هل من يد للإستخبارات الأميركية والباكستانية في تفجيرات مومباي
خاص ـ الحقول/ترجمة/شكلت تفجيرات مومباي الإرهابية جزءاً من عملية مدبرة ومخططة بدقة، نفذتها مجموعات مسلحين متمرّسين ومدرّبين. وتحمل العملية بصمات مقاتلين غير نظاميين، وأجهزة استخبارات.
وفقا لرأي خبير روسي في مكافحة الإرهاب، فقد استخدم إرهابيو مومباي "التكتيكات نفسها التي استخدمها المقاتلون الشيشان في هجمات شمال القوقاز، حيث أُرهِبت بلدات بكاملها من سبيل الاستيلاء على المنازل والمستشفيات." (المصدر : تلفزيون روسيا اليوم، 27 ت2/نوفمبر 2008).
وُصِفت أحداث مدينة مومباي بأنها "9/11 في الهند". إذ نُفِذت الهجمات الإرهابية بشكلٍ متزامن في العديد من المواقع، مع دقائق قليلة تفصل بين الهجوم والآخر. الأول جرى في القاعة الرئيسية لمحطة سكك الحديد شاتراباتي شيفاجي تيرمينوس في مومباي، حيث أطلق المسلحون النار عشوائياً على جموع المسافرين. ومن ثم فرّوا من المحطة ودخلوا إلى المباني المجاورة، بما فيها مستشفى كاما".
تبع ذلك هجمات أخرى نفذتها مجموعات مسلحة على فندقين فاخرين في مومباي : أوبروي ترايدنت وقصر تاج محل، اللذين يقعان في قلب المنطقة السياحية بالقرب من فندق غيت واي في الهند. كما فتح المسلحون النار أيضا على مقهى ليوبولد، في المنطقة السياحية.
كان الهدف الثالث مركز مومباي اليهودي في نريمان هاوس، الذي يأوي حركة شاباد لوبافيتش، وهناك لقي ستة محتجزين حتفهم، من بينهم حاخام وزوجته. بالإضافة إلى المطار المحلي في سانتا كروز؛ سينما مترو أدلابس ومنشأة مازغون البحرية.
"وقد وقعت الهجمات في أكثر الأماكن انشغالاً. فإلإرهابيون ضربوا الفنادق والمستشفيات، ومحطات السكك الحديدية، وسوق كروفورد، ووادي بندر، وطريق ويسترن إكسبرس السريع قرب المطار. كما هوجمت سبعة أماكن بالأسلحة الأتوماتيكية والقنابل اليدوية." (المصدر : تايمز أوف إنديا، 26 ت2/نوفمبر 2008).
عقب اندلاع الأعمال الإرهابية قامت القوات الهندية بتطويق الفنادق. وأُرسلت قوات الإنزال الهندية الخاصة إليها من أجل التصدي للإرهابيين. وأفاد شهود بأن المسلحين كانوا يختارون الأشخاص الذين يحملون جوازات سفر أمريكية وبريطانية.
التقارير عن عدد الضحايا تحدثت عن 150 قتيلاً، معظمهم مواطنون هنود قتل أكثرهم في الهجوم علي محطة سكك الحديد. كما سقط 22 أجنبياً على الأقل في تلك الهجمات إلى جانب 14 ضابطاً في الشرطة من بينهم رئيس فرقة مكافحة الإرهاب.
مَنْ دبَّر الهجمات؟
إدّعت مجموعة مجهولة تسمى في التقارير الصحفية "مجاهدي ديكان"، مسؤوليتها عن الهجمات. ومن المعلوم أن ديكان هي هضبة تمتد إلى جنوبي الهند، وتغطي معظم أنحاء ولاية أندرا براديش. وقد سبق أنْ تم تصنيف هذه المجموعة، غير المعروفة، بالانتماء إلى شبكة المنظمات الإرهابية التابعة لمنظمة القاعدة، من دون وجود أي أدلة.
وتؤكد تقارير الشرطة على أن تسعة "مهاجمين مشتبه فيهم" اعتقلوا. من بين هؤلاء ظهر مواطن بريطاني واحد من أصول باكستانية. ونقلا عن مصادرة غير مؤكدة، فقد اعترف ثلاثة منهم بالإنتماء إلى المنظمة الكشميرية الباكستانية "عسكر طيبة" الإنفصالية، المدعومة بشكل سري من الإستخبارات العسكرية الباكستانية (آي أس آي).
وقد تكرر هذا الإتهام المزعوم لباكستان ودعمها السري للمنظمات الإرهابية التكفيرية، في كلٌ وسائل الإعلام الهندي والغربي:
"يعاين الخبراء الإستراتيجيون والمحللون الأمنيون في الولايات المتحدة وعبر العالم دور باكستان في الإرهاب، عقب توجيه أصابع الاتهام إليها في حدث إرهابي آخر يقع في الهند باعتبارها الجارة المنافسة لها إلى حد بعيد. وفي حين افترضت التقارير الأولية الصادرة عن الهند أن مجزرة مومباي كانت هجوماً محلياً نفذه مقاتلون ناقمون في البلاد، على خلفية خدعة مجاهدي ديكان التي استخدمت لادعاء المسؤولية، وجّه التركيز سريعاً إلى باكستان، نتيجة الدليل الذي وجده الجيش الهندي والخبراء الأمنيون والذي ارتكز على اعتراض الإتصالات، وطبيعة التسلح، وأسلوب الدخول عبر البحر، إلخ، ". (المصدر : تايمز أوف إنديا، 27 ت2/نوفمبر 2008).
الإعلام الأميركي سلّط اهتمامه على العلاقة بين هجمات مومباي و"المجموعات الإرهابية الصاعدة التي تستفيد من الملاجىء في مناطق باكستان القبلية، والحماية أو الدعم الذي تلقاه من لدن عناصر الإستخبارات الباكستانية". (المصدر : واشنطن بوست، 28 ت2/نوفمبر 2008).
مزاعم "صراع الحضارات"
في أوروبا وأميركا الشمالية، اعتبرت هجمات مومباي التي نفذها "أصوليون إسلاميون" جزءاً من "صراع الحضارات لأن الإسلامية الحركية تخوض حربا ضد الحضارات". وقد ساهمت الخسارة المؤسفة في الأرواح التي نتجت عن الهجمات، بتعزيز الشعور المعادي للإسلام في الدول الغربية. لقد بدأت الخطوط العريضة لهجمات مومباي الإرهابية تتضح. فالإرهابيون "استهدفوا الهند والولايات المتحدة وبريطانيا والشعب اليهودي". (المصدر : ماركت ووتش، 28 ت2/نوفمبر 2008).
وبحسب هذا الإعلام، فإن تنظيم "القاعدة" هو العدو، "العدو الخارجي" الوهمي الذي يمتلك قواعد لعملياته في المناطق القبلية الواقعة في الإقليم الحدودي الشمالي/الغربي في باكستان. وقد أخذت واشنطن على نفسها تعهدا صارما في إطار "الحرب العالمية على الإرهاب"، باقتلاع بن لادن واستئصال "الأصولية الإسلامية" من هناك.
أفضى ذلك إلى دعم إضافي لـ"حق" الولايات المتحدة بالتدخل عسكرياً داخل باكستان، منتهكةً سيادتها على أراضيها. وأصبح تدمير الأميركيين للقرى في المناطق القبلية شمال غرب باكستان، جزءا من "المساعي الإنسانية"، للرد على الخسارة البشرية في تفجيرات مومباي :
"قبل هذه الهجمات المروّعة، كانت الأخبار الوافدة من جنوب آسيا مشجعة. فالمشكلة المركزية تبقى تهدئة أفغانستان، حيث تكافح القوات الأميركو ـ أطلسية من أجل الإجهاز على عناصر طالبان والقاعدة." (المصدر : واشنطن بوست، 28 ت2/نوفمبر 2008).
"بيد أن واشنطن تريد تعاون الجيش الباكستاني في محاربة الإرهاب. ففي الأسابيع الأخيرة، أفاد ضباط أميركيون في أفغانستان عن تحقيق نتائج أفضل، نتيجة تكليف الباكستانيين بتنفيذ الهجمات ضد طالبان على أراضيهم".
التضليل الإعلامي
تغطية شبكات التلفزيونية الأميركية باهتمام بالغ الأحداث المأساوية في مومباي، جعلها تثير جوا من الخوف والترهيب عبر الولايات المتحدة. حيث يقال أن هجمات مومباي ترتبط بشكل وثيق مع أحداث 9/11. كما وصفت التصريحات الأمريكية الرسمية والتقارير الإعلامية هجمات مومباي بأنها جزء من عملية شاملة، تطوي احتمال تنفيذ عمل إرهابي ترتكبه القاعدة على الأراضي الأميركية.
نائب الرئيس المنتخب جو بايدن تنبأ خلال الحملة الإنتخابية في الولايات المتحدة، بأن "الأشخاص الذين ... هاجمونا في 9/11، قد أعادوا تنظيم أنفسهم في الجبال الواقعة بين أفغانستان وباكستان وهم يخططون لهجمات جديدة".
هذا التغطية المضللة، بأن نفس الأشخاص الذين نفذوا الهجمات الإرهابية في مومباي، يخططون لمهاجمة الولايات المتحدة، دفع رئيس بلدية نيويورك، مايكل بلومبرغ، لإعلان "حالة التأهب القصوى" في شبكة قطار الأنفاق في نيويورك سيتي، فور وقوع أحداث مومباي، مستندا في ذلك على "تقريرٍ غير مؤكد عن إرهابٍ محتَمل في نيويورك. وهذا التقرير حمل قسم شرطة نيويورك على اتخاذ تدابير وقائية من أجل حماية نظام النقل الخاص بنا، وسنفعل دائماً كل ما يلزم للحفاظ على أمن مدينتنا"، وفق ما قال بلومبرغ في تصريح له". (المصدر : ماكلاتشي ـ تريبيون، 28 ت2/نوفمبر 2008).
قبل يومٍ واحدٍ فقط من هجمات مومباي، صودف [!؟.] أن "حذر مكتب التحقيقات الإتحادي ووزارة الأمن الداخلي من "وجود تهديد محتمل، ولكن غير مؤكد، بهجوم لتنظيم القاعدة يستهدف نظام النقل في نيويورك".
"بعد هجمات مومباي، أصدرت وزعت السلطات الأميركية تحذيراً، يفيد بأن القاعدة، ربما، ناقشت مؤخراً، مهاجمة نظام شبكة قطار الأنفاق في نيويورك. وقالت ليس لدينا أي تفاصيل، تدل على أن هذه المؤامرة، تتعدى مجرّد التخطيط الطموح، غير أننا نعبر بهذا التحذير عن تخوفنا من احتمال شن هذه الهجمات خلال موسم الأعياد القادم، حسبما جاء على لسان مكتب التحقيقات الإتحادي ووزارة الأمن الداخلي". (المصدر : شيكاغو تريبيون، 29 ت2/نوفمبر 2008).
الإستخبارات العسكرية الباكستانية حصان طروادة للأميركيين
التقارير الإعلامية التي تحدثت عن تورط استخبارات باكستان العسكرية، وخدمات الإستخبارات الباكستانية : آي أس آي، في هجمات مومباي، تعامت عن الإرتباط الميداني الوثيق بين "آي أس آي"، ووكالة الاستخبارات المركزية CIA في الولايات المتحدة. وهذا التعامي ناتج عن أن الإعلام الأميركي يقوم، دائما، على خدمة مصالح المجمع الإستخباري ـ الأمني في أميركا.
لقد تضمنت هذه التقارير المشوّهة عددا من المزاعم. أولا، ارتباط إرهابيو مومباي بالقاعدة. ووصف هجمات مومباي بأنها عملية "ترعاها الدولة الباكستانية" بمشاركة "آي أس آي". ثانيا، إن مسلحي مومباي على صلة بمجموعات إرهابية في المناطق القبلية الباكستانية، وفي الإقليم الحدودي الشمالي/الغربي. هذه المزاعم، تُبرّر استمرار غارات سلاح الجو الأميركي على المناطق القبلية، وانتهاكٍ سيادة باكستان ضمن "الحرب العالمية على الإرهاب".
إن "آي أس آي" الباكستانية السرية، هي حصان طروادة للولايات المتحدة, وبالضبط، فإنها وكيل لوكالة لإستخبارات المركزية. وقد عملت منذ أوائل الثمانينات بشكل وثيق مع الإستخبارات الأميركية والبريطانية.
ومن المؤكد أن هذا الجهاز السري، لا يتورط في أي عملية سرية كبرى موجهة ضد الهند، من دون إعطاء الإستخبارات الأميركية علما مسبقا، دقيقا، عن طبيعة العملية وتوقيتها. فالـ"آي أس آي" لا تتصرف من دون موافقة شريكتها الأميركية" بتاتا.
ناهيك عن ذلك، فالإستخبارات الأميركية دعمت تنظيم القاعدة التكفيري منذ بداية الحرب السوفياتية ـ الأفغانية، ثم واصلت ذلك بعد نهاية الحرب الباردة. (لمزيدٍ من التفاصيل، راجع مايكل تشوسودوفسكي، القاعدة والحرب على الإرهاب، غلوبال ريسيرتش، 20 ك2/يناير 2008). وتحت رعاية CIA تأسست في باكستان، معسكرات لتدريب المقاتلين التكفيريين على حرب العصابات ضد الجيش الأحمر السوفياتي. وطيلة هذا التاريخ الطويل من الدعم الذي قدمته الإستخبارات الأميركية إلى تنظيم القاعدة الإرهابي، كان جهاز الخدمات الإستخبارية الباكستانية السري "آي أس آي" يعمل وسيطا بين الطرفين.
لقد "تطورت" الـ "آي أس آي" وأصبحت "هيكلاً موازياً يملك نفوذاً هائلا على الحكومة [الباكستانية] بفعل دعم وكالة الإستخبارات المركزية وضخّ كميات كبيرة من المساعدات العسكرية الأميركية". (المصدر " ديب أنكر بانيرجي، "الارتباط المحتمل للآي أس آي بصناعة المخدرات"، إنديا أبرود، 2 ك1/ديسمبر 1994).
بعد أحداث 9/11/2001 في نيويورك وواشنطن، لعبت آي أس آي الباكستانية دوراً مركزيا في تسهيل الاجتياح الأميركي لأفغانستان في ت1/أكتوبر 2001، وعملت ميدانيا، بشكل وثيق مع القيادة العسكرية العليا الأميركو ـ اطلسية. وما يثير السخرية أنه في ت1/أوكتوبر 2001، نقلت التقارير الصحفية الأميركية والهندية معا، عن مصادر مكتب التحقيقات الإتحادي والاستخبارات، أن "آي أس آي" كانت تؤمّن الدعم لإرهابيي 9/11 المزعومين. (راجع مايكل تشوسودوفسكي، تورية أو تورط إدارة بوش، دور الإستخبارات العسكرية الباكستانية (آي أس آي) في هجمات 11 أيلول/سبتمبر، غلوبال ريسيرش، 2 ت2/نوفمبر 2001).
CIA تدير الإستخبارات الباكستانية
تتولى وكالة الإستخبارات المركزية CIA دائما، وبشكل غير رسمي أمر تعيين مدير جهاز الخدمات الإستخبارية السري/"آي أس آي" في باكستان. وفي شهر أيلول/سبتمبر الماضي، تذرعت واشنطن بـ"الحرب على الإرهاب"، وضغطت على إسلام أباد، لطرد الجنرال نديم تاج مدير هذا الجهاز.
و"من المعلوم أن واشنطن ضغطت على باكستان من أجل تنحية زعيم "آي أس آي" نديم تاج واثنين من نوابه، بسبب "إزدواجية العلاقة" بين وكالة الإستخبارات المركزية والعسكريين الباكستانيين. (المصدر : دايلي تايمز، 30 أيلول/سبتمبر 2008). وبعد أيام من اجتماع الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري إلى مدير CIA مايكل هايدن في نيويورك، في أواخر شهر أيلول/سبتمبر الماضي (المصدر : ذي أوستراليان، 29 أيلول/سبتمبر 2008)، أعلن قبل قائد الجيش الجنرال كياني، بالنيابة عن واشنطن، تعيين الجنرال أحمد شوجا باشا، مديرا جديدا لجهاز "آي أس آي"، لكونه شخصية تحظى برضى الولايات المتحدة.
وكانت حكومة إسلام آباد قد أطلقت مبادرة برلمانية من أجل إخضاع جهاز خدمات الإستخبارات السري (آي أس آي) للسلطة المدنية، بحيث يصبح تحت الولاية القضائية لوزير الداخلية، لكن ضغوط إدارة الرئيس الأميركي بوش أجهضت تلك المبادرة.
الولايات المتحدة تنتهك السيادة الباكستانية
في الوقت الراهن يقوم الجيش الأميركي بانتهاك سيادة باكستان عبر القصف الروتيني للقرى الواقعة في المناطق القبلية والإقليم الحدودي الشمالي/الغربي. وتنفَّذ هذه الغارات بذريعة "الحرب على الإرهاب". وبينما اتهمت الحكومة الباكستانية "رسمياً"، الولايات المتحدة بشن هجمات جوية على أراضيها، أيّد الجيش الباكستاني (ومعه جهاز آي أس آي) الغارات الجوية بشكل "غير رسمي".
جاء تعيين الجنرال أحمد شوجا باشا على رأس آي أس آي في وقت مناسب للأميركيين، إذ ضمن استمرار عمليات "مكافحة الإرهاب" الأميركية في باكستان. وكان الجنرال شوجا باشا قبل تعيينه مديرا لهذا الجهاز الإستخباري، آي أس آي، ينسق، ويدير ميدانيا مع القوات الأميركية، وحلف شمال الأطلسي/ناتو، هجمات الجيش الباكستاني ضد، ما يزعم أنه مواقع طالبان والقاعدة، في المناطق القبلية ذات الحكم الذاتي، والإقليم الحدودي الشمالي/الغربي.
وبعيد تعيينه في منصبه الجديد، أحدث الجنرال أحمد شوجا باشا تعديلاً بارزاً ضمن الاستخبارات الباكستانية، مُستبدلاً العديد من قادة "آي أس آي"، (المصدر : دايلي تايمز، 30 أيلول/سبتمبر 2008)، قبل أن يذهب في أواخر ت1/أوكتوبر إلى واشنطن، حيث زار مقرّ وكالة الإستخبارات المركزية في لانغلي، كما زار مقر البنتاغون، من أجل لقاء نظرائه في الاستخبارات والجيش :
"مع أن باكستان تشكو في العلن من الغارات الجوية الأميركية، إلا أن زعيم استخبارات البلاد، الجنرال أحمد شوجا باشا، زار واشنطن الأسبوع الماضي للتحادث مع الزعماء العسكريين والإستخباريين الأميركيين الكبار، وخرج الجميع والابتسامة تعلو الوجوه". (المصدر : دايفيد إغناتيوس، اتفاق هادىء مع باكستان، واشنطن بوست، 4 ت2/نوفمبر 2008).
توقيت هجمات مومباي
ولدت الغارات الجوية الأميركية على مناطق القبائل موجة من مشاعر الكره تجاه الولايات المتحدة عمت أرجاء باكستان، لكثرة ما أزهقت من أرواح لا تحصى من المدنيين الباكستانيين. وقد ساعد هذا الشعور المعادي للولايات المتحدة، على نشوء مناخ تعاون متجدد بين الهند وباكستان، وذلك في الأشهر القليلة التي سبقت هجمات مومباي، وبذلت جهود جدية من جانب حكومتي إسلام أباد ودلهي، من أجل توطيد العلاقات الثنائية.
قبل أسبوعٍ من هجمات مومباي، وفيما العلاقات الأميركية ـ الباكستانية تمضي إلى مزيد من التدهور، حث الرئيس الباكستاني آصيف علي زرداري "على فتح نقاش علني حول قضية كشمير في كل من الهند وباكستان، والسماح للشعب بتحديد مستقبل كشمير". كما دعا زرداي إلى تطوير "العلاقات الثنائية بينهما لتبلغ مرحلة جديدة"، إضافة إلى مطالبته بتشكيل اتحاد اقتصادي بين كلا الدولتين.
هجمات مومباي : واشنطن تعتمد مبدأ فرق تسد
تثير هجمات مومباي الإرهابية سؤالا عن الجهة التي افادت منها. وتبدو واشنطن مصممة على استخدام هذه هجمات من أجل تعزيز الإنقسامات بين باكستان والهند وحرف عملية التعاون الثنائي والتجارة بينهما. وكذلك إفشاء انقسامات إجتماعية، إثنية، وطائفية داخلية في كلٍ من الهند وباكستان.
كما أن هجمات مومباي تساعد واشنطن تبرير الغارات العسكرية الأميركية داخل باكستان، بما تتضمنه من قتلٍ للأبرياء المدنيين، وانتهاكٍ لسيادة الدولة على أراضيها؛ وفي نفس الوقت تعطي مبررا لتوسيع "الحرب على الإرهاب" تحت قيادة الولايات المتحدة، حتى تشمل كل أرجاء شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا.
كان البنتاغون قد حذر في العام 2006، من "أن وقوع أي هجومٍ آخر [على غرار 9/11 في أميركا]، من شأنه أن يؤمن التبرير والفرصة المفقودين اليوم، من أجل الإنتقام من بعض الأهداف المعروفة" (المصدر : تصريح لمسؤول في البنتاغون، تم تسريبه لصحيفة واشنطن بوست، 23 أبريل/نيسان 2006). ولذلك، تعتبر هجمات مومباي "تبريراً" لملاحقة "أهدافٍ معروفة" في المناطق القبلية شمال/غرب باكستان.
لقد صرّح رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ بأن "قوى خارجية" هي التي نفذت الهجمات، في تلميحٍ إلى دورٍ محتمل لباكستان. كما نشرت تقارير إعلامية أيضاً في ذات المنحى، ملمّحةً إلى أن الحكومة الباكستانية تقف وراء الهجمات. أما المسؤولون والمشرّعون الأميركيون فقد أحجموا عن تسمية باكستان، غير أن إدانتهم "لإرهاب المتشددين الإسلاميين" لم يترك مجالاً كبيراً للشك، في أن باكستان هي مصدر مخاوفهم.
تلقت الإتهامات ضد إسلام أباد زخما قويا قبل أسابيع قليلة من وقوع الهجمات المسلحة في مومباي. فقد إصدرت إدارة الرئيس بوش التقييم الخاص ـ الذي سُرِّب إلى الإعلام الأميركي ـ عن صلة وكالة الإستخبارات الباكستانية : "آي أس آي" بتفجير السفارة الهندية في كابول، ما أدى إلى مصرع نحو 60 قتيلاً من ضمنهم ديبلوماسي هندي مرموق ومسؤول كبير في وزارة الدفاع (المصدر : تايمز أوف إنديا، 27 ت2/نوفمبر 2008).
الهجمات أجّجت كراهية الهنود لباكستان
أسهمت الهجمات في تعزيز الشعور المعادي لباكستان في الهند إلى جانب تعميق الإنقسامات الطائفية بين الهندوس والمسلمين. وأشارت مجلة تايم في عبارات جليّة إلى الدور الخبيث "لمنظمة الإستخبارات [الباكستانية] النافذة التي غالباً ما اتهمت في تنظيم هجمات إرهابية ضد الهند". من دون أن تعترف المجلة بأن الرئيس الجديد لـ"آي أس آي" قد عُيِّن بأمرٍ من واشنطن (راجع : تايم أونلاين).
ويفترض تقرير "تايم"، من دون أي دليل، أن مرتكبي الهجمات هم على الأرجح من المجموعات التكفيرية التي ترعاها باكستان، مثل عسكر طيبة، "الذي هو جزء من تركيبة القاعدة‘"، و"جيش محمد"، وهو منظمة إنفصالية كشميرية تنتمي إلى "القاعدة" كانت قد ادعت مسؤوليتها عن التفجيرات الإرهابية التي وقعت في ك1/ديسمبر2001 واستهدفت البرلمان الإتحادي في دلهي، وحركة الطلاب المسلمين في الهند (سيمي). ومعلوم أن كلا من عسكر طيبة وجيش محمد يتلقيان الدعم من "آي أس آي".
الديبلوماسية المكوكية بين إسلام أباد ودلهي
كان الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري قد صرح بأن حكومته ستتعاون كلياً مع السلطات الهندية. وقد تم دفع الحكومة المدنية الباكستانية، المنتخبة حديثاً، خارج هذا المسار، من قبل جهاز الإستخبارات الخاص، الذي يخضع قانونا للقيادة العسكرية العليا.
فالحكومة التي شكلها حزب الشعب الباكستاني بقيادة رئيس الوزراء يوسف رضا غيلاني، ليس لديها أي سلطة على الجهاز العسكري والإستخباري، الذي يقيم علاقة وثيقة مع نظيره الأميركي. كما أن الحكومة الباكستانية المدنية لا تتحكم، لأسباب متعددة، بسياستها الخارجية. فالجيش الباكستاني وسلاحه الإستخباري النافذ (آي أس آي) يقومان على قيادة هذه السياسة.
لكن الرئيس آصف علي زرداري يبدو كمن "يلعب على الحبلين" : التواطؤ مع الجهاز العسكري ـ الإستخباري، والحوار مع واشنطن، والاكتفاء بتقديم وعود فارغة إلى رئيس الوزراء غيلاني والبرلمان.
بعد يومين على تفجيرات مومباي(28 ت2/نوفمبر)، أعلنت إسلام أباد أنها ستوفد مدير "آي أس آي" المُعيّن حديثاً الجنرال أحمد جوشا باشا إلى دلهي، من أجل إجراء مشاورات مع نظرائه الهنود، بمن فيهم مستشار الأمن القومي أم كاي ناريان وزعماء وكالة الإستخبارات الخارجية للهند، جناح البحث والتحليل، ومكتب الإستخبارات المسؤول عن الإستخبارات الداخلية. علما بأنه من المعروف أن جناح البحث والتحليل الهندي، واستخبارات "آي أس آي" الباكستانية يواصلان شن حربٍ سرية ضد بعضهما البعض، منذ ما ينوف عن ثلاثين عاما.
في اليوم التالي (29 ت2/نوفمبر)، ألغت حكومة إسلام أباد زيارة مدير "آي أس آي" الجنرال شوجا باشا إلى الهند، بعد أن تحدث وزير الخارجية الهندي براناب موخرجي "بلهجة عدائية جدا مع المسؤولين الباكستانيين في محادثة هاتفية عقب تفجيرات مومباي". (المصدر : برس تراست أوف إنديا، 29 ت2/نوفمبر 2008 نقلاً عن جيو نيوز باكستان).
تدهور العلاقات الهندية ـ الباكستانية
خلقت هجمات مومباي وضعاً متوتراً إلى أقصى الحدود بين الهند وباكستان، أكثر ما يفيد المصالح الجيوسياسية الأميركية في المنطقة. فقد بدأت إسلام أباد تبحث في إعادة تموضع وحدات عسكرية ينوف تعدادها عن مئة ألف جندي، من الحدود الهندية الباكستانية ـ الأفغانية حيث تتمركز حاليا، وسحبها إلى الحدود الهندية، "إذا ما كان هناك أي تصعيد في التوتر مع الهند، التي ألمحت إلى تورط عناصر باكستانيين في مجزرة مومباي" (مصادر أخبار باكستانية).
"وقالت هذه المصادر إن حلف شمال الأطلسي/ناتو والقيادة الأميركية، أحيطا علما بأن باكستان غير قادرة على تركيز جهودها في الحرب على الإرهاب، ومطاردة المقاتلين المحيطين بالحدود الأفغانية، فيما الدفاع عن حدودها مع الهند، يكتسب قدرا من الأهمية أكبر بكثير من ذلك". (جيو نيوز نقلاً عن صحفي باكستاني بارز، حميد مير).
التدخل الأميركي و... الإسرائيلي في التحقيقات الهندية
وقد لوحظ أن واشنطن قد عمدت إلى التدخل المكشوف في التحقيق الذي تجريه الشرطة الهندية بشأن الجهات التي دبرت هجمات مومباي. وتقول صحيفة "تايمز أوف إنديا" إن ثمة "تعاونا إستخباريا غير مسبوق، يتم بمشاركة وكالات التحقيق ومجموعات التجسس في الهند والولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل".
اتخذ مكتب التحقيقات الإتحادي FBI، وجهاز الإستخبارات البريطانية (M16) مقرات في دلهي. وقد أرسل FBI عناصر شرطة ومسؤولين في مكافحة الإرهاب وعلماء في الطب الشرعي إلى مومباي "من أجل التحقيق في الهجمات التي باتت الآن تشتمل على ضحايا أميركيين ..." كما تم إرسال خبراء من شرطة لندن إلى مومباي.
إن دور مسؤولي الشرطة ومكافحة الإرهاب الأميركيين والبريطانيين والإسرائيليين ضروري للتلاعب بنتائج تحقيق الشرطة الهندية. و"على حد قول بعض المسؤولين، تتعزز فرضية الحكومة الأميركية القائلة، بأن المجموعتين التكفيريتين الباكستانيتين عسكر طيبة وجيش محمد، هما المشتبه فيهما في الهجمات، مع بدء السلطات الهندية بإجراء تحقيقها. وهاتان المجموعتان الكشميريتان ترتبطان بعلاقات مع القاعدة". (المصدر : وول ستريت جورنال، 28 ت2/نوفمبر،2008).
يذكر أن حكومة دلهي ردّت طلباً إسرائيلياً بإرسال وحدة عسكرية للقوات الخاصة من أجل مساعدة قوات الإنزال الهندية في تحرير الرهائن اليهود المحتجزين داخل مركز شاباد اليهودي في مومباي. (المصدر : بي تي آي، 28 ت2/نوفمبر 2008).
بالي 2002 بالمقارنة مع مومباي 2008
من المؤكد تشابه هجمات مومباي الإرهابية مع هجمات بالي التي وقعت في أندونيسيا عام 2002. في الحالتين، كان السواح الغربيون هم الهدف. إذ أن منتجع كوتا السياحي على جزيرة بالي، كان هدفاً لهجومين منفصلين، استهدفا السواح الأوستراليين على وجه التحديد.
إن الإرهابيين المزعومين الذين نفذوا هجمات بالي في العام 2002 أعدِموا منذ أسابيع قليلة، في 9 ت2/نوفمبر 2008، وذلك بعد فترة طويلة من المحاكمات. أما المخططون السياسيون لهجمات بالي عام 2002 فلم يُجلبوا أبداً إلى المحكمة.
وقد أشار تقرير صدر عن كبار ضباط إندونيسيا في ت2/نوفمبر 2002 إلى تورط كلٍ من رئيس الإستخبارات الإندونيسية الجنرال أيه أم هندروبريونو ووكالة الإستخبارات المركزية الأميركية في تدبير تلك الهجمات الإجرامية. أما في التحقيق الرسمي الذي أجرته الحكومة الإندونيسية الرسمي، تحت توجيه سري الإستخبارات الأوسترالية وكالة الإستخبارات المركزية CIA، فإنه لم يُشَر أبدا، للصلات الوثيقة بين حزب "الجماعة الإسلامية" ووكالة الإستخبارات الإندونيسية. كما لم يذكر أبدا، أنه بعد وقت قصير من التفجيرات، إعترف رئيس الوزراء الأوسترالي جون هاورد "بأن السلطات الأوسترالية كانت قد تلقت تحذيراً من وقوع هجمات محتملة في بالي غير أنها ارتأت عدم إصدار أي إنذار". (المصدر : كريستشارش برس، 22 ت2/نوفمبر 2002).
وبعد تفجيرات بالي 2002، تم استبعاد بيانين لرئيسين سابقين لأندونيسيا في مرافعات المحاكمة لمرتكبي التفجيرات، وكان كلا البيانين يشير إلى تورّط الجيش والشرطة الإندونيسيين في إرهاب بالي. البيان الأول كان في العام 2002، حينما إتهمت الرئيسة ميغاواتي سوكارنوبورتي الولايات المتحدة بالتدخل في الهجمات. والبيان الثاني في العام 2005، حينما ذكر الرئيس السابق وحيد عبدالرحمان، في مقابلة لتلفزيون أس بي أس الأوسترالي في شهر ت1/أوكتوبر، أن الجيش والشرطة الإندونيسيين لعبا دوراً مشبوهاً في تفجيرات بالي 2002.
ملاحظة
في الأشهر الأخيرة، أصبح مدير الإستخبارت الخارجية للهند، أشوك شاتورفيدي، هدفاً سياسياً. ويصمم رئيس الوزراء مانموهون سينغ على طرده واستبداله بشخصية أكثر إرضاءً. فمن غير الواضح ما إذا كان شاتورفيدي سيشارك في تحقيق الإستخبارات والشرطة أم لا.
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق