كشفت مصادر أمريكية أن إسرائيل كانت تعمل فى جورجيا للتحضير لضرب إيران، وطبقا لهذه المصادر فإن إسرائيل عملت على إصلاح وإعداد مطارين جنوب جورجيا، وأقامت مركزا أمنيا لجمع المعلومات عن إيران وجنوب روسيا، مضيفة أن إسرائيل استعانت بطائرات دون طيار لهذا الغرض. وقد نقل موقع NFC الإسرائيلى أنه مع بدء الحرب فى جورجيا قامت الطائرات الروسية بقصف مدرجات المطارين، واستولت قوات خاصة روسية على المطارين وضبطت طائرات بدون طيار بها معلومات أمنية إسرائيلية.
وأضافت المصادر أن إسرائيل تعمل منذ فترة فى الأراضى الجورجية، وقدمت مساعدات عسكرية للجيش الجورجى وتعمل على جمع المعلومات حتى تستطيع توجيه ضربة قوية للمراكز النووية الإيرانية انطلاقا من الأراضى الجورجية، وذلك لقرب المسافة بين البلدين اللذين لا يفصل بينهما سوى أرمينيا، وقدرة الطائرات الإسرائيلية على العمل بسرعة وفاعلية بدلا من التحرك من داخل إسرائيل.
وذكر الموقع الإسرائيلى أيضا بأن روسيا حذرت إسرائيل قبل أشهر من دعم جورجيا بالسلاح، خاصة أن الطائرات الإسرائيلية دون طيار كانت تحلق على الحدود الروسية - الجورجية، وأكد المصدر أن الطائرات الروسية دمرت مطارا قرب تبليسى عاصمة جورجيا كانت به دبابات إسرائيلية وطائرات جورجية أثناء الحرب الأخيرة [التي اندلعت في آب/أغسطس 2008 بعد عدوان جورجيا على أوسيتيا الجنوبية].
جورجيا : قاعدة إسرائيلية في القوقاز
وتشير مصادر المعلومات الأمريكية إلى أن إسرائيل كانت قد عقدت اتفاقا سريا مع جورجيا حولتها إلى ما يشبه إسرائيل القوقاز، وإلى أكبر قاعدة عسكرية سرية لتنفيذ الضربة الإسرائيلية المتوقعة ضد منشآت البرنامج النووى الإيراني.
ومن المعروف أن إسرائيل تعتبر سادس دولة فى صادرات السلاح والمعدات الحربية، وقد صدرت إلى جورجيا نوعيات مختلفة من الأسلحة أبرزها طائرات بدون طيار طراز (هيرمس - 450) من إنتاج شركة البيت، وهى مخصصة لجمع المعلومات ولديها قدرة على البقاء فى الجو لمدة 24 ساعة متواصلة وتحلق بسرعة 170 كم فى الساعة، وقد أسقط الروس إحداها فى شهر آب/أغسطس الماضي. هذا بالإضافة لقذائف صاروخية ارض/أرض (لينكس) يتراوح مداها من 45 -150 كم، وصواريخ مضادة للدبابات (TOW)، وصواريخ مضادة للطائرات، بالإضافة لأجهزة رؤية ليلية ومعدات حراسة وذخائر مدفعية، وتطوير طائرات السوخوى - 25 (سكوربيون)، وأسلحة صغيرة وخفيفة من إنتاج المصانع الحربية الإسرائيلية.
وتشير مصادر روسية إلى أن إسرائيل أمدت جورجيا بقنابل عنقودية استخدمها الجيش الجورجى فى قصف أوسيتيا الجنوبية، وهى مماثلة للقنابل التى استخدمتها إسرائيل ضد لبنان فى حرب يوليو 2006. كما أشارت آخر التقارير الاستخباراتية إلى إبرام اتفاق سرى بين جورجيا وإسرائيل بضوء أخضر أمريكى يضع تحت تصرف الإسرائيليين قاعدتين جويتين فى جنوب جورجيا معدتين لاستقبال سربين من المقاتلات الإسرائيلية (F-16-F-15) تصل عبر الأجواء التركية استعدادا لشن ضربة جوية ضد إيران.
ويضيف التقرير الاستخباراتى أن أكثر من ألف خبير عسكرى إسرائيلى كانوا متواجدين فى جورجيا فى الأسبوع الأخير من شهر آب/أغسطس الماضى وبداية أيلول/سبتمبر الماضي يعملون لهذه المهمة، وبذريعة إعادة تأهيل الجيش الجورجي، وأن ضابط الارتباط الإسرائيلى فى محور تل أبيب - تبليسى هو الجنرال احتياط جال هرش، وهو من المسؤولين العسكريين عن شن الحرب على لبنان في تموز/يوليو 2006، والذين استقالوا إثر تقرير فينوغراد.
ومن المعروف أن الجيش الجورجى كان يجرى تدريبا لوحداته العسكرية بواسطة خبراء إسرائيليين فى جميع التخصصات، إلى جانب إعادة تنظيم وتسليح هياكل الجيش، وجهاز المخابرات العسكرية وجهاز الإمداد اللوجيستي، وأن التدريب والمناورات الحية لوحدات الجيش الجورجى كانت تجرى بالقرب من الحدود مع أوسيتيا الجنوبية، وقد سهل من هذا التعاون الاستراتيجى بين جورجيا وإسرائيل، كون وزير الدفاع الجورجى (دافيد كرزاشفيلي) إسرائيلى سابق يتكلم العبرية بطلاقة، كما أن وزير المقاطعات الجنوبية (تيمور باكوشفيلي) كان يتفاخر بأن الجنود الجورجيين يقاتلون مثل الأسود، لأنهم ثمرة تدريب الإسرائيليين.
كذلك من أبرز الضباط الإسرائيليين المتقاعدين الذين عملوا فى تدريب وتسليح وتنظيم وأعداد جيش جورجيا (الجنرال احتياط يورام يئير(، والوزير السابق (رونى ميليو) وأخوه (شلومو) المدير السابق للصناعة العسكرية فى إسرائيل، والجنرال احتياط (يسرائيل زيف) القائد السابق لقوات الإحتلال في قطاع غزة وأحد المشرفين على بناء جدار الفصل العنصري فى الضفة الغربية، والرئيس السابق لشعبة العمليات فى هيئة الأركان العامة.
وقد تم تشغيل الخبراء العسكريين الإسرائيليين فى جورجيا بواسطة شركات خدمات أمنية خاصة، وأن موضوعات التدريب شملت جميع الفنون العسكرية - سواء فى مجال الاستخدام الفنى للأسلحة والمعدات العسكرية المصنوعة فى إسرائيل أو الروسية المتواجدة فى وحدات الجيش الجورجي، أو فى مجال التكتيكات والاستخدام القتالى للوحدات العسكرية لاسيما عمليات الكوماندوز الخاصة، والحرب الجو - برية التى تشمل المواجهة وعمق وأجناب العدو، وأساليب القتال فى المدن، وتأمين نظام الحكم المركزى فى تبليسى ومنشآته، وأعمال المخابرات والاستطلاع الميدانية، وأعمال الاستطلاع والإعاقة الالكترونية كالرادارات وأجهزة اتصالات العدو لعرقلة أعمال القيادة والسيطرة لديه، هذا إلى جانب عمليات الخداع الاستراتيجى والتكتيكى فى الحرب.
كما تفيد التقارير الاستخباراتية الصادرة عن روسيا بأن إسرائيل وضعت خطط العمليات الهجومية التى كان من المقرر أن يقوم بها الجيش الجورجى لاحتلال عاصمة أوسيتيا الجنوبية (تسينخفالي)، وقد شملت أيضا عمليات تأمين بحرى لسواحل جورجيا على البحر الأسود، وقد بلغ حجم مبيعات الأسلحة الإسرائيلية لجورجيا فى السنوات الأخيرة حوالى 500 مليون دولار تشمل الخدمات العسكرية للخبراء.
ومن أبرز شركات الخدمات العسكرية الإسرائيلية التى تعمل فى جورجيا شركة (Defense shield) التى يرأسها الجنرال احتياط (جال هيرش) السابق الإشارة إليه، وشركة (غلوبال سيس)) وشركة (قرطال) التى يملكها (نير شاؤول) للتدريب.
وقد ذكرت صحيفة فايننشيال تايمز أن إسرائيل امتنعت عن تزويد جورجيا بدبابات (ميركافا( الإسرائيلية استجابة لطلب موسكو، وحتى لا تقوم الأخيرة بتزويد إيران وسوريا بأسلحة دفاع جوى متطورة - مثل نظام S-300 المضاد للصواريخ القادر على رصد وتتبع 100 هدف، والاشتباك مع عشرة أهداف فى وقت واحد على مسافة 75 كم، وتصعيب الإعاقة الالكترونية عليه، وأيضا النظام الصاروخى اسكندر -A أرض/أرض ذو المدى 280 كم وزنة رأسه 480 كجم، والقادر على حمل رؤوس غير تقليدية. ويصيب أهدافه بدقة عالية، وهو ما قد يعيق العمليات الجوية والأرضية الإسرائيلية ضد إيران وسوريا مستقبلا.
وقد استخدمت إسرائيل فى ردها على روسيا نفس العبارة التى تستخدمها روسيا عادة لتبرير صفقات أسلحتها، بقولها أن كل الأسلحة التى أمدت بها جورجيا دفاعية فقط، ولكن الدعاية الإسرائيلية بالغت فى اتهام روسيا عندما وصلت إلى حد أن موسكو ستمنح سوريا تكنولوجيا نووية عسكرية وغواصات فى صورة تعيد أجواء الحرب الباردة بتفاعلاتها التقليدية بين القوى الكبرى والصغرى.
كيف نشأ التحالف الجيورجي ـ الإسرائيلي
تعود العلاقة الوطيدة بين إسرائيل وجورجيا إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي، وذلك عندما حاولت إسرائيل حجز حصة فى الفراغ الاستراتيجى الذى خلفه انهيار الاتحاد السوفيتى من خلال إقامة علاقات متينة مع جمهوريات القوقاز التى تكن عداءا قديما لروسيا، وذلك عبر بوابة الأسلحة والتجهيزات العسكرية التى بلغت فى السنوات الأخيرة نحو 500 مليون دولار، وذلك على رغم أن جورجيا تعانى ضائقة مالية كبيرة، ووفق المندوب الروسى لدى الأمم المتحدة (فيتالى تشوركين) فإن جورجيا تأتى فى المرتبة الأولى بين أسرع الدول تسلحا فى العالم حيث تضاعف إنفاقها العسكرى ثلاثين مرة خلال الأعوام القليلة الماضية.
ومن أجل دعم العلاقة الخاصة التى تربط جورجيا بإسرائيل كرس رئيسها ميخائيل ساكاشفيلى معظم زياراته إلى الولايات المتحدة ليجتمع بزعماء المنظمات اليهودية فى أمريكا الشمالية، وأعلن فى أكثر من مناسبة عن اعتقاده بأن الحرب على العراق تمثل خط الدفاع الأول فى الحرب على الإرهاب، ولذلك ساهم فى القوات المتعددة الجنسيات التى أرسلت إلى العراق بـ1000 جندى جورجي، عادوا فى الأزمة الأخيرة إلى جورجيا بطائرات نقل أمريكية على وجه السرعة، وأضاف أنه لن يسمح لإيران بأن تنفذ مآربها وأن ما يلحق بإسرائيل من أذى يلحق بجورجيا، مؤكدا أن المكان الوحيد الذى اشعر فيه بأننى فى وطنى هو إسرائيل.
ولذلك لم يكن غريبا أن تشكل جورجيا بالنسبة لإسرائيل منجما للثراء الأمني فقد تحولت إلى مركز جذب للضباط الإسرائيليين المتقاعدين، خاصة أولئك الذين أقيلوا من الجيش فى أعقاب إخفاقات حرب تموز/يوليو 2006 فى لبنان.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة فى أوسيتيا الجنوبية الطامحة - إلى جانب أبخازيا - فى الانفصال عن جورجيا، وتصاعد الشكوى الروسية من التسلح الذى تقدمه إسرائيل لجورجيا، وارتفاع أصوات إسرائيلية من أصل روسى طالبت بالحذر من أن تقع إسرائيل فى شرك هذا النزاع المتفجر، وتدفع بالتالى ثمنا باهظا، وهو أيضا ما حذرت منه وزارة الخارجية الإسرائيلية، برز صراع داخلى فى إسرائيل دار بين الأجهزة الأمنية التى تحبذ استمرار استغلال الأزمة فى القوقاز لتصدير أسلحة ومعدات عسكرية إسرائيلية لجورجيا، وبين الأجهزة الدبلوماسية التى عارضت ذلك ويبدو أن هذا الصراع قد حسم لصالح المؤسسة العسكرية المطالبة باستمرار تزويد جورجيا بالأسلحة الإسرائيلية، دون إغفال عدم تضرر العلاقات مع روسيا.
