الرئيس الأسد يجدد دعم سوريا لأي اتفاق بين العراقيين يكون أساسه الحفاظ على وحدة العراق وعروبته وسيادته عبد الله غول وصل الى القاهرة، ومتمردون اكرادا قتلوا ستة جنود اتراك الرئيس السوداني عمر حسن البشير يزور تشاد لحضور قمة دول الساحل والصحراء مصر تقنن استخدام الكهرباء في انارة الشوارع الأمن الأردني يمنع مشاركين في قافلة إغاثة غزة (أنصار 1) من الاحتجاج أمام السفارة المصرية الجيش الالماني يتدرب في" اسرائيل" روسيا سلمت الفلسطينيين 50 مدرعة لنقل الجنود جندي أفغاني يقتل اثنين من أفراد قوات حلف الأطلسي، ولقاء بين أوروبي ـ إيراني في كابول      
"إنها حياة رائعة" فيلم عن الفعل الإيجابي لتغيير العالم؟

يتحدث هذا الفيلم الأميركي عن الحياة بوصفها "الهبة الأعظم" التى حصل عليها الإنسان، وبالفعل فإن الفيلم مقتبس عن قصة قصيرة للكاتب الأميركي فيليب فان دورين ستيرن، وتحمل عنوان "الهبة الأعظم". وقد ظهر الفيلم فى أمريكا فى عام 1946، وهى فترة تمثل مفترقا للطرق فى التاريخ الأمريكي والعالمي، بعدما انتهت الحرب العالمية الثانية، وضاعت فيها أرواح عشرات الملايين من البشر، لأسباب تبدو من المنظور الحضاري عبثية تماما.

لقد تأسست تلك الحرب على بعض الضلالات التى ظهرت فى الحضارة الغربية المعاصرة، مثل النازية والفاشية التى لا تختلف فى عنصريتها عن الصهيونية، او عن ضلالات الرأسمالية المتوحشة فى زماننا المعاصر. لذلك، يمكننا أن نجد تشابها بين سياق صنع الفيلم والسياق الذى نعيش فيه، لأن الضلالات العبثية لا تزال تنهش الأجساد والعقول، وتحول العالم الإنسانى إلى جحيم.

كان السؤال المطروح فى فيلم "إنها حياة رائعة" هو : كيف يمكن أن تكون هذه الحياة رائعة فى ظل هذه الظروف الوحشية الطاحنة؟

وما يعنينى هنا فى المقام الأول، هو أن نتعلم كيف استطاعت السينما أن تحكي "الحواديت" بقدر متساو ٍ من البساطة والتعقيد، أو بكلمات أخرى كيف يمكن أن يستقبل المتلقي العمل الفنى دون عناء، فى نفس الوقت الذى تتسلل إلى لاوعيه "الرسالة" من بين السطور. بينما لا تستطيع معظم أفلامنا أن تقدم مثل هذا السرد السلس المتقن، إذا كان أصلا ثمة رسالة فيها.

تبدأ حكاية "إنها حياة رائعة" بالقرب من خاتمتها : هناك ملائكة فى السماء (نراهم على هيئة نجوم لامعة) يناقشون رغبة أحد البشر في الانتحار فى ليلة عيد الميلاد يأسا من حياته. لكن هناك صلوات تتصاعد من الأرض طلبا لإنقاذه من محنته، وهكذا تقرر الملائكة إرسال "الملاك من الدرجة الثانية" كلارينس لمهمة إنقاذ هذا الرجل، وإذا نجح كلارينس الملاك الطفولي التصرفات فى مهمته، فسوف يترقى ويحصل على أجنحة!.

بهذه المقدمة يؤسس مخرج الفيلم فرانك كابرا لفكرة الحدوتة أو الحكاية الخيالية ذات المغزى الأخلاقى. فى نفس الوقت الذى يعثر الفيلم على "مقامه" أو نغمته، الذى سوف تسوده روح المرح والتفاؤل، رغم هذه المقدمة المنطقية الدرامية القاتمة.

فالملاك كلارينس يستعجل الحصول على أجنحته التى انتظرها طويلا، لأن "الناس بدأوا يتكلمون" عن خيبته. وبالطبع، فإنه لابد لكلارينس أن يعرف من هو ذلك الإنسان الذى سوف يذهب لإنقاذه، وتكون تلك هى الوسيلة الدرامية لكى نعرف نحن أيضا حكاية هذا الرجل اليائس البائس، عندما تحكى الملائكة القصة من أولها وكأنها شريط سينمائى فى "فلاش باك" طويل.

ها نحن فى البداية مع الصبى جورج الذى ينقذ أخاه الأصغر هارى من الغرق خلال لعب الأطفال بالتزحلق على الجليد، ويكون ثمن شجاعة جورج هو إصابته بنوبة برد أفقدته السمع فى إحدى أذنيه.

إن الحكاية تدور فى مدينة صغيرة تدعى "بيدفورد فولز"، حيث يعمل الصبى جورج بعد المدرسة فى مخزن أدوية الصيدلى العجوز جاور (إتش بى وارنر)، لندرك خلال لمسات درامية رقيقة أن جورج يتمتع بالوسامة التى تجعل الفتيات الصغيرات تحاولن الاقتراب منه، مثل فيوليت المعجبه بجمالها الواثقة من نفسها والتى تحاول إغراءه، لكنه لا يعيرها التفاتا، بينما الصبية الرزينة مارى تحبه فى صمت، وتهمس له فى خجل بحبها فى أذنه التى لا يسمع بها! وفى الصيدلية يكون العجوز جاور يبكى لوفاة ابنه، وهو ما يجعله مضطربا حتى أنه يضع بطريق الخطأ سما فى أحد الأدوية التى يحضِّرها ويطلب من جورج توصيلها، لكن جورج يدرك الخطأ ويتردد فيضربه الرجل فى عصبية، وعندما يدرك الأمر يعتذر باكيا. (هل تذكر فيلم كمال الشيخ "حياة أو موت"؟).

وفى لمسات درامية سريعة أيضا يقدم لك الفيلم الأجواء الاجتماعية والاقتصادية فى المدينة الصغيرة، فهناك الرأسمالى الجشع بوتر (ليونيل باريمور) الذى يحتكر كل شيء، ويبنى الأكواخ ليسكنها أهل المدينة بالأجور التى يفرضها، لا يقف فى طريقه إلا بيتر (صامويل هيندس) والد جورج وهارى، الذى يملك مؤسسة لإقراض المحتاجين لكى يبنوا منازل صغيرة تليق بالحياة الإنسانية.

هكذا يستمر الصراع طوال الفيلم بين وجهتى نظر رأسماليتين : المشروعات الاحتكارية الكبيرة لصالح القلة التى تزداد ثراء، والمشروعات الصغيرة لصالح الأغلبية من الطبقة العاملة الفقيرة، التى دفعت الثمن الباهظ من كرامتها خلال فترة الكساد الكبير فى الثلاثينيات.  

يقفز الزمن عندما يصبح جورج شابا (جيمس ستيوارت)، ليطلب الملاك كلارينس تثبيت الكادر (!!) حتى يستطيع أن يتبين وجه جورج، الذى نراه وهو يستعد لتحقيق الأمنية التى ظل يحلم بها طويلا، أن ينفض عن نفسه غبار مدينته الصغيرة، وينطلق مرتحلا فى العالم، ويكمل دراسته ليصبح مهندسا يبنى ناطحات السحاب والجسور الضخمة: "أريد أن أصنع أشياء مهمة"، وإن كان أبوه يؤكد له أن توفير منزل وسقف لأبناء مدينته شيء لا يقل أهمية أبدا.

وسط هذه الأجواء المرحة يقع بصر جورج على الشابة الجميلة مارى (دونا ريد) للمرة الأولى منذ أن كانت صبية صغيرة، وقد عادت إلى المدينة التى تحن إليها بعد غياب طويل. إنها لاتزال تحبه.

ومن خلال مشاهد شديدة الرقة نرى الصراع الداخلى لدى جورج : هل يستجيب لحب مارى له ويبقى فى المدينة وينجب أطفالا ويتولى العمل فى مؤسسة أبيه؟ أم يلبى نداء صفير القطار الذى يبدو دائما كأنه يدعوه للرحيل؟ (هل تذكر أيضا فيلم يوسف شاهين "ابن النيل"؟). إن ما يحسم تردده هو وفاة أبيه المفاجئة، فيضطر جورج للبقاء ورعاية أمور المؤسسة، ويكون عليه أن يستمر فى النضال ضد جشع بوتر الذى يريد القضاء على مساعدة المؤسسة للفقراء لأن "المثل العليا لا نفع لها فى البيزنس".

هنا يرد جورج فى مونولوج طويل مؤثر، يؤكد فيه أن بوتر يعامل الناس كأنهم قطيع من الماشية، ويوضّح لبوتر: "بالنسبة لى إن أبى قد مات وهو أكثر ثراءً منك يا سيد بوتر، لأنك لست إلا رجلا عجوزا محبطا تستحوذ عليه شهوة جمع المال.

سوف تستمر رحلة نضال جورج فى الحياة طويلا، وهو يقدم التضحية بعد الأخرى، سوف يسافر أخوه هارى بدلا منه ليكمل دراسته ويتزوج ابنة رجل أعمال ثرى، ويلتحق بالجيش عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، ليصبح بطلا يستحق الحصول على وسام الشرف لإنقاذه حياة المئات.

أما جورج فإنه يتزوج مارى وينجب منها بناته، لنصل إلى نقطة البداية التى بدأ بها الفيلم، ليلة عيد الميلاد، والناس يستعدون للاحتفال، وجورج قانع بحياته العملية كصاحب مشروع صغير، وبحياته الأسرية كأب وزوج، لكن كل شيء يتعرض للضياع عندما يفقد عمه السكير بيللى (توماس ميتشيل) مبلغا كبيرا من أموال المؤسسة، يعثر عليه بوتر ويخفيه،مما سوف يعرض جورج لأن ينتهى فى قفص الاتهام بتهمة تبديد أموال عملائه، والسجن بعد هذه الرحلة الطويلة من العناء والتضحية، وهكذا يقرر الانتحار من فوق أحد الجسور، ليظهر له الآن الملاك كلارينس، الذى يعرض أن يحقق لجورج أمنيته: "أتمنى لو لم أولد قط".

تلك هى بؤرة الفيلم الدرامية التى تعتمد على الفانتازيا، فلنرَ مع جورج عالمه لو لم يولد! إنه يطوف مع كلارينس فى المدينة حيث لا أحد يعرفه (لأنه لم يولد)، وقد تغير اسم المدينة من بيدفورد فولز إلى بوترسفيل بعد استيلاء بوتر عليها، حيث زرع أكواخه الوضيعة فى كل مكان، واختفت (أو لم تظهر أصلا) البيوت النظيفة التى تم بناؤها بمساعدة مؤسسة جورج، وانتشرت الحانات والنوادى الليلية، وتحول مشروع المؤسسة إلى مقبرة، وأصبح الصيدلى جاور مشردا لأنه سُجن بعد تسببه فى وفاة طفل بالسم بدلا من الدواء، وظلت مارى عانسا مكتئبة، والأهم هو أن الأخ هارى لم يؤدِ أى واجب وطنى فى المعركة لأنه مات فى طفولته غريقا فلم يكن هناك أى جورج لينقذه!

الآن يدرك جورج أن حياته لم تضع هباء، وأن كل تصرف إيجابى مهما كان صغيرا يمكن أن يغير حياة عشرات أو ربما ملايين الآخرين!!  

أرجو أن تتأمل فى الفيلم ذلك التوازن الرقيق بين الواقعية والفانتازيا (التى تتحول عادة فى أفلامنا إلى تهريج وتخريف)، وهو نفس التوازن بين السرد بأساليب سينمائية تعتمد على الحذف البلاغى وبين الاعتماد على الحوار شديد الذكاء الذى يرسم ملامح الشخصيات بلمسات فرشاة سريعة مرهفة (وهو ما يدحض الأفكار المخترعة لبعض نقادنا عما يسمونه "السينما الخالصة")، كما كانت الأداة الرئيسية عند المخرج فرانك كابرا فى قراءته للنص السينمائى هى إدارته الحيوية للممثلين الذين تصدق على الفور شخصياتهم الدرامية كما تراها على الشاشة، وتأمل أيضا كل التفاصيل الصغيرة مثل تلك القطعة المخلوعة من إفريز السلم الخشبى فى المنزل القديم الذى يسكنه جورج وأسرته، لقد كانت تلك القطعة مثار تذمره، لكنه يقبلها بشفتيه عندما يعود من "حلم" عدم وجوده.

إنها نفس التفاصيل الصغيرة فى حياتنا، التى لم نتعلم للأسف فى سياقنا الاجتماعى والاقتصادى والسياسى كيف نعيش تلك الحياة بحق، لم نتعلم قيمة الحياة الحقيقية وليس مجرد الأكل والشرب وإفراز سوائلنا الحيوية، قيمة الحياة بكرامة، وقدرة على الاختيار.

نقول أحيانا إن معظم الأفلام الأمريكية "هروبية" فى مضمونها لأنها لا تهدف إلا للتسلية ودفع المتفرج للرضا بالواقع، لكن فيلما مثل "إنها حياة رائعة" لم يفتقد متعة التسلية لحظة واحدة غير أنه لا يدعو للامتثال والخضوع، لأنه يقول لك : تذكر أنه يمكن لك أن تمنح ملاكا الجناحين اللذين ينتظرهما! وتذكر أنك بفعلك الإيجابى قادر على أن تعيد صياغة العالم، بدلا من أن تستسلم للعالم الذى يريدوننا فيه أن نكون قطعانا تنتظر دورها لكى تضع عنقها تحت مقصلة الطغاة.
 
أحمد يوسف، ناقد عربي من مصر
http://www.al-araby.com/docs/article2142179944.html
 إطبع هذا المقال     أرسل إلى صديق

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
أفلام
> الجزائري بوشارب يستعيد حرب الذاكرة مع الكولونيالي، والصحافة العربية شبهته بـ"كوبولا"
> نهضة الصناعة السينمائية في دول المغرب العربي (اللهجة ليست عائقا للتسويق)
> هيثم حقي : سعيد بما وصلتْ إليه الدراما التلفزيونية السورية كماً ونوعا
> ناصر يعود مسلسلا .. كأحلام المساء
> المخرج الفلسطيني نزار حسن : المسألة هي من أنا، وما انتمائي
> وثائقي يكشف أسرار تحالف الفساد والإستخبارات الغربية في حروب الشيشان
> الشاشة العربية الصغيرة بانتظار " نــاصـر "