المستشرق الفرنسي أوليفييه روا : “جيلنا امتداد طبيعي لأعمال بعض المستشرقين الذين سبقونا” …

كاتب وصحفي عربي. وقد ظهر الحوار في جردة الأخبار اللبنانية، يوم 10/12/2007.

المستشرق الفرنسي أوليفييه روا : “جيلنا امتداد طبيعي لأعمال بعض المستشرقين الذين سبقونا” …

يعتبر الإستشراق موضوعا إشكاليا على المستويين العلمي والسياسي. فهو كأداة علمية محضة يستخدمها الغرب لمعرفة الشرق، آزر الكولونيالية والإمبريالية في صعودهما، وساهم بأشكال متعددة في خراب دول وتحطيم مجتمعات “شرقية” على امتداد آسيا وإفريقيا. لكن الإستشراق شهد تحولات فكرية ومنهجية لم تؤد إلى القطيعة الكلية مع مفاهيمه الأولية، وغاياته التكوينية، وإنما غيرت بعضا من وظيفته، وولدت أجيالا من المستشرقين أشد رغبة بتحويل هذه الأداة العلمية إلى باب للمعرفة، وربما إلى سبيل للحوار مع “الشرق”. وقد حمل عثمان تزغارت بعض أسئلة هذا الموضوع إلى أوليفييه روا أحد المستشرقين الفرنسيين المعاصرين، حيث أجرى معه هذه المقابلة في باريس.

ـ هل تعتقد بوجود مدرسة جديدة أو خاصة في الاستشراق الفرنسي؟ وبمَ تتميز عن الاستشراق الكلاسيكي؟

ـ إن الأمر برأيي لا يتعلق بـ«مدرسة» بالمعنى الفكري للكلمة، أي أنها لا تمثّل تياراً فكرياً متجانساً له خلفية فلسفية أو توجّه إيديولوجي موحّد. لكن هناك بالفعل خصوصية فرنسية حالياً في مجال ما يسمى عموماً الاستشراق، وفي مجال الإسلامولوجيا تحديداً. وتكمن هذه الخصوصية أساساً في إحداث نقلة جذرية في أسلوب تنظيم وتوجيه شبكات الباحثين، بحيث انتقلت الدراسات الإسلامية عندنا من فترة المستشرقين الكلاسيكيين الذين كان اهتمامهم منصبّاً أساساً في التخصص في مجالات دراسة القرآن والتاريخ الإسلامي واللغات والآداب الشرقية، أمثال ماكسيم رودنسون وجاك بيرك وكلود كاهين، إلى جيل جديد من الباحثين المتخصصين أساساً في السوسيولوجيا والعلوم السياسية.

هذه الفئة الجديدة من الباحثين لا ترى أن الدراسات الفقهية القرآنية أو التاريخية هي أداتها الرئيسية في دراسة الظواهر الإسلامية المعاصرة وتحليلها، بل المحك بالنسبة لها هو البحوث الميدانية.

المستشرقون الكلاسيكيون كانوا يرون أن تعلّم ودراسة القرآن والتخصص في مجال التاريخ الإسلامي هو المفتاح العلمي الذي يؤهّلهم لفهم الظواهر الإسلامية وتحليلها، بما في ذلك المعاصرة منها. أما جيلنا الحالي، فقد تجاوز هذه النظرة الضيقة، وأصبحت دراسة القرآن والتاريخ واللغات والآداب الشرقية بالنسبة لنا لا تعدو أن تكون أدوات بحث نستعين بها خلال تنقلاتنا وأسفارنا ودراستنا الميدانية. نحن بخلاف المستشرقين الكلاسيكيين لا نسعى لفهم أو تفسير الراهن الإسلامي في ضوء دراسة التاريخ أو الفقه أو الآداب القديمة، بل نتعامل مع الظواهر الإسلامية المعاصرة التي ندرسها أدوات البحث العلمي نفسها التي نعتمدها لتحليل أيّ ظواهر اجتماعية أو سياسية أخرى ودراستها، شرقية كانت أم غربية.

