المسألة الطائفية في لبنان : “كارتيل” التعليم الخاص يعيد إنتاج نخب الطوائف بأموال الحكومة

المسألة الطائفية في لبنان : “كارتيل” التعليم الخاص يعيد إنتاج نخب الطوائف بأموال الحكومة

وضع مجلس النواب خلال صيف 2017 حدا للسجال الذي دار منذ العام 2012  حول مطلب الحركة النقابية بتعديل الاجور التي جمدت منذ العام 1998 من خلال إقرار سلسلة الرتب والرواتب بعد مجموعة من التحركات والاضرابات التي خاضتها الحركة النقابية عامة وهيئة التنسيق النقابية خاصة.

وترافق إقرار السلسلة مع سلة من الضرائب الجديدة بهدف تمويل كل من السلسلة وموازنة العام 2017. وتميزت هذه الضرائب في جانب منها بأنها طالت أبواب كان "محرماً" الاقتراب منها. فللمرّة الأولى منذ عقود تدخل ضرائب على الشركات الكبرى، وعلى التحسين العقاري، وأرباح المصارف، وتُفرض الغرامات على المخالفات على الاملاك البحرية، وهذه سابقة لم تستطع كلّ نضالات الحركات النقابية السابقة تحقيقَها.

وفي المقابل، عمل لوبي «الهيئات الاقتصادية» على شيطنة الضرائب من خلال ربط العجز في الموازنة العامة حصراً بالفساد والهدر وفشل الدولة،  هدفاً إلى طمس حقيقة عمليات النهب والاحتكار التي أدت إلى التركيز المهول للثروة في يد أقلية تسيطر على القطاعين المصرفي والعقاري وترتبط بعلاقات وثيقة مع الطبقة السياسية التي تربعت على السلطة خلال العقود الثلاثة الماضية.

وتعبيراً عن انزعاج لوبي "الهيئات الاقتصادية" اعتبر رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس، أن يوم 19 تموز هو يوم حزين، مشبهاً ما حصل "باتفاقية القاهرة"، وموصفاً إياه بـ"حفلة جنون ضرائبية وضعت الاقتصاد على حافة الانهيار، من زاوية الضغط الضريبي الذي طاول 29 ضريبة".

وسبق هذا التوصيف ما أعلنه رئيس اتحاد الغرف التجارية في لبنان محمد شقير غداة رفع الحد الادنى للاجور عام 2012 بأن "القطاع الخاص هو الذي حمى لبنان، وهناك من يخلط بين واجبات الحكومة وواجباتنا"، معيداً بالذاكرة إلى خمسينيات القرن الماضي عندما كتب ميشال شيحا محذراً رئيس الحكومة رياض الصلح المكلف تشكيل الحكومة من التجرؤ على تطرق البيان الوزاري للمسائل الاقتصادية، حيث خاطبه قائلاً "لما كانت قشرة الموز التي زلت القدم من جراّئها بالحكومة السابقة، فإن علينا التذكير بأن المسائل الاقتصادية المذكورة لها الصفة الفنية بقدر غيرها من المسائل وأكثر، وان الصعوبات لا تزيلها المجادلات البيزنطية ولا التوكيدات العدوانية"[1].

إن الانزعاج الذي عبر عنه ممثلو الهيئات الاقتصادية، متضامنين متكافئين مع بعض محطات التلفزة اللبنانية، ومع بعض المرجعيات الطائفية، يشير إلى أهمية الانجاز الذي تحقق بإقرار السلسلة وبفرض ضرائب طالت المحرمات التي كان ممثلو "الكارتيل" يسعون إلى إبقائها بعيدة عن سلة الضرائب.

إلا انه عندما فشل هذه المرة  كشّر عن أنيابه مستخدماً أسلحته الاحتياطية وفي مقدمتهم اصحاب المدراس الخاصة، من خلال سعيه إلى وضع مصير ما يقارب 66% من تلامذة لبنان تحت تهديد إخراجهم من المدارس الخاصة، بسبب ما اعتبروه "السياسات الخاطئة" التي انتهجتها الحكومة في تعاطيها مع جانب صغير من جوانب المسألة الاجتماعية في لبنان.

واعتبرت الهيئات الاقتصادية ان السلسلة المقترحة "حق يراد به باطل"، وانها ستؤدي إلى إخلال واضح  في الكيان الاقتصادي، "لانها تبتر ذراع الوطن المنتجة وتنحر الاقتصاد المنتج وتجلب الانهيار. إذ تزيد العجز في الموازنة من 4 الى نحو 6 مليارات دولار، وترفع التضخم الى نحو 10 %، فضلا عن انها ستضخم النفقات الاسرية ولا سيما ً تكاليف التعليم بنسبة تفوق 30 في كل المؤشرات الاقتصادية".

 

التلاميذ في المدارس الخاصة رهينة أصحاب الاحتكارات

كما كان اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة سباقاً في معارضته للسلسلة أثناء نقاشها على مدى السنوات الخمس الماضية، كان أيضاً سباقاً في رفضها بعد إقرارها، حيث عقد اتّحاد المؤسسات التربوية الخاصة في لبنان، اجتماعاً ضم الهيئات والمؤسسات التي تدير المدارس الخاصة التابعة للطوائف في لبنان، مثل المدارس الكاثوليكية، المقاصد، العرفان التوحيدية، المبرّات الخيرية، أمل التربوية، المهدي… وأطلق تحذيراً  وتهديداً في الوقت نفسه من أن "تداعيات هذه السلسلة على الأقساط المدرسية وعلى قدرة الأهل في تعليم أبنائهم"، مطالباً “الدولة بتحمّلِ مسؤوليتها في تأمين الزيادات الناتجة عن السلسلة”.

وتتابعت لاحقاً المواقف من هذه المؤسسات والتي كان في مقدمتها وعلى رأسها الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، التي رفعت صوتها في كل مناسبة خاصة وأنها تضم في مدارسها ما يقارب 90% من مجموع التلامذة في التعليم الخاص في لبنان (بلغ عدد التلاميذ في العام الدراسي 2016-2017 حسب احصاءات المركز التربوي للبحوث والانماء 702,190 تلميذ منهم 635,000 في المدراس الكاثوليكية لوحدها).

 ولم تقتصر الحملة على الامانة العامة بل شاركت فيها اعلى المرجعيات الطائفية، ففي اجتماع مجلس المطارنة الموارنة في أيلول 2017 أعرب عن «قلق الآباء من الجدل القائم حول الأقساط المدرسية وانعكاسه على العام الدراسي الذي بات على الأبواب، ودعوا جميع أفراد الأسر التربوية إلى التعامل بموضوعية ودقة مع هذا الأمر، وكرروا مطالبتهم الدولة بإلغاء الدرجات الاستثنائية، أو دفع فروقاتها في القطاع الخاص كما في القطاع العام، منعاً لتعريض القطاع التربوي لأزمات قد تنعكس سلباً على دوره في تعزيز المستوى الثقافي في لبنان، وعلى مستقبل الإنسان اللبناني»

هذه الحملات التي أحتلت شاشات التلفزة تم ترجمتها مع بدء العام الدراسي 2017-2018 بإعلان إدارة المدراس الخاصة ولا سيما الكاثوليكية عن زيادة الاقساط بنسبة تتراوح بين 10 و 20% لدفع فقط كلفة زيادة الرواتب من دون احتساب الدرجات الست وغيره من الحقوق التي أقرتها السلسلة للمعلمين. وقد أدى رفع الاقساط إلى إرتفاع أصوات الاهالي الرافضين لهذه الزيادة التي ترهق كاهل ميزانية الاسرة، علما أن إدارات المدرسة قد أقدمت على رفع أقساطها خلال السنوات الخمس الماضية بنسبة تتراوح بين 35 50% بداعي تغطية مترتبات السلسلة عند إقرارها.

 

الدور المشبوه لمجالس الاهل في المدارس الخاصة

وفي ظل هذا السجال حول زيادة رواتب المعلمين في القطاع الخاص، برز التناغم بين مواقف العديد من مجالس الاهل وإدارات المدراس الخاصة من خلال التبني بطريقة غير مباشرة مواقف الاخيرة، حيث عمد عدد كبير من مجالس الأهل ومن إتحاداتها للدعوة إلى أمرين، الاول المطالبة بتعديل احكام المادة السادسة من القانون 515/1996، المتعلقة بتحديد المنح المدرسية لأفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة. والثاني، من خلال الدعوة إلى تحمل الدولة اللبنانية كلفة الزيادة على الاقساط من خلال دفع الزيادة المترتبة للمدراس الخاصة[2].

ولاحقا أكدت رئيسة اتّحاد لجان الأهل ميرنا خوري، في تصريح صحفي[3] أنه "بعد 7 سنوات من العمل المتواصل وإطلاق الصرخة في كلّ مرّة يُفتح نقاش سلسلة الرتب والرواتب من منطلق انعكاسها على الأقساط وليس من منطلق معاداة الأساتذة، وقعنا للأسف بما سبقَ وحذّرنا منه”. وتضيف: “قبل إقرار السلسلة عددٌ كبير من الأهالي كان يعجز عن تسديد القسط، كيف بالحريّ الآن في ظلّ الوضع الاقتصادي والزيادات؟

إذا كان من الأولى قبل إقرار السلسلة تأمين دعمِ قطاع التعليم الخاص وحمايتُه، سواء عن طريق البطاقة التربوية التي تؤمّن التعليم المجاني لأيّ تلميذ في أيّ مدرسة حتى الصفّ السابع”.

إن مطالبة بعض مجالس الاهل بإلغاء منح التعليم المخصص لابناء المعلمين في المدراس الخاصة يرمي إلى الاقتصاص من المعلمين فقط، إذ إن تأثيره محدود جداً على الأقساط المدرسية.

وتناغماً مع مواقف مجالس الاهل هذه، أعلنت الهيئة العامة لأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية[4] "تكرار مطالبتها الدولة باعتماد البطاقة التربوية وبتحمّل فرق الزيادات الناتجة عن تطبيق القانون 46 تخفيفاً للأعباء التي تثقل كاهل الأهالي في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة".

كما أكد أمين عام المدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار أن الحل يكون من خلال ان تقوم الدولة بدفع رواتب المعلمين في التعليم الخاص، مذكراً بالمرسوم الاشتراعي رقم (95) الصادر في العام 1983، والذي تمّ إلغاؤه في العام 1985، ومفادُه أنّ الدولة تدفع الراتبَ للمعلمين في المدارس الخاصة، عندها فقط سيَهبط القسط ويقتصر على تكبيد الأهل فقط المصاريف التشغيلية في المدارس”.[5]

ما هي قصة المرسوم الاشتراعي 95/1983، وإلى ماذا ترمي مطالبة الدولة بدعم المدارس الخاصة عبر دفع كلفة الزيادة على الرواتب؟

في العام 1983، وأثناء حكم الرئيس أمين الجميل، اعطى المجلس النيابي حكومة الرئيس شفيق الوزان الصلاحية بإصدار مراسيم تشريعية. وغداة الانسحاب الصهيوني من منطقة الجبل وإندلاع معركة إسقاط إتفاق 17 أيار، أصدر أمين الجميل مرسوما إشتراعياً تحت عنوان" تنظيم بعض سبل تأمين التعليم الابتدائي المجاني" والذي قضى بموجبه وفي المادة الثانية منه بأن "تساهم الدولة في تخفيف أعباء التعليم عن كاهل أولياء التلامذة اللبنانيين في المدارس الخاصة المنتسبين الى مرحلة التعليم الابتدائي بما فيها الروضة ويتم ذلك باحدى الوسيلتين التاليتين او بكليهما معا:

  1. انتداب معلمين ومدرسين رسميين للعمل في هذه المدارس بالاتفاق مع اداراتها.
  2. دفع الرواتب والاجور وملحقاتها الى افراد الهيئة التعليمية الذين يعملون في المرحلة الابتدائية في هذه المدارس"

ونصت المادة الخامسة منه على انه "لمواجهة باقي اعباء التعليم الخاضع لنظام العقد، يحق للمدرسة ان تفرض سنويا على التلميذ مبلغا مقطوعا يجري تحديده بقرار من وزير التربية الوطنية والفنون الجميلة… وللمدرسة ان تضيف الى هذا المبلغ وفرا مشروعا لها بنسبة 12% من قيمته كحد اقصى".

وكان هذا المرسوم ترجمة للمشروع الذي سعى إلى تطبيقه وزير التربية الكتائبي إدمون رزق في العام 1974 والذي سمي "مشروع الضمان التربوي" الذي كان ينص على ان تساهم الدولة بتحمل كلفة التعليم الخاص تمهيداً للقضاء على التعليم الرسمي والذي تصدت له الحركة الطلابية آنذاك وأفشلته.

وكما لم يكتب لمشروع الوزير إدمون رزق النجاح بتلزيم التعليم الخاص الطائفي في لبنان عملية إعادة إنتاج النخب، فشل أيضاً مشروع أمين الجميل في العام 1983، حيث نص الاتفاق السياسي الذي جرى في لوزان على إلغاء عدد من المراسيم الاشتراعية ومن بينها المرسوم 95/1983.

اليوم مجددأ، تبرز المطالبة من قبل الامانة العامة للمدارس الكاثوليكية بتطبيق هذا المرسوم الاشتراعي عبر إصدار قانون جديد يفرض على الدولة اللبنانية تغطية تكاليف التعاليم في المدراس الخاصة ليكتمل معها تحمل خزينة الدولة اللبنانية كلفة التقديمات الاجتماعية الطائفية، فبعد كلفة الرعاية الاجتماعية والاستشفاء في المؤسسات الطائفية تأتي المطالبة بتغطية كلفة التعليم الطائفي.

ويتناغم في هذا المطلب كل من الهيئات الطائفية المعنية بالمدارس الخاص وبعض مجالس الاهل، الذين تم تعيينهم من قبل إدارات المدرسة عبر الفوز بالتزكية بسبب عدم المنافسة.

يبدوا واضحاً أن المعركة التي تدور بين الاهالي (خارج العدد الاكبر من مجالس الاهل) من جهة، وبين إدارات المدارس الخاصة ومن يقف خلفها من مرجعيات دينية، لا تتعلق بمسألة توفير كلفة تطبيق سلسلة الرتب والرواتب، لانه قد تم تحصيلها من الاهالي خلال السنوات الخمس الماضية من خلال الزيادات التي أضيفت على الاقساط بتغطية وتواطؤ من مجالس الأهل. بل المعركة تدور حول السطو على أموال الخزينة العامة من خلال تحميل الدولة كلفة دفع رواتب المعلمين في التعليم الخاص حتى نهاية مرحلة التعليم الاساسي، والقضاء تدريجياً على التعليم الرسمي وما يعني ذلك من تحكم القيادات الطائفية ولا سيما اتحاد المدرس الكاثوليكية في إعادة إنتاج وعي الاجيال المقبلة.

عبدالله محي الدين، إستاذ مساعد في معهد العلوم الاجتماعية ـ الجامعة اللبنانية
أوائل شباط/فبراير، 2018

 

[1]  شيحا، ميشال، في السياسة الداخلية، دار النهار، بيروت، الطبعة الاولى 2004، ص 99.

[2] راجع بيان اتحاد لجان الأهل في المدارس الكاثوليكية في كسروان ـ الفتوح وجبيل

[3] راجع جريدة الجمهورية بتاريخ 21 تموز 2017

[4] الاجتماع الشهري للامانة العامة للمدارس الكاثوليكية بتاريخ 31/10/2017

[5] المرجع السابق

 

المجتمع المدني » Homepage Slides » أهم المقالات » قضية