مستعرب روسي يتوقع دولة من قوميتين في فلسطين التاريخية (هل حانت نهاية "إسرائيل")
"كانت المبادرات الجديدة لرباعية الشرق الأوسط محاولة أخرى لبعث الحياة في عملية السلام العربية ـ الإسرائيلية التي تعاني من سكرات الموت البطيء. ومن الممكن مواصلة المفاوضات إلى ما لا نهاية، ولكن كلما راوحت في مكانها أكثر، كلما قلت فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وينصح أصدقائي الفلسطينيون الذين كانوا حتى وقت قريب من المتفائلين بقرار الدولتين ـ فلسطين وإسرائيل، بنسيان هذا الأفق، وضرورة تغيير الاستراتيجية الفلسطينية.
وعندما كان أمام المجتمع الدولي في الماضي خيار بين مشروعين شرق أوسطيين لحل القضية الفلسطينية ـ إقامة دولة من قوميتين أو دولتين يهودية وعربية منفصلتين [في فلسطين المحتلةٍ، وقع الخيار على الثاني. ولكن إمكانية تنفيذ هذه المشروع اخذ يصبح بمرور ستة عقود من ذلك الحين، مسألة عابرة.
ويعيش حاليا وراء الخط الذي كان يفصل بين إسرائيل وفلسطين العربية في 4 يونيو عام 1967 (قبل حرب الأيام الستة بين الإسرائيليين والعرب)، 500 ألف مستوطن يهودي. والمستوطنات لا تمثل سكانها فقط بل وشبكات الطرق ومحطات الكهرباء والماء والمجاري والاتصالات والمزارع والحقول. ولا تسيطر إسرائيل على هذه المنظومة الكبيرة فحسب، بل وعلى كافة أراضي ما يسمى بمنطقة الحكم الذاتي [الفلسطيني] التي تحيط بها. وتعد سلطات محمود عباس ورئيس وزرائه سلام فياض في هذه الأراضي، حسب تعبير صديقي القديم من إسرائيل، وأحد المدافعين المخلصين عن حقوق العرب الفلسطينيين غيرشون باسكين، مجرد سلطات عمد محليين.
هل يوجد سياسيون إسرائيليون مستعدون لإجلاء المستوطنين المحليين؟ هل وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني التي تجري مفاوضات مع الفلسطينيين طوال سنة كاملة دون نتائج؟ ولربما قد يكون رئيس وزراء إسرائيل القادم بيبي (بنيامين) نتانياهو أو زميله في حزب "ليكود" موشي فيغلين الذي يدعو إلى إعادة احتلال غزة؟ ولنفرض أنه سيجري إجلاء قسم من المستوطنين، ومع ذلك سيتعين حتى في ظل التوصل إلى الاتفاق المؤلم للفلسطينيين حول استبدال الأرض، سيتعين، كما ترى إسرائيل، تغير أماكن سكن ما لا يقل عن 80 ألف شخص من 100 مستوطنة (ناهيك عن مصير البنية التحتية). ولنفرض أنه يوجد هناك بين المستوطنين من يوافق على الانتقال طوعيا ـ بالأموال الأمريكية أن سمحت بذلك الأزمة. وأتجرأ على الافتراض بأنه ليس الجميع. فقد شاهدنا في هذا الشهر المعركة التي دبرها المستوطنون بسبب بيت واحد فقط في الخليل. فهل تستطيع السلطات الإسرائيلية استخدام القوة من أجل ذلك؟
وتتبادر إلى الذاكرة التجربة المحزنة لإجلاء المستوطنات من غزة ( في أغسطس عام 2005). فمن يضمن ألا توجه حراب الجنود الذين يرسلون لإبعاد المستوطنين، ضد من أرسلها؟ ومن من القادة الإسرائيليين جاهز للتخلي عن الفكرة الجنونية بأن القدس عاصمة واحدة لا تقسم للدولة اليهودية؟
ولا يمكن نسيان انقسام الفصائل الفلسطينية. فإن خيبة الأمل والشعور بالعجز يدفعان مزيدا من المواطنين إلى "الإسلام الراديكالي" الذي يمنحهم على الأقل أملا معينا. وفي هذا تكمن قوة حركة حماس التي أعلنت في 19 ديسمبر عن انتهاء التهدئة مع إسرائيل، التي استمرت 6 أشهر. وعبثا يعتقد السياسيون اليهود الذين يودون حقا استتباب السلام في المنطقة، أن مفتاح النجاح في "التنمية الاقتصادية"، وبعبارة أخرى، إمكانية إرغام الفلسطينيين عن طريق الهبات النقدية على تقديم تنازلات مهينة لهم. فعندما يجرى الرهان على الكرامة الوطنية تصبح هذه الاستراتيجية غير مناسبة.
ومن الممكن القول اليوم بكل ثقة، إنه إذا لم يتسن تحريك عملية السلام خلال الأشهر القادمة (وعلى ما يبدو أنه لا يمكن تحقيق هذا إلا بمعجزة)، فإن أنصار كيان الدولة العلمانية سيتوجهون بصورة نهائية دون رجعة إلى فكرة الدولة من قوميتين. كما أن هذا الموقف، رغم غرابته، براغماتي تماما : فإذا كان الواقع هكذا ـ لا يمكن فصل الشعبين على جانبي حدود لا وجود لها، فيجب العيش سوية. وسيتغير عندئذ نهج السلطة الفلسطينية الاستراتيجي.
فالفلسطينيون الذين رفضوا فكرة إقامة دولتهم، لن يوافقوا أبدا مع ذلك على العيش تحت الاحتلال. وسيطالبون بممارسة حقوقهم بالكامل في الدولة الجديدة الواحدة (حتى تحقيق مبدأ "لكل فرد صوت"). وستبدأ مرحلة جديدة لنضال العرب الفلسطينيين في سبيل حقوقهم. مرحلة، ستكون تحديا جديا لإسرائيل التي تدعي إنها دولة ديمقراطية، وكذلك للغرب، وبالمرتبة الأولى الولايات المتحدة التي تسعى إلى نشر الديمقراطية في العالم".
فيتالي نعومكين، مستعرب روسي، بروفيسور بجامعة موسكو
المصدر : "فريميا نوفوستيه" 22/12/2008 |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق