني الممثل للنواب السنة من 8 آذار، مكان الوزير الذي يبادله الرئيس عون مع الرئيس الحريري..
طي الرسالة الرئاسية
وفي تقدير مصادر سياسية معنية، ان النتيجة العملية للمبادرة الرئاسية التي بدأها الرئيس ميشال عون، أمس، عبر مشاورات مع الرئيسين برّي والحريري، كلاً على حدة، بهدف تحريك الجمود في الملف الحكومي، كانت بإقفال الباب امام الرسالة التي كان الرئيس عون يفكر بارسالها إلى مجلس النواب، لطرح الموضوع الحكومي امامه، بعدما تبين له ان لا أهمية لهذه الرسالة دستورياً أو قانونياً، وان توقيت توجيهها في هذه الظروف الحسّاسة من أجل حث الرئيس المكلف على التعجيل بتشكيل الحكومة لن يفيد أحداً، بل ربما ستشعل ساحة المزايدات السياسية أكثر مما هي الآن، ولن تسفر عن أي نتيجة، بل ستزيد الانقسامات في البلد.
وإذا كانت أوساط رئيس المجلس، نفت ان يكون البحث مع الرئيس عون قد تطرق إلى موضوع الرسالة الرئاسية، إلا انها أعادت التذكير بما كان الرئيس برّي أبلغه إلى رئيس الجمهورية عندما فكر بطرح إرسال الرسالة أوّل مرّة في شهر أيلول الماضي، من انه إذا قاطع مكون سياسي الجلسة فلن يلتئم المجلس، وأوضحت ان الرئيس برّي عرض امام الرئيس الأفكار التي يراها مناسبة لمعالجة أزمة التأليف.
اما الرئيس الحريري فلم ينف طرح موضوع الرسالة في اللقاء مع الرئيس عون، لكنه أكّد على حسن نية رئيس الجمهورية، وانه يرغب في تشكيل حكومة في نهاية المطاف، وهذا ما يعمل عليه واصفاً الكلام عن سحب التكليف منه بأنه «زكزكات لبنانية»، مشيراً إلى ان المشاورات التي أجراها تناولت ما يتمّ طرحه من أفكار والتركيز على وجود حلول يمكن السير بها، لافتاً إلى انه سوف يغادر غداً (اليوم) وعندما اعود السبت أو الأحد، سيكون الرئيس عون قد استكمل مشاوراته، وان شاء الله سنصل إلى حلول.
وإذ رفض الكشف عن طبيعة الأفكار التي طرحها، على اعتبار انه «كلما تحدثنا تتعرقل الامور»، قال: «هناك من يرغب في تشكيل الحكومة، فيما هناك من لا يرغب في ذلك.. الرئيس وأنا شخصياً مع التشكيل، وعلينا إعطاء الفرصة للمشاورات التي يجريها الرئيس عون».
ورد على اتهامه بتحميله مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة، بأن هذا ما يقوله «حزب الله»، معتبراً ان «لا مشكلة في ذلك، لأن الجميع يعلم ما هو مقبول لدي وما لا يمكنني القبول به»، الا انه اكد انه «يتم حالياً التفاوض على بعض الأمور وان شاء الله خيراً».
ورداً على سؤال عمّا إذا كان يمكن تشكيل الحكومة قبل الميلاد أو رأس السنة، اجاب: «لا أعلم ما إذا أراد «بابا نويل» ان تكون الحكومة من هداياه».
اما مضمون المبادرة الرئاسية لتحريك الجمود في الملف الحكومي، فلم تشأ المصادر السياسية المطلعة الكشف عنه، لكنها رأت ان نجاحها مرتبط بتجاوب المعنيين بها، معتبرة انها «آخر خرطوشة امام تأليف الحكومة»، لأنها جاءت بسبب عدم إحراز الاقتراحات أو الطروحات التي قدمت أي تقدّم.
وكشفت المصادر ان الجو الذي ساد في بداية المشاورات كان ايجابياً، وان الرئيس عون كان يحضر منذ فترة لمبادرة تنهي الوضع القائم، اما وقد انطلق بها أمس، فهو يأمل ان تثمر عن نتائج إيجابية، وهو أمر مرهون بتجاوب الأفرقاء بها، مع الإشارة هنا إلى ان المشاورات الرئاسية والتي ستشمل المعنيين بالأزمة الرئاسية تهدف أولاً وأخيراً إلى تحمل الجميع مسؤولية، ومحاولة التعاون من أجل الحلحلة المطلوبة.
وإذ تحدثت المصادر عن مسؤولية وطنية أملت على الرئيس عون هذا التحرّك، مؤكدة ان لقاءه مع كل من الرئيسين برّي والحريري اتسم بالايجابية، لفتت إلى دور يلعبه الرئيس برّي في اجراء تواصله المطلوب، مشيرة إلى ان ما من مواعيد محددة للرئيس عون اليوم مع أي من الأفرقاء أقله قبل الظهر، بسبب انشغاله باستقبال رئيس النمسا، غير انه تردّد ان هذه المشاورات ستشمل «حزب الله» والنواب  السنة المستقلين.
تزامناً، حضر الموضوع الحكومي، في اللقاء الذي جمع الرئيس الحريري مع رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل الذي زار «بيت الوسط» مساء أمس مع وفد كتائبي، موضحاً انه عرض على الرئيس المكلف مجموعة أفكار أهمها ان يأخذ المبادرة إلى جانب رئيس الجمهورية، لطرح تشكيلة حكومية إنقاذية من اختصاصيين يدرسون آلية إنقاذ هذا البلد، وينفذوها بأسرع وقت، لأن البلد لم يعد يحتمل.
وقال الجميل، ان هذه الخطوة يجب ان تحصل بـأسرع وقت، وانه عندما يأخذ الحريري المبادرة ويقدم تشكيلة حكومية، ويذهب إلى مجلس النواب عندها نعرف حقيقة من يريد إنقاذا للبلد ومن لا يريد، وأنا اعتقد انها الطريقة الوحيدة لكي يعرف كل اللبنانيين من هو المسؤول عن التعطيل».
«الجبنة القاتلة»
من جهة ثانية، وعلى صعيد أمني، كشف وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال نهاد المشنوق عن أحباط شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي مخططاً ارهابيا داعشياً كان يستهدف تنفيذ تفجيرين  أحد دور العبادة المسيحية، بعد فقدان الأمل بالقدرة على استهداف تجمعات شيعية، والآخر ضد القوى الأمنية والعسكرية، وذلك خلال الانتخابات النيابية، لتعطيلها وإحداث أكبر ضجة ممكنة في خلال التحضير أو في يوم الانتخابات، التي جرت على مستوى من الإدارة رغم قلة الإمكانيات وضيق الوقت، باعتراف كل دول العالم».
وقال المشنوق خلال مؤتمر صحافي عقده في المديرية العامة لقوى الامن الداخلي، بحضور المدير العام اللواء عماد عثمان ورئيس الشعبة العقيد خالد حمود وقادة الوحدات في المديرية: «إن العملية الأمنية المعقدة التي استمرت عاما كاملا تقريبا أعادت التأكيد على أن فكرة «لبنان الآمن» للمقيمين وللزوار لا تزال سارية المفعول، وعلى أن بيروت هي أكثر العواصم أمنا».
