خاص ـ الحقول / بدأت حكاية حوار الأديان في عام 1991، وكانت بداية سيئة للغاية، وهى التى اكشف اليوم تفاصيلها وللمرة الأولى. فقد كنت شاهداً عليها حيث عقد المؤتمر فالأول في مالطا التى كنت أعمل سفيراً لمصر لديها. وهذه الحكاية أرويها لاتصالها بفضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور سيد طنطاوى وما أثاره لقاؤه مع شمعون بيريز رئيس الدولة العبرية من استياء وهو ما تناوله باقتدار الأخ الأستاذ فهمى هويدى فى صحيفة «الدستور» فى عددها الصادر بتاريخ 1/21/8002.
البداية جاءت من روما، كان لمصر لدى الفاتيكان زميل ديبلوماسي، حيث اتصلوا به (من هم؟) وأبلغوه أن مؤتمراً لحوار الأديان سوف يعقد فى «كالتا» عاصمة مالطا، وأنهم يطلبون منه شخصياً أن يقوم بدور لإقناع فضيلة الشيخ سيد طنطاوى بحضور هذا المؤتمر الذى سينتهى بحفل يقام من أجل السلام!! وقد قبل السفير المهمة وسافر إلى القاهرة وقابل طبعاً فضيلة الشيخ كما قابل كبار المسئولين لذات الغرض، وانتهى الأمر بالحصول على الموافقة وحضور فضيلة الإمام هذا المؤتمر.
الذى نظم هذا المؤتمر واتفق عليه هو (دولة) فرسان مالطا التى ليست دولة وليس لها مكان على الخريطة ومع ذلك لها سفارة هنا فى القاهرة!!
تواكب مع عقد هذا المؤتمر ترشح الدكتور بطرس بطرس غالى وزير الدولة للشؤون الخارجية لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة. وقد دعي هو الآخر لحضور هذا المؤتمر لحوار الأديان، وعندما اتصلت بسيادته وأبلغته بالبرنامج الذى أعددته لزيارته، عاتبنى برقة وأفهمنى أنه سيحضر لغرض غير حضور المؤتمر وزيارة مالطا، إنما بغرض مقابلة الكاردينالات (جميع كاردينال إن صح هذا الجمع) الذين سيأتون من الفاتيكان، فهؤلاء لهم نفوذ دينى وسياسى فى أنحاء العالم، ويهمه أن أرتب له مواعيد لقاءات معهم، فغرضه من الحضور إلى مالطا هو حملته الانتخابية أساساً.
شيخ الأزهر وافق مسبقا على لقاء بيريز وشلة الإجرام الصهيوني
عقد المؤتمر الذى حضره حاخامات يهود وكاردينالات الفاتيكان كما حضرته شخصيات إسلامية غير معروفة إلى جانب مقام فضيلة الإمام الأكبر، كما حضره أيضاً رجال دين هندوس وبوذيين.
عقد المؤتمر وألقيت فيه كلمات لكنه انتهى إلى لا شيء!
الأخطر كانت حفل الختام الذى سموه حفل السلام!! أعد المسرح الذى كان على شكل منصة مدرجة.. منصة على اليمين ومنصة على الشمال وبينهما ممر، وأمام المنصة جلس المدعوون من سفراء ووزراء وكبار رجال الدولة والمسؤولين، وقاموا بإضاءة الشموع وإطفاء الأنوار، وأعطوا كل مدعو شمعة، وبالمناسبة فإن الشموع أنواع يعرفها جيداً زوجات بعض السفراء وزوجات كبار الأثرياء، فهناك شموع تحترق بعد نصف ساعة وبعضها من نفس الحجم يبقى مضيئاً عدة ساعات، وهى عادة التى يستخدمها السفراء والأثرياء لإضاءة مائدة الطعام فى حفلات العشاء التى يقيمونها، وكان المنظر مبهراً.
لكن الكارثة أنهم أجلسوا على الجانب الأيمن من المنصة الحاخامات والكاردينالات، وعلى الجانب الأيسر رجال الديانات غير السماوية الهندوس والبوذيون ورجال الدين الإسلامى وفى الصف الأول فضيلة الإمام الدكتور سيد طنطاوي!!
وللأمانة فإن فضيلة الإمام لم يلحظ ذلك، فقد قاده أحد المنظمين للحفل إلى مقعده فجلس، ولم يكن فى مقدوره أن يعرف أنه يجلس فى ناحية رجال الأديان غير السماوية.
كنت أجلس خلف مقعد وزير خارجية مالطا آنذاك (السيد دى ماركو الذى أصبح فيما بعد رئيساً للوزارة ثم رئيساً لجمهورية مالطا) وكانت تربطنى به صداقة متينة، وتنبهت إلى هذه الإهانة.. هذه الكارثة فاستجمعت شجاعتى وربت على كتفه وأبلغته بما لاحظته فى أذنه، وسمعنى جيداً وسكت لدقائق ثم التفت نحوى قائلاً: "ما لاحظته صحيح تماماً".
كان هذا كافياً لأن أغادر مقعدى والتوجه صوب المنصة إلى فضيلة الإمام لأوضح له الأمر وأطلب منه مغادرة الحفل، وفعلت لكن قبل الوصول إلى المنصة اعترضنى الزميل الذى يعمل فى الفاتيكان، فأبلغته بما لاحظته وبما عزمت عليه، لكنه صرخ قائلاً: "أرجوك لا تفسد حفلتي".
يهمنى أن أذكر أمرين : الأول أن فضيلة الإمام غادر الحفل ولم يحضر حفل الاستقبال الذى كان سيعقب حفل السلام!!!1 وذهب مباشرة إلى الفندق. الأمر الثاني: أن أخانا الزميل بعد أن انتهت فترة عمله فى الفاتيكان، وعاد إلى الوطن، فإنه وجد فى انتظاره وظيفة براتب ضخم فى أحد الفنادق الشهيرة الكبرى ويمتلك شاليهاً للاصطياف فى الساحل الشمالى قيمته ما بين أربعة وخمسة ملايين جنيه!
هذا هو حوار الأديان الذى صدعوا رؤوسنا بالكلام والكتابة عنه، ولست أشك فى أن حفل مؤتمر الأديان فى مالطا كان مجرد (بروفة) لحفل مؤتمر الأديان الذى عقد فى نيويورك وحضره خادم الحرمين الشريفين الملك السعودي عبدالله بن العزيز وحضره شمعون بيريز، وبموافقة وإذن فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وكانت المصافحة التى أثارت ضجة.
الدولة التى تفرط فى ثروتها من الغاز الطبيعى وتعطيه مجاناً تقريباً لـ"إسرائيل" فى وقت توقفت فيه محطة كهرباء غزة تماماً عن العمل بما يؤدى إلى موت العشرات من المرضى فى غرف العناية المركزة هى ذات الدولة التى توافق على أن يكون كبار رجال الدين لديها مجرد كومبارس فى حفل نيويورك لحوار الأديان.
تفريط هنا.. وتفريط هناك..
السفير أمين يسري ـ القاهرة
http://al-araby.com/docs/1136/vision/article2142179456.html
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق