ليلة الثامن من شهر آب/أغسطس الماضي 2008م، قامت القوات الجورجية بشن هجوم عسكري عنيف على أراضي إقليم أوسيتيا الجنوبية، أعقبه رد أشد عنفاً وقسوة وصرامة من جانب روسيا على جمهورية جورجيا.
وفي الثامن والعشرين من الشهر نفسه، أعلنت موسكو استقلال إقليمي أوسيتيا الجنوبية، وأبخازيا الانفصاليّيْن عن جمهورية جورجيا، وأسفر اتفاق الثامن من أيلول/سبتمبر الذي تولته فرنسا باعتبارها الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي عن انسحاب القوات الروسية، ونشر مراقبين دوليين، وإطلاق المناقشات حول الأمن والاستقرار في المنطقة.
هذه الحرب، وإن كان ظاهرها أنها حرب إقليمية محدودة حول الإقليم الانفصالي أوسيتيا الجنوبية، وأهميته لكل من روسيا وجورجيا، إلاّ أن هذه الحرب في حقيقتها قامت بين روسيا والغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية بسبب مجموعة من المصالح الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية لكلا الطرفين في منطقة القوقاز.
ويسعى هذا المقال للوقوف على طبيعة العلاقات التي سادت مسرح الحرب بين الدول ذات العلاقة طيلة السنوات الماضية، وما جرى على هذا المسرح من تفاعلات بين مختلف القوى ، ثم رصد الأبعاد الاستراتيجية لهذه الحرب بعد أن ظن الغرب والولايات المتحدة أن التاريخ قد انتهى بنهاية الاتحاد السوفيتي السابق.
أولاً: مسرح الحرب وتفاعلات العلاقات الأمريكية ـ الروسية
1. مسرح الحرب :
كانت أوسيتيا الموحدة إحدى دويلات منطقة القوفاز التي تحمل الاسم التاريخي : ألانيا، وأعلنت عام 1774م انضمامها إلى الامبراطورية الروسية القيصرية، وظلت جزءاً من أراضيها حتى اندلاع الثورة البلشفية في أكتوبر عام 1917م، حيث شهدت المنطقة عدداً من المعارك الضارية عقب هذه الثورة بين البلاشفة وخصومهم من البلاشفة والبورجوازيين.
في 31 ديسمبر 1931م، أصدرت رئاسة الحزب الشيوعي الجورجي قرارها حول تأسيس أوسيتيا في المناطق التي يسكنها الأوسيتيون، وتم ترسيم حدودها من قِبل اللجنة الثورية الموالية للبلاشفة. إلاّ أن النزاع احتدم حول هذه الحدود لاحقاً، وأسفر عن انضمام المنطقة الشمالية أوسيتيا الجنوبية إلى روسيا، بينما استطاعت جورجيا فرض سيطرتها على المناطق الجنوبية أوسيتيا الجنوبية، وأعلنته واحداً من أقاليمها مع منح سكانه الحكم الذاتي في 5 كانون الأول/ديسمبر 1936م.
في 9 ديسمبر 1991م، استقلت جورجيا رسمياً عن الاتحاد السوفيتي بعد أن خضعت للهيمنة الروسية 190 عاماً من 1801ـ 1991م وإن بقي لروسيا وجود عسكري بها ما بين قواعد عسكرية، ومشاركة في قوة حفظ السلام على الأراضي الجورجية(1).
بدأ التوتر في العلاقات بين جورجيا وأوسيتيا الجنوبية مع ظهور بوادر الديمقراطية نتيجة إعلان الرئيس السوفيتي الأسبق غورباتشوف سياسة بيريسترويكا عام 1985م، فاتجهت جورجيا نحو الاستقلال، فيما أعلنت أوسيتيا الجنوبية عام 1989م عن طريق مجلس نوابها تحويل الإقليم إلى جمهورية ذات حكم ذاتي، وهو ما اعترض عليه البرلمان الجورجي، لتبدأ المواجهات بين الانفصاليين الأوسيتيين والشرطة الجورجية، مما أسفر عن اندلاع حرب أهلية، إلى أن أعلن أبناء الإقليم انفصالهم الكامل، وقيام جمهورية أوسيتيا الجنوبية في 20 كانون الأول/ديسمبر 1990م(2).
في كانون الثاني/يناير 1992م، جرى استفتاء على استقلال الإقليم، وأسفرت نتائجه عن تأييد القسم الأكبر من سكانه للانفصال عن جورجيا، وأوقفت العمليات العسكرية الفعلية بين جورجيا والإقليم، بعد توقيع اتفاقات مبادئ تسوية، وساعد على التهدئة إدخال قوات حفظ سلام روسية جورجية أوسيتية مختلطة.
ورغم اتفاقات التهدئة، ظل جوهر الأزمة قائماً بين الجورجيين والأوسيتيين في عدم اعتراف جورجيا باستقلال أوسيتيا الجنوبية على الرغم من اتخاذ الأخيرة إجراءات استقلالية أحادية الجانب تحت مظلة قوات حفظ السلام الروسية على وجه التحديد. وما عقّد الأمور، وصول الرئيس الحالي ميخائيل ساكاشفيلي المعروف عنه موالاته للغرب إلى الرئاسة الجورجية. ففي عام 2004م، عادت الاشتباكات بين الطرفين(3).
وفي 12 نيسان/أبريل 2008م، قدّمت جورجيا عرضاً لكل من أوسيتيا الجنوبية، وإقليم أبخازيا بعودة الاندماج في جورجيا مقابل حصول الإقليمين على الحكم الذاتي، ولكن هذا العرض رُفض من قادة الإقليمين، وصرّحوا بأنهم لن يقبلوا أي عرض لا يعترف باستقلال الإقليمين، وتبع ذلك إعلان روسيا في 16-4- 2008م أنها ستعترف بالمؤسسات والهيئات التجارية في الإقليمين في خطوة اعتبرتها جورجيا مقدمة لضمها.
وتصاعدت المخاوف من تحوّل التوتر إلى نزاع مسلح بعد أن اتهمت جورجيا روسيا بإسقاط طائرة استطلاع جورجية بدون طيار [مستوردة من "إسرائيل"] فوق إقليم أبخازيا. ومن ثم طالبت جورجيا الاتحاد الأوروبي بإرسال قوة حفظ سلام أوروبية إلى أبخازيا لتحل محل القوة الروسية التي اعتبرتها جورجيا غير حيادية. وفي المقابل اتهمت روسيا جورجيا بأنها تعزز قواتها في منطقة النزاع، استعداداً لمهاجمة إقليم أبخازيا، وقامت موسكو في 29 نيسان/أبريل 2008م بزيادة عدد قوات حفظ السلام الروسية في (أبخازيا) و (أوسيتيا)، كما زوّدت معظم سكانهما (أوسيتيا الجنوبية 70 ألف نسمة، وأبخازيا 200 ألف نسمة) بجوازات سفر روسية، ثم أخذت تعلن أنها ستحمي مواطنيها في الإقليمين في حالة حدوث أي تصعيد من قِبل جورجيا(4)، وهو ما حدث بالفعل.
