حلمي موسى : المهم في "إسرائيل" هو الصورة والأثر الذي تولده في اللحظة المعينة؟
خاص ـ الحقول / نجحت مقاومة الفلسطينيين واللبنانيين خلال السنوات الأخيرة، في المس بصورة "إسرائيل" النمطية في الإعلام الأجنبي. لم يعد الصهاينة قادرون على تقديم أنفسهم بصورة الضحية، أو على ترويج مزاعم التفوق الأخلاقي على العرب، خصوصا بعد محرقة غزة (2009)، وعدوان تموز (2006). وهناك تقارير كثيرة عن نشاط أجهزة العدو الصهيوني لترميم هذه الصورة، من خلال ما سمي بـ"الديبلوماسية الإعلامية". هذا التدهور الإستراتيجي في مركز "إسرائيل" الإعلامي، هو موضوع الحوار الذي جرى مع حلمي موسى، المحلل والخبير العربي البارز في شؤون العدو الصهيوني :
كيف تقيم صورة "اسرائيل" الاعلامية حاليا؟
مثل هذا السؤال متعدد الجوانب، وهو بحاجة إلى تحديد : صورة اسرائيل الاعلامية عند العرب؟ صورة اسرائيل الاعلامية في العالم ؟ صورة اسرائيل الاعلامية لجهة وسائل الاعلام الموجودة فيها؟ صورة اسرائيل الاعلامية في مواجهة نفسها، تقديري هو أن التحديد ممكن وضروري.
على صعيد صورة إسرائيل أمام نفسها، تقديري أن إسرائيل راضية عن نفسها بدرجة كبيرة جدا، بعنى أن كل سلوك تسلكه، يحظى بالأغلب الأعم، بتأييد شعبي كبير جدا، الامر الذي يشير إلى أن السياسية الاسرائيلية ، هي سياسة لها جدواها وشعبيتها ولها جذور تأييدها في الوسط الاسرائيلي، وبالتالي فإن الصورة الاعلامية لإسرائيل أمام نفسها هي صورة الراضي عن نفسه.
اسرائيل حققت انجازات هائلة في نظر نفسها، وحتى في الواقع، وهو ما يوصف في إسرائيل بأنه "قصة نجاح كبيرة"، إسمها وجود طوائف أو فئات من الناس تتبنى أو تلتزم الديانة اليهودية الموجودة في انحاء مختلفة من العالم، وكيف أن اسرائيل تمكنت من أن تجمعهم، وتخلق لغة جديدة، وتعمل دولة هي الى حد كبير دولة حديثة، لها مكانتها في العالم، وتتجاوز حدودها الجغرافية وطابعها السكاني، وبالتالي فان اسرائيل في نظر الاسرائيلين هي "قصة نجاح كبيرة" جدا.
فالسلوك السياسي لاسرائيل طوال الفترة الماضية دل على أن اسرائيل قدرت أن تحقق ذاتها بأشكال مختلفة، في حين أن محيطها العربي يتفتت ويتشتت، واسرائيل تغدو أكثر قابلية لان تفرض نفسها في محيطها وتجعل الاخرين يعترفوا بها.
هذا هو الانجاز بالنسبة لاسرائيل.
وإذا كان هذا هو الحديث حول صورة اسرائيل عن نفسها، حتى في سلوكها، بما في ذلك حرب غزة التي عبرت عن التناقض الحاد، بين نظرة اسرائيل تجاه نفسها بوصفها دولة محقة تدافع عن نفسها، وبين نظرة العالم اليها على انها دولة معتدية، وبأنها تتعاطى بأعلى درجة من الفظاظة مع الفلسطينيين. هاتان صورتان متناقضتان. أما اذا نظرنا الى صورة اسرائيل في محيطها العربي، فتقديري أنه ليس هناك اثنان يختلفان على أنها صورة دولة معتدية.
وزارة الخارجية "الاسرائيلية" نشرت إستطلاعا للرأي أجري في مختلف انحاء العالم، وكشف عن أن نحو ثلث المستطلعين ينظرون إلى "اسرائيل" بأنها دولة معتدية، السؤال : ما هي التقنيات التي تعتمدها "اسرائيل" أو التي قررت اعتمادها من أجل تصحيح أو اعادة تشكيل صورتها امام الرأي العام؟
هناك قليل من الخلط بين أمرين. الحديث حول وزارة الخارجية يعني أنك تحدث عن صورة اسرائيل الاعلامية بالخارج. واسرائيل اليوم، ترى نفسها في أوساط الرأي العام العالمي، بأنها دولة متضررة، أو أن هناك نظرة لا تتناسب مع حقيقتها، وأن العالم ينظر اليها بوصفها دولة معتدية، في حين انها دولة تدافع عن نفسها. معنى أن لدى الإسرائيلي إحساس باخفاق اعلامي موجود على هذا الصعيد.
القصة بالنسبة لاسرائيل، هي أن الإسرائيلي يرفض الاقرار بأن الواقع أكبر من الرغبة. الرغبة هي أن يقدم الإسرائيلي نفسه بوصفه الإمتداد الفعلي للغرب، وبالتالي على الغرب أن يتفهمه. وأنه لو كان هذا الغرب محله لفعل بالفلسطينيين والعرب ما هو اسوأ بكثير مما يفعله الإسرائيلي.
هذه المقارنة التي يجريها الإسرائيليون دائما : ماذا لو كانت المدينة الفلانية ... ماذا لو كانت واشنطن تتعرض للصواريخ؟ ما الذي ستفعله حكومة واشنطن؟ ماذا لو كانت باريس؟. إذا تعرض مواطنوك لاعتداءات صاروخية كيف عليك ان تتصرف. هكذا هي الطريقة التي تحاول اسرائيل، طوال الوقت، ان تبرر نفسها بها.
في الفترة الاخيرة الاسرائيلي عندما شعر بأن الرأي العام، وهذا ليس لحظة متأخرة، يعني إذا كان هناك فارق كما تقول بين مد وجزر على الاقل بين عام 67 وحتى اليوم، المسألة أنه في عامي 68 ـ 69 حين نشأت المقاومة الفلسطينية، وبدا أن هناك بوادر ادراك في العالم، بأن اسرائيل ليست الضحية كما تدعي، وبدأ التغبير.
اسرائيل التي كانت طوال الوقت في نظر الاوروبي هي الحمل الوديع، الذي تعرض لاعتداءات من العرب المتخلفين المتعجرفين، كلا غدت الامور بشكل أخر، العرب ليسوا بهذا الدرجة من التخلف وأن اسرائيل ليست بهذه الدرجة من البراءة. وبالتالي بدأ يتغير المزاج العام في العالم، وخصوصا مع تنامي الحركات اليسارية، وتحديدا داخل الدول الاوروبية وفي العالم الثالث، وبدأت صورة اسرائيل تهتز. وهذا الامر يتغير بين فترة وفترة، في غير مصلحة اسرائيل، اذا لاحظنا أن هذا السياق كان سياقا متكاملا تقريبا، من نهاية السبعينات وحتى اليوم.
المشكلة الاكبر لإسرائيل، هي انه كلما اقتربنا من الوضع الراهن، كلما لاحظنا أن الفارق في ميزان القوى يميل بشكل اوضح لصالح اسرائيل. سواء كان هذا الفارق في قوى ميزان اسرائيل المادية المباشرة او قوة اسرائيل على صعيد ما يسمى بالسياسة الناعمة، أي قدرتها على ان تفرض رأيها على المحيط او أن يتفهمها المحيط العالمي.
وعلى سبيل المثل، فقد راينا كيف ان اميركا منذ 15 سنة على الأقل، جعلت من اسرائيل بوابة الدخول لها. إذا كنت تريد شيئا من الصين أو الهند يقولون إذهب الى اسرائيل. صارت إسرائيل بوابة الدخول الى قلب اميركا، وهذا ما زاد في نفوذ اسرائيل، وجعل هذا النفوذ هائل جدا، ومنح اسرائيل القدرة.
كلما تعاظمت قدرة اسرائيل على ممارسة قوتها اكثر، كلما زاد ادراك المحيط والرأي العام بان اسرائيل ليست ضحية. ثم أتت حرب لبنان ثم حرب غزة، وهما الحربان اللتان مارست فيهما إسرائيل اشد أشكال القوة فظاظة، لتجعلا المزاج العام في العالم، وبالتالي صورة اسرائيل اسوأ بكثير من أي وقت ما مضى.
هذا ما دفع اسرائيل للتوقف عن محاولة اتهام جيرانها. الآن، ما يجري داخل اسرائيل على صعيد محاولة تغيير صورة اسرائيل الاعلامية، لا يقوم على مسألة اظهار بشاعة الطرف الاخر، وانما القول أن هناك في اسرائيل اشياء اخرى. ان إسرائيل تعيش بسلام داخلي مع نفسها، وأنه رغم كل ما يجري من صراعات وحروب وما شابه هناك على الحدود، فالاسرائيلي قادر ان يعيش في ظل هذا الوضع وان يتطور. هناك محاولة لاظهار أن جزء من منجزات الحضارة الحديثة في العالم، مثلا أن هناك برامج كمبيوتر مهمة جدا يستخدمها العالم صنعت في اسرائيل. يحاول الاسرائيلي أن يقول للعالم انت تسمع عنا ليس فقط الجانب السلبي، هناك جوانب كثيرة ايجابية، يجب ان تأخذها بالحسبان. وهذا ما يحاول فعله الآن، من أجل اضعاف حدة العداء لاسرائيل.
لماذا أقام القادة الصهاينة ضمن تقنية تصحيح الصورة الإعلامية في الخارج، نوعا من التماهي بينهم وبين الاتراك أو بينهم وبين الروس. ونحن شاهدنا ما جرى في دافوس حينما ذكر بيريز أردوغان بقضية الأرمن، وكذلك الموضوع الذي كتبته عن باراك البوتيني وبوتين الباراكي؟ ما ذلك بالضبط؟
اسرائيل كأن لديها ملفات تتصدى لها بأسلوب الدفاع السلبي. هناك أسلوب الدفاع الايجابي وهي الصورة التي تحدثنا عنها، حيث تحاول إسرائيل اظهار نفسها ليس فقط بصورة المعتدي. لنفترض بانك اقتنعت تماما باني المعتدي، ولكني لست مئة بالمئة كذلك، هذا جزء صغير في الصورة، والجانب الايجابي في إسرائيل اكبر، وهذا ما تسعى اليه وزارة الخارجية الان.
أسلوب الدفاع السلبي، هو الرد على السلب بالسلب، لكي تبدو ان سلبياتك اكثر، وأكبر. يعني على سبيل المثل، اذا أميركا انتقدت إسرائيل ترد عليها لم افعل بالفلسطينيين ما فعلتموه بالعراقيين. على روسيا ترد بأي حق أنت تتحدثين، وأنتم فعلتم بالشيشان كذا وكذا. أنت يا تركيا، تستطيعين أن تقولي بأني ارتكبت مجازر، ولكن ما هي هذه المجازر التي ارتكبتها مقارنة مع المجازر التي ارتكبتها أنت تجاه الارمن. أي دولة تريد أن تتحدث عن اسرائيل بالسلب، اسرائيل لديها تقريبا ملف كامل، لتقول لهذه الدولة أو تلك بأن هذا هو الرد السلبي. وهذا هو محاولة من إسرائيل للإيحاء بأنه في ظل أقصى الظروف، أنا كاسرائيلي تصرفت بشكل اكثر اخلاقية مما تتهمونني به.
في هذه المسألة هناك رسالتين : واحدة موجهة للاسرائيلي نفسه، من أجل زيادة اقتناعه بما يقوم به. وواحدة موجهة ضد الخصوم، بحيث تقول سواء كان هذا الخصم بدرجتيين : الخصم العدو الذي هو العرب المحيطين به وأن من يقفون معكم أقل اخلاقية مني، وقد اكون أنا احسن اليك من هؤلاء الذين يتصرفوا إما مع شعوبهم او رعاياهم بهذه الصورة. فيما أنا يمكنني ان أتعامل معك بصورة افضل من الصورة التي يتعاطون بها، هذه تكتيكات دفاعية مختلفة تلجأ اليها اسرائيل، لمحاولة تثبيت احساسها بأن لديها حق في ما تقوم به، وأن لديها حق في ان تتصرف بالشكل التي تصرفت به، ولن يضيرها ما يقوله الاخرون عنها. وخصوصا أننا نرى أن نمط السلوك الإسرائيلي طوال هذه الفترة، نرى في الجوهر، أن هذا السلوك في تنامي، لم تشهد الحركة الاسرائيلية نحو ازدياد الفظاظة او لنقل تردد وانما كانت طوال الوقت ضمن خط تصاعدي.
هذا سؤال ثانوي في الحقيقة، ولكن بما يخص بوتين الباراكي، وباراك البوتيني، كان هناك....
انا أخذت هذا الكلام من الزاوية الاعلامية، وليس من زواية السلوك المادي. على صعيد السلوك المادي هناك في اسرائيل تساؤل كبير جدا حول هذه المسألة، باراك البوتيني وبوتين الباراكي، أو ما الذي تستطيع إسرائيل أن تفعله، وكيف تقارن نفسها؟.
أنت هنا تدخل في باب اخر غير الباب الاعلامي. هناك تعبير جرى تداوله في السبعينيات الذي يسمى بالامبريالية والميني امبريالية، وذلك للإشارة إلى أن اسرائيل بمعنى من المعاني، هي قوة عظمى محلية وليس قوة عظمى دولية. هل ما تستطيع ان تتصرف به قوة عظمى دولية، هو ما يمكن لقوة عظمى محلية ان تتصرف به؟.
على سبيل المثل لا الحصر. اميركا تستطيع ان تتصرف في العالم على قاعدة انه من حقي ان اخطئ، وليس من حق احد ان يقول لي انني مخطئ، وان قال لا يضيرني؟ هل تستطيع اسرائيل ان تتصرف هكذا في ظل وجود قوى اعظم منها بكثير في العالم. اذا نظرنا إلى اسرائيل نرى أنها على صعيد التعداد السكاني، مثلا، ليست مؤهلة في الجوهر لان تكون قوة عظمى محلية، ومع ذلك افلحت نتيجة ارتباطات معينة بالخارج.
فعندما يدور الحديث عن باراك البوتيني او بوتين الباراكي، اي منهما ـ تذكرت هذا المقال لاني اول شخص اشرت اليها ـ كانت الفكرة من استفاد من تجربة من؟. بالضبط. بوتين استفاد من تجربة التكتيكية لاسرائيل فحول منها سياسة استراتيجية لدولة عظمى. اذا اردت ان تحارب الارهاب، فيجب عليك الذهاب اليه واطلاق الرصاص عليه في رأسه حتى في المرحاض. هذه هي الفكرة الاساسية. عندما يقال ان باراك البوتيني حتى بالاعلام، لتجاوز الرقابة انت تقوم بتسريب خبر لصحفية في الخارج، فينشر في الخارج، فانت تعود وتقول انه نشر في الخارج، فلم يعد معنى لينشر هنا لان الخبر اصبح معروفا. بوتين اخذ من تكتيك باراك وعبارته عندما اقتحم طائرة "سابينا"، ولكن باراك في وقت لاحق حاول ان يبرر الفظاظة الاسرائيلية في الحرب على غزة، بالقول انظروا كيف فعل بوتين في جورجيا. ولكن هذا ايضا موضع تساؤل في داخل اسرائيل في الاساس حول القدرة والاهلية والصلاحية ان تتصرف كدولة عظمى؟ هل تستطيع إسرائيل على قاعدة انه من حقي ان أخطئ.
بعد غزو "إسرائيل" لبنان عام 1982 واحتلال العاصمة بيروت نشرت أنباء وتقارير صحفية عن أن حلف شمال الأطلسي ناتو، قد درس نتائج الغزو "الإسرائيلي" للبنان. دائما كان يقال بان "اسرائيل" تعلم الاخرين. المقصود أن ذلك جزء من اظهار صورة "اسرائيل" القوية، أو اسرائيل النموذج؟.
لا، تقديري ان اسرائيل نتيجة ظروف اما نشأت فيها، او نتيجة ظروف تحيط بكل الفكرة الصهيونية بالاساس، وطابع العالم وجدت نفسها في وضع تبدو فيه الى حد كبير، نموذجا ليس له شبيه اليوم بالعالم، وهو نموذج الدولة التي صنعت نفسها الى حد ما، في نقطة التقاء مصالح او تضارب مصالح دولية بشكل كبير.
اسرائيل على صعيد الاقتصادي لا تشكل شيء بالعالم، وحتى تكنولوجيا لا تشكل شيء في العالم. عندما تطلق اندونيسيا صاروخ أو قمر صناعي لا يعتبر هذا خبرا هاما، ولكن عندما تطلق إسرائيل هذا الصاروخ يصبح هذا الخبر هام جدا.
الجيش الاسرائيلي لا يقارن على سبيل المثل بالجيش الكوري الجنوبي من جهة التعداد والقوة وحتى التقنيات الحربية. ومع ذلك اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لديها تقريبا دورة حروب كل عشر سنوات، او لديها انخراط في العقل الغربي تحديدا، أي ان كل شيء يتعلق باسرائيل هو يتعلق بالغرب، وبالتالي هذا الشيء الذي منا والينا. مثلا، عندما تسمع أن شاليط الجندي الاسرائيلي يؤسر ولكنه فرنسي، وعندما تسمع فلان بانه قتل ولكنه اميركي، قتل في خان يونس وتطالب به محكمة اميركية.
اليوم، نجد أن 20 ـ 30 بالمئة من الاسرائيليين، يحملون جوازت سفر اوروبية. ولكن كل الاسرائيليين هم بالاجمال، كما لو انهم رعايا او سوبر رعايا اوروبيين. عندما يحدث اي حدث اسرائيلي نجد ان الكونغرس الاميركي يهتم، والاتحاد الاوروبي يركض وراءه وما شابه. لذلك اعتقد نتيجة هذه المسألة بالتحديد، هناك هذا الاهتمام بالذي يدور في اسرائيل ومحاولة اعتبار ما يسمى اسرائيل نموذجا.
اسرائيل في نظري ليست اكثر دولة بالعالم تصدر أمن او تكنولوجيا أمن او تجربة أمن او معرفة أمن. هناك دول كثيرة ربما لم يسمع بها أحد. يمكن دولة الاردن مثلا، في محيطها العربي تصدر امن أكثر من اسرائيل. هناك دول كثيرة في العالم تصدر أمور من هذا القبيل. باكستان بلد لديها تكنولوجيا نووية وعندها صناعة تسليحية. جنوب أفريقيا (في زمن النظام العنصري) كانت أكثر بلد من بين الدول تقدما في العالم على صعيد تكنولوجيا السلاح، ومع ذلك ليس لهذه الدول هذا الحيز من الإهتمام في الصحافة والسياسة الدولية.
في إطار موضوع "إسرائيل" والصورة ايضا. بعد تصريحات أفيغدور ليبرمان برفض مؤتمر انابوليس، نقلت عن أولمرت قوله حرفيا : أن أهمية مؤتمر انابوليس بالنسبة لـ"إسرائيل" هو انه "كوى وعي" مئات الملايين بالعالم، والمقصود هو العرب والمسلمين، عندما شاهد هؤلاء قادة فلسطينين و"اسرائيليين" واميركيين، وزعماء دول عربية واسلامية، مجتمعين في قاعة واحدة. هذا التصريح يطرح سؤالا حول مفهوم وأسلوب "كي الوعي بالصورة"، وهو يأتي بعد تصريح سابق أطلقه احد رؤساء الاركان، حينما تحدث عن "كي وعي الفلسطينيين والعرب بالسلاح أو بالنار". هل نحن أمام تكتيك أو تكنيك "إسرائيلي" جديد يقوم على "كي الوعي بالصورة"؟.
الاسرائيلي كان متميز طوال الوقت في تاريخه عن العربي في مسائل تتعلق بالاعلام، سواء كان هذا الاعلام audio او video، كان صورة او صوت، ما كان لديه مشكلة كبيرة على هذا الصعيد. أعتقد أن التعبير الذي أشرت له : "كي الوعي"، كان أول من صرح به هو موشيه يعالون رئيس الأركان الأسبق، الذي أصبح اليوم وزير الشؤون الاستراتيجية في اسرائيل، عندما قال بـ "كي وعي الفلسطينيين عبر الشدة" في مواجهتهم.
لكن علينا أن نتذكر، أن أول من صاغ أو وضع هذا التعبير كان بنيامين نتنياهو (رئيس الحكومة الحالية) في كتابه "تحت الشمس"، إذ عرض نموذج الاسماك التي تفترس بعضها، وقال إذا انا وضعت حاجز زجاجي بين السمكة المفترسة والسمكة غير المفترسة، فإن السمكة المفترسة ستبقى تحاول مرارا افتراس طريدتها، وفي كل مرة يصطدم منقارها بالحاجز، ومرة تلو المرة، سينكسر منقارها وتتحطم اسنانها. وبعد ذلك عندما أسحب هذا الحاجز الزجاجي، فإن السمكة المفترسة لن تقترب من فريستها. هذا ما نريد ان نصنعه مع الفلسطينيين. وهذه هي عملية "كي الوعي".
تعبير "الكي" كان تعبير مهم جدا في الثقافة البدوية العربية، والثقافة اليهودية في الاساس، في الجوهر ثقافة بدوية. وبالتالي، عندما يأتي نتنياهو أو يعالون ويقترح "كي الوعي"، فالمقصود هو الحرق، بحيث يصاب المحروق بالرهبة، فيمتنع طوال عمره عن الإقتراب من الحارق/مصدر الحرق.
تعبير "كي الوعي" إذن، سواء المادي بالأسلوب العسكري، او المعنوي باستخدام الصورة التي تبهر المشاهد، هدفه التأثير النفسي. على سبيل المثل لا الحصر، عندما يتواجد ناطق باسم الجيش الاسرائيلي بلباسه العسكري في محطات تلفزة عربية، فإن هذه الصورة هامة جدا في أثرها. إذ ليس المهم من وجوده ماذا سيقول، وما ينشغل به أو يضحك منه العرب، عندما يشاهدونه ينطق بلغة عربية ركيكة، مكسرة. ليس هذا هو المهم، بل المهم هو أن صورة المتحدث تنطبع في الذهن العربي.
كذلك، عندما تذهب كاميرات محطات تلفزة عربية لتصور وتبث من الموقع التي تطلق منه قذائف المدفعية الإسرائيلية على غزة او على لبنان، وفيهما العربي يغدو الضحية. هذه الصورة هي الهامة، وليس ما سيقوله هذا الصحفي سواء ان أظهر بطولة أو لم يظهر في موقفه. لكن الاهم لديه، وهذا ما يدركه الاسرائيلي، الذي يقول لك أنا اعطيك فرصة لترى الامور من حيث أراها، وهذا عنصر من اهم من عناصر التطبيع مع العين العربية ومع الاذن العربية.
فالصورة شيئ مهم جدا، وعلى هذا الأساس، كثيرا ما نسمع في اسرائيل : المهم هو الصورة، والاثر التي تولده الصورة في اللحظة المعينة. وفي اسرائيل هناك دوما نقاش مهم حول هذه المسألة. مثلا باراك، المعروف بأنه الاكثر تشددا في مسائل السلام والعداء للعرب حتى بالمقارنة مع شخص مثل ليبرمان او حتى نتنياهو، هو اول الاشخاص الذين قالوا، عندما كان وزير الخارجية في إسرائيل، انا لا اريد ان اكون في موضع من اجل التقاط صورة مع الجلابيات/الدشاديش العربية. بينما غيره كان ينظر باهتمام كبير جدا، شمعون بيريز تعنيه جدا، مسألة التقاط صور له مع الجلابيات/ الدشاديش العربية.
حول تدهور صورة "إسرائيل" الاخلاقية في الإعلام. انت عرضت قبل سنوات قليلة، تقريرا عن مؤتمر دولي لمندوبين صهاينة عقد في القدس، كان هناك مندوبة من الارجنتين، قالت أنه خلال السنوات الثلاثين الماضية كانت صورتنا نحن "الإسرائيليون" في الاعلام، بأننا الضحايا وأن الفلسطينيين هم القتلة، بينما الان، انقلبت الصورة الإعلامية، صار الفلسطينيون هم الضحايا ونحن "الإسرائيليون" القتلة. السؤال هو هل هناك مناطق جغرافية في العالم ضعف فيها مركز "اسرائيل" الاعلامي، بالمقارنة مع مناطق أخرى، وهذا ربطا بتقرير تقرير وزارة الخارجية، الذي أوحى بوجود تفاوت في النظرة المعادية أو المنتقدة لـ"إسرائيل" بين دول وأخرى في العالم؟.
في المبدأ دعني أقول، أولا، أن اسرائيل تصنف الأمور حسب أهميتها بالنسبة لها. اسرائيل صنفت نفسها دائما، بأنها جزء مما يسمى بالثقافة المسيحية ـ اليهودية، وبالتالي هي خارج الثقافة الاسلامية، وخارج ما يسمى بالثقافة غير التوحيدية، وبالتالي إسرائيل حصرت نفسها تقريبا، مع اوروبا في كل شيء. ومن هذا المنطلق هي تنظر الى كل موقف يمكن ان يصدر أو ينشأ في اوروبا، بحساسية أكبر من أي موقف ممكن ان يصدر أو ينشأ في المناطق التي تعتبر نفسها أصلا، خارجها، سواء هذا كان في محيطها العربي، أو في مناطق أخرى.
مثلا، ليس لدى إسرائيل مشكلة بأن يكون 95 بالمئة من المصريين، لا يؤمنون بحق اسرائيل بالوجود. ولكن عندها مشكلة حينما يقال بأنه في الغرب، هناك 30 بالمئة من الأوروبيين اليوم، لا يؤمنون بحق اسرائيل في الوجود كدولة يهودية. وبالتالي هي تنظر بخطورة لهذا الموقف.
اما بخصوص التراجع في مركز إسرائيل الإعلامي، التراجع الحقيقي جرى بالنسبة للاسرائيليين، كان إلى حد كبير، في الهيمنة الفكرية والاعلامية الاسرائيلية في الغرب عموما، عندما كان في فترة من الفترات اليسار الغربي واليمين الغربي، متفقين على مسألة اسرائيل، عند اليسار دولة تقدمية في مواجهة الرجعية العربية وعند اليمين دولة غربية في مواجهة هؤلاء المتخلفين المسلمين وما شابه، حتى وان كرهوا اليهود. عندما يكون هناك جزء من الغربيين لديهم في الاصل، عداء حقيقي للسامية، ولكن لديهم معاداة أكبر للساميين الاصليين الموجودين في هذه البلاد، وهم العرب، وينظرون اليهم نظرة استهتار، نظرة متخلفة جدا.
على هذا الاساس، اعتقد أن اسرائيل في الغالب، تملك تدريج أو تصنيف للناس الذين يعنيها رأيهم اكثر من البقية. عندما نأخذ الاميركيين، نسأل بمن يهتم الإسرائيلي من الأميركيين؟. أولا، يحدد شرائح معينة بينهم، مثلا الاميركان السود لا يعنوا إسرائيل مثل الاميركان البيض. ثم بين الاميركان البيض لا تعني إسرائيل الفئات اللاتينية بقدر ما تعنيها الفئات الأنغلوساكسونية، وهكذا.
في مناطق النفوذ الديمغرافية في دول معينة، الإسرائيليين معنيين بقادة الاحزاب، معنيين بالمثقفين. يعنيهم مثلا في فرنسا أن تكون علاقتهم مع من، مع عدد من كبار المثقفين. فإذا كان لدى هؤلاء موقف سلبي من اسرائيل، فإن الإسرائيليين ينظروا بأهمية أكبر لهذا الموقف، من نصف مليون عربي في فرنسا يتظاهرون ضد اسرائيل، لماذا. لأن الإسرائيليين سيصفون هؤلاء مباشرة، بأنهم عرب ومن شمال افريقيا، ولذلك من الطبيعي أن يقفوا هذا الموقف العدائي لإسرائيل. ولكن ليأخذ اثنان من الكتّاب او المفكرين الفرنسيين يكتبوا مقالة معينة "تنقلب الدنيا عليهم".
ظهور صور رموز التكفير مثل بن لادن والظواهري، في مواقف تتعلق بالقضية الفلسطينية، الا يحمل أذى لهذه القضية بمعنى ما، ويخدم صورة "اسرائيل" الاعلامية؟
استخدام اسرائيل تحديدا، لهذه الصور يقوم أساسا على خلق القواسم المشتركة. هؤلاء صورتهم العامة المطروحة اليوم بأنهم هم الذين على عداء مع الغرب. بالتالي، فكل كلمة يحكونها في الموضوع الفلسطيني، تشير للغرب، كما لو أنه وإسرائيل في خندق واحد. وليس فقط للغرب. اليوم، عناصر التطرف الاسلامية، تحاول اسرائيل أن تستخدمها كقاعدة للتعامل مع محيطها العربي، خصوصا أن جزءا من عوامل التطرف موجهة للداخل العربي نفسه، ولذلك تحاول إسرائيل أن تقيم هذه المظاهر صلات وجسور.
على سبيل المثل لا الحصر، حكومة حماس التي نظر اليها بعض العرب بخطورة، قربت بين بعض العرب هؤلاء وبين اسرائيل، وبالتالي اسرائيل طول الوقت تحاول ان تبحث عن قواسم مشتركة، لا دخل لهذه القواسم ربما مطلقا، بما يجري بين الفلسطينيبن وبين إسرائيل، ولكن تستفيد منها في خلق جسور وقواسم بينها وبين سواء الغرب او الدول العربية.
أعد الحوار فريق من هيئة تحرير الحقول
07/04/09
|
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق