”الخروج من الفوضى“ لجيل كيبيل: قراءة لصوصية واختزالية للشرق الأوسط

”الخروج من الفوضى“ لجيل كيبيل: قراءة لصوصية واختزالية للشرق الأوسط

 

في كتابه “الخروج من الفوضى، الأزمات في المتوسط والشرق الأوسط” (دار غاليمار، تشرين الثاني/نوفمبر 2018)، يتولى جيل كيبيل، المختّص في الإسلام والأستاذ في جامعة باريس للعلوم والآداب، وصْفَ مسار “ردكلة الإسلام”، الذي يُبقي الشرق الأوسط في حلقة فوضى جهنميّة انطلقت خلال السبعينيات بفضل النموّ الهائل للريع النفطيّ. يُقسّم السرد إلى ثلاث لحظات زمنيّة، يقدّم فيها للقارئ عدداً من التأويلات التي تفتقد في بعض الأحيان إلى التناسق والدقّة.

 

 

تبدأ المرحلة التاريخيّة الأولى مع “الصدمة النفطية” عام 1973، وتنتهي مع بداية الربيع العربيّ، فيما تتناول المرحلة الثانية تحليل سياق ثورات عام 2011 وتطوراتها حتى خريف 2017، بينما يُقدّم المرحلة الثالثة (2017 ـــ 2018) بواسطة مقاربة استشرافية يحاول عبرها تأويل سقوط “الدولة الإسلاميّة” والإخفاق المعلن للتمرّد السوريّ.

على النقيض من آلان بيرتو، الأنثروبولوجيّ الفرنسيّ ومؤلف كتاب “أبناء الفوضى: مقالة حول زمن الشهداء” (دار لاديكوفيرت، 2016)، الذي أدى به اشتغاله على الأشكال الجديدة للراديكاليّة والتمردات منذ تراجع الأشكال التقليديّة للصراع الطبقيّ، إلى إلقاء الضوء على “أسلمة الراديكاليّة”، يدافع جيل كيبيل عن الأطروحة القائلة بوجود راديكاليّة راسخة في الإسلام. ووفقاً له، فقد “جاءت السبعينيات بقطيعة ثقافيّة كبرى مع النخبة السياسيّة التي تولت السلطة بعد تصفية الاستعمار (دعّمت الملكيات البتروليّة هيمنتها واستغلت ثرواتها لتمويل أيديولوجيا متشدّدة ومحافظة)”. لكن، ومنذ البداية، يعيب هذه الأطروحة عجزها عن تفسير الأسباب البنيويّة الأساسيّة التي سمحت بأن يسود الإسلام المتشدّد والمحافظ في مجتمعات الشرق الأوسط في حين بقي كأقليّة في دول مسلمة صاعدة مثل تركيا أو ماليزيا.
في واقع الأمر، يطرح “الخروج من الفوضى” مفارقة جذابة بين التذكير من ناحية بتبدلات السياق التاريخيّ والجيوسياسيّ، والإخفاقات السياسيّة الداخليّة في المجتمعات العربيّة، وسرد الحروب التي هزّت المنطقة منذ السبعينيات، وبين استبعاد التحليل متعدّد العوامل لصالح قراءة تُضخّم دور العامل الدينيّ وتجعل الصراع بين المسلمين محرّكاً للفوضى. تزامناً، تمثّل القصّص الثريّة حول مسارات جهاديّين، وتفسير نصوصهم، والتفاصيل شديدة الدقّة حول التحالفات المحبوكة والتناقضات الداخليّة، مناورة فكريّة ماهرة تعطي انطباعاً زائفاً بوجود تحليل مفصّل وقادر على الإمساك بتعقيدات كلّ حالة.