وفى ذلك ذكرت صحيفة هاآرتس فى 11/8/2008 أن مصادر أمنية إسرائيلية وجهت انتقادات لاذعة إلى توصية وزارة الخارجية بتجميد صفقات بيع أسلحة لجورجيا، كونها تعكس سذاجة وعدم فهم للعالم المعقد فى مجال الصفقات الأمنية التى تبرمها إسرائيل فى الحلبة الدولية، فضلا عن أنه لا ينبغى لوزارة الخارجية أن تكون طرفا فى القرارات المتعلقة بمصير صفقات الأسلحة، لأنه يوجد للوزارة مندوب فى شعبة مراقبة الصادرات الأمنية فى وزارة الدفاع المسؤولة عن هذه الصفقات، ومسموح لهذا المندوب التعبير عن موقفه خلال المداولات. ولذلك فإن على وزارة الخارجية الاكتفاء بذلك. وعليه فإن وزارة الدفاع الإسرائيلية لن توقف عقودا أبرمت لتزويد جورجيا بالأسلحة، لكن يحتمل دراسة إمكان تجميد بعض العقود المعدودة لفترة معينة، وذلك فى إشارة إلى عقد بيع 200 دبابة ميركافا لجورجيا باعتبارها سلاحا هجوميا.
عن تأثير هذه الصفقات على علاقة روسيا بإسرائيل، ذكر وزير الدفاع الإسرائيلى إيهود باراك أن روسيا ستغفر لإسرائيل هذا السلوك المعادى بعد انقشاع غيمة الحرب وتداعياتها. ولكن هل يبرر لإسرائيل إشارة صحفها إلى وجود توسط أمريكى مباشر فى دعم جورجيا بالمعدات العسكرية، حيث كانوا ينقلون بواسطة مطار العقبة فى الأردن الأسلحة المعدة للقوات الأمريكية فى العراق إلى جورجيا جوا، مساعدة منهم لجورجيا ضد روسيا.
سوريا والتغلغل الإسرائيلي في القوقاز
اندفعت سوريا بقوة فى دعم الموقف الروسى من الأزمة الجورجية، بدا ذلك واضحا فى تصريحات الرئيس السورى بشار الأسد عقب اجتماعه مع الرئيس الروسى ميدفيديف فى منتجع سوتشي بجنوب روسيا فى 21 آب/أغسطس الماضي، حين أعلن دعمه الكامل لموسكو ضد جورجيا ومن يقفون وراءها، واستبق زيارته الأخيرة لروسيا بتأكيد ضرورة أن تبقى دولة عظمى، وإبداء استعداده للتعاون معها فى كل ما يتصل بتعزيز أمنها، وأضاف إن أمريكا وإسرائيل عرقلتا فى السابق تطوير التعاون العسكرى بين موسكو ودمشق، لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن واشنطن وتل أبيب لا يمكن أن تكونا صديقتين لروسيا، أما صحيفة الثورة السورية فقد ذهبت فى التأكيد بأن دمشق على استعداد لمساعدة روسيا على استعادة دورها السابق قبل تفكيك الاتحاد السوفيتى عام 1991، ولعب دور دولة عظمى فى مواجهة الولايات المتحدة.
وعلى صعيد العلاقات الاقتصادية والتجارية أعطت تسوية الديون وشطب الديون المستحقة لموسكو على دمشق دفعة قوية لتطوير علاقات البلدين، حيث تجاوز حجم التبادل التجارى بينهما العام الماضى المليار دولار بعد أن كان 340 مليون دولار عام 2004.
وبالإضافة لموضوعات التعاون الاقتصادى والطاقة بين البلدين التى شملت محادثات الأسد مع ميدفيديف، إلا أن التركيز كان شديدا على موضوعات التعاون العسكري، وفى ذلك صرح الأسد لصحيفة كومرسانت الروسية قائلا: إن صراع روسيا مع جورجيا الذى تقول فيه موسكو أن تبليسى استخدمت معدات زودتها بها إسرائيل، يؤكد ضرورة تعزيز التعاون العسكرى بين سوريا وروسيا، وأضاف أن التعاون العسكرى والفنى هو القيمة الأساسية، فيما تحتل مشتريات السلاح أهمية بالغة تحتم الظروف الإسراع بها.
وكانت سوريا قد تقدمت بقائمة مطالب مشتريات أسلحة ومعدات عسكرية لموسكو شملت تزويدها بصواريخ أرض/جو (باك أم تو) ومقاتلات قاذفة (سوخوى 35) ومقاتلات اعتراضية (ميج 29، 31)، هذا إلى جانب صواريخ مضادة للدبابات ورادارات ومعدات حرب الكترونية وصواريخ وذخائر، وتبلغ قيمة هذه الأسلحة والمعدات حوالى 3 مليار دولار، بالإضافة إلى 2 مليار دولار آخرين من مشتريات السلاح الروسى تظل على قائمة الانتظار.
ومن المعروف أن موسكو ألغت ديونا عسكرية على سوريا تعود إلى حقبة الاتحاد السوفيتى تبلغ قيمتها 10 مليار دولار. وكانت سوريا قد حصلت من روسيا على نظام الدفاع الجوى Tor - M1 بتمويل إيرانى وتم نشره للدفاع عن الأهداف الاستراتيجية السورية، إلا أنه أخفق فى اكتشاف والتصدى للغارة الجوية التى شنتها إسرائيل بمقاتلتين أف -15 فى 6 سبتمبر 2007 ضد منشاة قيل أنها نووية قرب دير الزور بشمال سوريا، لذلك تلح سوريا فى الحصول على نظام الدفاع الجوى الأحدث والأقوى سام -20 وهو طراز مطور من النظام. S-300
أما دعوة الرئيس الأسد روسيا لنشر صواريخ باليستية أرض/أرض اسكندرA على الأراضى السورية، فقد تم استبعاد هذه الفكرة حاليا تفاديا لاستفزاز إسرائيل بالنظر لدقة هذا الصاروخ فى إصابة أهدافه. وكانت روسيا قد طرحت مسألة نشر صواريخها الدفاعية من هذا الطراز على الأراضى السورية قبل عدة سنوات، إلا أن دمشق لم تتلق عرضا روسيا رسميا بذلك.
وكانت وسائل الإعلام الإسرائيلية قد ذكرت فى منتصف آب/أغسطس الماضى أن روسيا تخطط لنشر صواريخ اسكندرB وهو الطراز الأحدث ويصل مداه إلى 500 كم فى سوريا وجيب كاليننغراد على بحر البلطيق بين ليتوانيا وبولندا لضرب الأخيرة عقب موافقتها على نشر 10 منصات صواريخ فى أراضيها فى إطار نظام الدرع الصاروخى الأمريكي.
وفى تصعيد جديد وافق الرئيس الأسد على تحويل ميناء طرطوس إلى قاعدة للسفن الحربية الروسية فى البحر المتوسط، وذكرت المصادر الروسية أن موسكو قررت تطوير هذا الميناء ليتمكن من استقبال سفنها الحربية الثقيلة فى البحر المتوسط، وهو ما يؤكد رغبة موسكو فى الحصول على وجود طويل المدى فى منطقة الشرق الأوسط، خاصة وأن السفير الروسى فى دمشق ايغور بلييف كان قد قال فى آب/أغسطس الماضي أن سفن بلاده الحربية تجوب البحر المتوسط بالفعل. لكن وجود قاعدة بحرية لها فى طرطوس سيجعل تواجدها دائما.
وقد واكب ذلك زيارة قام بها قائد البحرية السورية اللواء طالب البارى لموسكو فى 12 سبتمبر الجارى حيث أجرى محادثات عسكرية مع نظيره الروسى الأدميرال فلاديمير فيسوتسكى القائد العام للأسطول البحرى الروسي، وكان تطوير قاعدة طرطوس جوهر المباحثات بين الطرفين. حيث تم الاتفاق على إنشاء أرصفة بحرية جديدة تستطيع استقبال القطع البحرية الروسية الضخمة وتوسيع الأرصفة الحالية وبناء مستودعات جديدة، وتطوير هيكل الدفاع البحرى والجوى والبرى عن القاعدة لتواجه احتمال شن هجمات معادية ضدها.