لكن هذا لا يعني أن هذا الجيل من الباحثين الجدد في مجال الإسلاميات لهم نظرة واحدة أو آراء متوافقة، بل لكل واحد منهم خصوصيته وتوجهه وأفكاره. أما السمة المشتركة التي جعلتهم يؤلفّون ظاهرة متميزة في مجال الدراسات الإسلامية أو الاستشراق عموماً، فتكمن في كونهم جميعاً متخصصين إما في السوسيولوجيا أو العلوم السياسية، وهو ما يجعلهم يغلّبون دوماً الدراسة الميدانية على دراسة النصوص. أنا، مثلا، حين بدأتُ بالتخصص في الشأن الأفغاني، درست اللغة الفارسية وحصلت على دبلوم جامعي في هذا المجال، لكنني لم أمض بعد ذلك سنوات طويلة في دراسة الآداب أو الأشعار الفارسية القديمة، مثلما يفعل أي مستشرق كلاسيكي، بل اخترت أن اتنقّل في أرض الواقع لإجراء دراساتي ميدانياً.
هناك في القرى والأرياف الأفغانية، أتيحت لي الفرصة لتعميق معارفي اللغوية وتقويتها، وأيضاً لاكتشاف الخصوصيات الثقافية المحلية بشكل أكثر أصالة وصدقاً مما كنت سأتعلمه لو أنني أمضيت وقتي في دراسة التاريخ أو الآداب الفارسية القديمة نظرياً.
ـ ما هي العوامل التي أسهمت في إحداث هذه النقلة المنهجية التي تمخضت عن بروز جيلكم، جيل «المستشرقين الفرنسيين الجدد»؟

ـ بداية، وللأمانة العلمية، يجب الاعتراف بأن جيلنا لم يبدأ من الصفر. فنحن لسنا أول من اعتمد المقاربة السوسيولوجية الميدانية في مجال الاستشراق. وإذا نظرنا اليوم، بأثر رجعي، إلى مستشرق فرنسي كلاسيكي مثل ماكسيم رودنسون، نجد أنه كان صاحب تكوين تخصّصي نظري في مجال الفقه الإسلامي، لكنه كان أيضاً باحثاً ميدانياً، ولأنه كان يحمل أفكاراً يسارية، فقد كان له اهتمام خاص بالحركات والظواهر الاجتماعية.

لذا، لا يمكن القول بأن جيلنا يمثّل قطيعة مع تراث رودنسون وأعماله، بل نحن نشكل امتداداً لما بدأه. وبرغم أننا لم نتتلمذ على يديه أو نتعلم عنه مباشرة، فإن أبحاثه الميدانية وضعت البنية الجنينية الأولى التي تطوّرت لاحقاً مع بروز جيلنا، وأصبحت ظاهرة علمية أو بحثية مستقلة بذاتها، من حيث إنها تمتلك أدوات بحث خاصة بها، وتعتمد مقاربة استشراقية مغايرة، من منطلق السوسيولوجيا والعلوم السياسية.

من وجهة نظر المنهج، يمكن القول، إذاً، إن جيلنا برز امتداداً طبيعياً لأعمال بعض المستشرقين الفرنسيين الذين سبقونا وأبحاثهم. وما حققناه من تطوّر كان مستنداً في الأساس إلى التراكم العلمي والمعرفي الذي تكوّن عبر أبحاث تلك الأجيال التي سبقتنا. لكن هناك أيضاً عوامل خارجة عن النطاق البحثي أو المنهجي المحض، أسهمت هي الأخرى في إحداث تلك النقلة التي سمحت ببروز جيلنا. هذه العوامل مرتبطة بأحداث سياسية معينة تولّد عنها اهتمام اجتماعي بالشأن الإسلامي عندنا في الغرب. لقد بدأ ذلك الاهتمام مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، ثم تزايد وما يزال يتوالى فصولا حتى اليوم. هذا الاهتمام من الرأي العام الغربي بالظاهرة الإسلامية بمختلف توجهاتها، السياسية منها أو الدعوية أو الجهادية، هو الذي دفع بالدراسات الإسلامية نحو المنحى السوسيولوجي الذي اتخذه جيلنا أداةً أو مقاربة لتحليل وفهم الظاهرة الإسلامية. وبالتالي شرحها للرأي العام المتطلع لمعرفة خلفياتها ودوافعها وأهدافها… أريد أن أؤكّد هنا على أهمية كون هذا الاهتمام نابعاً عن الفضول الاجتماعي الذي ولّد تطلعاً لدى الرأي العام الغربي للاطلاع على أبحاثنا، بغرض فهم أو استيعاب الظاهرة الإسلامية. فهذا المعطى مثّل مرتكزا مهماً في تحديد سمات وخصوصيات ما سميتموه «المدرسة» الاستشراقية الفرنسية الجديدة، إذا ما قورنت بالمدرسة الاستشراقية الأنغلوسكسونية.
أبحاثنا نحن مرتبطة أساساً بمؤسسات المجتمع المدني وبمراكز الأبحاث الجامعية المستقلة عن السلطة السياسية. بينما الاستشراق الأنغلوسكسوني مرتبط وثيقاً بمراكز القرار السياسي والعسكري وبجماعات الضغط واللوبيات المختلفة.

بالرغم مما يحاول البعض من زملائي الإيحاء به، فإن تأثيرنا في المؤسسات السياسية ضعيف جداً، وليست لدينا كلمة مسموعة لدى رجال السياسة والحكّام، لأن الساسة لهم منطق مغاير في التعامل والتفاعل مع الأشياء. وأنا أزعم أن هذه المسافة النقدية التي تفصلنا نحن الباحثين عن مراكز القرار أو التأثير السياسي لا تنتقص من أهمية أبحاثنا، بل تزيدها موضوعية وصدقية…

ـ هل يعني هذا أن التحوّل الذي حقّقه جيلكم، على صعيد المقاربة المنهجية والاستقلالية الفكرية أسّس لقطيعة نهائية مع الاستشراق الكلاسيكي، بشقّيه الفرنسي والأنغلوسكسوني؟

ـ الأمور أكثر تعقيداً من ذلك. لا يمكننا القول بأننا جئنا قطيعةً مع الاستشراق الكلاسيكي بأكمله. من جهة، نحن نشكّل ـ مثلما أوضحت آنفاً ـ امتداداً للاستشراق الكلاسيكي الفرنسي في بعض جوانبه، وبالأخص في مجال البحث الميداني السوسيولوجي. ومن جهة أخرى، يجب أن نعترف بأن القطيعة مع المدرسة الاستشراقية الأنغلوسكسونية لم تبدأ مع بروز جيلنا، بل تم التأسيس لها منذ الجيل الأول من رواد من الاستشراق الكلاسيكي الفرنسي. هؤلاء الرواد الفرنسيين كانت السمة المشتركة بينهم وبين نظرائهم الأنغلوسكسون تكمن في ارتباطهم ـ في البداية ـ بعلاقات عضوية مع المؤسسات العسكرية في أوائل العهود الاستعمارية. وإذا أخذنا نماذج استشراقية بارزة ومرموقة كجاك بيرك وريمي مونتاني، على سبيل المثال، نجد أن اهتماماتهم الاستشراقية بدأت حين كانوا مجنّدين في الخدمة العسكرية بالمستعمرات الفرنسية في المغرب العربي. لكن جهودهم وأبحاثهم لم تتخذ فيما بعد منحى استخباراتياً، كما هي الحال في أغلب التجارب الأنغلوسكسونية التي عاصرتهم.

رواد الاستشراق الفرنسي استغلّوا فرصة احتكاكهم بالسكان المحليين، خلال الحملات الاستعمارية، لإجراء أبحاث سوسيولوجية وأنتروبولوجية مهمة خوّلتهم استيعاب خصوصيات الثقافات المحلية للمجتمعات الإسلامية التي عايشوها، وهو ما جعلهم لاحقاً مناصرين لقضايا التحرر الوطني لشعوب المستعمرات الفرنسية السابقة. كذلك كانوا في طليعة منظري وصنّاع ما يُعرف بـ«السياسة العربية» لفرنسا لاحقاً.

لقد كانت تلك هي نقطة القطيعة الأولى والمفصلية التي يعود لها الفضل في بروز خصوصية استشراقية فرنسية مغايرة جذريا للتجارب الإنغلوسكسونية. مع بروز جيلنا تعمّقت هذه القطيعة أكثر، بفضل ما اكتسبناه نحن الباحثين الجامعيين من استقلالية فكرية وتمويلية، ومن هامش نقدي تجاه المؤسسات الرسمية ومراكز القرار السياسي والعسكري.

هناك أيضاً معطى أكاديمي أسهم في هذه القطيعة، وتمثّل في تحديثنا لأدوات البحث العلمي، بما جعلنا نغلّب مناهج العلوم الإنسانية العصرية على الإسلامولوجيا الكلاسيكية ذات الطابع الفقهي. كان منطلقنا في ذلك أن الظواهر الإسلامية التي ندرسها ليست تجارب دينية صرف، بل هي متشبعة أيضا بتأثيرات بيئتها الاجتماعية وظرفها السياسي الراهن. هذا هو مردّ القطيعة أو بالأحرى «الهوة الفكرية» التي تفصلنا الآن عن المستشرقين الأنغلوسكسون.
أنا لا أقصد أعمال برنارد لويس ومن ينحون نحوه فحسب، بل يشمل الأمر أيضاً بعض المستشرقين الأميركيين الذين يُوصفون بأنهم منتصرون للإسلام، أمثال جون إسبوزيتو!
إن لويس يستند اليوم إلى أبحاثه ومعارفه المشهود بها، في ما يتعلق بالتراث والتاريخ الإسلامي القديم، ليحاول على ضوئها تحليل وفهم الظواهر الإسلامية المعاصرة. ما يفسر لماذا انتهى به الأمر إلى الارتماء في أحضان “المحافظين الجدد”. إيسبوزيتو، في المقابل، يردّ منتصراً للإسلام والمسلمين من المنطلق التراثي ذاته، معتبراً أن رسالة الإسلام مثلما وردت في النص القرآني هي رسالة حب وتسامح واعتدال. أما نحن، فنقول بأن الخلل البحثي في كلتا الحالتين يكمن في أن الظواهر الإسلامية الراهنة لا يمكن تفسيرها أو فهمها في ضوء النصوص الفقهية وحدها، أو باسترجاع التراث التاريخي الإسلامي وتحليله فقط، بل يجب قبل كل شيء وضع كل تجربة إسلامية في سياق الظرف الاجتماعي والسياسي المعاصر الذي يحيط بها.

هذه المقاربة هي الوحيدة التي تخوّلنا أن نفهم كيف يمكن شخصاً أو تياراً إسلامياً معيناً أن يكون معتدلا، فيما يتخذ أشخاص أو تيارات أخرى منحى أكثر راديكالية .. مع أن جميعهم ينطلق من نص قرآني واحد ومن مرجعية فقهية مشتركة.

ـ حتى أنتم «المستشرقين الجدد» في فرنسا، لكل واحد منكم خلفياته وانتماءاته السياسية. وهو ما يفسّر وجود تباعد وتضارب في وجهات نظركم وأطروحاتكم، بالرغم من أنكم تستعملون أدوات بحث مشتركة؟

ـ كوننا نعتمد في أبحاثنا المتعلقة بالإسلامولوجيا مقاربة علمية مشتركة تستند إلى أدوات البحث العلمي وقواعده المتعارف عليها في مجال العلوم الإنسانية الحديثة، لا يعني بالضرورة أننا نتوصل إلى النتائج أو الخلاصات ذاتها.

هناك بالفعل تنوع كبير في كتاباتنا، فلكلّ واحد شخصيته وأسلوبه ورؤاه الخاصة. كذلك حرصُنا على تغليب الجانب البحثي الميداني لا يعني أننا قادرون على بلوغ درجة الكمال، أي تجاوز ومحو تأثيرات وانعكاسات مواقفنا وأفكارنا وقناعاتنا السياسية على أبحاثنا ومؤلفاتنا.
لذا تجد في داخل هذه «المدرسة» الاستشراقية الفرنسية الجديدة توجهات أو تيارات سياسية وفكرية متعددة. جيل كيبل، مثلا، غير بعيد عن فكر «المحافظين الجدد» الأميركيين، وله نظرة سياسية لا تختلف في العمق كثيراً عن نظرة برنارد لويس للعالم الإسلامي. بالمقابل، فرانسوا بورغا، ذو توجّه يساري مناصر لقضايا العالم الثالث، وذلك ينعكس بوضوح على مؤلفاته الإسلامية. هذا التوجه العالمثالثي ذاته كان غالباً أيضاً على أعمال الراحل ميشال سارا. ومن المؤسف أن الموت غيّبه مبكراً، حيث إنني كنت أتمنى أن أرى، مثلا، كيف يمكن أن تتطّور رؤاه للعالم الإسلامي بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر…

سطور مختصرة عن سيرة وأعمال المستشرق الفرنسي أوليفييه روا

أوليفييه روا من مواليد سنة 1949 بمدينة «لاروشيل»، غرب فرنسا. ينحدر من أصول دينية بروتستانتية. يحمل إجازة في الفلسفة ودكتوراه في العلوم السياسية. يشغل حالياً منصبي مدير الدراسات بالمدرسة العليا الفرنسية للعلوم الاجتماعية، ومدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.

بدأ دراساته التخصصية في مجال إلاسلامولوجيا مطلع الثمانينيات، وكان ذلك على إثر رحلات بحث ميدانية عدة أجراها في إيران وأفغانستان. أصدر أول كتاب له في مجال الإسلاميات، سنة 1985، بعنوان «أفغانستان: الإسلام والحداثة السياسية» (منشورات سوي ـ باريس).
من أبرز مؤلفاته الأخرى :
«فشل الإسلام السياسي» (منشورات سوي ـ باريس ـ 1992).
«جينيالوجيا الحركات الإسلامية» (منشورات هاشيت ـ باريس ـ 1995).
«آسيا الوسطى الجديدة أو مصنع الأمم» (منشورات سوي ـ باريس ـ 1997).
«إيران: كيف يمكن الخروج من ثورة دينية؟» (منشورات سوي ـ باريس ـ 1999).
«نحو إسلام أوروبي» (منشورات إيسبري ـ باريس ـ 1999).
«الشبكات الإسلامية : الرابطة الأفغان ـ باكستانية» (منشورات أوترمون ـ باريس ـ 2002).
«عولمة الإسلام» (منشورات سوي ـ باريس ـ 2002).
«تركيا اليوم : هل هي بلد أوروبي؟» (منشورات يونيفرساليس ـ باريس ـ 2004).

الشؤون العربية » حوار