كمثال على ذلك، يعود جيل كيبيل، بوجه خاص، إلى النزاع بين أبو مصعب الزرقاوي والثنائيّ أسامة بن لادن/ أيمن الظواهري، وهو حدث مؤسس للجيل الثالث من الجهاديّة الذي يُعطي الأولويّة لـ”الجهاد ضدّ العدوّ القريب”. لكن برغم هذا التوجه، فإنّ القارئ سيغرق سريعاً في رمال عدم التناسق، إذ كيف يمكن مثلاً أن نفهم تحوّل الزرقاويّ إلى قطب الجهاديّة في بلاد غير سلفيّة مثل العراق، إلى درجة تمكّنه من إبعاد بن لادن والظواهري، من دون النظر في المنطق السياسيّ والجيوسياسيّ المرافق؟ وكيف يمكن تفسير أنّ نذير “القاعدة” (الزرقاوي)، الذي لجأ لوقت طويل إلى حلبجة في كردستان العراق، وتقارب مع مجموعة إسلامويّة كرديّة معادية لصدام، “أنصار الإسلام”، ثمّ خلق “جماعة التوحيد والجهاد” قبل أن يبايع بن لادن، لن يظهر إلاّ عام 2004 بعد معركة الفلوجة الأولى؟ وهي معركة تبنّى فيها مقتدى الصدر، أحد القياديّين السياسيّين للشيعة، قضيّة سكان الفلوجة، المدينة المحاصرة والمقصوفة من الأميركيّين، وساند الشيعة الذين يواجهون الاحتلال الأميركيّ من بغداد إلى البصرة. جدير بالذكر أنّه في هذا السياق الذي بدأت تتشكّل فيه وحدة وطنيّة، تجمع السنة والشيعة تحت راية الصراع ضدّ الاحتلال الأميركيّ، نُشر للزرقاوي تسجيل، يدعو فيه إلى حرب شاملة على “الشيعة الروافض أينما وجدوا” وضدّ المحتلّ الأميركيّ (تبعت ذلك موجة من الهجمات الانتحارية، أدخلت العراق في دوامة الفوضى). إلا أنّ المؤلفّ لا يتطرق إلى التأويل “الدنيويّ” والسياسيّ، بل يفضّل الالتزام بالاعتبارات الأخرويّة (الاسكاتولوجية) لدى الزرقاوي والتباعد الإستراتيجيّ بين “المنظمة الأم”، أي “القاعدة”، و”فرعها” العراقيّ.
مع التقدم في صفحات الكتاب، ينتقل القارئ من دهشة إلى أخرى، ما يؤدي إلى الاستنتاج بأنّ الكثير من المقاطع تتجنّب تعقيد الديناميات المحليّة، أو تتناولها على نحو مختصر، أو تقدّم تأويلاً شخصياً لبعض الحوادث التاريخيّة.
قراءة تقريبيّة ومتحيّزة
بدايةً، وضمن المقاربة التاريخيّة للحرب الأهليّة اللبنانيّة التي تُقدّم على أنّها “علامة بداية الأسلمة التدريجيّة التي يتأرجح فيها الشرق الأوسط، بمعنى أنّها أعادت تحديد سجل التعبئة السياسيّة وفق تصنيفات دينيّة”، يُفاجئ القارئ بأنّ “أبا جهاد، مساعد رئيس منظمة التحرير السابق ياسر عرفات، أنشأ أحزاباً شيعيّة مثل أمل وحركة المحرومين”. إذا كان صحيحاً أنّ عرفات اختار اسم “أمل” بطلب من السيّد موسى الصدر، مؤسس حركة المحرومين، وأنّ الكتيبة الطلابيّة لـ”فتح” شاركت في التكوين العسكريّ للكوادر، فإنّ نسب أبوّة الحركات المتولدة عن النشاط السياسيّ لقادة دينيّين قادمين من النجف، إلى أبي جهاد، أمر مغلوط. لم يفعل الفلسطينيّون غير مراقبة صعود هذه الوجوه ضمن الطائفة الشيعيّة ثم فتح قنوات حوار معها، والتوصّل، بعد السبعينيات، إلى عقد تحالف مع الحركة الشيعيّة. كما يشوب سرد بقيّة أحداث الحرب الأهليّة اللبنانيّة تأكيدات بعيدة عن الواقع التاريخيّ.
تتلاشى جديّة العمل الأكاديميّ أكثر حينما يكتشف القارئ، على نحو مذهل، استخدام الرواية الإسرائيليّة الرسميّة حول مجزرة صبرا وشاتيلا (1982). يقول المؤلف: “جرى الانتقام لاغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميّل بمجزرة صبرا وشاتيلا في المخيمين الفلسطينيّين في أيلول/سبتمبر 1982، وقد نفذتها ميليشيات كتائبيّة على مرأى ومسمع الجيش الإسرائيليّ”. لكن كان من المفيد ذكر أول تكذيب شديد لهذه الرواية من قبل آلان مينارغ في كتابه “أسرار حرب لبنان” (دار ميشال ألبان، 2004) والتذكير بالمعلومات الجديدة التي أوردها الباحث ساث أنزيسكا في كتابه “تغييب فلسطين: التاريخ السياسيّ من كامب دايفيد إلى أوسلو” (دار برينستون، 2018). فبناء على وثائق سريّة لأعمال “لجنة كاهان” الشهيرة، أظهر أنزيسكا أنّ المجازر المبرمجة لم تهدف حصراً إلى طرد مقاتلي منظمة التحرير، بل تنظيم إخراج جميع الفلسطينيّين من مخيمات اللاجئين.
في نهاية تقلباته حول هذه الحرب اللبنانيّة، يعود الكاتب إلى حدثين رئيسيّين، تأسس حزب الله واتفاق الطائف، ويقول إنّ هذا الاتفاق “يمثّل محاولة عبثيّة لتجميد تعاظم قوّة الطائفة الشيعيّة عبر تهميش المسيحيّين لصالح المسلمين”. مرّة أخرى، سيضطر القارئ إلى مساءلة هذا التأكيد الجازم، خاصةً أنّ الطائف سمح بدخول الطائفة الشيعيّة في اللعبة المؤسساتيّة عبر انتخاب نبيه بري على رأس البرلمان وخلق “مجلس الجنوب”، وتحقيق تقاسم أكثر توازن للسلطة وتوزيع “أكثر عدلا” لغلال الفساد.
بعيداً عن هذه الحقائق المشوّهة، يغرس بقيّة الحديث عن الثورة الإيرانيّة لدى القارئ فكرة أنّ المؤلف يبحث عن تدعيم أطروحة قيام مواجهة قاسية وحتمية في صفوف المسلمين.
تأكيدات قاطعة بانتظام مزعج
عبر هذا المنظور المشوّه، يؤول جيل كيبيل 1979 على أنّه العام المفصليّ في “المزايدة بين السنّة والشيعة”، ولكن من دون الإشارة إلى دعم جزء من الحركة السنيّة للثورة التي قادها الخمينيّ. فقد أبدت شخصيّات على غرار حسن الترابي وراشد الغنوشي، تضامنها منذ البداية مع هذه الثورة الشعبيّة الأولى من نوعها والتي بدت كما لو أنها تجسيد لوعد بإسلام يحمل قدرة تحريريّة تقود إلى إسقاط السلط الاستبداديّة وتحرير الشعوب المحتلة.
في سرد الأحداث، تترك الاستنتاجات القاطعة حول بعض المواضيع، ومن دون إيراد أدلة كافية، القارئ متحفظاً. لا يجادل أحد أنّ “الخميني تمكّن بفضل نبوغه السياسيّ من السيطرة على جهاز دينيّ لم يكن يسيطر عليه في البداية”، ولكن تأكيد استخدامه حركات اليسار “قبل إبادتها” لا يمثّل استنتاجاً واضحاً إلاّ لكاتبه، إذ توجد تأويلات أخرى ترى أنّ تلك الأحداث جاءت في سياق صراع على السلطة ومحاولة حركات اليسار استخدام الخمينيّ قبل إنهاء تحالفهم المرحليّ.
من ناحية أخرى، لا يورد كيبيل أيّ دليل مقنع يثبت العلاقة السببيّة بين فتوى الخميني حول سلمان رشدي وانسحاب القوات السوفياتيّة من أفغانستان. فالمؤلف يؤكد أنّه “لم ينتبه أحد إلى لحظة الانسحاب السوفياتيّة من كابول في 15 شباط/فبراير. فقبل ذلك، حكم الخميني بالموت على سلمان رشدي، لقد كان ذلك ضربة معلم سرقت النصر الجيوسياسيّ من أعدائه” قبل أن يستنتج أنّ لما جرى أهميّة رمزيّة “بما أنّه تمّ في حقبة الإعلام الجماهيريّ، حيث أذاب (الخميني) حدود العالم المسلم ووضع العالم بأكمله تحت سلطانه السياسيّ ـــ الدينيّ الخالص”. الدليل على أنّ الأمور جرت على ذلك النحو هو أنه سيكون من المعقول، وفق قراءة كيبيل، أن تجري كذلك! في حين أنّه من الضروريّ التذكير بأنّ إدانة رشدي بالموت حصلت عام 1989، بينما بدأ الانسحاب السوفياتيّ عام 1988 وانتهى عام 1990، ولا يوجد بالتالي أيّ رابط سببيّ أو ارتباط بين الحدثين.
إنعاش الخمينيّ للحملة ضدّ رشدي، والتي كان قد أطلقها مسلمون هنود وباكستانيّون، جاء لخدمة غرض داخليّ مهمّ، إذ سعى آية الله في تلك الفترة لتهميش أحد أجنحة النظام التي تبحث عن تطبيع العلاقات مع الغرب. بالتأكيد، شدّدت تلك الفتوى شعبيّة “القائد”، ولكنّها لم تخفّف بأيّ حال الانتصار الجيوسياسيّ للمعسكر الغربيّ على الاتحاد السوفياتيّ.
ثمة مثال آخر يلجأ فيه المؤلف إلى إعادة بناء لاحقة للأحداث، هي من وضعه الخاص، في مسعى لتثبيت تأكيداته. يظهر ذلك في المقتطف الآتي: “إيران، التي كانت، إلى جانب الاتحاد السوفياتيّ، أحد هدفَي الجهاد السائر تحت إدارة سنيّة في أفغانستان، رأت في خلق جهاد في البوسنة وتدويله تحت رعايتها فرصة لإيجاد دور مفتاحيّ في مسار أقصاها منه أعدائها”. يبعث هذا التأكيد على الشكّ جديّاً في البراهين الأخرى، خاصةً أننا نعلم أنّ إيران ساندت مجموعات سنيّة في غرب أفغانستان وشيعة أفغان (رغم أنّهم أقليّون) ساهموا في الجهاد. وفي البوسنة، فقد تدخلت طهران في وقت لاحق، بعد انطلاق الميليشيات الصربيّة في تنفيذ مشروعها للتطهير العرقيّ على نطاق واسع. كما أنّ الكاتب لا يشير في أيّ مكان إلى تدخل السعوديّين علناً منذ 1992 كما يُظهر تقرير نُشر في نفس العام حول الجهاديّين في البوسنة على صفحات مجلة الحياة الأسبوعيّة، وكانوا يعملون تحت قيادة السعوديّ أبو عبد العزيز (كما أرسلت الرياض مجندين مختصين في حرب العصابات وموّلت المقاتلين عبر نسيج جمعيات محليّة غير حكوميّة).
مهما كان عدد الوقائع الراسخة التي تشكّك في وجود انقسام مسلم داخليّ يؤطر سرد الأحداث السياسيّة والجيوسياسيّة كما يريدها كيبيل، فإنّ الأخير يقفز فوقها، ويذهب نحو نقطة أساسيّة، حين يقول: “عند انغلاق العقد عام 1989، كان قد تثبّت نهائياً حيز لاتجاه إسلاميّ في النظام العالميّ”، مستدلاً على ذلك بنحو قاطع من خلال أولى القضايا حول الحجاب في فرنسا عام 1989 والتي هيمنت على أذهان عوام الفرنسيّين مع نهاية الحرب الباردة. ويقول إنّ ذلك “كان نتيجة قطيعة ثقافيّة مخادعة في المجتمع ترافقت مع مسار أسلمة للأحياء الشعبيّة، بدأ في تعويض الكسر الاجتماعيّ”. يمثّل هذا تأكيداً جديداً جازماً ولكنه غير دقيق، إذ باستثناء بعض أصوات اليمين المتطرف أو بعض الشخصيات القليلة من المجتمع المدنيّ على غرار برنارد كوشنير الذي سيستمر في “ملحمة الأطباء الفرنسيّين”، لم يكن الجمهور الفرنسيّ مهتماً بمتابعة حرب أفغانستان خلال الثمانينيات. والرغبة في التشديد على المكونّ الإسلاميّ خلال تلك الحقبة تندرج ضمن منظور محليّ بحت وخاصّ بفرنسا، إذ إنّها ظهرت في أعقاب أزمة اقتصاديّة واجتماعيّة، وبسبب تناقضات المجتمع والمشاكل الموروثة عن الماضي الاستعماريّ.
بعيداً عن تطويع الحقائق الذي يرشح على امتداد قراءة النصّ، يترك الأخير أيضاً إحساساً بغياب الأمانة الفكريّة خاصّة حين يتحدث المؤلف عن “إضفاء الطابع الجهاديّ على الصراع في فلسطين”.
تخمينات فكرية ونسيان إرادي
يتطرق جيل كيبيل إلى العمليات الاستشهادية بعد التذكير بأنّ “أسلمة الصراع الفلسطيني وإقحامه في ما بعد ضمن التنافس بين السنة والشيعة بهدف استخدامه لممارسة الزعامة الإقليمية، تمثل واحدة من التحولات الكبرى التي عرفها الشرق الأوسط خلال عشرية 1980”. ويكتب قائلاً: “عبر التقلبات السياسية في الساحة الفلسطينية، اكتسبت “العمليات الاستشهادية” ـــ التي تعززت مكانتها وأصبحت تعتبر السلاح الأعظم ـــ بروزاً قوياً جداً وشرعية مطلقة بالنسبة لكل الراغبين في محاربة إسرائيل في مرحلة أولى والغرب عموماً في ما بعد. كان لأسامة بن لادن والقاعدة الدور الأكبر في نشر هذا النوع من الإرهاب الإسلامي على مستوى عالمي، الخ”.
والحال أنّه تكفي العودة إلى مقالة كتبها العقيد الإسرائيلي غال لوفت، بعنوان “القنبلة البشرية الفلسطينية: إستراتيجية رعب رابحة”، نُشرت في مجلة “فورين افيرز” صيف عام 2002، لنتتبع سياق ومغزى هذه العمليات الانتحارية، والتي للتذكير لم تكن في معظمها بتدبير من الإسلاميين (بل أساساً من حركة فتح خلال الانتفاضة الثانية). يشرح غال لوفت الدافع القومي والعقلاني في آن واحد لهذه العمليات في ضوء ضعف الإمكانات التي تتوفر لدى الفلسطينيين لتغيير ميزان القوى العسكري، ويوضح قائلاً: “بدأ الفلسطينيون شيئاً فشيئاً ينظرون إلى الهجمات الانتحارية كسلاح إستراتيجي؛ قنبلة فقراء ذكية يمكنها بشكل يشبه المعجزة أن تُحدِثَ توازناً مع القوة التكنولوجية لإسرائيل وتفوق جيشها النظامي”.
مؤرخ ومنظر عسكري إسرائيلي آخر، هو مارتن فان كرفلد، يشرح في كتابه “تحوّلات الحرب” (منشورات روشيه، 1998) كيف يؤدي انخرام موازين القوى إلى استدعاء الموارد الروحانية والرمزية، إذ يمكن تصوّر الحرب كامتداد للدين أو الأيديولوجيا، ويقول: “عندما تقاتل جماعة ثقافية أو عرقية أو دينية من أجل بقائها، أو تعتقد ذلك، فإنّ الحرب تصبح بلا ثمن وبلا قوانين”.
في الحقيقة، يظهر استعمال صيغة ” إضفاء طابع جهادي على الصراع”، والتي تبدو لوهلة أولى أنّ لا تأثير لها على المحتوى، في حد ذاته نزوع الكاتب إلى تأكيد أمور يريد أن تكون صحيحة من دون أن يُكلف نفسه عناء التثبت منها. فهو يجهل مثلاً التناقض بين الجهاديين وحركة “حماس” التي تصدت لهم، في حادثة عنف جديدة، عند احتلالهم مسجداً في رفح وإعلانهم من فوق منبره تأسيس دولة الخلافة.
غير أنّ الكاتب يواصل تعنته ويهاجم الانتفاضة الفلسطينية بحدّة وعدوانية عبر التأكيد على أنّ أحداث 11 أيلول/سبتمبر “تندرج أيضاً في سياق استمراري للانتفاضة الفلسطينية الثانية/انتفاضة الأقصى، والتي كانت تشهد ذروتها وتُبلور العواطف السياسية في العالمين العربي والإسلامي، وأرادت أن تكون (أي أحداث 11 أيلول/سبتمبر) امتداداً لها في العالم. في الوقت الذي كانت فيه حركة حماس والجهاد الإسلامي تقتلان العشرات من ركاب الأوتوبيسات ومرتادي الأسواق والمقاهي ومحلات البيتزا، كانت القاعدة تقتل الآلاف من شاغلي البرجين التوأمين في الولايات المتحدة”.
يبدو أنّ الكاتب يُحمّل الانتفاضة، في نوبة حقيقية من الهذيان التأويلي، مسؤولية انتشار الفكر الجهادي في العالم، مغيّباً الفرق الجوهري بين فعل “مقاومة” شرعي لاحتلال قائم على الأرض الفلسطينية والفعل غير الشرعي الذي يستهدف سكان دولة أخرى. الأدهى أنّه وسط غزارة التأويلات هذه، سيلاحظ القارئ إيراد المؤلف لفكرة على عجل، تقول إنّ إسرائيل وجدت نفسها مضطرة للجلوس على طاولة المفاوضات وهي في موقع ضعف بعدما منعتها إدارة جورج بوش الأب من الرد على صواريخ “سكود” التي أطلقها عليها صدام حسين خلال حرب الخليج. لكنّ هذا التفسير غير مقنع أبداً، إذ نعلم أنّه في تلك الفترة كانت حكومة إسحاق شامير، الذي يُمثّل أحد أبرز صقور حزب الليكود والمتورط في اغتيال الوسيط الأممي سنة 1948، تتعنت في رفضها لأي تنازل عن الأرض.
للتذكير، ففي سياق وعد فيه الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الأب، ووزير خارجيته جايمس بيكر، بالعمل من أجل إحلال عصر سلام وازدهار في الشرق الأوسط، مما يستوجب إعادة إطلاق الحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حاولت الولايات المتحدة ثني إسرائيل عن رفض المشاركة في مؤتمر مدريد عبر التلويح بتجميد ضماناتها للقروض الإسرائيلية. هذا التهديد أجبر إسحاق شامير على العودة إلى طاولة المفاوضات، في وقت أنّ معركة لي الذراع بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية لم يكن لها أي تأثير على موقع القوة الإقليمية التي وجدت إسرائيل نفسها فيه بعد حرب الخليج التي دمرت العراق وبعد نهاية الانتفاضة الأولى وانهيار الاتحاد السوفياتي الذي حرم الدول العربية من دعم مهم. مظاهر ضعف البلدان العربية هذه هي التي ستسرع في ما بعد مبادرات السلام المنفصلة وتقوي إرادة ياسر عرفات في التفاوض مهما كانت التكلفة.
بطبيعة الحال سيكون من الممل الكشف عن كل الأفكار التي تنقصها الدقة وعن المعلومات الخاطئة والاستنتاجات النهائية حول بعض المواضيع المتلاحقة عبر صفحات الكتاب، لكنّ القارئ سيلاحظ أنّ الؤلف يمنح نفسه حرية التأويل في تحليله للانتفاضات والأزمات في العالم العربي حتى يضفي مصداقيةً على قراءته للصدام الديني.
بالنسبة لجيل كيبيل، الذي يبدو أنّه يتبنى فكرة الاستثناء الديموقراطي التونسي، فإنّ كل الديناميكيات الاحتجاجية الأخرى تُقرأ من منظور الأسلمة بالنسبة لمصر وسيطرة الجهاديين بالنسبة لليبيا وتجيير الحركية الثورية لصالح “قوتين سياسيتين ـــ دينيتين متطرفتين” ستحرفان مسار الربيع اليمني. تبتعد هذه القراءة الأخيرة عن التحليل السياسي وتُبرز جهلاً كبيراً بالسياق اليمني. ففي الحقيقة، عزز الجهاديون الناشطون في إقليم حضرموت قبل الثورة سيطرتهم في ظلّ هشاشة السلطة المركزية ولكن من دون أن يتمكنوا من تجيير ديناميكية الاحتجاج لصالحهم. تفجُّر التناقضات وبروز الصراعات السابقة للعلن بعد 2011، جزأ البلاد، لا وفقاً لانقسامات دينية، وإنما بحسب منطلقات محلية قبلية وسياسية.
أيضاً، العامل الديني الذي تنبني عليه كلّ القراءة التي قدمها كيبيل لأرضية الصراع، يقوده إلى ملاحظة وجود “حرب دينية طائفية إسلامية ومناهضة للغرب في آن واحد، ومبطنة بصراعات اثنية” في الحالة السورية. ويُحمّل الكاتب في تحليله لتطور جماعة “الدولة الإسلامية”، فرنسا مسؤولية الجهل بديناميكيات الإسلام السياسي، مستبعداً بشكل واضح في هذا المقطع أطروحة “أسلمة الراديكالية” ولكن من دون أن يفككها أبداً بصفة فعلية. ويشير كيبيل إلى موقفه، قائلاً إنّه ثمة “عدم دراية كافية بالسوسيولوجيا السياسية ـــ الدينية للإسلام المعاصر، متأتي من الجهل باللغة والثقافة العربيتين من قبل أبطالها الجامعيين الرئيسيين. لم ترَ فرنسا أنّ الحرب في سوريا، التي أصبحت الجهاد في بلاد الشام، قد تسببت في احتدام صراعات داخلية من أجل الهيمنة على الإسلام المحلي والدولي”.
لم يتم أبداً في سياق الكتاب التعرض للأسباب العميقة في التأويل الذي يقدمه الكاتب لطبيعة وأصل العنف كنتيجة للرادبكالية التي أصبحت تطبع الإسلام. يجد القارئ نفسه أمام تناقض غير قابل للحل، لكن اعتماداً على أطروحة كيبيل، سيكون من المفيد التساؤل لماذا عرفت الحركات المنبثقة عن الإسلام المتشدد والمحافظ، والتي بقيت هامشية إلى حدود تآكل السلطة في مصر واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى وتفجر حرب الخليج وحدوث الانقلاب في الجزائر، صعوداً مفاجئاً وسريعاً استطاع استقطاب الذين لم يكونوا يتفاعلون مع أفكارها في الماضي؟
يُظهر مثال فلسطين، وهي مركز كل الصراعات، أنّ تبني المسألة الوطنية مكّن الإسلام السياسي من زيادة شعبيته، كما مثّل هذا التوجه لصالح النضال الوطني حاجزاً أمام تحويل الصراع إلى حرب جهادية. في أماكن أخرى، لعبت هذه الأسلمة أيضاً دور حامل لواء المسألتين الاجتماعية والوطنية. لكن الكاتب يحاول دحض أطروحة “أسلمة الراديكالية” عبر إخفاء أو تناسي حقائق وفق ما يناسبه واعتماداً على تأويلات محرفة وعلاقات سببية خيالية.

لينا كنوش، صحافية عربية من الجزائر
الثلاثاء، 27 تشرين الثاني/ نوفمبر، 2018
المقال منشور في موقع "المراسل"

الثقافة والفنون » Homepage Slides » أهم المقالات » كتب