ومن المعروف أن لروسيا تواجدا بحريا فى طرطوس منذ ما قبل التسعينيات يتمثل فى إقامة 50 بحار روسى يعملون فى صيانة وتموين السفن الروسية التى تزور هذا الميناء، كما يتواجد للأسطول الروسى فى شرق البحر المتوسط بشكل شبه دائم حوالى 20 قطعة بحرية أبرزها حاملة الطائرات (الأدميرال كوزنتسوف) وطراد صواريخ (أدميرال موسكفا) وأربع غواصات نووية، إلى جانب فرقاطات وسفن إنزال على متنها حوالى 1000 فرد من مشاة الأسطول و5 سفن أمداد لوجيتسي، غادرت معظمها مؤخرا ميناء (مورمانسك) الروسى متجهة إلى طرطوس.
بالإضافة لذلك، إبحرت سفينتين روسيتين متخصصتين فى تطوير القاعدة البحرية في البحر الأسود إلى طرطوس فى 14 سبتمبر الماضى، لتشارك فى بدء عملية إعادة تأهيل هذه القاعدة لتناسب الاستخدام العسكرى الروسي، وكان مساعد القائد العام للأسطول الحربى الروسى العميد البحرى ايغور ديغالو قد صرح أن تطوير قاعدة طرطوس يأتى فى إطار تعزيز الثقة والتفاهم بين أساطيل البلدين. حيث يتم بناء حوض إصلاح للسفن وثلاث منصات عائمة ومستودعات واستراحات للجنود.
وكانت قيادة الأسطول الروسى قد دعت أكثر من مرة إلى توسيع مركز الصيانة والتموين الروسى فى طرطوس وتحويله إلى قاعدة عسكرية رئيسية للأسطول الروسى فى البحر المتوسط فى مواجهة تزايد نشاط الأسطول السادس الأمريكى ومن ورائه البحرية الإسرائيلية. وكانت قطع بحرية روسيا قد أجرت فى السنوات الماضية مناورات مشتركة فى شرق المتوسط مع قطع من البحرية السورية والبحرية الإيرانية فى مواجهة المناورات الأمريكية - الإسرائيلية المشتركة.
حرب القوقاز تنعش العلاقة بين طهران وموسكو
وفى غضون تطور أزمة جورجيا قام وزير الخارجية الإيرانى منوشهر متقي بزيارة موسكو وأجرى محادثات مع نظيره وزير الخارجية الروسى سيرغى لافروف، حيث بحثا الجانبان الأوضاع فى أبخازيا وأوسيتيا الجنوبيتين والعراق وأفغانستان والشرق الأوسط،وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرا على تعزيز التنسيق بين موسكو وطهران فى الملفات الدولية والإقليمية الساخنة. حيث ساعدت أزمة جورجيا على الهاء الدول الغربية عن الملف النووى الإيراني، وتطوره فى إطار نوايا الدول الغربية لفرض مجموعة رابعة من العقوبات الاقتصادية على إيران، وإصرار طهران فى المقابل على المضى قدما فى برنامجها الخاص لتخصيب اليورانيوم، بل وزيادة عدد أجهزة الطرد المركزى التى تقوم بالتخصيب إلى 6000 جهاز.
وقد ترتب على المحادثات الأخيرة إعلان روسيا رفضها فرض مزيد من العقوبات الدولية على إيران، وهو ما يعنى احتمال استخدام روسيا حق الفيتو لعرقلة أى مشروع قرار تقدمه الدول الغربية إلى مجلس الأمن يستهدف فرض عقوبات إضافية على إيران.
وعلى هامش قمة منظمة شنغهاى للتعاون الإقليمى التى تضم روسيا وإيران وبلدان آسيا الوسطى والصين الذى عقد فى دوشنبى عاصمة طاجاكستان، بحث الرئيس الروسى ميدفيديف مع نظيره الإيرانى أحمدى نجاد الأزمة الجورجية، وأعلن الرئيس الروسى أنه يتعين على الدول الغربية أن تحل مشكلة المواجهة بشأن البرنامج النووى الإيرانى بدون مساعدة بلاده إذا رفضت التعاون مع موسكو فى هذا الصدد، وهو ما أكده رئيس الوزراء الروسى فلاديمير بوتين، وإن كانت لا تزال روسيا تعمل مع شركاء دوليين بشأن المسألة الإيرانية. وفى فيينا صرح مصدر روسى بأن بإمكان إيران مساعدة روسيا فى مراقبة القوات الأمريكية فى الخليج من خلال الدخول فى تحالف استراتيجى بين موسكو وطهران.