وإذ لفت إلى ان سبب وجوده في المؤتمر هو التأكيد بأن شعبة المعلومات تقوم بجهد مباشر بعيدا عن أي توتر سياسي أو مناكفات سياسية وعن صغائر السياسة، لأن مهمتها الأساسية هي الحفاظ على أمن اللبنانيين من كل الطوائف والمناطق».
وأوضح ان المؤتمر كان مقررا قبل احداث الجاهلية وتم تأجيله لأسباب خاصة به، مضيفاً بأنه تقرر الاعلان عن طبيعة العملية لأنها توقفت من جهة، وفق جهة أخرى للتأكيد على ان الأمن مستتب، وان الأوضاع الأمنية على أحسن ما يرام.
وبالنسبة لتفاصيل العملية، التي أطلق عليها اسم «الجبنة القاتلة»، كشف المشنوق انه تمّ تجنيد عنصر أساسي سوري مقيم في لبنان تواصل مع مركز عمليات إرهابي في منطقة إدلب، واستمر يعمل متخفيا لمدة 10 أشهر، وكلفه داعش بتنفيذ عملية إرهابية يوم الانتخابات النيابية في أيار الفائت، وأحبطت ثم كلف بعملية ثانية، بعدها تغيرت قيادته إثر مقتل مسؤوليه، الأول والثاني، وتواصل معه مسؤول جديد وطلب منه السفر إلى تركيا، وحينها اتخذت قيادة الشعبة أمرا بوقف العملية والإعلان عنها» (راجع التفاصيل ص 3).
تزامناً، عقد في مكتب قائد الجيش العماد جوزاف عون في اليرزة، اجتماع مع قادة الأجهزة الأمنية، لتنسيق الجهود في مجال رصد أي نشاط إرهابي، وملاحقة المخلين بالأمن والمطلوبين للعدالة.
وبحث المجتمعون الخطة الأمنية التي يتخذها الجيش والأجهزة الأمنية لمناسبة الأعياد، وتمّ التوافق على سلسلة من الإجراءات لترسيخ الاستقرار في البلاد، وضبط الحدود البرية والبحرية.
«أنفاق» الجنوب
في هذا الوقت، استمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي في أعمال الحفر في مستعمرة المطلة المقابلة لبلدة كفركلا على الحدود الجنوبية، بحثاص عن انفاق جديدة تزعم ان «حزب الله» أقامها إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وباشرت هذه القوات صباح أمس برفع سواتر ترابية في خراج بلدة ميس الجبل، بواسطة خمس جرافات كبيرة استقدمها العدو لهذه الغاية، وسط انتشار أمني كثيف للجيش اللبناني الذي اتخذ مواقع قتالية، في مقابل استنفار للجنود الإسرائيليين، فيما راقبت القوات الدولية «اليونيفل» على الجانبين الأعمال الإسرائيلية.
واغتنم الرئيس برّي فرصة استقباله السفير الأميركية اليزابيث ريتشارد لعرض موضوع المزاعم الإسرائيلية بوجود انفاق من لبنان نحو فلسطين المحتلة.
وأوضح برّي انه ما يزال عند موقفه الذي أبلغه للسفيرة ريتشارد، لافتاً إلى انه طلب احداثيات عن هذه الانفاق المزعومة ولم يحصل على شيء حتى الآن، وحتى خلال الاجتماع الثلاثي الذي عقد في الناقورة لم يحصل ممثّل الجيش على هذه الاحداثيات.
وقال: «ان إسرائيل هي التي لا تلتزم بالقرار 1701 ولم تقبل أصلا ان ينص على وقف إطلاق نار. لذا لا يمكن طلب شيء من جهة وكأن الأرض وقفت عن دورانها، بينما لا يطلب بمعدل 150 خرقا شهريا من الطرف الآخر الإسرائيلي، آخرها رفع منطاد فوق بلدة ميس الجبل منذ ثلاثة أيام. فالحل هو بتطبيق القرار 1701 كاملا غير منقوص».
ديب- علامة
على جبهة أخرى، توتر الجو بين النائب في كتلة «لبنان القوي» حكمت ديب، والفنان راغب علامة، على خلفية اغنية لعلامة بعنوان «طار البلد».
بدأ التوتر، عندما اتهم ديب علامة باللامسؤولية، معلقاً على اغنية الجديدة «طار البلد» بأنه يجب ان يطير رأس علامة.
وتساءل علامة: هل من المقبول لفنان من حجم راغب علامة ان يتهدد مباشرة على الهواء من قبل نائب بقطع رأسه.
وطالب النائب العام التمييزي برفع الحصانة عن النائب ديب لاستجوابه على ما أدلى به..
وفيما أبدى النائب الكتائبي الياس حنكش تأييده لعلامة، تراجع ديب قائلاً لـ «الجديد»: استعملت كلمة راغب علامة «طار البلد» للرد عليه، ولكن ليس من ثقافتي ولا من تاريخي التهديد «كما يقال».

البناء
خيبة فرنسية من كلام ماكرون… وماي تتراجع عن التصويت على «بريكست» 
عون يحوّل التهديد بالرسالة إلى فرصة للمرة الثانية… والثالثة ثابتة 
توسيع التشكيل… أو وكيل بدل الأصيل… أو تشارك رئاسي في التمثيل 

خيبتان أوروبيتان متزامنتان، بين إطلالة مقتضبة لدقائق قليلة للرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون أعلن خلالها اعتذاراً عن كلماته الجارحة بحق أصحاب السترات الصفراء، وأبدى فيها استعداداً للبحث في زيادة على الرواتب والأجور، لكنه اشترط ذلك بوقف العنف، من دون أن يوجه دعوة مفتوحة كانت منتظرة لممثلي السترات الصفراء للحوار، وبالمقابل ضياع بريطاني بعد انسحاب رئيسة الحكومة تيريزا ماي من طرح مشروعها للانسحاب من الاتحاد الأوروبي وفقاً لاتفاقية بريكست، وفي الرأي العام الفرنسي كما البريطاني خيبتان وانعدام ثقة وحديث عن خطر الفوضى السياسية. لبنانياً، مع نهاية مئتي يوم على الفشل في تشكيل الحكومة، حوّل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون تهديده بمخاطبة مجلس النواب إلى فرصة للرئيس المكلف سعد الحريري لإخراج تشكيلة حكومية إلى النور وتخطّي العقبات التي تحول دون ذلك، وتحدثت مصادر متابعة عن مهلة تنتهي مع نهاية العام، بعدما نجحت المرة الأولى للتهديد بالرسالة الرئاسية في تذليل عقدتي تمثيل القوات والحزب التقدمي الاشتراكي. وقالت المصادر إن الفشل هذه المرة سيجعل المرة الثالثة ثابتة، وستكون الرسالة الرئاسية لمجلس النواب بداية مسار صعب من غير المعلوم كيفية نهايته.
ووفقاً لمعلومات مصادر مطلعة فقد تلقف الرئيس الحريري الدعوة الرئاسية لاغتنام الفرصة الثانية، وترك لرئيس الجمهورية مساعدته بتحضير الأجواء، التي بدأها الرئيس عون مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري قبل أن يستقبل الحريري مساء أمس، حيث قدّم الرئيس بري الدعم لما يقترحه رئيس الجمهورية، سواء لجهة البحث في توسيع التشكيل الحكومي إلى إثنين وثلاثين أو ستة وثلاثين وزيراً، أو السعي مع حزب الله للمساعدة في إقناع الحلفاء في اللقاء التشاوري النيابي لقبول توزيرهم بوكيل من خارجهم يحلّ مكان الأصيل من بينهم، على أن يترك لهم التوافق على الاسم البديل بما لا يستفز رئيس الحكومة، أو ما يضمن تسميته من حصة الرئيس، ويبقى الخيار الثالث وهو تبادل إضافي بين حصة رئيس الجمهورية وحصة رئيس الحكومة يضمن تنازل رئيس الحكومة عن مقعد وزاري يمكن لرئيس الجمهورية منحه لنواب اللقاء التشاوري مقابل تسمية وزير مسيحي في حصة رئيس الجمهورية يتفق عليه مع رئيس الحكومة بحيث يكون الوزير الملك في تشكيل الثلث المعطل بين الحصتين، بعدما صارت حصة رئيس الحكومة وحلفائه أحد عشر وزيراً إذا لم يحسب ضمنها رئيس الحكومة الذي لا يستطيع تعطيل النصاب، وإذا خسر رئيس الحكومة وزيراً منها فقد قدرة تعطيل النصاب عند مناقشة قضايا تحرجه وتحرج حلفاءه، كالعلاقة مع سورية، إلا إذا تضامن الوزير الملك مع هذا التعطيل، وفي حالة وزير متفق عليه مع رئيس الجمهورية، يصير غياب هذا الوزير بطلب من أحد الرئيسين، مع الوزراء المحسوبين على كل منهما، كافياً لتعطيل النصاب أو منع القرارات الهامة من نيل أغلبية الثلثين، ما يعني إلزام التوافق بين الرئيسين في القرارات كما في التعطيل، أي تنازل كل منهما على نيل الثلث المعطل منفرداً.
من دون سابق إنذار وفي زيارات لم يعلن عنها مسبقاً حطّ رئيس المجلس النيابي نبيه بري والرئيس المكلف سعد الحريري كل على حدة في قصر بعبدا في إطار الاجتماعات التي قرر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عقدها مع الرئاسة الثانية والثالثة وعدد من المكونات السياسية الأساسية المعنية بالتأليف أبرزها حزب الله ونواب اللقاء التشاوري، بهدف إخراج الحكومة من عنق التعطيل وإيجاد المخرج المناسب الذي يجنّب البلد التوتر السياسي الذي خرج إلى العلن بشكل واضح وتحوّل حرباً على الصلاحيات الدستورية على خط الرئاسة الأولى والثالثة.
وبينما أشارت معلومات «البناء» إلى أن لقاء الرئيس عون والرئيس بري كان ايجابياً وطرح الرئيس بري خلاله أفكاراً لحل عقدة تمثيل النواب السنة، شدّدت مصادر مطلعة على أجواء اجتماعَي الرئيس عون مع بري والحريري لـ»البناء» إلى أن تلويح الرئيس عون بإرسال رسالة إلى المجلس النيابي لم يعُد وارداً وسحب من التداول، فالرئيس عون تحدّث مباشرة أمس إلى المعني الأول بالتشكيل الذي خرج مرتاحاً من اللقاء ومتفائلاً.
وأعلن الحريري أنّه «تشاور مع رئيس الجمهورية بطروحات عدة في الموضوع الحكومي، ولنتركه يقوم بمشاوراته». وأشار إلى أنّه سيتابع التواصل مع الرئيس عون، مؤكدًا أنّ «الامور التي أقبل او لا أقبل بها واضحة».
وتشير اوساط بعبدا لـ»البناء» الى ان الرئيس عون يرى ان هناك حلولاً قد يتم السير بها وتبصر النور اذا استجاب المعنيون لمساعيه، مشددة على ان الرئيس عون سيلتقي وفد حزب الله بعد ظهر اليوم في الإطار نفسه، مع تلميح المصادر إلى أن رئيس الجمهورية قد يطلب من حزب الله التمني على اللقاء التشاوري اختيار شخصية من خارج النواب الستة السنة تمثلهم داخل مجلس الوزراء، لا سيما أن الرئيس الحريري قد يقبل بطرح كهذا. وتشدد الاوساط على ان الرئيس عون يجهد من أجل الوصول إلى حكومة في أسرع وقت ممكن لا سيما ان الوضع الراهن لم يعد يحتمل، والوضع الاقتصادي يستدعي تعاون المكونات كافة وتحمل مسؤولياتها بهدف التعجيل في التأليف.
في المقابل، شدّدت مصادر مقربة من الثنائي الشيعي لـ»البناء» على أن محور لقاءات الرئيس عون يرتكز على معالجة الازمة من الباب الوحيد الذي يمثل مخرجاً لها، كما قال الرئيس بري، وهذا الباب يتمثل بتوزير أحد النواب الستة السنة من حصة رئيس الجمهورية بتخلّي الرئيس عون عن هذا الوزير. وفي حال اقتنع الحريري والوزير جبران باسيل بالحل واقتربا من وجهة نظر الرئيس عون ورئيس مجلس النواب حينها يمكن الحديث جدياً عن معالجة الازمة في أواخر الأسبوع، بعد عودة الرئيس المكلف من لندن.
وشددت مصادر حزب الله لـ»البناء» على أن الحزب بدعمه اللقاء التشاوري لا يسعى الى كسر الرئيس المكلف سعد الحريري، لكن الأخير في المقابل يريد القفز فوق نتائج الانتخابات وقطع الطريق على تمثيل النواب السنة الستة، واكدت المصادر ان حزب الله لن يسمح بتجاوز مطلب اللقاء التشاوري، وهو يدعم الموقف الذي سينتهي اليه اللقاء التشاوري سواء الإصرار على تمثيل شخصية من النواب السنة الستة او اختيار شخصية من خارج اللقاء. وقالت المصادر ما يهمنا هو أن يسارع الرئيس المكلف إلى انهاء ازمة الفراغ الحكومي، على قاعدة عدم اقصاء احد، مع اعتبار المصادر أن حزب الله لا يعمل على الاطلاق على إسقاط التسوية ولا يسعى لذلك.
في المقابل، أكد مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان أمام زواره، أن «صلاحيات الرئيس المكلف هي ركن أساسي في اتفاق الطائف، وركن مهم من أركان بناء الدولة ونهوضها، ولا يمكن لأحد أن يتجاوز هذه الصلاحيات بإيجاد أعراف وشروط مخالفة للنصوص الدستورية»، داعياً القوى والشخصيات السياسية الى «الالتزام نصاً وروحاً بالدستور واتفاق الطائف والتقيد بالصلاحيات المنوطة بالسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية»، منبّهاً إلى «خطورة المسّ بصلاحيات الرئيس المكلف».
الى ذلك، سجّلت شعبة المعلومات إنجازاً أمنياً جديداً بكشف وزير الداخلية نهاد المشنوق عن إحباط عملية ارهابية بعنوان «الجبنة القاتلة»، معلناً في مؤتمر صحافي عقده في الوزارة «ان هناك مجموعة كانت ترسل متفجّرات الى لبنان، مرتين بشكل اساسي، مرة بأوعية جبنة، ومرة أخرى بأوعية من الشنكليش، وكان من المفترض أن تحدث الفوضى في فترة الانتخابات، وتستهدف 3 أماكن: دور العبادة، تجمّعات «النصارى» كما يقولون وتجمّع القوى العسكرية». واوضح «ان المجموعة التي كانت تحضّر للعمليات مصدرها إدلب وعنوان «لبنان الآمن» لا يزال ساري المفعول والتنسيق بين الأجهزة الأمنية ينشط أكثر»، مشيداً بعمل شعبة المعلومات، ومؤكداً «انها جدّية ومثابرة ومستمرة بالعمل والتخطيط والمثابرة وغير متأثرة بتفاصيل الحياة السياسية اليومية في لبنان»، جازماً «بأن بيروت من أكثر العواصم أماناً».
من ناحية اخرى، قال رئيس المجلس النيابي نبيه بري للسفيرة الأميركية في لبنان اليزابيث ريتشارد أن لا صحة للمزاعم الإسرائيلية حول الأنفاق، والإحداثياتٍ التي طلبتها عن الأنفاق المزعومة لم أحصل على شيء منها حتى الأن، وحتى خلال الاجتماع الثلاثي الذي عقد في الناقورة لم يحصل ممثل الجيش على هذه الإحداثيات. واستطراداً، إسرائيل هي التي لا تلتزم بالقرار 1701 ولم تقبل أصلاً ان ينص على وقف إطلاق نار، مؤكداً أن الحل هو في تطبيق القرار 1701 كاملاً غير منقوص.
وكانت باشرت قوات العدو «الاسرائيلي» بأعمال الحفر بحثاً عن أنفاق في الجهة المقابلة لبوابة فاطمة خراج بلدة كفركلا، بعدما كانت قد سحبت الحفارات الأربع السابقة من المنطقة المذكورة، واستقدمت قوات الاحتلال حفارة اجتازت الشريط التقني في محلة كروم الشراقي في خراج بلدة ميس الجبل.

الأخبار
عون: حكومة قريبة… أو الخروج عن الصمت
خطة إسرائيل: تكثيف «النضال السياسي» ضد حزب الله
جنبلاط يهجّر دروز بيروت

سحب الرئيس ميشال عون، مُبادرة إيجاد حلّ للأزمة الحكومية من أيدي كلّ «سعاة الخير»، مُطلقاً مشاوراته مع القوى الأساسية لإيجاد مخرج، بعد سبعة أشهر من الانتظار، اشتدت خلالها الأخطار الاقتصادية والمالية، واهتزت معها صورة العهد الرئاسي. المعنيون في بعبدا يأملون خيراً في الأيام المقبلة، وإلا.. فإن رئيس الجمهورية سيخرج عن صمته
لم يعد أحد مُكلّفا بمعالجة الأزمة الحكومية، سوى رئيس الجمهورية نفسه. فالرئيس ميشال عون أنهى أمس التعامل «بالواسطة» مع هذا الملّف، من خلال مُبادرته التواصل مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ورئيس الحكومة المُكلّف سعد الحريري، والموعد المُحدّد اليوم لوفد من حزب الله. الوضع، بالنسبة إلى الرئيس، لم يعد يحتمل تأخيراً أكثر، إن كان في ما خصّ المخاطر المالية والاقتصادية التي تُهدّد الدولة، أو صورة «العهد» الذي يتعرّض لتحديات جمّة. يأتي حراك عون، بعد أن باءت كلّ المحاولات والاقتراحات السابقة بالفشل، أمام إصرار كلّ من الحريري أو أعضاء «كتلة اللقاء التشاوري» على موقفهما بعدم التنازل عن شروطهما. استشعر عون أنّه إذا بقي الوضع على ما هو عليه، فإنّ الأمور ستجنح نحو منحى أكثر خطورة، «لذلك قرّر القيام بمبادرة تكسر الجمود يطلب فيها من الجميع تحمّل مسؤولياته. اتصل ببرّي والحريري، وسمع كلاماً إيجابياً ومُشجعاً بأنّ الجميع يُريد حلّ الأزمة، وقال برّي والحريري إنّهما حاضران للبحث عن حلّ»، على ما تقول مصادر القصر الجمهوري لـ«الأخبار».
القصة لا تزال في إطار التشاور، «وتبادل عددٍ من الأفكار مع الجهات المعنية سعيا إلى إيجاد صيغة نهائية والخروج من الأزمة، من دون أن يكون الرئيس مُتمسكاً بأي فكرة مسبقة، سواء لجهة عدد اعضاء مجلس الوزراء المقبل، أو لجهة أحجام القوى فيه». تؤكد مصادر بعبدا أنّ الحصيلة الأولى للتشاور يوم أمس «جيّدة جدّاً، ومن الممكن إذا استمر الوضع بهذه الإيجابية، أن تؤدّي المبادرة إلى مخرج ما نهاية الأسبوع»، بعد عودة الحريري من لندن، حيث يُشارك في منتدى اقتصادي لبناني – بريطاني. أما في حال فشلت هذه المبادرة أيضاً، فإنّ عون «لن يبقى ساكتاً، وسيتخذ موقفا علنيا من الموضوع». وتقول المصادر إنّ عون «طرح بدائل عدّة في ما خصّ موضوع تمثيل نواب اللقاء التشاوري»، رافضةً الكشف عن مضمونها، قبل لقاء الرئيس مع وفدٍ من حزب الله. ولكن هل من الممكن أن يتنازل عون عن المقعد المُخصص للطائفة السنية من حصته؟ تردّ المصادر بأنّ «كلمة تنازل ليست في محلّها. همّ الرئيس أن تتشكّل الحكومة، وهو أوصل غايته للمعنيين». أما في ما خصّ الرسالة التي قيل إنّ عون سيوجهها إلى مجلس النواب، فتقول مصادر قصر بعبدا إنّ «الحديث عنها ساهم في تليين المواقف، ولكنّها أُعطيت أكثر ممّا تستحق. لم تكن قراراً مُتخذاً، ولم تُكتب حتّى، بل كانت الخيارات التي كانت مُتاحة للرئيس دستورياً».
