النتائج النهائية للنكبات (رؤية مقارنة إلى نكبة الفلسطينيين)
خاص ـ مراسل الحقول /بيروت/ يبدو لي1 أن صفات النكبة تتحدد وفق استجابة الأفراد الذين ابتلوا بها. ولا يقتصر اهتمامي هنا على المشاعر الإنسانية المألوفة، كأحاسيس العذاب والألم التي يعانيها شعب ما نتيجة ابتلائه بنكبة، ولا على الاستلاب والفقر اللذين تولدهما النكبة. لأن ذلك كله يعتبر نتائج طبيعية لأية مصيبة كبرى إلى الحد الذي يمكن معه وصفها بالنكبة. ما أود بحثه هنا هو كيف يتعامل الشعب المنكوب مع أزمة كهذه، بأمل استخلاص بعض النتائج ذات الصلة بوضع الفلسطينيين.
هناك نكبات تتولد عن أسباب طبيعية: فقد أودى الطاعون في القرن الثالث عشر بحياة ثلث أفراد الجنس البشري، كما أن الكوارث الطبيعية الكبرى كزلزال سان فرانسيسكو والموجة المدية (تسونامي) التي حصلت منذ بضع سنوات أديا إلى نتائج مدمرة بالنسبة لسكان المناطق المنكوبة.
في حالة الزلازل، تجلى رد الفعل " الحديث " بإعادة تعمير المدينة المنكوبة، باللجوء إلى تقنيات هندسة مدنية مناسبة صُمِّمت لمنع تكرار كوارث مماثلة في المستقبل. ويمكن القول إن المجتمعات المعرَّضة لكارثة زلزالية التي لا تعدّ نفسها الإعداد الكافي لأحداث كهذه، هي مجتمعات مجرمة وغبية. ولدينا العديد من الأمثلة على مجتمعات كهذه.
في مجال العلوم، عندما نرغب في فهم مشكلة ما، نسأل " الطبيعة" سؤالاً عن طريق إجراء تجربة مخبرية. ويستمر العلماء في استنباط التجارب إلى أن يعثروا على إجابة. وغالباً ما يستغرق ذلك وقتاً طويلاً. في القضايا الإنسانية، لا يمكننا إجراء التجارب، ولهذا نقوم بتحليل السلوكيات الإنسانية الناجحة في ظروف مشابهة. وهذا ما دفعني إلى البحث عن معلومات حول النكبات وردود الفعل إزاءها لأنقلها إليكم هذا المساء. ينتهي الكثير من النكبات بكارثة شاملة: فالطرف المبتلى يختفي من الوجود، يُذبح الناس أو يتشتتون. تلاشت مصر الفرعونية، وهي حضارة عظيمة راقية استمرت لثلاثة آلاف عام، بعد سلسلة من النكبات التي سببها الغزاة. كما جرت إبادة الشعوب الأصلية في أميركا الشمالية والجنوبية كمجتمعات قومية، نتيجة الغزوات الآتية من أوروبا الاستعمارية.
أسئلة النكبات
هناك مثال مشرق على تفاعل الأمم مع النكبات، وهو مثال البروسيين في القرن التاسع عشر. فقد هزم نابليون الجيش البروسي في معركة Jena عام 1806. وكانت تلك نكبة عظمى بالنسبة للبروسيين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم القوة النخبة في أوروبا. جاء رد فعلهم مباشراً وفورياً وبسيطاً: أرادوا معرفة كيف تمكن نابليون من هزيمة بروسيا القوية. فقرروا تحليل الأسباب المحدَّدة التي أدت إلى هزيمتهم. شكلوا لجنة رسمية وطنية عامة مهمتها إعادة تركيب كل عنصر من عناصر المعركة.
تفحصوا الأسلحة، والبارود، والتكتيكات، والإستراتيجية، وتدريب الجنود وصحتهم الخ ... فوجدوا أن الفرنسيين كانوا، في كل جوانب المعركة يتمتعون بالتفوق في المنتجات والمواد والتكتيكات والتدريب. كان البارود من نوعية أفضل ولذلك كان مجال الطلقات الفرنسية أبعد. بالتالي كانت البندقية الفرنسية تستطيع قتل الجندي الألماني قبل أن يصبح الجندي الفرنسي ضمن مجال رمي البنادق الألمانية (بالمناسبة، كان سبب اندحار الأسطول الفرنسي أمام نلسون Nelson في أبو قير يعود إلى جودة البارود الإنكليزي).
كان السؤال الثاني الذي طرحة البروسيون على أنفسهم هو: لماذا كان الفرنسيون يتمتعون بإمكانات تفوق إمكاناتهم؟ وجاء الرد بسيطاً: كان ميثاق الثورة الفرنسية قد أسس معهد Ecole Polytechnique عام 1794، وهو هيئة ملحقة بمعهد Ecole des Ponts Ghausses الكبير الذي كان قد تأسس قبل خمسة وأربعين عاماً. خرَّج معهد Polytechnique ضباط الجش الفرنسي، بعد أن درسوا ملر يد خيرة علماء فرنسا. وكان الفرنسيون قد سعوا لإدخال العلوم في الدراسة العليا بتأثير التطورات التقنية الكبيرة في بريطانيا. وسرعان ما عزا البروسيون تفوق الفرنسيين عليهم في ميدان المعركة إلى تبني الجيش الفرنسي للأساليب العلمية. وكانت تلك هي النتيجة الجماعية العامة التي توصلت إليها لجنة شكَّلتها الحكومة.
لم يُضع البروسيون وقتاً: تأسست جامعة برلين عام 1810، وجامعة بون عام 1817، إضافة إلى ثلاثة عشر Technische Hochshuler في جميع أنحاء بروسيا2. وسرعان ما غدت ألمانيا أكثر مراكز التعليم العالي تطوراً في العالم، كما أصبحت معاهد الدرا سات العليا Graduate Schools، وهي ابتكار ألماني، مثالاً يحتذى في جميع أنحاء العالم 3.
تمكن الألمان من هزيمة الفرنسيين ثلاث مرات خلال القرن التاسع عشر. وبدل أن يقوم الفرنسيون بتحليل الوضع كما فعل البروسيون، قاموا بإنشاء خط ماجينو Maginot لحماية أنفسهم من هجمات أخرى. وثبت عدم جدوى الخط عندما اجتاح الألمان فرنسا ثانية عام 1939. هذه الحادثة التاريخية تبين بوضوح تأثيرات الاستجابات المتباينة إزاء نكبة ما.
وهناك حادثة أخرى تثير الاهتمام تحكي عن رد فعل ناجح إزاء نكبة، وهي رد فعل اليابانيين على الهجوم الضاري الذي شنه الغرب في النصف الأول من القرن التاسع عشر. كانت اليابان آنذاك معزولة عن العالم الخارجي. لكن الغرب مع ذلك كان راغباً في " التجارة " مع اليابان. فقد كانت تجارة الأفيون التي فُرضت على الصين تدر أرباحاً كبيرة على أصحاب الأعمال البريطانيين، وكانت القوى الغربية تأمل في أن تؤدي مساهمة اليابانيين إلى زيادة ثرواتها.
قاوم اليابانيون ما بوسعهم المقاومة، إلى أن تمكن أسطول غربي بقيادة بيري Perry (وهو أميركي) من رفع حدة الضغوط عليهم بقصف موانئهم. وافق اليابانيون على مضض على فتح بلادهم أمام التجارة، شرط السماح لهم بزيارة الدول الغربية. أرسلوا أربع بعثات، تتألف كل منها من 250 شخصاً، زارت الدول الغربية في محاولة لفهم الأسباب التي جعلت الغرب قوياً واليابان ضعيفة. استوعب حكام اليابان النتائج التي توصلت إليها تلك اللجان، وتبنّوا الإجراءات الكفيلة ببناء دولة حديثة.
وعلى سبيل المقارنة، وقبل خمسين عاماً من ذلك الوقت، كان محمد علي حاكم مصر قد أرسل الطلاب للدراسة في الخارج واستدعى العديد من المستشارين والمدرِّسين من أوروبا. لكن دافع محمد علي كان الاستئثار بمصر لنفسه ولذريته، وليس بناء مجتمع حد اثي، ولهذا فشل.
لقد كانت الهزائم الساحقة التي لحقت بالألمان واليابانيين في الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى الخسائر البشرية الكبيرة لدى كل منهما، نكبات كفيلة بتدمير كلا المجتمعين. لكن تلك الكوارث لم تؤد إلى محو الشعبين من الوجود، بل أدت إلى انبعاثهما من جديد. فقد توفر في كلا البلدين تصميم خلاق على البقاء واسترجاع ما مضى ولم يأت ذلك عفواً، بل جاء نتيجة استجابة واعية تمت في ظروف بالغة الصعوبة.
روى لي سابو رو أوكيتا، أحد مهندسي عملية استعادة اليابان لعافيتها، قصة حول بلاده.
ولا يسمح المجال الآن برواية القصة نظراً لطولها، لكن أوكيتا "ولحسن الحظ "، وضع كتاباً أنصح الجميع بقراءته 4. كان أوكيتا مهندس كهرباء يعمل في بكين أثناء احتلالها. بحلول عام 1940، كان لدى اليابان شبكة واسعة من الجمعيات العلمية ذات المستوى العالمي، وكانت تتعامل مع المسائل التكنولوجية الراهنة آنذاك. كما كانت الدولة تتوصل إلى إحصائيات حديثة وتقوم بنشرها حتى خلال سني الحرب. لا توجد في أية دولة عربية حالياً مؤسسات من هذا النوع.
في عام 1941 التقى أوكيتا في إحدى الأمسيات ببعض أصدقائه، وكانوا يشعرون بقلق شديد لأنهم اكتشفوا أن معدلات إنتاج الفولاذ في اليابان تتراجع. وكانوا يدركون أن ذلك يعني خسارة اليابان للحرب رغم الادعاءات التي كانت تملأ الدنيا عن النصر الوشيك. وبدأ هؤلاء في وضع خطة لاستعادة البلد لعافيتها بعد الحرب، لكنهم كانوا غير واثقين من أنهم سيجدون من يصغي لما يقولون.
أحد أصدقاء أوكيتا كانت تربطه قرابة بوزير في الدولة. وأثناء زيارة قام بها إلى طوكيو، استشار قريبه وأخبره بما كان يفكر به هو وأصدقاؤه. طلب منه الوزير متابعة التخطيط شرط كتمان الأمر. وبعد انتهاء الحرب بهزيمة اليابان بعد أربع سنوات، استدعي هؤلاء على الفور للمساعدة في الإشراف على إجراءات الكفيلة باستعادة اليابان لعافيتها. وكان هؤلاء المهندسون الشباب قد قضوا السنوات الأربع السابقة في تطوير منهجية لتجاوز الكارثة الوشيكة. ما حدث لاحقاً في اليابان يشكل الفرق بين الاستجابة الوطنية والاستجابة الفردية. تصرف اليابانيون بصورة جماعية: تم دمج الجهد الفردي ضمن السياسة الوطنية.
لم يكن ذلك هو ما لاقاه قسطنطين زريق بعد نشر كتبه حول النكبة. فلم تُظهر المجتمعات العربية حتى الآن قدرة على تعبئة المواهب الخلاقة وعلى التصرف بصورة جماعية. وما لم تتواجد هذه الإمكانية، لن يكون هناك بصيص أمل في حدوث استجابة خلاقة مؤثرة.
النكبة الفلسطينية
مثلت نكبة فلسطين عام 1948 كارثة مزدوجة لأن القادة الفلسطينيين كانوا يتصفون بعدم الكفاءة، ولأنهم لم يقدِّروا تماماً ما الذي كان يحل بهم. وكانت الدول العربية المجاورة قد تحررت لتوها، ولم يكن لدى أي من الفرقاء العرب المعنيين أدنى فكرة عما ينبغي القيام به، رغم أن المخططات الأنجلوساكسونية والصهيونية المتعلقة بفلسطين كانت معلنة منذ أكثر من قرن. (نشرت كلارك Clark رواية مهمة حول الجذور البروتستانتية في الحركة الصهيونية 5).
ويبدو أن القادة الفلسطينيين لم يستوعبوا بعد طبيعة الحركة الصهيونية ومجالها 6. فلم يظهر في رد فعلهم الفوري أي توجّه لتخفيف المعاناة الإنسانية التي رافقت النكبة، ولا هم سعوا لوضع أسس استجابة خلاقة.
لقد أدركت الدول العربية، منذ مطلع القرن التاسع عشرالأهمية الفائقة للتعليم. والواقع أن مصر كانت عام 1945 تخرج من المهندسين بالنسبة للفرد نسبة تعادل المهندسين المتخرجين في بريطانيا. لكن الأحداث الحاصلة اعتباراً من عام 1948 تؤكد حجم الإخفاق العربي في الاستجابة للنكبة. فلم يحدث أن شكَّلت أية دولة عربية لجنة لتقصي الحقائق، ولمناقشة ونشر تحليل لأسباب الهزيمة، وللسبل الواجب إتباعها بعد ذلك. وبإمكانك التنبؤ بمستقبل أمة ما من خلال أسلوبها في التفاعل مع نكبتها. كان قسطنطين زريق من ضمن قلائل سعوا، عام 1948، لتفسير النكبة بلغة التخلف الثقافي في فلسطين، مع التأكيد على أهمية الثقافة والعلم والتكنولوجيا. وظهر موضوعان أساسيان في دراسات زريق وفي إجراءات الحكومات، وهما: المزيد من الرأسمال البشري، والبحث العلمي.
هل يُعتبرالعالم العربي فقيراً بالرأسمال البشري ؟ ..
إن من الأهمية بمكان تحديد ما إذا كان العالم العربي متخلفأ عن ركب الحضارة وعاجزاً عن التعامل مع تداعيات النكبة، بسبب نقص في الرأسمال البشري.
وهناك لحسن الحظ أساليب عدة يمكن بواسطتها دراسة هذا السؤال بالغ الأهمية. فبإمكاننا أن نلاحظ، مثلاً، أن الصين والهند تعتبران حالياً نظامين اقتصاديين ناجحين في طريقهما للحاق بالدول الصناعية الرائدة. لكن الإحصائيات المتوفرة تكشف أن الدول العربية، وحتى وقت قريب، كانت تتفوق على الدولتين من حيث نسبة المتعلمين تعليماً عالياً بالنسبة للفرد (أنظر الجدول 1). ويصدق ذلك على التعليم داخل البلد وفي الخارج. ولكن خلال العامين الماضيين رفعت الصين والهند المبالغ المخصصة لتمويل التعليم العالي بهدف تحسين نوعية التعليم وزيادة عدد المنتسبين للمدارس.
ما من شك بأن الصين والهند دولتان كبيرتان، وكل منهما موحَّدة تحت سلطة حكومة واحدة. هل يمكن أن يكون ذلك سبب نجاحهما. تبين إحصائيات برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة، وإحصائيات البنك الدولي أن الدول الصغيرة أكثر نجاحاً من الدول الكبيرة. فسبع من الدول العشرة الرائدة في مجال الأداء الاقتصادي ـ لسياسي هي دول صغيرة، حيث تشغل النرويج وأيسلندة المركزيْن الأوليْن. بالتالي، حجم الدولة لا يعتبر تفسيراً كافياً للخروقات الموجودة بين العرب، وبين الصينيين والهنود في الأداء الاقتصادي.
الجدول 1
الدراسة في الخارج وفي الوطن في الدول المعنيَّة
دراسة في الخارج
عدد السكان
دراسة في الخارج
دراسة في الوطن
الدولة
1999
1999 مصححة
1997، مليون
في المليون
التسجيل في التعليم العالي
في المليون
عربية
111.854
120.602
253.4
476
3.168.445
12.474
الصين
95.899
106.036
1.227.0
86
7.364.000
6.002
الهند
48.348
52.932
962.0
55
9.834.000
10.223
المصدر: تجميع من إحصائيات اليونسكو وآخرين. العمود الثاني يضم بيانات اليونسكو. العمود الثالث تم الحصول عليه من خلال ضم بيانات اليونسكو وإحصائيات الاتحاد الأوروبي ( 2004) .
إضافة لذلك، أسهم العالم العربي بعدد من ذوي الكفاءات العالية في دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي ( OECD ) يعادل ما أسهمت به الصين، ويعادل 30 في المئة أكثر مما أسهمت به الهند (الجدول 2 ). واللافت أن مجموع عدد المهاجرين (غير المهرة، والمعتمدين على غيرهم في الإعالة، والمهرة) إلى دول OECD من العالم العربي أكبر من مجموع المهاجرين من الصينيين والهنود.
نسبة عدد ذوي الكفاءات العالية في العالم العربي بالنسبة للفرد أقل بأربع إلى خمس مرات مما هي في الصين أو الهند. بعبارة أخرى، تستطيع الصين والهند الاحتفاظ بعدد من الاختصاصيين فيها أكثر مما يستطيع العرب. ويبدو ذلك أمراً معقولاً، لأن الصين تخصص حالياً 155 مليار دولار للأبحاث والتنمية، أي ما يزيد بمعدل 35 ضعفاً عما يخصصه العالم العربي، بالنسبة للفرد.
واللافت أننا نلاحظ ازدياد معدل الهجرة العربية، ربما بسبب تراجع الطلب على الرأسمال البشري في الدول العربية. فهناك ما يربو على 40 ـ 50 مليون شخص عربي في مختلف دول الشتات. ويتوقع أن يرتفع الرقم ليصل إلى 100 مليون عام 2050. ويبدو ذلك، من بعض النواحي تطوراً ايجابياً، لأن العرب، بلجوئهم للتعبيرعن ارائهم عن طريق الذهاب أو الامتناع عن الذهاب إلى مكان ما، إنما يختارون أن يظلوا ناشطين وأن يسهموا في التطوير العالمي وهو ما لن يتحقق إذا ظلوا في بلادهم يعيشون الظروف الحالية. ولكن بالنظر إلى أن المعرفة فقط ستحرر فلسطين، فإن تطورات من هذا النوع لا تعتبر مشجعة بالنسبة لمستقبل المنطقة.
بعبارة أخرى، العالم العربي والصين والهند يقفون على قدم المساواة في ما يتعلق بالتعليم، لكن الصين والهند تتفوقان من حيث قدرتهما على الاحتفاظ بالرأسمال البشري وتوفيرمجتمعات قائمة على المعرفة. بالإضافة لذلك، إذا تفحصنا العلثقة بين المهاجرين وبلادهم الأم، نجد أن الصين والهند تبذلان جهوداً كبيرة للاستفادة من رأسمالهما البشري المهاجر، في حين لا نلحظ الشيء ذاته في العالم العربي. لا تعاني الدول العربية نقصاً في الرأسمال البشري. ومن الواضح أن الخروقات في الأداء بين تلك الدول ناجمة عن أسباب أخرى.
الجدول 2
عدد أصحاب الكفاءات العالية، عدد
أصحاب الكفاءات العالية
%
المغتربون
الدولة
967.548
22
4.462.391
العالم الغربي
1.000.735
51.9
1.928.199
الصين
653.286
39.6
1.649.711
الهند
Source: Table II.A2.6, SOPEMI 2004, Trends in International Migration Annual Report, OECD, 2004.
مقارنة مردود الأبحاث
هناك عامل آخرغالباً ما يجري إيراده لتفسير التخلف التنموي العربي وهو تواضع مستوى دعم الأبحاث والتنمية. واللافت أن الدول النامية التي نجحت في تجاوز تخلفها التنموي ـ مثل كوريا الجنوبية، والصين والهند وغيرها ـ بدأت من نقطة متدنية في مجال مردود الأبحاث والتنمية مقارنة بالدول العربية.
وهناك مقياس مفيد لتقويم الأنشطة العلمية وهو مقارنة عدد المنشورة ذات الطبيعة البحثية في المجلات العالمية الموثوقة لكل بلد ولكل مليون شخص من السكان (الجدول 3 ). ونتيجة هذه المقارنات، يبدو أن مردود العالم العربي ازداد من 17 مادة منشورة لكل مليون شخص عام 1981 ووصل إلى 34 عام 2003. كان مردود جمهورية كوريا 7 مواد لكل مليون شخص عام 1981، وفي عام 1985 كان يعادل مردود العالم العربي، وبحلول عام 2003 أصبح يفوقه بثلاثة عشر ضعفاً. أما مردود الهند فقد ظل ثابتاً عند معدل يصل تقريباً إلى 20 مادة لكل مليون شخص خلال الفترة 1981 ـ 2003، في حين ارتفع معدل الصين 1 إلى 36.1 عام 2003. في عام 2000 كانت الصين معادلة للعالم العربي في عام 2000. واعتباراً من عام 2003، زادت كل من الصين والهند مخصصات البحث والتنمية زيادة دراماتيكية، وعمقَّّت الدولتان سياستهما العلمية لتسريع معدل التنمية الاقتصادية.
ملاحظات ختامية
لم يعد يجدي نفعاً التذرع بأن محنة الوطن العربي ناجمة عن الافتقار للرأسمال البشري أو لكفاءة البحث العلمي. فالظاهر أن ما نفتقر إليه هو القدرة على الاستفادة من الرأسمال البشري المتوفر وإمكانات البحث المتوفرة. وتنشأ هذه الصعوبات من الثقافة السياسية في المنطقة. والواقع أن العجز عن القيام باستقصاء جماعي عام حول مسائل تحمل أهمية وطنية يلغي الموجودات المتوفرة.
الجدول 3
مقارنات دولية : يحدد أوراق بحث تنموية لكل مليون شخص
الدولة
1999
2000
2001
2002
2003
2004
2005
2006
2007
العالم العربي
31
31
34
42
34
30
41
47
46
العالم العربي SCOPUS
33
34
40
50
42
46
48
51
60
البرازيل
75
80
81
92
103
113
123
145
152
الصين
30
37
49
49
59
87
123
138
142
الهند
23
23
4
25
28
30
33
35
43
كوريا الجنوبية
312
352
394
408
516
599
687
732
702
فرنسا
996
1.000
957
955
1.051
1.101
1.171
1.156
1.541
هولندة
1.390
1.442
1.418
1.491
1.695
1.834
2.026
1.934
2.650
سويسرا
2.368
2.307
2.245
2.301
2.781
3.038
3.264
2.992
3.727
المصدر : ISI
ختاماً، كل ما نستطيع قوله في الذكرى الستين للنكبة إن قسطنطين زريق لم يُفهم على الوجه الأمثل، وإن الدول العربية لم تصبح الآن أقرب إلى مواجهة التحديات التي تفرضها النكبة منها في عام 1948. كما وسيتعين علينا ملاحظة أن النكبات الجديدة في العراق والسودان والصومال قد كشفت عن وجود العديد من التوترات الإثنية داخل العالم العربي نفسه. لقد أدى الافتقار إلى الاحترام الكافي للتنوع الثقافي والإثني في العالم العربي إلى صراعات داخلية لا يستهان بها وإلى التدمير، بدل أن يكون ذلك التنوع مصدراً للقوة كما هو عليه الحال في المجتمعات الحديثة. وعلاوة على ذلك، ورغم التعاطف والدعم الكبيرين، لا زلنا نجد عداء متنامياً ضد الفلسطينيين في العديد من مناطق العالم العربي.
من ناحية أخرى، يمكن القول إن استجابة " الجماهير" الفلسطينية والعربية يمكن أن تشير إلى وجود نزعات ايجابية. فقد ازداد عدد سكان العالم العربي من 50 مليوناً عام 1948 وبلغ حالياً 330 مليوناً، كما ويتنامى عدد الجامعات العربية، رغم تواضع إمكاناتها، فقد وصل عام 2006 إلى ما يقارب 400 جامعة (بالمقارنة مع 10 جامعات عام 1950 ). كما ويتفوق العرب في جميع الميادين في كل مكان من أصقاع العالم.
إن الثلاثة تريليون دولار التي تُستثمر حالياً في الدول العربية لا تستخدم من أجل اكتساب إمكانات التنمية الوطنية، بل لترسيخ التبعية التكنولوجية العربية، ما من شأنه زيادة انكشاف الدول العربية أمام خطر الاحتلال والسيطرة الأجنبية.
تفرض النكبة الفلسطينية تحديات معرفية لا تحديات عاطفية أو سياسية. وللأسف، كانت المنطقة، ولا تزال، تفتقر للقيادة المناسبة لتدبير الاستجابة الملائمة.
قام فيصل الدراجي، في كتاب صدر عام 1996 بعنوان العوز الثقافي في المؤسسة الفلسطينية، بتحري هذه المسألة. لكن ما قام به الدراجي لا يعدو كونه جهداً فردياً، وما نحن بحاجة إليه هو جهد جماعي عام.
[1]هذا نص المحاضرة التي ألقاها المفكر والباحث العربي أنطوان زحلان في الجامعة الأميركية في بيروت يوم 10/10/2008، وذلك إحياء لذكرى المفكر القومي قسطنطين زريق، بدعوة من مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
[2]وهي معاهدفنية مكرّسة للهندسة والعلوم التطبيقية.
[3]خلال الفترة 1880 ـ 1914، درس 1400 مواطن أميركى في تلك المعاهد. وبفضل جمعية أميركية كانت تمول معاهد جديدة على مستوى العالم فى ذلك الوقت، تم استخدام خريجى المعاهد الألمانية الأميركيين للتدريس فى جامعات جديدة تحصل على منح سخية. وكان ذلك وحده كفيلاً بدفع الولايات المتحدة للسير فى طريق الريادة العالمية في مجال العلوم. وخلال الفترة ذاتها، نال 14.000 طالب على شهادة الدكتوراه من تلك المعاهد الأميركية الجديدة. لكن العبرة بالطبع ليست في عدد درجات الدكتوراه التى يحصِّلها الفرد، بل في ما يقوم به نتيجة حصوله عليها.
[4]Saburo Okita, Japan’s Challenging Years: Reflection on my lifetime, George Allen & Unwin Australia, 1985.
[5] Victoria Clark, Allies for ArmageddonL The Rise of Christian Zionism, YaleUniversity Press, 2007
[6]أتساءل إن كان هناك عدد كبير من القادة الفلسطينيين واعين لحقيقة أن حجر الأساس للجامعة العبرية في القدس قد وضع في شهر تموز/ يوليو من عام 1918،أي قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى.
[7]انطوان زحلان حائز على شهادة الدكتورة في الفيزياء من جامعة سيراكوز في الولايات المتحدة
ـ أستاذ جامعي في الجامعة الأميركية بيروت، لأكثر من 15 سنة (1956ـ1969) ورئيس دائرة الفيزياء فيها
ـ مؤسس وأول مدير الجمعية العلمية الملكية في الأردن عام 1971
ـ أستاذ وباحث مشارك في عدد من مراكز البحوث الدولية، منها جامعة ستانفورد الأميركية وجامعة نورث كارولينا في الولايات المتحدة وجامعة اسكس في بريطانيا والمركز الدولي لأبحاث التنمية
ـ عضوفي لجنة الأمم المتحدة الإستشارية لاستخدام العلم والتكنولوجيا لأغراض التنمية
ـ رئيس الجمعية الفيزيائية العربية سابقا
ـ من مؤسسي مركز دراسات الوحدة العربية وعضو مجلس الأمناء
ـ عضو مؤسس عام 1973 لمنظمة خاصة غير ربحية باسم “المشاريع والتنمية العربية” لتقديم الخدمات الإستشارية تعني بالأنظمة والسياسات مع كل من حسيب الصباغ والمرحوم برهان دجاني ووليد الخالدي ورمزي دلول. أهمية تلك المؤسسة أنها وفرت فرصة إضافية للدكتور زحلان للمشاركة في حل مشاكل متعلقة بالسياسة العلمية.