“اليهود” و”الإشتراكية” في الدعاية السياحية الأوروبية

“اليهود” و”الإشتراكية” في الدعاية السياحية الأوروبية

تعتبر الدعاية السياسية وسيلة اساسية تعتمدها “إسرائيل” من اجل “تجميل صورتها” في مواجهة الصورة الحقيقية الملطخة بالجرائم اليومية التي تقترفها بحق الشعب العربي الفلسطيني، وكذلك بهدف تلميع صورة اليهود الصهاينة في العالم، ولا سيما في المجتمعات الاوروبية.

تختلف وسائل الدعاية السياسية والايديولوجية تبعا للمجتمعات والفئات والمجموعات التي تستهدفها. ويسهل التأثير في المجموعات السياحية من خلال بث “معلومات ملغومة”، تصل إلى مستوى الاكاذيب والتلاعب بالعواطف والمشاعر، بهدف الوصول لخلق حالة من حالات التوتر الفكري والشحن العاطفي تجاه قضية معينة.

الدليل السياحي و”المعرفة” السياحية
فالمجموعات السياحية تتميز بأنها مؤقتة، غير متماسكة، تجمع بينها اللحظوية، فتجعلها متنافرة، لا تصل في لحظة اجتماعها أو لقائها المؤقت إلى جماعة. فتكون في اضعف لحظاتها، والتفاعل فيما بينها منعدم، او في اضعف مستوياته. وتتميز هذه المجموعات ولا سيما تلك المشاركة في رحلات منظمة، ان افرادها اتخذوا قراراً بتسليم انفسهم إلى الشركة المنظمة، ومن خلالها إلى “الدليل السياحي”. تشكل الجولات السياحية بإشراف “الدليل” المصدر الاساسي “للمعرفة” السياحية عن تاريخ الدول التي تستقبل السياح.

ضمن العلاقة المؤقتة الناشئة للتو، يكون السواح افراداً مستمعين بنسبة 95 في المئة. كما يكونوا “مستسلمين” لما يقوله “الدليل”. فهو مصدر المعلومات، لا بل هو الذي يقترح علينا اين نقضي اوقات الفراغ، اين يمكن ان نشتري “السوفنير”، اين نتعشي. في هذه العلاقة ايضا يتحرك السواح في باص مغلق في شوارع المدينة التي يزورونها، يتلفتون يمينا ويساراً، يلتقطون الصورة، وفي الوقت نفسه يستمعون إلى ما يخبرهم به الدليل السياحي. أما النقاش مع الدليل فليس محظوراً، لكنه غير مستحب، إذ سوف يزعج الاخرين، لأنه سيكون على حساب الجولة السياحية.

يسعى السواح إلى الحصول على اكبر قدر ممكن من المعلومات. والدليل السياحي هو الذي يحدد المعلومات التي يعطيها، قد تكون لها قيمة تاريخية واجتماعية، او قد تكون معلومات تافهة تعبر عن الاستخفاف بعقول السواح، مثل الاشارة إلى الفنادق ومن نزل فيها من الممثلين والمشاهير والرؤساء، إلى جانب الحديث عن دور عروض الازياء التي نظمت في هذا الفندق او ذاك. وفي احيان كثيرة يبدأ الأدلاء السياحيون بالتكلم عن تجاربهم الشخصية وعن احداث حصلت مع اصدقاء لهم، في إشارة إلى الظروف السياسية في المدن المزارة. لكن اعتماد هؤلاء على سرد التجارب الشخصية على مسمع السواح، لإضفاء الصدقية على ما يروون، يكشف إلى حد كبير ضعف الرواية نفسها.

واستناداً إلى جولة عدد من السواح العرب، الذين شاركوا، مؤخرا، في رحلات منظمة إلى عدد من دول اوروبا الشرقية، لفتوا إلى عدد من القضايا المتعلقة بـ”تجربتهم” مع الأدلاء السياحيين في تلك الدول وحجم الدعاية السياسية لـ”إسرائيل” في “مادة المعرفة السياحية” التي “قدمت” لهم خلال جولاتهم.

براغ : الترويج لـ”المظلومية اليهودية” في اوروبا
تبدأ الجولة من “براغ”، عاصمة جمهورية تشيكيا، التي انسلخت عن جمهورية تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية، ظهراً مع وصول السواح إلى المدينة، واستلام الغرف في الفندق، ثم ينتقلون إلى قلب المدينة بناء على اقتراح دليل الفوج السياحي اللبناني.

في وسط المدينة يجد السائح امامه الباصات التي تنظم جولة في المدينة بكلفة معتدلة، والمحفز فيها ان كل مقعد مزود بآلة تسجيل مع اختيار للغة التي يفضلها الراكب. في هذه الجولة التي تمتد لمدة ساعة، التفاعل فيها منعدم بالمطلق. السائح يضع في إذنه سماعة earphone  موصولة بجهاز يقوم “بقصف” عقله بالمعلومات التي لا يمكن نقاشها أو حتى التفكير فيها.

تتضمن “مادة المعرفة السياحية” بعدين اساسيين هما : تاريخ براغ القديم وتاريخها الحديث. يتناول التاريخ القديم ايضاً محورين: الاول ويدور حول تاريخ المملكة والمراحل التاريخية التي مرت بها وصولاً إلى اعلان الجمهورية. والثاني، يدور حول تاريخ اليهود ودورهم في براغ. التاريخ الحديث يركز على التشهير بالنظام الاشتراكي السابق وإظهار مساوئه المتمثلة في غياب “الديمقراطية”، والحديث المطول عن بطولات التشيكيين للانقلاب عليه.

خلال ثلاثة ارباع الساعة يعبر الباص شوارع براغ متجولاُ في العديد من الاماكن التاريخية التي تحضر بقوة المعابد، المقابر والمقامات الدينية اليهودية، وتنتهي الجولة بجولة لمدة ربع ساعة في الحي اليهودي، تتحدث عن الاجتماعات التي عقدها الحاخامات اليهود لمناقشة الحملات التي تعرضوا لها في اوروبا وكيفية مواجهتها، وعن “العنف” الذي تعرضوا له على يد الشعب التشيكي.

في هذا الحي الذي اسسه اليهود، واقامو حوله سوراً لمنع الدخول اليه أو السكن فيه لغير ابناء جلدتهم، واطلقوا عليه اسم الغيتو. بلهجة هادئة، يروي المتحدث اثناء تجوال الباص في الحي، عن الحملات التي تعرض لها الحي اليهودي، ومن ضمنها الحملة التي قام بها التشيكيون خلال فترة حكم فاتسلاف الرابع عام 1388، حيث قام اهل براغ بالهجوم على هذا الحي رفضا للعزلة ومطالبتهم  اليهود بإزالة السور والعيش المشترك مع اهل المدينة، وادى هذا الهجوم إلى سقوط الكثير من القتلى دون ان يتدخل الحاكم فاتسلاف. ويرشدنا المتحدث (الدليل) إلى المقابر التي دفن فيها القتلى اليهود.

بودابست : العداء للاشتراكية
في هذه المدينة العريقة بتاريخها، ذات المباني المصقولة والمنحوتة كلوحات في الطرقات، تستقبلك امرأة في العقد السابع من عمرها بابتسامة مصحوبة بعدد من النكات، عن اهمية كبار السن باعتبارهم جزءاً اساسياً من حياتنا ومصدراً للمعرفة بالتاريخ. انها الدليلة السياحية التي يدفع اعضاء المجموعة السياحية لها لتكون مرشدتهم في المدينة لمدة اربع ساعات. منها ساعتين في الباص تجول في المدينة، وساعتين تجول بهم في تلة بودا لزيارة كنيسة ماتياش، التي كان يقام بها احتفالات تسليم مقاليد العرش إلى الملوك، والتي تحولت إلى مسجد مع الاحتلال العثماني للمدينة عام 1541.

الجولة في شوارع بودابست، تتنقل بين شوارع تضم اهم عروض الازياء العالمية، وشوارع تضم عدداً من الفنادق التي نزل فيها عدد من مشاهير الممثلين العالميين، إلى جانب المعبد اليهودي الكبير حيث يوجد نصب لليهود الذي قضوا على يد النازية.

تاريخ المجر الحديث تختصره الدليلة السياحية بمشاركة المجر بالحرب العالمية الثانية إلى جانب المانيا النازية، والتي انتهت بسيطرة الاتحاد السوفياتي عليها، وإقامة جمهورية هنغاريا الاشتراكية.

من هنا وحتى انتهاء الجولة، يتغير مضمون المادة السياحية، تغيب المعلومات التاريخية المعتمدة على المصادر  وتتحول إلى مجموعة من الخبريات عن الظروف التي كانت تعيشها “كمواطنة هنغارية” خلال النظام الاشتراكي، وخبريات اخرى عن اصدقاء لها واجهوا مشكلات مع ذلك النظام بسبب آرائهم ومطالبتهم بأبسط الحقوق. يقطع هذه الخبريات مرور الباص امام مبنى أو ساحة، فتخبر السواح عنه الموقع، وتعود مجددا إلى خبرياتها. الاساس هو الدعاية ضد النظام الاشتراكي، والعرضي هو المواقع السياحية التي يمر الباص بجانبها.

تغفل في حديثها الكثير من الضمانات التي امنها النظام الاشتراكي للمواطنين الهنغاريين، وتركز على مدى توفر الحريات الشخصية لهم، حتى لو كانت غير قادرة على القيام بها، مثل السفر إلى النمسا.  وتتحدث لاكثر من ربع ساعة عن “القمع البوليسي” للدولة الهنغارية، وكيف ان الناس كانت تراقب بعضها البعض، تخبرنا بثقة كيف كان يزج الناس في السجون بسبب وجودهم في الشارع خلال دوام العمل.

تعرض هذه التجربة السياحية في عدد من الدول الاوروبية حجم الدعاية السياسية والايديولوجية في المادة السياحية التي تقدم للسواح، والتي تروج “للمظلومية” التاريخية التي لحقت باليهود، ولطمس الانجازات التي قدمها النموذج الاشتراكي لجهة توفير الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لمواطنيه، مع المبالغة في التركيز على غياب البعد الفردي للحريات العامة.

مركز الحقول للدراسات والنشر
الجمعة، 26 آب 2016

الشؤون العربية » Homepage Slides » أهم المقالات » تحقيق » شهادة