رئيس مجلس النواب الذي زار بعبدا أمس غادر من دون الإدلاء بأي تصريح. في حين قال الحريري، بعد اجتماعه بعون، إنّ «هناك حلولاً يمكن السير بها. سأغادر البلاد غداً، وعندما أعود سيكون فخامته قد استكمل مشاوراته، وإن شاء الله سنصل إلى حلول». لكنّ رئيس تيار المستقبل أوحى من خلال كلامه للصحافيين، أنّه لا يزال مُصّراً على عدم تمثيل شركائه البرلمانيين في «اللقاء التشاوري»، موضحاً أنّ «الجميع يعلم ما هو مقبول لديّ وما لا يمكنني القبول به، ونحن نتفاوض على بعض الامور». وأصرّ في الوقت نفسه، على رغبته «وفخامة الرئيس في تشكيل الحكومة، وهذا أمر سيحصل»، وذلك بعد سؤاله عن سحب التكليف منه. وردّ الحريري على سؤالٍ حول رسالة عون إلى مجلس النواب، مُعتبراً أنّ «مشكلتنا في لبنان، هي التمسك بمسألة معيّنة واستخدامها لمواجهة بعضنا البعض. قد يكون أثير هذا الموضوع سابقاً وفي الفترة الأخيرة، ولكنني أعلم جيداً نوايا فخامته، كما استمعتم الى البيان الصادر عني في حينه، ويجب علينا ألا ننطلق من سوء النية. فرئيس الجمهورية يرغب في تشكيل حكومة في نهاية المطاف، وهذا ما يعمل عليه».
خطة إسرائيل: تكثيف «النضال السياسي» ضد حزب الله
التحريض المرافق لـ«الأعمال الهندسية» التي ينفذها جيش العدو الإسرائيلي على الحدود مع لبنان، للبحث عمّا قيل إنه أنفاق، لم يؤدّ إلى النتيجة المأمولة إسرائيلياً من الجانب اللبناني. هذا دفع تل ابيب، في اليومين الماضيين، إلى محاولة «ترميم» هذا الفشل عبر إطلاق تهديدات شارك فيها عدد من الوزراء الاسرائيليين (مقال يحيى دبوق).
لكن هذه التهديدات جاءت ربطاً بالحرب، إن وقعت مع لبنان، وليس بالأنفاق نفسها. وهي تهدف، كما يبدو، الى إقلاق الداخل اللبناني، في موازاة الحديث المفرط عن الأنفاق، ومن دون أي التزام إسرائيلي فعلي بها (التهديدات).
رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، على غرار مواقفه منذ بداية الحديث عن الأنفاق الحدودية، استمر في الابتعاد عن التهديدات العسكرية والأمنية، وركز على ضرورة تضافر الجهود الدولية لفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية ضد حزب الله. وأشار الى أن إسرائيل تهدف الى اغتنام حقيقة اكتشاف «أنفاق حزب الله الإرهابية» لتكثيف «النضال السياسي» الرامي الى فرض عقوبات اقتصادية أشد على هذه المنظمة وعلى إيران.
ما لم يرد على لسان نتنياهو، في المنحى التنفيذي لاستخدام سردية الأنفاق و«النضال السياسي»، ورد على لسان الناطق باسم الجيش الإسرائيلي رونين مانيليس. الأخير انتقد القيادة السياسية والعسكرية اللبنانية لتقاعسها في مواجهة حزب الله رغم الكشف عن الأنفاق، وشمل انتقاده رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، مطلقاً تهديدات بتدمير لبنان عبر صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية.
في تهديدات إسرائيل في اليومين الماضيين، وامتناعها في الوقت نفسه عن التسبب بأي احتكاك، بما في ذلك تراجعها في أحداث نقطوية على الحدود، يبدو واضحاً أن منسوب التهديد المرتفع يستبطن خشية إسرائيلية، ومحاولة لمنع أي احتكاك إبان الفترة الزمنية المقرر أن تستمر خلالها «الأعمال الهندسية» على طول الحدود. فالعدو أعلن أن ذلك قد يستغرق أشهراً، مع الإقرار بصعوبات ميدانية وجغرافية. وخلال هذه المدة الطويلة، هناك خشية من تعرض وحدات التنقيب والقوات التي تعمل على حمايتها لاحتكاك يفضي إلى خسائر في الجانب الإسرائيلي، أو لتجمعات مدنية مضادة لإسرائيل على الحدود بدأت تتسرب أحاديث حولها، ما يعني انقلاب المشهد الميداني والسياسي رأساً على عقب، وبما لا يمكن للقيادة الإسرائيلية تحمله. أما سيل التهديدات، فيأتي في خدمة المنع الاستباقي الوقائي لأي تطور في هذا المجال.
في رواية الأنفاق وسياقها، يبدو لدى إسرائيل قدر من الأمل بالتوازي مع قدر من ترقب الفشل في الدفع الى تبني مطالبها وقيام طرف ثالث بمواجهة حزب الله. وفي الاستخدام المفرط لسردية الأنفاق، يبدو، أيضاً، أن القيادة الإسرائيلية مندفعة حتى النهاية في إحداث الجلبة و«تجربة» ما جُرّب في الماضي، إن لجهة الرهان على نتائج التحريض في الداخل اللبناني أو لجهة الدفع لتغيير مهمة اليونيفيل للاحتكاك، أو للضغط الخارجي على لبنان. لذلك، يبدو أن مسار الأنفاق واستمرار الصراخ الاسرائيلي حوله سيمتدان طويلاً، وعلى اللبنانيين توقع المزيد من الصراخ الذي يُقدّر أن تتبدّل تلويناته وحدة نبرته مع مرور الوقت، خصوصاً أن إسرائيل تعتبر، كما ورد على لسان عضو المجلس الوزاري المصغر يوفال شتاينتس، أن عملية «درع الشمال» (أي كشف الأنفاق واستخداماتها) تأتي في سياق المعركة التي تقودها لمنع التعاظم (العسكري) لسوريا ولبنان (حزب الله) وإيران. وهذا يعدّ تحميلاً للواقع ما لا يحمل.
جنبلاط يهجّر دروز بيروت
فقراء الحيّ الشرقي في وطى المصيطبة: طاب الموت تحت جرّافاتك يا «بيك»
في التاسع عشر من الجاري، يمثُل 50 شخصاً، وهم أصحاب المحال المنتشرة في الحي الشرقي في وطى المصيطبة، أمام القضاء بتهمة «اغتصاب الأرض». اسم المدّعي ليس تفصيلاً. هو وليد كمال جنبلاط، ابن «عامود السما»، الذي قاتلوا معه وأمامه وعنه في كلّ معاركه. عتب أهالي الوطى على الزعيم ليس على قدر المحبّة، وإنّما على «قدر نسبة الدروز الذين يمثّلون أكثر من 90% من سكّان الحي»، بحسب ما يقول هؤلاء. بالنسبة إليهم، «كان وليد جنبلاط النبي، وكنّا سيوفاً بظهره». أما اليوم، «فقد صار الخنجر الذي سيمزّق لقمة عيشنا». سيمثُل هؤلاء لأنّ من يواجهونه يملك «مفاتيح القضاء» على ما يقولون، لكنّهم يؤكّدون أنّ الدم الذي طالما بُذل كرمى لجنبلاط سيكون هذه المرّة «كرمى لعائلاتنا» (مقال راجانا جمية).
مئة وخمس سنوات، عاشها جدّ «أواكس». قضى معظمها في الحي الشرقي في وطى المصيطبة. جاء إليه شابّاً، في عشرينيات القرن الماضي، وبنى حياته على هامش المدينة، حيث فقراء يشبهونه. سترَ فقره في غرفة و«علّيّة»، وأسّس عائلة لا تزال تسكُن في الوطى. «أواكس»، المقاتل السابق في الحزب الاشتراكي، من نسل ذاك الذي عاش كل تلك السنوات ثم مات، هنا، في الحي الشرقي.
105 سنوات ليست مجرّد رقم، ولا هي تساوي عمراً واحداً. هي قصة حياة بنى خلالها الفقراء ذاكرة الحي الذي كبُر عائلة عائلة، حتى وصل اليوم إلى حدود 300 عائلة. حياة «خيّطوا» تفاصيلها جيلاً بعد جيل، حيث يصعب، اليوم، فرطها.
الشهر الماضي، فقط، بدأ الخوف يتسّرب إلى سكان الحي الذين صاروا في معظمهم من الجيل الثالث. الخوف من كسر تلك «الحلقة» على يد من كان، بالنسبة إليهم، ابن «عمود السما»: النائب السابق وليد جنبلاط. الشهر الماضي، تلقّى 50 شخصاً، وهم أصحاب المحال التجارية على أطراف الحي – ومعظمهم من الساكنين فيه – بلاغات بوجوب المثول أمام القضاء في 19 الجاري للتحقيق معهم في الدعوى المرفوعة عليهم من شركة «الوطى العقارية» (يرأس مجلس إدارتها جنبلاط ويملك أسهمها مع نجليه تيمور وأصلان)، بتهمة اغتصاب أرض العقار /2207/ سنداً للمادة 738 من قانون العقوبات التي تدين بالسجن من «يستولي على عقار أو جزء منه من دون مسوّغ شرعي (…)». وأُرفق البلاغ بملاحظة تقول: «إذا تخلّفتم عن الحضور تُحاكمون غيابياً»!
شكّل البلاغ، الآتي على حين غرّة، صدمة لأهالي الحيّ. لم يكن هذا «عشمهم» بـ«الزعيم». أما وقد وصل الحال إلى المحاكم بين الطرفين، فقد صار الحديث عن قطع «صلة رحمهم» معه أمراً واقعاً. هذه المرة، «سنواجه»، يقول نشأت بو حمدان. أساساً، لا يملك هؤلاء خياراً آخر. بالنسبة إليهم، «الموت تحت جرافة دفاعاً عن لقمة عيشنا وبيوتنا وذاكرتنا أفضل من الموت جوعاً في الشارع»، يتابع بو حمدان، وهو ابن الجيل الثالث من عائلة سكنَت الحي قبل أعوامٍ طويلة لا يعرف عددها. يقدّرها بسنواتٍ أخرى سبقت ميلاد أبيه، هنا، في عام 1946. في عام 1977، ولد هو وكبُر، ثم تزوّج وبنى بيتاً لعائلته الصغيرة فوق بيت أمه. الوطى هي ضيعته، كما هي بالنسبة لآخرين مثله، ولدوا وتربّوا وكبروا وماتوا فيها. اليوم، يأتي من يقول لهم: اهجروا ذاكرتكم، سنبني «مول».
الناس هنا تقيس وجودها بالعمر الذي أتى به الأجداد إلى الحي: من 105 سنوات. من 90. من 85… على هذا الأساس، يقدّرون وجودهم هنا بـ120 عاماً. هذا العمر «خلّا شروشنا ضاربة للرملة البيضا». وحتى «حديثو» القدوم إلى الحي «صار إلهن 40 سنة». لذلك، يرفض سكان الحي رفضاً قاطعاً تركه هكذا. الكلّ سيواجه، «وكما حملنا البارودة معه (جنبلاط) دفاعاً عن القضية، سنحمل اليوم البارودة نفسها للدفاع عن لقمة عيشنا»، يقول رومل عربيد، و«من أجل حماية السقف الذي يؤوينا». هذا ليس تمرّداً، وإنما «دفاع عن أبسط حقوقنا»، يقول شادي، صاحب أحد المحال هناك.
«نحنا عنا شهيد بالحزب»
لم يصل الحي إلى المحكمة بلا مقدّمات. فقد دخل دائرة «النزاع» في مطلع الألفية، مع المشروع الذي تصوّره رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري للمنطقة، وكان يتمنّاه على شاكلة مشروع «أليسار». يومذاك، كان الحي جزءاً أساسياً من مخطط مشروع الحريري. ويومذاك، أيضاً، وقف جنبلاط في وجه هذا المخطط، مقدّماً للحريري طرحاً ــــ صار مع الوقت مقولة يتعلّق بها أهالي الحي ـــ يشترط ربط إخلاء العقارات بما سمّاه «مفتاح بمفتاح»، أي أن مقابل المسكن مسكناً ومقابل المحل التجاري محلاً تجارياً.
عُلّق المشروع، فعُلّق الطرح معه ودخلت القضية غياهب النسيان… أو هكذا ظنّوا. بعدها، اشتعلت في الحي «شائعة» عن نية شركة إيرانية شراء عقاراته.
ومن باب «الحرص» على حقوق الدروز، الذين يمثّلون غالبية في المنطقة، قرّرت شركة «الوطى العقارية» الشراء «لحمايتنا»، يقول بو حمدان. بدأت الشركة بشراء الأراضي في العقار البالغة مساحته 13 ألفاً و81 متراً مربعاً كقيود احتياطية. اشترت في السادس من آذار 2009 حصص آل رزوق (تيودور وجيزيل تيودور رزوق) وآل عطية (انطوان ونينا وجوزيان ألفرد عطية) وآل بويز (زينة ادمون بويز) وآل سلامة وأبي حبيب (كمال انطوان سلامة ورشيد ونبيل وأمل ومي الياس ابي حبيب) وآل طراد (نجيب وليلى ومنى باسيل طراد). في التاسع عشر من الشهر نفسه، استكملت الشركة شراء حصص آل عرمان ونحاس (ماكي انطوان نحاس ونبيل ونجيب وانطوان وميشال عرمان)، وفي الثاني من نيسان من العام نفسه، اشترت حصص ليلى جرجي سعد وجومانا وتيو الياس رزوق وآل عيتاني في مرحلة لاحقة. في الخلاصة، سجلت شركة الوطى «أملاكها» الجديدة في العقار المذكور، وبلغت قيمة الأسهم 3173,278 سهماً، بحسب عقد البيع المدوّن في الإفادة العقارية في 29 تشرين الثاني 2009. لم يتبقّ سوى جزء قليل من العقار. في المحصلة، اشترى جنبلاط في الوطى 25 ألف مترٍ مربع، منها 13 ألفاً في العقار 2207 و3 آلاف في العقار الملاصق، فيما بيعت البقية، وهي عبارة عن 9 عقارات متفرّقة، لبدري غيث.
تمّت البيعة، لكن «الحرص» زال على ما تبقى من دروز بيروت. فبعد عامين من تأسيس «الوطى العقارية»، رفع جنبلاط أول دعوى «اغتصاب أرض». يقال إن من رفعها، في حينه، كان رئيس مجلس إدارة الشركة، وذراع جنبلاط اليمنى، بهيج أبو حمزة. كان ذلك في عام 2010. اشترى جنبلاط العقار بناسه. هؤلاء ليسوا ملاكيه بل يشغلون «عقارات غيرهم»، كما هي حال كثيرين مثلهم نزحوا إلى المدينة بلا حول ولا قوة وبنوا حيواتهم في الأملاك المتروكة. وهذه شكلت – في لحظة التفكير بالمنحى التجاري – نقطة قوة: أن تشتري أرضاً بإشكالاتها ومخالفاتها، فهذا يعني أن «السعر كان لقطة».
هذا في الجزء الأول من القصة، أما في جزئها الثاني، فتلك المنطقة تقع في قلب منطقة حيوية، وكان ثمة تخطيط يمرّ بمحاذاة الـ2207، في ستينيات القرن الماضي، يأتي من صوب ما صار اليوم سبينس، ويشق نصف ملعب الصفاء ويصل إلى الكولا. ولئن كان هذا التخطيط قد عُلّق، كما غيره من تخطيطات الستينيات، إلا أن مجرّد استعادته أو استحداث تخطيط مماثل يجعل من الأرض هناك «ثروة»، ويضيف أضعافاً إلى قيمتها العالية أصلاً. هذه ليست مجرّد أرض. بالمنطق التجاري هذه ثروة. ويمكن الاستعانة هنا، للدلالة على ذلك، بتقرير الخبير المهندس جهاد الحجار (أعدّه بناء على القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت في أيلول 2010). فقد خمّن الحجّار، حينذاك، قيمة «المتر المربع من أرض العقار بمبلغ قدره 2700 دولار أميركي». 2700 دولار هي قيمة التخمين لما كانت عليه أسعار العقارات قبل ثماني سنوات. وفق تلك الحسابات، بلغت قيمة التخمين نحو 36 مليون دولار. هي قيمة تخمينية، وليست قيمة حقيقية لما قد يدرّه العقار لأصحاب شركة الوطى. وإذا ما أضيفت إلى تلك القيمة قيمة أخرى هي ما يمثّله العقار بالنسبة لموقعه وما هو مخطط له، يمكن أن يصل السعر إلى «ما فوق الـ100 مليون دولار»، على ما يقول العارفون بأسعار العقارات.
ثمة أمر آخر في المنطق التجاري يستأهل الحساب، وهي قيمة الاستثمار العام في تلك المنطقة التي تقع ضمن الحيز رقم «8»، والتي تتراوح ما بين 1,25% و1,5%. بحساب بسيط، تستطيع شركة الوطى أن تستثمر من مساحة العقار الذي تملكه (13 ألفاً و81 متراً مربعاً) ما بين 15 ألفاً و43 متراً مربعاً و19 ألفاً و621 متراً مربعاً.
العتب «على قدّ نسبة الدروز»
مع أوّل دعوى، عام 2010، بدأت المشاكل مع شاغلي العقار، وهم أنفسهم الذين رعاهم كمال جنبلاط، والد «الجهة المستدعية» اليوم، عندما لجأوا إلى المدينة. في عام 2012، نظموا مظاهرتهم الأولى، ومن يومها كبرت المشاكل. زاروا جنبلاط وعادوا بلا نتيجة، بقيت الحال على ما هي عليه إلى أن فوجئوا بالتبليغات الأخيرة. زاروا «البيك» مجدداً، كما زاروه مرات كثيرة قبلها، وفي كل مرّة كانت الأجواء سلبية. في اللقاء الأخير «قال لنا: عيني في محاكم». عندما واجهوه بما يمثلون، جاءهم الجواب: «بالناقص واحد… آخرتكن متل بهيج»!
قبل أن يصيروا بالنسبة إليه «بالناقص واحد»، كانت ثمة مؤشرات خبروها في فترة سابقة مع حملة نزع مخالفات البناء في الحي الغربي. يومها، تساءلوا عن سبب موقف جنبلاط برفع الغطاء عن أي مخالفين للقانون. ويومها، أيضاً، بدأ التحوّل في بيت الوطى الاشتراكي. ترك كثير من الشباب الحزب. «أخدنا البطاقات على المركز وتركناهن هونيك»، يقول أحد الشباب. لم ينتقلوا إلى الضفاف المقابلة. بقوا اشتراكيين سابقين. يقول العارفون بحكاية الوطى بأن المنطقة «فرغت من الاشتراكيين». وهذه ليست مبالغة، وإنما هذا ما فعله النهج الجنبلاطي «تحت».
العتب كبير على جنبلاط هنا. عتب «مش على قد المحبّة»، ولكن على «قدّ نسبة الدروز هنا الذين يمثّلون أكثر من 90%». هذا ما يقوله أبناء الحي. وإن كان «البيك» لا يعوّل على تلك النسبة، مستنداً إلى التقارير المرفوعة إليه عن أن من يقطنون هناك «من جنسيات مختلفة»، وهو ما بيّن جزء منه تقرير الخبير الحجار. لكن، مع ذلك، ثمة «من هم من أهله»، يقولون. يعود هؤلاء بالذاكرة إلى أيام جنبلاط الأب، عندما كان لبنان يشتعل بأحداثه. «كنا خزان الدم لبيروت في تلك الأيام»، يقول مجدي الشمعة. لهذه المنطقة «تاريخ نضالي» رافق محطات مفصلية كثيرة، «لم يخسر خلالها الحزب الاشتراكي معركة واحدة»، يقول بو حمدان، طالباً العودة إلى «سجل وطى المصيطبة: كان أكتر من 80% يشاركون في المعارك تحت راية الحزب». يسانده شاب آخر، فيتحدث عن «54 محمولة» كانت تخرج من الوطى في سبيل القضية «يوم كان وليد جنبلاط عزوتنا». يتحدث هؤلاء، بغصّة، عما فعلوه في «أيام الحرب، حيث لم نبخل بنقطة دم»، وعن بيوت كثيرة تُعلّق على جدرانها صور شهداء سقطوا مع الحزب الاشتراكي، إلى جانب صور كمال جنبلاط.
في حي الوطى، لا تكاد تباشِر حديثاً مع أحد عن علاقته بالحزب الاشتراكي، حتى يأتيك الجواب «نحنا عنا شهيد بالحزب»، أو «أنا تنين عمومتي شهداء». ومن بقي منهم حياً، سيسارع إلى رفع قميصه أو بنطاله ليريك أثر الحرب على جسده.
يختصرون: «هيدي الأرض فيها دم». لذلك، لا يقاس الناس هنا، ولا ذاكرتهم التي راكموها طوال 120 عاماً، «بالمتر والدراع». يتحسّرون على سنوات خلت «يوم وقف كمال جنبلاط في وجه الجرافة عندما أتى الكتائب والجيش اللبناني إلى هنا». وهم يعيشون، اليوم، الخوف من الجرافة التي ستأتي بها شركة الوطى. بالنسبة إليهم، «كان وليد جنبلاط النبي، وكانت المنطقة طول عمرها قفلاً ومفتاحاً له، وكنا سيوفاً بظهره». أما اليوم، «فقد صار الخنجر الذي سيمزّق لقمة عيشنا»، يقولون.
تدهورت العلاقة مع جنبلاط الابن في الحي. مع ذلك، لم ينقلوا «البارودة من كتف لكتف». لكن، ثمة خلاصة واحدة ساقتها سنوات المشاكل الأخيرة. إذ صار معظمهم متيقّناً من أن الدماء التي بذلوها في سبيل «القضية»، هي اليوم «لعائلاتنا».
القانون «كلو مع جنبلاط»
تحت شجرة الجميزة، عند مدخل الحي، يلتقي الجيران. يتشاركون أيامهم، كما كانوا من قبل، عندما كانوا أطفالاً. كبروا مع الشجرة التي يقولون إن عمرها يناهز مئتي عام، بشهادة أجدادهم. كانوا يبنون فيها بيوتاً من الكرتون لكثافة أغصانها، وعندما كبروا بنوا حولها بيوتهم وصارت ذاكرتهم. يربطون مجيئهم إلى هنا بالجميزة، وبما تناقلوه من قصص عن أهلهم وما تركوه. يتذكر هؤلاء أن أول من أتى كان آل حيدر. بنوا غرفتين من الحجر في «بحر» من الرمال المزروع بأشجار التوت، ثم كرّت السبحة.
بالقانون، ملفّ جنبلاط «مية بالمية صح»، إذ أنه اشترى من مالكي العقارات. أما من يسكنون تلك الأرض، فلا يملكون مستنداً واحداً يثبت ملكيتهم. مجرّد «حجج أو لا شيء»، على ما يرد في تقرير الخبير الحجار. أما اجتماعياً وإنسانياً «فجنبلاط خاسر». يستغرب من كانوا مقربين منه توجّهه إلى القضاء، معتبرين أنّ «حلّ هذا الملف لا يكون بالقانون وإن كان محقّاً. في هذا العقار بالذات القانون مش مهم، أمام المنحى الاجتماعي والإنساني». الناس الموجودون في الوطى «ليسوا مقطوعين من شجرة، وهي عائلات طويلة عريضة لها امتدادات خارج الوطى، كآل حيدر مثلاً».
بغضّ النظر عن ملكية العقار اليوم، يُفترض أن جنبلاط هو «المرجعية» لسكان الحي. وهو المرجعية «حتى لو لم يكن مالكاً للأرض». في هذا المكان بالذات، ثمة امتداد لمشكلة اجتماعية أفرزتها الحروب. وهي ليست استثناء. هي مشكلة «عامّة»، وكان يمكن لجنبلاط هنا أن ينتهج مساراً آخر مع هؤلاء: التفاوض، «ولو على حقّه، لأن ذلك لن يكلفه شيئاً». في أقصى الأحوال «مبلغ بسيط لا يقاس بسعر المتر تحت».
في الشق القانوني، جنبلاط صاحب حقّ. أما في العلاقة مع السكان، وإن كان الدروز لا يمثلون أكثر من 20% منهم فيما البقية من جنسيات أخرى على ما تشير معطيات «البيك»، فإن المواجهة ليست في مكانها. والبلاغ الأخير كان بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير» بينه وبينهم. يحار القابعون في بيوت العقار 2207 كيف يتصرفون حيال دعوى «الاغتصاب»، خصوصاً أنهم لم يؤسّسوا حيوات خارج الحي. لذلك يؤكدون أنهم لا يملكون خياراً سوى «الموت تحت الجرافات». يقول مجدي الشمعة: «نحنا بإيام ما كنا نموت بطوفان مي الشتا ما فلينا، هلأ بدنا نفل؟». يتذكر، قبل ثلاثين عاماً، عندما كانت مجاري العاصمة تُغرِق حيّهم، لافتاً إلى أن البعض منهم مات بالطوفان «ومنهم محمد شكر».
اليوم، ينتظرون طوفان المشروع العقاري. هذا ما تناهى إلى مسامعهم. لم يعرفوا بعد طبيعة المشروع التجاري المنوي إقامته، ولكنهم حضّروا أنفسهم للمواجهة، «ولو بالسلاح». يقول بو حمدان «اليوم العالم آخدة قرار تطلع الجرافات عليها». بالنسبة إليه، «الأفضل أن أُدفن أنا وأمي وأختي وزوجتي وابنتي تحت الجرافة، ولن أخرج إلى الشارع لأموت جوعاً». يعيل الشاب الأربعيني 6 أشخاص. يعني «كومة لحم». من دون المقهى الذي يملكه عند باب الحي، لا مورد عيشٍ آخر. يسأل: «هذه الناس إذا فلّت وين بتروح؟». لهذا، سيواجهون «من أجل لقمة العيش».
رزق الناس هو لبّ المواجهة. يقولون: «عم يجوا يقطعوا رزقنا، ولذلك يا الموت يا الحرية، لكن ليست حرية الاشتراكية التي دفعنا ثمنها 40 عاماً». الحرية هي البقاء تحت سقف يستر الفقر. أرسل أبناء الحي اقتراحات كثيرة للوصول إلى حل لا يشرّدهم، منها بناء مساكن وبيعها لهم «متل الإسكان»، أو العودة إلى طرح «مفتاح بمفتاح». لكن، كل الطروحات قوبلت من الطرف الآخر بالقول: «لسنا كاريتاس».
لا حلول اليوم، في انتظار ما ستؤول إليه نتيجة الاستدعاءات في التاسع عشر من الجاري، وإن كانوا لا يعوّلون كثيراً عليها، فمن يواجهونه يملك حتى «مفاتيح القضاء».
«عقار الوطى بعهدة القضاء»
على قاعدة «بيني وبينكم المحاكم»، جاءت التبليغات باسم 50 شخصاً، هم أصحاب المحال التجارية في الوطى. بحسب الدعوى، «لا تبليغات لمن يسكنون العقار»، إلا أنه لا يمكن الفصل بينهم، فالتبليغات وإن كانت «حصراً لأصحاب المحال»، إلا أن الدعوى هي دعوى اغتصاب عقار كامل. وفيما لو طُلب إخلاء المحال، فهؤلاء هم في جزء منهم من سكان العقار. وهو ما يعيد الحديث عن مواجهة، يقول العارفون بـ«البيك» والمقربون منه أنه، ربما، لا ولن يقدم عليها. بدليل؟ أنه فوجئ بالتبليغات. يحسبها البعض من جانب «حسن النية» من البيك، مشيرين إلى أنه لم يتابع الملف قضائياً، وإنما سارت الأمور بشكلٍ طبيعي وأن التبليغات أصدرها القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا ولم يوصِ بها محامو الجهة المستدعية. وثمة قصة أخرى يرويها البعض مفادها أن جنبلاط يعتبر أن هذا العقار «ورطة ورّطه فيها بهيج أبو حمزة»، مشيرين إلى أن الأخير «هو من بدأ بالمسار القانوني».
على أية حال، القضاء بلّغ، والمحاكمات في التاسع عشر من الجاري، وشركة الوطى قالت كلمتها «القضية بعهدة القضاء»، وهو ما أعاد التأكيد عليه الوكيل القانوني في الشركة، المحامي وليد صفير، قائلاً بأنه يتبنّى «البيان الصادر عن شركة الوطى العقارية بعنوان: عقار الوطى بعهدة القضاء والمراجع الرسمية».

أخبار لبنان