فقد اتخذ البرلمان الجورجي قراراً في 8- 8- 2008م، بشن حرب لإخضاع إقليم أوسيتيا الجنوبية المطالبين بالانفصال(5)، ومن ثم حدثت المواجهة الروسية ـ الجورجية، واستطاعت روسيا إنهاء خمسة أيام من الحرب بإحكام سيطرتها على إقليمي أوسيتيا الجنوبية، وأبخازيا المنشقّين عن جورجيا، والقضاء على كل أمل في استعادة السيطرة على كل أراضي البلاد يوماً ما.
نجح الكرملين في فرض منطقة عازلة حول أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا تمنع كل القوات الجورجية من دخولها، وفي الوقت ذاته، نجحت روسيا في الحصول على ضمانات بأن جورجيا لن تلجأ إلى القوة مرة أخرى لاستعادة الأراضي التي فقدتها، كما أن موسكو ستكون مطمئنة إلى أن هيمنتها على أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا لن تكون موضع اختبار مرة أخرى في المستقبل المنظور (6) .
2. التفاعلات على مسرح الحرب
تحظى (جورجيا) باهتمام بالغ وشديد في السياسة الأمريكية، نظراً لمميزات الموقع الجغرافي المميز، فهي دولة فاصلة بأطول حدود بين جمهورية روسيا الاتحادية والجمهورية التركية أكبر حليف للولايات المتحدة في المنطقة وبين شعوب آسيا الوسطى، وهي نقطة العزل والتماس الرئيسة مع روسيا والدول المحيطة بها مباشرة.
فجورجيا قد تصبح بالدعم الأمريكي الممر الأهم لأنابيب النفط والغاز من بحر قزوين إلى تركيا، بدلاً من مرور النفط بروسيا باتجاه أوروبا الغربية، ما يؤدي إلى حرمان روسيا من الاستفادة منه. فالسيطرة على منطقة القوقاز المنطقة الاستراتيجية الأهم في قارة أوراسيا وتمدد حلف شمال الأطلسي إلى الحدود المتاخمة لروسيا، يبدو شرطاً أساسياً لتحقيق السيطرة الكاملة على جمهوريات آسيا الوسطى.
وعلى الرغم من انتهاء حقبة الحرب الباردة بين الشرق والغرب، والتي توّجت بانهيار الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو، لاتزال الإدارات الأمريكية المتعاقبة، تعتبر جمهورية روسيا الاتحادية خليفة الاتحاد السوفيتي، ومن ثم فهي تمثّل الخطر والاهتمام الأول لهذه الإدارات، ولذلك تعتبرها العدو الأول، وبخاصة على المستوى العسكري والأمني، نظراً لكونها روسيا تتربّع على ترسانة نووية هي الأكبر من نوعها في دول العالم.
ففي وثيقة للبنتاغون عام 1992م، لتحديد الاستراتيجية الأمريكية جاء فيها : إن هدفنا الأول منع ظهور منافس جديد على تراب الاتحاد السوفيتي السابق، أو في أي مكان من العالم، كما أن الأسلحة النووية الاستراتيجية الأمريكية يجب أن تواصل استهداف الجوانب الحيوية للمؤسسة العسكرية السوفيتية، لأن روسيا ستظل القوة الوحيدة في العالم التي لديها القدرة على تدمير الولايات المتحدة(7).
في ظل هذه الاستراتيجية، يمكن النظر إلى الدعم الأمريكي لجورجيا للتخلّص من الانفصال والنفوذ الروسي من جهة، وإقامة قواعد عسكرية أمريكية بها لخدمة أهداف جيواستراتيجية لحلف شمال الأطلسي، فقد بات واضحاً أن الولايات المتحدة بدعمها جورجيا ترمي إلى إيجاد وضع عسكري على الحدود الروسية لتحقيق هدفين(8):
الأول: خلق نموذج جديد في تلك المنطقة الحسّاسة من العالم، أقل تكلفة وأكثر نجاحاً من النموذج العراقي، مع تأمين تصدير النفط القزويني بشركات أمريكية، وتضييع الفرصة على البديل الروسي.
الثاني: إكمال المشروع الأمريكي الطموح بإقامة القواعد العسكرية، وفي الوقت نفسه الضغط على روسيا من الجهة الجنوبية بعد أن أكمل الناتو الضغط عليها من الجهة الغربية، وذلك بهدف تفويت الفرصة على روسيا في خلق عالم ثنائي القطب، وحصرها في مساحة جغرافية لم تعرفها روسيا منذ القرن الثامن عشر.
وعلى ذلك، لا يمكن فهم تطورات الحرب التي شنّتها جورجيا على أوسيتيا الجنوبية، ثم الحرب الروسية المعاكسة ضد القوات الجورجية بمعزل عن الصراع الروسي ـ الأمريكي، وسعي واشنطن ومن خلفها حلف الناتو لتعزيز انتصار القطب الواحد الأمريكي على الاتحاد السوفيتي ووريثه روسيا، وحصاره ومنع نهضته العسكرية والاقتصادية مرة أخرى، إنه صراع نفوذ وصراع على مصادر وطرق الطاقة التي تسيطر عليها كل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.
ثانياً: أهداف الأعمال العسكرية
بناءً على التفاعلات التي جرت على مسرح الحرب، يمكن القول إن لكل القوى المتصارعه أهدافها من الحرب وفقاً لما سنوضحه فيما يلي:
1. أهداف جورجيا من العمل العسكري:
يمكن النظر إلى القرار الجورجي بشن الحرب في ضوء الأهداف الأمريكية التالية:
أ ـ دعم المرشح الجمهوري الأمريكي : بحسب مصادر مختلفة، هناك رواية روسية تقول إن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني هو الذي حرض الرئيس الجورجي ساكاشفيلي على شنّ تلك الحرب أملاً منه بدعم حملة المرشح الجمهوري جون ماكين في انتخابات الرئاسة الأميركية 2008.
وهناك رواية نصف أوروبية ترى أن تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية غونداليزا رايس خلال زيارتها السابقة لجورجيا قبل تلك الحرب بعشرة أيام فقط، حملت رسالتين واضحتين إلى الرئيس الجورجي، ووزير دفاعه الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية أصلاً، أولاهما :
ـ أن واشنطن ستبذل ما بوسعها من أجل تسريع قبول (جورجيا) في عضوية حلف شمال الأطلسي
ـ ثانيتهما: أن واشنطن لا تشك لحظة واحدة في أنها ستقف دوماً إلى جانب أصدقائها من دون تردد(8).
وهاتين الرسالتين جعلتا بعض المحللين يعقدون مقارنة سياسية ما بين إيماءات المبعوثة الأميركية ابريل غلاسي للرئيس العراقي السابق صدام حسين قبل حرب الكويت في آب/أغسطس 1990م، وتشجيع غونداليزا رايس للرئيس الجورجي على ضرب أوسيتيا الجنوبية في آب/أغسطس عام 2008(9).
ب ـ إيجاد الذريعة لنشر الدرع الصاروخي الأمريكي. كما طرح خبراء آخرون تفسيراً ثالثاً لشن الحرب من جانب جورجيا ربما يكون مكملاً للتشجيع الأمريكي، وهو أن الولايات المتحدة طوال الثمانية عشر شهراً الأخيرة ظلت تسعى بإلحاح من أجل نشر نظامها الصاروخي الجديد في كل من: تشيكيا، وبولندا في مواجهة معارضة روسية قاطعة وحاسمة. فإذا قامت جورجيا بتفجير الموقف في القوقاز فيمكن أن تكون تلك الخطوة قبل الأخيرة في خطة استكمال محاصرة روسيا بالكامل، أما الخطوة التالية فستكون انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي/ناتو.
وفي حال تحقق انضمام جورجيا تصبح قوات الأطلسي بقيادة أمريكية على مسافة (1200) كيلومتر من الكرملين، وفي حالة انضمام أوكرانيا فسوف تقصر المسافة إلى (75 كيلو متراً فقط (10).
ج ـ شل القدرات الاقتصادية الروسية. حيث يميل رجال الاقتصاد إلى طرح فرضيات إضافية بهدف سعي الولايات المتحدة لتشويه صورة روسيا كبلد مهيأ للاضطلاع بدور استثماري قيادي، وهو ما يعود إلى مطلع يونيو الماضي 2008م، عندما افتتح الرئيس الروسي ميدفيديف المؤتمر الاقتصادي في مدينة سان بطرسبرج، وأعلن أن بلاده تعي مسؤولياتها تجاه مصير العالم أكثر من الولايات المتحدة. وقال ميدفديف أمام ألوف رجال الأعمال، الذين قدموا من أوروبا وآسيا: إن القوانين الجديدة تشجع على الاستثمار في 42 قطاعاً من قطاعات الاقتصاد الروسي.
وكانت النتيجة أن وُقِّعت عقود بقيمة تزيد عن العام السابق، بحيث بلغت 12 بليون دولار، ويتردد في واشنطن أن أزمة جورجيا هربت ما نسّبته 5،16 بليون دولار خلال أسبوع واحد بعد 8 آب/أغسطس 2008م. كل هذا يشير إلى النيّة المبيّتة لدى الأميركيين لشل القدرات الاقتصادية الروسية، خصوصاً بعد ما قرّر رئيس الوزراء الروسي بوتين توظيف سياسة الانفتاح لتعزيز دور بلاده في العالم العربي، خصوصاً وأن روسيا نجحت في التخلّص من كل ديونها للغرب سنة 2000م(11).
2 أهداف الرد الروسي
أرادت روسيا بهجومها الواسع على الأراضي الجورجية توجيه عدة رسائل للعديد من الأطراف(12)؛ الأولى : رسالة للرئيس الجورجي ساكاشفيلي بأن هجوم القوات الجورجية على أوسيتيا الجنوبية لن يمر دون عقاب، وأن دعم واشنطن لحركته لن يفيده على المدى البعيد، وأن واشنطن لن يصل خلافها مع موسكو إلى مرحلة الصدام المباشر، كما أن الاتحاد الأوروبي الذي تسعى جورجيا للانضمام إليه أو إلى حلف ناتو لن يفيداها لضخامة حجم المصالح بين هذه الأطراف وموسكو.
الرسالة الثانية: أن موسكو لن تدع لاعباً آخر في منطقة بحر قزوين و البحر الأسود، حيث ممرات الطاقة من البترول والغاز، وأن هذه المنطقة منطقة نفوذ ومصالح روسيا.
كما بعثت روسيا برسالة ثالثة لحلف ناتو بعد تصريح أمينه العام في مؤتمر بوخارست منذ عدة شهور بثقته في ضم جورجيا للإقليمين (أوسيتيا الجنوبية، وأبخازيا)، فجاء الرد على أرض الواقع وبحسم عسكري.
لكن أخطر الرسائل الروسية، فكانت لواشنطن وهي أنها بتحالفها مع الدائرة القريبة من حدودها سوف تجد رد فعل عنيف من جانب روسيا، وربما تجد واشنطن نفسها عاجزة عن الرد كما حدث بالفعل.
ثالثاً: الأبعاد الاستراتيجية للحرب
نظراً لأن هذه الحرب نشبت بالوكالة عن واشنطن وموسكو، فمن الطبيعي أن تكون لها أبعاد استراتيجية مختلفة:
1. ثالثا: التحوّل في العلاقات الروسية ـ الأمريكية :
يستطيع المراقب للعلاقات الروسية ـ الأمريكية أن يرصد تحوّلاً حاداً في هذه العلاقات، وهو ما يتضح من رصد مسار هذه العلاقات خلال السنوات الأخيرة، فيقف على أسباب هذا التحوّل ومظاهره:
أ. قراءة في مسار العلاقات الروسية ـ الأمريكية:
في السنوات التي تلت تفكك الاتحاد السوفيتي برئاسة يلتسين لروسيا الاتحادية، لم تكن هناك سياسة مستقلة لروسيا عن الاستراتيجية الأمريكية، ومع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة، حاول في البداية الانضمام إلى عضوية حلف شمال الأطلسي، ورفضت أمريكا طلبه في التو واللحظة، بعدها تمدّد الحلف إلى دول البلطيق، وبولندا، والبحر الأسود، في نقض أمريكي صريح لتعهد أمريكي أعطته لموسكو سابقاً.
وبعد أن فرغت الولايات المتحدة من إلحاق كل دول أوروبا الشرقية بحلف شمال الأطلسي، بدأت تغازل أوكرانيا وجورجيا، وترتب فيهما وغيرهما "الثورات الملونة" التي جعلت روسيا تعود للوراء. وبعد أن تسامح بوتين مع إقامة قواعد عسكرية أمريكية مؤقتة في المحيط المجاور، في شمال أفغانستان، تحت عنوان محاربة الإرهاب، وجد أن هذه القواعد المؤقتة تتحوّل إلى قواعد دائمة.
وبينما اشترطت الولايات المتحدة على روسيا التحوّل الكامل إلى اقتصاد السوق كشرط من شروط انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، اعترضت أمريكا فوراً عندما فعلت روسيا هذا بالنسبة لأسعار تصدير الغاز الروسي.
فلقد كانت أوكرانيا وبيلاروسيا، وحلفاء سابقون آخرون يحصلون على الغاز الروسي بأسعار "سياسية" مخفضة. لكن حينما طلبت روسيا التعامل بأسعار السوق، قام الإعلام الأمريكي والأوروبي بالتنديد بالسلوك الروسي. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى وضع يدها على بترول العالم بالضغط، أو التهديد، أو الغزو المسلح، كما في حالة العراق، نددت الولايات المتحدة بالرئيس الروسي حينما قام بإعادة تأميم كبرى شركات البترول الروسي.
وفيما كان الضغط جاريا على روسيا للتعجيل بسحب قواتها من جورجيا ومولديفيا يتقدم حلف شمال الأطلسي بقواعده إلى بلغاريا ورومانيا، وبينما تقوم روسيا بتوريد التقنية النووية السلمية لإيران، راحت الولايات المتحدة تضغط على موسكو لوقف هذا التعاون. كما أنه بينما تملك روسيا حق النقض في مجلس الأمن الدولي، سعت الولايات المتحدة إلى الابتعاد عن المنظمة الدولية لتتصرف منفردة في المسرح الدولي.
لذلك وغيره من الأسباب، اتجهت روسيا إلى الإعلان عن موقفها تجاه الولايات المتحدة؛ ففي 10-2-2007م علا صوت الرئيس الروسي السابق [ورئيس الحكومة الحالية في روسيا] فلاديمير بوتين في ميونيخ بألمانيا، حينما شنَّ هجوماً عاصفاً على تجاوز الولايات المتحدة لحدودها في كل المجالات(13).
ب. أسباب التحوّل في العلاقات الروسية ـ الأمريكية
رصدت دراسة لأحد الباحثين الصينيين تحت عنوان: إلى أين تتجه العلاقات الروسية الأمريكية؟، ثلاثة أسباب لتحوّل روسيا وانتقالها من مرحلة التكيّف مع المطالب والمواقف الأمريكية والغربية بوجه عام إلى إعادة تشكيل هذه السياسة على أسس مختلفة يميّزها استقلالية القرار الروسي، ومكانة روسيا ودورها في الشؤون الدولية. وهذه الأسباب هي (14):
1. اتجاه السياسة الروسية نحو مزيد من الواقعية. فرغم أن سياسة الرئيس الروسي السابق يلتسين في التوافق الكامل مع السياسات الغربية، كان لها في البداية صدى شعبي في روسيا، إلاّ أن هذا الدعم قد تصدّع نتيجة للانحدار الشديد الذي شهدته روسيا في حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي.
وكان الدرس الذي استخلصته روسيا من هذه التجربة ذا شقين : الأول، أن بلداً كبيراً مثل روسيا يجب ألاّ يعتمد إلاّ على نفسه في التطور والتنمية. والثاني، أن النقل الأعمى لنماذج التنمية الأجنبية مقضي عليه بالفشل، وأن على روسيا أن تجد طريقها الخاص إلى ذلك.
2. رأت روسيا أن الولايات المتحدة لا تنظر إليها كشريك. فقد ظلت واشنطن تنظر لروسيا كعدو محتمل يجب منع إحيائه، واستخدام كل فرصة لإضعاف نفوذه من ناحية أخرى. فاندفاع الولايات المتحدة لم يتوقف لبناء قدراتها العسكرية، كما أنها انسحبت من معاهدة الصواريخ المضادة للصورايخ، وكثّفت جهودها لتطوير نظام دفاع صاروخي عالمي.
فضلاً عن ذلك شجّعت الولايات المتحدة حلف ناتو على زيادة توسعه شرقاً، وجاء انضمام بولندا، والمجر، وجمهورية التشيك عام 1999م، لكي يدفع بحدود الحلف إلى مسافة 600 كيلومتر شرقاً من روسيا، كما أن انضمام بلغاريا، ورومانيا، وسلوفاكيا، وثلاث من دول البلطيق إلى حلف ناتو بعد خمس سنوات أوصل حلف شمال الأطلسي/ناتو إلى أبواب روسيا .
3. ميزان القوى بين روسيا والولايات المتحدة عند انهيار الاتحاد السوفيتي. انخفض الدخل القومي الروسي إلى النصف، وظهرت الولايات المتحدة كقوة دولية وحيدة لا تجاريها أي دولة أخرى في قوتها الشاملة. ولكن الوضع تغيّر حالياً، فرغم أن الولايات المتحدة تقود العالم في القوة العسكرية والتقنية، فإن وضعها الاستراتيجي يتآكل، وتواجه الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس بوش الضغوط والتحدّي داخلياً وخارجياً، بشكل متصاعد بالنظر إلى العبء المتزايد في العراق.
هذا التحوّل النسبي في ميزان القوى دعّم ثقة روسيا في نفسها في التعامل مع الولايات المتحدة؛ فقد نجحت روسيا بقيادة الرئيس السابق بوتين في استعادة قدر من الصحة والانضباط والنمو في اقتصادها، وفي السنوات الأخيرة لم تسدد روسيا كل ديونها الخارجية فحسب، ولكنها سددت الجزء الأكبر منها قبل موعده، ونجحت روسيا في ادخار مئة مليار دولار من عائداتها النفطية، وبموازاة التعافي الاقتصادي عوّضت روسيا تراجعها الاستراتيجي بالسعي إلى علاقات جديدة مع دول بحجم الهند والصين(15).
ج ـ مظاهر التحوّل في العلاقات الروسية ـ الأمريكية
اتخذ التحوّل في العلاقات الروسية ـ الأمريكية عدداً من المظاهر، من أبرزها:
1. تبني خيار تعزيز القدرات العسكرية. دفعت التطورات المتلاحقة في العلاقات الروسية ـ الأمريكية موسكو إلى التفكير جدياً بضرورة تعزيز قدراتها العسكرية في مختلف المجالات، لاسيما المجال النووي. فأعلن الرئيس الروسي السابق بوتين أن بلاده سوف تزيد إنفاقها العسكري بشكل غير مسبوق، فخصصت الموازنة الروسية نحو خمسة تريليون روبل للإنفاق العسكري خلال الفترة حتى عام 2015م، بما يعادل (200) بليون دولار سيذهب جزء كبير منها لتطوير القاعدة الصناعية العلمية العسكرية الروسية، إضافة إلى تحسين أحوال العسكريين المعنيين.
وتركّز المؤسسة العسكرية الروسية على تطوير الصواريخ، انطلاقاً من أن الأنظمة الصاروخية الروسية الجديدة، وخصوصاً النظام المعروف باسم توبول أم، ستكون أبرز عناصر مواجهة المخاطر الجديدة، فهي تشكّل لموسكو السلاح الاستراتيجي للقرن الحادي والعشرين، حيث سيتم تزويد سلاح الصواريخ بأنظمة من هذا الطراز حتى عام 2015م.
وفي حين ينصب الاهتمام الروسي على تطوير الصواريخ، فإن الخطة الاستراتيجية الروسية تشمل تطوير سلاح الجو، بما في ذلك تحديث قدرات المقاتلات الروسية، ورفع درجة كفاءتها خلال العامين 2008 ـ 2009م، مرتين ونصف.
وفي ظل الاستراتيجية الروسية برزت للمرة الأولى، مسألة جاهزية القوات الروسية لتوجيه ضربات استباقية ضد أعداء محتملين. وبالإضافة إلى العقيدة العسكرية الجديدة التي تنص على أهمية الجاهزية لتنفيذ عمليات في الداخل والخارج، يجري التداول في الأوساط الروسية حول ما يُعرف بالعقيدة السياسية، وهي تتمحور حول الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا على المستوى الإقليمي حتى لو اقتضى الأمر استعمال قوتها العسكرية(16).
2. الرد على خطط نشر الدرع الصاروخية الأمريكية في أوروبا، وتوسيع الناتو. رداً على خطط الولايات المتحدة لنشر منظومة دفاعية مضادة للصواريخ في أوروبا، وقريباً من الحدود الروسية، ردت روسيا من خلال تعليق عضويتها في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية التي وقّعتها مع حلف شمال الأطلسي عام 1990م. وأعلن الرئيس الروسي السابق بوتين عن ذلك، في خطاب مثير أمام البرلمان الروسي في 26-4-2007م(17).
وبمقتضى هذه المعاهدة تم إخراج 60 ألف صاروخ ودبابة وبطارية مدفعية من الخدمة، ثم تم تعديل هذه المعاهدة عام 1999م، لتصبح أكثر ملاءمة مع الاستراتيجيات الجديدة التي طرأت على العلاقات الروسية ـ الأمريكية. إلاّ أن الدول الغربية رفضت التصديق على هذه التعديلات بحجة أن روسيا لم تفِ بتعهداتها فيما يتعلق بسحب قواتها من مولدافيا) و جورجيا(18).
وخلاصة الأمر أن نشر الدرع الصاروخية الأمريكية قريباً من روسيا يخل بميزان القوى في أوروبا، خصوصاً وأن الصواريخ الإيرانية والكورية التي تزعم الولايات المتحدة خطورتها، ليست من الخطورة إلى هذه الدرجة. ولذا فإن القواعد الأمريكية بأوروبا الشرقية في نظر روسيا معدّة لمواجهة القدرات الصاروخية الاستراتيجية الروسية.
وكانت روسيا قد هددت الولايات المتحدة يوم 14-11-2007م، بأنه إذا ما نشرت الدرع الصاروخية الأميركية في تشيكيا، فإنها مصممة على نشر صواريخ مضادة للصواريخ في بيلاروسيا. وتابعت روسيا نهجها في هذا الشأن؛ حيث أعلنت يوم 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2007م، أن سفن أسطول بحر قزوين قد اتجهت لزيارة إيران، وهو عمل استهدف إجراء تظاهرة قوية ضد الغرب ودعم إيران.
وفي 1 كانون الأول/ديسمبر 2007م، أعلنت موسكو عن إرسال قطع بحرية إلى شرق البحر المتوسط، لتأكيد الوجود البحري في المياه التي احتفظت فيها الأساطيل الأمريكية بالتفوق منذ الحرب العالمية الثانية(19). كما تم توقيع مذكرة تفاهم روسية ـ سورية يتم بمقتضاها السماح للأسطول الروسي بالرسو في ميناء طرطوس في قاعدة بحرية قديمة. وقد جاء هذا التحرّك في إطار الرفض الروسي للسياسات الأمريكية التي وصفها الرئيس السابق بوتين، بأنها "تُحدث خللاً في التوازن الاستراتيجي في العالم، وأن التصرفات الأمريكية أحادية، وتهدف إلى التفرد والهيمنة"(20).
وفي إطار اتخاذ روسيا مواقف ضد الدرع الصاروخية وتوسيع ناتو، تراقب روسيا الأوضاع في القارة الأمريكية الجنوبية بين الولايات المتحدة وكل من فنزويلا، وبوليفيا، من خلال إرسال قاذفتين استراتيجيتين من طراز تو 160، إلى كاراكاس لتقوما بطلعات تدريبية. وهي قاذفات تستطيع أن تحمل 12 صاروخاً يتم تجهيزها برؤوس نووية(21).
وأمام رغبة ناتو في إقامة قاعدة عسكرية في المحيط المتجمد الشمالي، وجهت موسكو بعثة علمية لتركيز علم روسي على عمق أربعة آلاف متر في مياه هذا المحيط، وأخذت طائراتها الاستراتيجية القاذفة تحلّق فوق القطب لمراقبة نشاط الدول الأخرى، وهو ما أثار اعتراض الولايات المتحدة واعتبرته عملاً استفزازياً، وتفرداً من موسكو لتحديد ملكيتها على أجزاء محددة من المنطقة، بهدف وضع يدها على الثروات البحرية (النفط والغاز .. وغيرهما) من دون الرجوع إلى الدول الأخرى.
وجاء الرد الروسي بأن هذا العمل يأتي في إطار اتفاقية حقوق الملكية في الجرف القاري الصادرة عن الأمم المتحدة أواخر عام 1982م، والتي صادقت عليها روسيا ضمن 150دولة. وعلى ذلك خلص قائد حرس الشواطئ الأمريكية إلى القول: "إننا في المؤخرة في هذا الصراع الدولي على القطب المتجمد الشمالي ستنهي روسيا العام المقبل (2009م) برنامجها لصناعة كاسحة جليد نووية من الجيل الجديد، مما يضمن وجوداً آمناً لسفنها في منطقة القطب الشمالي"(22).
2. ثالثا: تغيير طبيعة الصراع
عام 1994م، وقف الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين يلقي كلمة أمام حشد من قادة أجهزة المخابرات الروسية قائلاً لهم : "لقد تم استبدال المواجهة الأيديولوجية العالمية بصراع جديد على مجالات المصالح في الجغرافيا السياسية". وبذلك يكون قد رسم صورة المرحلة الجديدة لما سيدور بين بلاده والولايات المتحدة الأمريكية مستقبلاً(23).
وبالفعل، اختفى الصراع الأيديولوجي الذي كان يمثّل قوة الدفع الأساسية التي قسمت العالم إلى قسمين متضادين، وسعي الاقتصاد الروسي إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي إلى حد الاعتماد المتبادل، وظهور مصالح روسية جديدة لا تجد أي مسوغ لتجديد الصدام مع الغرب، ونشوء شبكة من المصالح القوية التي تربط روسيا بالاتحاد الأوروبي، من خلال حجم متزايد من التبادل التجاري، ومد خط أنابيب البترول الروسي إلى أوروبا الغربية بما له من مميزات على الجانبين الروسي والأوروبي. وكذلك من خلال الحذر الشديد الذي يدير به الروس معركتهم الجديدة، ورفضهم المتكرر لعودة الحرب الباردة وحرصهم على إظهار عدالة موقفهم، ويدخل في الحسبان أيضاً رغبة الولايات المتحدة في إدارة علاقات لا تفتح جبهات حرب جديدة بعدما حدث لها في العراق، وما فقدته من تعاطف معظم شعوب العالم(24).
وفي إطار الصراع على المصالح في منطقة القوقاز، يجب النظر إلى الحرب الأخيرة بين روسيا وجورجيا، بعد شن جورجيا الحرب على إقليم أوسيتيا الجنوبية، أن هذا الإقليم يلاصق عدد من الجمهوريات الروسية ذات النزعة الانفصالية عن روسيا ذاتها، وفي مقدمتها الشيشان. ومن الضروري أن تُحكم روسيا نفوذها فيما وراء الحدود الروسية لاسيما جورجيا.
ثم يأتي بعد ذلك أمن الطاقة بالنسبة لروسيا وضرورة السيطرة على خطوط نقل الغاز والبترول من آسيا الوسطى، وبحر قزوين عبر الموانئ الجورجية على البحر الأسود إلى أوروبا، وضمان بقائها تحت النفوذ الروسي(25).
في ضوء هذه الاعتبارات يمكن تفهم السلوك الروسي تجاه القصف الجورجي لأوسيتيا الجنوبية، والذي جاء حاسماً وفعّالاً ومحققاً للمصالح الروسية، والأهداف التي حددتها القيادة الروسية، وفي مقدمتها تأكيد وضع روسيا كقوة قادرة على الدفاع عن مصالحها، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بمجالها الحيوي.
لذلك يمكن وضع الحرب الأخيرة في إطار عودة الصراع الجيوبوليتيكي بين روسيا والولايات المتحدة انطلاقاً من الجغرافيا الروسية التي تعطي روسيا عمقاً استراتيجياً، كما تعطيها إمكانية التأثير في كل الاتجاهات، وهو ما جعلها دائماً تهتم بالسيطرة على مناطق نفوذ في محيطها المباشر، وهو ما جعل صاحب نظرية الاحتواء الأمريكية جورج كينان يقول: "لا يمكن لروسيا أن تقبل على محيطها المباشر إلاّ دولاً تابعة تماماً أو دولاً عدوة".
لذلك فروسيا على تماس مباشر مع جورجيا التي ارتمت في أحضان الغرب، وهي أيضاً دولة عازلة لروسيا في محيطها المباشر، وهي الممر الأهم للغرب لسلعة الطاقة من آسيا الوسطى باتجاه الغرب لتجاوز الأراضي الروسية(26).
فالصراع الحالي لا يدور حول الأيديولوجيا كما يظن البعض ولكنه يتمحور حول الجغرافيا السياسية، بمعنى أنه يتعلق بمحاولة روسيا بعد أن قامت من جديد، تنظيم الفضاء الخارجي المحيط بها، تحقيقاً لأهداف الأمن القومي الروسي، وعدم السماح للولايات المتحدة الأمريكية أن تحتفظ بها من خلال اتفاقات سياسية أو تحالفات عسكرية مع جورجيا وأوكرانيا وغيرهما من الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي السابق(27).
3. ثالثا: تسوية الأزمة لغير صالح واشنطن
تعدُّ السياسة الأمريكية في منطقة بحر قزوين استراتيجية مدروسة المعالم، وهي تهدف في المقام الأول إلى ضمان نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، والحيلولة دون ظهور امبراطورية روسية جديدة تتحكم في أوراسيا.
فواشنطن تريد تعزيز وتنمية دورها في آسيا الوسطى بفصلها عن النفوذ الروسي الحصري وتأثيره الكبير في المنطقة، كما ترغب في استغلال الوضع الدولي غير المستقر سياسياً، وعسكرياً واقتصاديا، لإغلاق محور روسيا نحو الجنوب والشرق الأوسط، وذلك كله في مواجهة الاستراتيجية الروسية التي تريد الاستمرار في السيطرة الكاملة والمطلقة على منابع تدفق الطاقة في المنطقة الأوراسية، والاحتفاظ بمدخل في اتجاه الجنوب، وإقامة حزام في منطقة البحر الأسود، وبحر قزوين، وآسيا الوسطى، لحماية الدول الصديقة المحيطة بروسيا.
ومن هذه المنطلقات جاءت عبارات الرئيس الروسي (ديمتري ميدفيديف) في 8-8-2008م، وهو اليوم الذي هاجمت فيه القوات الجورجية (أوسيتيا الجنوبية) : "إن روسيا كانت وستظل دائماً الضامن الرئيس للأمن في منطقة القوقاز"، كما قال في 31-8-2008م: "إن روسيا لا يمكن أن تقبل بنظام عالمي يتم اتخاذ القرارات فيه من جانب الولايات المتحدة"(28).
وتكشف مجموعة من الوقائع عن الاستراتيجية الروسية في تثييت الفشل الذريع لتسوية الأزمة الجورجية لصالح واشنطن. فقد خططت موسكو بعناية مسبقة وبقدر قليل من الاستقرار للإيقاع بجورجيا في الخطأ، من خلال الدفع بها لشن هجوم ضد المتمردين في أوسيتيا الجنوبية، ومن ثم هرعت الدبابات الروسية على الفور وتدخلت لضمان السلام وتحقيقه وفق الرؤية الروسية.
كما استغلت روسيا إلى أقصى حد ممكن اتفاق السلام الموقع تحت رعاية وإشراف الرئيس الفرنسي ساركوزي للتدليل على التصميم الروسي، وأن نقطة اللاعودة قد تم تجاوزها تماماً، كما عطلّت روسيا كل احتمالات الإدانة من جانب مجلس الأمن، وأعلنت على وجه السرعة تهديداتها بقطع تدفق الطاقة إلى أوروبا، ومنع تقديم تسهيلات لوجستية لحلف شمال الأطلسي، للعبور إلى أفغانستان [عبر أجوائها].
كما أشارت إلى أن جميع خطوط الأنابيب التي بنيت خارج الفضاء الروسي أصبحت الآن في نطاق رماية أسلحتها، ما أدى إلى تخوف المستثمرين من استثمار أموالهم الطائلة بسبب زيادة نسبة المخاطرة (29).
صحيح أن اتفاق 8 أيلول/سبتمبر الذي توصل إليه الرئيس الفرنسي ساركوزي، والممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية الأوروبية سولانا، حقق انسحاب القوات الروسية من جورجيا، وانتشار المراقبين الدوليين الأوروبيين مكانها، وإطلاق المناقشات الدولية حول الأمن والاستقرار في المنطقة، لكن من دون أي ذكر لسلامة ووحدة أراضي جورجيا، ودون أي حديث عن وضع أبخازيا ، وأوسيتيا الجنوبية، أو مستقبلهما أمام اعتراف موسكو باستقلال الإقليمين في 26-8-2008م.
وهذه التسوية دفعت المراقبين إلى القول إن روسيا قد حققت نجاحاً مزدوجاً، فأكدت أولاً بشكل لا يقبل الشك أنها خرجت من سباتها، وأظهرت أن لديها كل الوسائل اللازمة لمنع حلف شمال الأطلسي/ناتو من أن يمتد حتى حدودها بضم أوكرانيا وجورجيا، كما أثبتت أيضاً أن واشنطن ليست لديها الإمكانية، ولا التهور للدخول في حرب معها، كما أعادت روسيا فرض نفسها على الساحة الدولية(30).
4. ثالثا : استعداد روسيا لما هو قادم
بعد أن انقشع غبار المعارك العسكرية بدا كل طرف في استغلال ما لديه من أوراق على كافة الميادين، أملاً في تحقيق مصالحه وتأمينها ضد أطماع الطرف الآخر. فروسيا تدرك أن ضرباتها في القوقاز والتي شملت اجتياح جورجيا عسكرياً، والاعتراف باستقلال كل من: أبخازيا، وأوسيتيا الجنوبية سياسياً، لن تمر من دون رد من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين (الناتو والاتحاد الأوروبي)، فانطلقت موسكو إلى الاستعداد المبكّر للمواجهة المنتظرة باتخاذ عدة إجراءات، منها :
أ. إجراء التجربة الصاروخية بواسطة صواريخ من طراز توبول المطورة، والتي أكّدت روسيا على أنها قادرة على تجنب الرصد من قِبل نظم الدفاع الجوي المعروفة(31). وكان قائد القوات الصاروخية الاستراتيجية الروسية نيقولاي سولوفتسوف قد أوضح في شهر شباط/فبراير من العام الماضي 2007م، أن أنظمة توبول م الصاروخية المنصوبة على سطح الأرض وفي الأنفاق هي ركن القوات الصاروخية(32).
ومن المعلوم أن لدى روسيا 700 منصة لإطلاق الصواريخ الاستراتيجية، وهو ما دفع قائد سلاح الجو الروسي إلى القول إن الولايات المتحدة تنفق عبثاً أموالاً طائلة لنشر دروع صاروخية في أوروبا. فالشبكة الأمريكية على حد قوله لن تكون قادرة في كل الأحوال على التصدّي لأكثر من بضع عشرات من الصواريخ الروسية في حال الاشتباك(33).
ب. المشاركة في مؤتمر قمة الدول الأعضاء بمنظمة شنغهاي للتعاون، في 28 آب/أغسطس 2008م. وجاء هذا التحرك الروسي نابعاً من عدد من العوامل من أهمها : الرغبة الروسية في حشد التأييد السياسي من دول الجوار في المقام الأول، استعداداً للدخول في مواجهة سياسية، ودبلوماسية، وتجارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، الأمر الذي دفع موسكو لحشد صوت عضو دائم آخر بمجلس الأمن، بما يضمن لمتخذ القرار في الكرملين أصوات عضوين دائمين (روسيا والصين)، يمكنهما استخدام (فيتو) مزدوج للقضاء على أي قرارات مضادة للمصالح الروسية.
وكذلك بهدف حشد الجهود لتأمين الحدود الجنوبية الممتدة لروسيا، والتي يتوقع أن تشهد حالة عدم استقرار، فضلاً عن تأمين الطرق التجارية البرية والبحرية لروسيا مع العالم الخارجي، بعد أن بدأت القطع البحرية لحلف شمال الأطلسي الأمريكية تتسلل إلى بحر البلطيق في الشمال، والبحر الأسود جنوباً، والعمل أيضاً على تأمين مخزون روسيا من المواد الغذائية، حيث تعد جميع جمهوريات وسط آسيا الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون من أبرز المنتجين للمواد الغذائية، وهو الأمر الذي سيسهم في تأثير روسيا وباقي أعضاء المنظمة على السوق العالمية عند الدخول في صراع على المستوى التجاري (34).
رابعاً : الخلاصة
الهجوم العسكري الذي شنّته القوات الجورجية على أراضي إقليم (أوسيتيا الجنوبية) يوم 8-8-2008م، وما أعقبه من رد روسي أشد عنفاً يكشف عن أن منطقة القوقاز لن تكون كما كانت قبل اندلاع الحرب من الناحيتين السياسية والأمنية، فقد رسّخت موسكو تلك الحقيقة من خلال إطلاق آلتها العسكرية بقوة في رسالة واضحة لمن يهمه الأمر، بأنها خرجت بالفعل من زمن الانكسار السوفيتي الذي لازمها منذ تفكك الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991م.
فروسيا تثبت من جديد أن العبث العسكري على حدودها الجغرافية والسياسية لن يمر مرور الكرام، وأن نظامها السياسي الراسخ حالياً بفضل تحركات رئيسها السابق، ورئيس وزرائها الحالي فلاديمير بوتين لن يقبل بكثير من التحركات الغربية والأمريكية التي قبل بها في الماضي، وذلك انطلاقاً من إدراك القيادة الروسية حدود القوة الأمريكية في مرحلة ما بعد العراق.
ومن ثم فإن موسكو ترى الفرصة باتت سانحة لأن تكون لاعباً متميزاً على الساحة الدولية عموماً، والأوروبية بشكل خاص، انطلاقاً من خصائص القوة العظمى أو الكبرى على أقل تقدير، مما يسهّل عودتها لأداء هذا الدور من جديد. فمن الواضح أن روسيا قررت أن تدخل في مرحلة جديدة في مواجهتها لواشنطن بتحدي السياسة الأمريكية من خلال اجتياح دولة جورجيا كحليفة لواشنطن، والمرشحة للانضمام إلى ناتو، والاعتراف باستقلال إقليمين تؤكد واشنطن على لسان الرئيس الأمريكي بوش أنهما سيبقيان جزءاً من جورجيا.
صفوة القول، إن الحرب الروسية ـ الجورجية تثير بقوة مسألة الدور الذي تلعبه الدول الصغرى في جرّ الدول الكبرى إلى حرب، فهذه إحدى التفسيرات التي فسّرت نشوب الحرب العالمية الأولى عندما دخلت روسيا [القيصرية التي صارت الاتحاد السوفيتي بعد ثورة تشرين الأول/أوكتوبر 1917) الحرب دفاعاً عن حليفتها صربيا. ووفقاً لهذه الرؤية فإن الأزمة الراهنة التي نقلت الصراع من إطار الصراع الأيديولوجي إلى صراع يتمحور حول الجغرافيا السياسية، قد تمهد المسرح الاستراتيجي العالمي لمواجهة عالمية كبرى قد تؤدي إلى تحول جذري في هيكل العلاقات الدولية، يؤدي بدوره إلى زوال نظام القطبية الأحادية ليحل محلها عالم متعدد الأقطاب.
الهوامش
1. أحمد دياب، النزاع في القوقاز، حسابات خاطئة وتداعيات إقليمية خطيرة، مجلة السياسة الدولية، العدد (174)، أكتوبر 2008م، ص 208.
2. خالد عبدالحليم، جورجيا وأوسيتيا: صراع أنتجه الاتحاد السوفيتي، صحيفة المصري اليوم، العدد (1520)، 11-8-2008م.
3. طارق الشيخ، روسيا الاتحادية تشهر سيفها في وجه الغرب، صحيفة الأهرام، العدد (44443)، 11-8-2008م.
4. أحمد دياب، النزاع في القوقاز، مرجع سابق، ص 209.
5. عماد جاد، دروس وعبر من الحرب الروسية الجورجية، صحيفة الأهرام، العدد (44450)، 18-8-2008م
6. أحمد دياب، النزاع في القوقاز، مرجع سابق، ص 211.
7. جابر الطمّيزي، حرب القوقاز بداية أم نهاية wwwqudsnet.com.
8. السياسة الأمريكية الجديدة وقرار جورجيا بغزو أوسيتيا الجنوبية www.alaalam.ir.
9. سليم نصار، متى تتحول الحرب الباردة إلى حرب ساخنة؟ www.alhayat.net.
10. محمود عوض، تحول الموازين الدولية بعد أزمة جورجيا، www.alhayat.net.
11. سليم نصار، متى تتحول الحرب الباردة إلى حرب ساخنة؟ مرجع سابق.
12. إبراهيم قاعود، بعد بيات شتوي طويل، الدب الروسي يتثير المخاوف في القوقاز، مجلة آخر ساعة، العدد (3852)، 20-8-2008م.
13. محمود عوض، حقائق القوة الروسية وظلالها، صحيفة الحياة، العدد (16032)، 25-2-2007م
14. السيد أمين شلبي، العلاقات الروسية الأمريكية إلى أين؟ : وجهة نظر صينية، مجلة السياسة الدولية، العدد (171)، يناير 2008م، ص 191.
15. محمود عوض، حقائق القوة الروسية وظلالها، مرجع سابق.
16. لمزيد من التفاصيل حول الاستراتيجية الروسية الجديدة، راجع تحقيقاً بعنوان: "روسيا تواجه تجاهل الغرب مصالحها باستراتيجية دفاعية شاملة"، إعداد رائد جبر، صحيفة الحياة، العدد (16065)، 30-3-2007م.
17. جيهان مصطفى، روسيا وأمريكا إلى حرب جديدة، شبكة الأخبار العربية، محيط 28-4-2007م.
18. انسحاب روسيا من اتفاق نزع السلاح، صحيفة الأهرام، العدد (44056)، 21-7-2007م.
19. بسام العسلي، الحرب العالمية الثالثة واحتمالاتها، مجلة كلية الملك خالد العسكرية، العدد (92)، مارس 2008، ص 34.
20. الأسطول الروسي في طرطوس: توازن جديد للقوى بالمتوسط، صحيفة الأهرام، العدد (44080)، 4-8-2007م.
21. شريف طه، الدب الروسي يعبث في الحديقة الخلفية للفيل الأمريكي، صحيفة الأهرام، العدد (44484)، 21-9-2008م.
22. مفيد رزق، الصراع على القطب الشمالي: حرب باردة من نوع آخر، صحيفة الحياة، 18-10-2008م.
23. إنها الحرب العالمية الثانية، طارق الشيخ، صحيفة الأهرام، العدد (44452)، 20-8-2008م.
24. مكرم محمد أحمد، عرب يحلمون بتجدد الحرب الباردة، صحيفة الأهرام، العدد (44483)، 20-9-2008م.
25. نورهان الشيخ، روسيا وأزمة أوسيتيا الجنوبية، توازن جديد للقوى الدولية، مجلة السياسة الدولية، العدد (174)، أكتوبر 2008م، ص 205.
26. إلياس حنا، نظرة استراتيجية لأحداث القوقاز (نهاية الأيديولوجيا والعودة إلى الجغرافيا السياسية)، شؤون عربية، العدد (135)، خريف 2008م، ص ص 60 77.
27. السيد يس، نهاية عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة، صحيفة الحياة، 31-8-2008م.
28. يوسف شلبي، هل تشهد أوروبا ميلاد عالم جديد، www.almasrueen.net.
29. المرجع السابق.
30. حازم فوده، العجز الأوروبي في مواجهة الدب الروسي، صحيفة الأهرام، العدد (44479)، 16-9-2008م.
31، روسيا تحشد ملفاتها انتظاراً لساعة الصفر، طارق الشيخ، صحيفة الأهرام، العدد (44465)، 2-9-2008م.
32. الدفاع الروسي المضاد للصواريخ ينتظر انتهاء مفعول "سالت 2"، صحيفة الحياة، العدد (16035)، 28-2-2007م.
33. رائد جبر، روسيا تواجه تجاهل الغرب مصالحها، مرجع سابق.
34. طارق الشيخ، روسيا تحشد حلفائها، مرجع سابق.
علي المليجي علي، محلل استراتيجي عربي من السعودية
01/12/2008
المصدر :
http://www.kkmaq.gov.sa/Detail.asp?InNewsItemID=297617