وفى إطار التعاون العسكرى بين روسيا وإيران، من المتوقع أن توافق روسيا على بيع نظام الدفاع الصاروخى المضاد للصواريخ S-300 لإيران [نشرت أنباء في كانون الأول/ديسمبر 2008 عن بدء موسكو بتسليم هذه الصورايخ لطهران]، وهو ما تقاومه كل من إسرائيل والولايات المتحدة لأنه يعرقل تنفيذ الضربات الجوية المخطط شنها ضد إيران، كما وافقت روسيا على امداد مفاعل بوشهر النووى بكل احتياجاته من الوقود النووى ليبدأ تشغيله اعتبارا من عام 2009.
وبدا الموقف الإيرانى أكثر تحفظا من الموقف السورى فى التجاوب مع الموقف الروسى تجاه أزمة جورجيا، رغم أن إيران هى المستفيد الأكبر من التوتر والخلاف بين روسيا والولايات المتحدة، حيث وصل الأمر بإيران إلى رفض الموقف الروسى من الاعتراف باستقلال أوسيتيا وأبخازيا، والأكثر من ذلك لوحظ أن إيران تعاملت بعكس سوريا فى الإيحاء بالاندفاع نحو الرهان على موسكو، ففى الوقت الذى كان السوريون يسربون معلومات عن تزويد موسكو لهم بمنظومة S-300، كان الإيرانيون يكذبون أى خبر عن شرائهم لهذه الصواريخ وينفون موعد تسلمهم لها فى آخر هذا العام، ووسط تأكيدات روسية شبه يومية عن استعداد طهران لتسلم هذا النظام فى هذا الموعد.
ولم تكتف التسربيات الروسية بالتحالف مع إيران إلى حد الإشارة إلى مفاوضات عاجلة لإقامة قاعدتين روسيتين فى إيران، إحداهما فى إقليم أذربيجان والثانية فى جزيرة جشم لمنح موسكو موقعا عسكريا فى الخليج العربي، وهو ما نفته أيضا طهران، ويرجع تحفظ الإيرانيين من دخول المحور الروسى إلى عدم وثوقهم فى اعتبار موسكو شريكا يمكن الاعتماد عليه، بالنظر لتجربتهم السابقة مع الروس عندما ماطلوا فى إنجاز مفاعل بوشهر الذى كان ينبغى تسلمه منذ عشر سنوات، والفيتو الروسى على دخول إيران منظمة شنغهاى للتعاون، وليس كعضو مراقب حاليا مثل الهند.
كما تسعى إيران إلى تقديم نفسها للغرب كمصدر بديل لنفط وغاز بحر قزوين فى اتجاه أوروبا التى باتت تتخوف جديا من هيمنة روسيا على خطوط الإمدادات، وبعد أن تبين أن أحد أهداف تحرك روسيا ضد جورجيا هو منع الغرب من الاعتماد على خط نفط باكو - تبليسى - جيهان والذى ينقل النفط من بحر قزوين إلى أوروبا بدون المرور بروسيا، أما بعد الحرب فإن 45 كم من هذا الخط أصبح مهددا من القوات الروسية المتمركزة في أوسيتيا الجنوبية.
تحفظات ومخاوف في تركيا
تبدو تركيا فى ظل الوضع القائم فى جورجيا الأكثر تأثرا، فهى المحطة الثانية لنفط بحر قزوين، وإذا توقف ضخ النفط وتغير اتجاه ضخة ليكون عبر روسيا مستقبلا فإن أهمية تركيا الاستراتيجية ستتأثر، كذلك تبدو محاولة روسية للسيطرة على أذربيجان مشابهة لما جرى فى جورجيا،من هنا يبرز السؤال حول كيفية رد تركيا خاصة وأنها الداعمة الأساسية لأذربيجان فى صراعها ضد أرمينيا حول إقليم ناغورنو كاراباخ، وذلك بعد أن أدركت تركيا أن روسيا استخدمت القواعد الجوية الأرمنية فى عملياتها ضد جورجيا.
وقد نقلت مصادر جورجية معلومات عن مسؤولين فى تبليسى عن مناقشات مكثفة تجرى حاليا بين واشنطن وتبليسى بمشاركة تركية، وتدور حول خطة أمريكية تحظى بقبول جورجى لإنشاء قاعدتين عسكريتين، وضمان تواجد دائم لسفن حربية أمريكية فى مينائى بوتى وباتومى الجورجيين على البحر الأسود. وبحسب المصادر فإن تركيا أبدت تحفظا على الفكرة بسبب مخاوف من رد الفعل الروسي. وتفيد المصادر الجورجية أن القاعدتين سترابط فيهما قوات تدخل سريع أمريكية، وستتولى السفن الحربية الأمريكية فى المنطقة إدارتهما إذا تم الاتفاق على تواجد دائم لها، لحماية خطوط إمدادات الطاقة التى تمر عبر الأراضى الجورجية.
يتفق الجميع على أن الحرب التى دارت فى جورجيا قد ألقت ظلالها على خطوط نقل الغاز والنفط من بحر قزوين إلى أوبوا عبر جورجيا وميناء جيهان التركي، وبالتالى على مستقبل بترول بحر قزوين، ومن ثم فإن التسخين فى هذه المنطقة سيعيد الاهتمام بنفط وغاز الخليج. ذلك أن هيمنة روسيا على ما يزيد عن ثلث احتياطيات النفط والغاز فى العالم سوف يدفع الغرب إلى التفكير المعقد فى توفير بدائل محددة، ومن ثم تضاعف إصرار الولايات المتحدة على هيمنتها على الخليج، وما يترتب على ذلك من تأثير على موقفها الرافض للتسلح النووى الإيراني، والتمسك بالوجود العسكرى الأمريكى فى العراق. وهو الأمر الذى سيتقاطع مع مصالح بعض الدول العربية، بل والتوجه لبناء مفاعلات نووية عربية للحصول على طاقة إضافية بديلة إذا ما نشبت حرب فى المنطقة بسبب الصراع على الطاقة أو بسبب إصرار إيران على المضى قدما فى برنامجها النووى على غير إرادة المجتمع الدولي.
رؤية عامة
مما لا شك فيه أن روسيا استعادت قوتها، ولن تسمح لأحد بأن يلعب مرة أخرى فى حديقتها الخلفية، وأن أحداث جورجيا كسرت الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة وأذنت بنهاية عصر القطب الواحد. ولقد أبرزت هذه التطورات سؤال حول طبيعة الدور الروسى الجديد فى المنطقة، والذى سيعتمد بالضرورة على الوجهة المستقبلية للعلاقات الأمريكية - الروسية. فإذا انحدرت هذه العلاقات للأسوأ فى ظل إدارة أمريكية متشددة، ستعود القوتان إلى مجابهات الحرب الباردة فى أوروبا الوسطي، وآسيا الوسطي، والشرق الأوسط ومناطق أخرى. وستعانى المنطقة من موجة إضافية من التوترات وتصعيد المجابهات. لكن إذا قرأت الإدارة الأمريكية الجديدة القادمة فى كانون الثاني/يناير 2009 نذر المجابهة الجورجية، ونجحت فى إقامة شراكة جديدة مع روسيا الصاعدة، فإن النفوذ الروسى فى الشرق الأوسط قد يسهم حينذاك فى تقديم العلاج لجروح على غرار تلك الموجودة فى العراق وأفغانستان، وفى الوصول إلى حل سلمى للأزمة النووية الإيرانية، وفى رعاية محادثات السلام السورية - الإسرائيلية، وأخيرا فى المساعدة على توفير الظروف للاستقرار فى الشرق الأوسط.
وعلى العرب أن يستفيدوا من الدرس الروسي، ويعلموا أن الموارد الطبيعية وحدها لا تصنع دولا قوية، ولكن الإرادة النافذة هى التى تصنع الأمم، والاعتماد على القدرات الذاتية هى التى تحمى الحرمات والمصالح وتحقق الغايات والأهداف القومية. وأن قيام روسيا كقطب مواز لأمريكا قد يحد من سياسة أمريكا التوسعية، ولكنه لن يزيد اللاعبين على التناقضات قوة كما يعتقد البعض، بل قد يزيدهم ضعفا إذا اتبعوا السياسات التى كانوا يتبعونها فى الستينيات والسبعينيات، وعلى العرب أن يدركوا جيدا أن أمنهم ليس فى قيام روسيا كقطب مواز لأمريكا، ولكن أمنهم فى وحدتهم وإصرارهم على أن يصبحوا هم أنفسهم قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب.
حسام سويلم، لواء أركان حرب متقاعد في الجيش العربي المصري
جزء من نص أطول ورد في "مختارات إسرائيلية" تشرين الثاني/نوفمبر 2008
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق