"الإتحاد من أجل المتوسط ولد ميتا، وهناك لوبي صهيوني في بروكسل" (خبير عربي يتحدث عن العلاقات العربية ـ الأوروبية)
خاص ـ الحقول/ لا زالت العلاقات العربية ـ الأوروبية تصطدم برغبة الإتحاد الأوروبي في الهيمنة وفرض صيغ التطبيع مع إسرائيل، رغم كل الكلام الرسمي عن صيغ الشراكة مع الدول العربية، وهو كلام يوحي بوجود تكافؤ بين الأطراف المطلة على حوض البحر المتوسط. وفي هذه المقابلة يشرح مهدي شحادة مدير "مركز الدراسات العربي ـ الأوروبي"، أحوال هذه العلاقات، وماهية الملفات السياسية والإقتصادية التي تحركها وتؤثر فيها.
يقال أن الحوار العربي ـ الاوروبي قد شهد أفضل أيامه في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، أين أصبح هذا "الحوار" اليوم؟.
ابتدأ الحوار العربي ـ الاوروبي على أثر الأزمة النفطية التي حصلت قبيل أو أثناء حرب تشرين عام 1973، الأمر الذي أثار الأوروبيين واستدركوا أن هناك تحديات معينة خاصة بالطاقة، وتحديدا مادة النفط التي تعتبر مادة استراتيجية وحيوية بالنسبة للأوروبيين. فطالبوا العرب أن يصار الى عقد جلسات حوار متتالية لحل هذه المشكلة، على قاعدة تحييد الأوروبيين خارج دائرة الصراع مع إسرائيل، على الرغم من أن مواقف المجموعة الأوروبية كانت مؤيدة لاسرائيل بصيغة أو بأخرى.
استمرت جلسات الحوار العربي ـ الأوروبي الى عام 1990. لكن بشكل متقطع وليس بشكل متواصل. ولم يصل هذا الحوار في أي وقت من الاوقات الى تحقيق أي نتائج. والاسباب هي، أولا، أن الأوروبيين يريدون فصل الاقتصاد عن السياسة. أي أن مواقفهم مؤيدة لاسرائيل، ولكنهم كانوا يطالبون العرب بأن يستوعبوا ذلك، وان يتحملوا معهم هذه المواقف، وأن يتم فصل الاقتصاد عن السياسة بحيث لا تتأثر عملية تصدير النفط الى الاسواق الاوروبية بالموقف الأوروبي المؤيد لاسرائيل، والمعادي بشكل أو بآخر للقضايا العربية.
العرب طبعا، كانوا يرفضون من خلال الاجتماعات أو جلسات الحوار التي كانت تتم الطلب الأوروبي. وأصروا على هذا الرفض، الامر الذي أدى الى إيقاف هذه المفاوضات وعدم وصولها الى أي نتائج ملموسة.
السبب الثاني يتمثل بأن هناك مشكلة لدى الأوروبيين، وهي أن لديهم الية تنفيذية متمثلة بالاتحاد الاوروبي .. بالمفوضية الاوروبية، وهذه لو اتخذت أي قرار فانه ملزم لكل الدول الاعضاء. في الطرف المقابل كان هناك الجامعة العربية، لو اتخذت أي قرار فان قرارها غير ملزم لكل الأعضاء ـ الدول العربية. وهذه المشكلة اعتبرها الأوروبيون اشكالية اساسية، لذلك كانوا يقولون دائما للعرب : "اذهبوا ووحدوا صفوفكم وقولوا لنا ماذا تريدون حتى نتفاوض معكم"، حتى أن وزير خارجية فرنسا الاسبق رولان دوما قال في احدى المناسبات : "نحن لا نحبذ مفاوضة العرب باعتبارهم كتلة واحدة، نحن نحبذ مفاوضات العرب على قاعدة علاقة ثنائية بين الأوروبيين وكل دولة عربية على حدة".
لذلك تلاحظون، كنا نسمع مفاوضات خمسة زائد خمسة، أو خمسة زائد ثلاثة، أو خمسة زائد سبعة. بما يعني دول المتوسط على حدة. دول المغرب العربي على حدة. حتى الان تجري مفاوضات مع مجلس التعاون الخليجي بغض النظر عن كل المفاوضات الاخرى التي تجري مع بقية الاطراف العربية.
استمر هذا الواقع حتى عام 1990، ولكن بعد هذا التاريخ أعلن الأوروبيين علنا فشل المفاوضات والتوقف نهائيا عن ادارة هذه الحوارات بينهم وبين العرب، وهي لا زالت حتى الان مقطوعة على المستوى الرسمي، وان استمرت عبر قنوات ديبلوماسية.
ما تفضلتم به نقلا عن هذا المسؤول الفرنسي، بأن الإتحاد الأوروبي لا يرغب فعليا في مواجهة أطراف عربية موحدة، هل هذا أحد الاسباب الفعلية لتوقف الحوار العربي ـ الاوروبي، والانتقال الى صيغ أخرى مثل مسار برشلونة؟!
من ضمن الاهداف الاوروبية هو أن لا يتعاملوا مع العرب ككتلة لأن لديهم مصالح موحدة أو مشتركة. يعني الدول الاوروبية المطلة على البحر المتوسط لديها مصالح تختلف مع الدول الاسكندنافية التي تنتمي بالوقت عينه الى الاتحاد الاوروبي. هذا التفاوت في المواقف كان يدفع الأوروبيين الى عدم اعطاء جدية لجلسات الحوار مع العرب، على أساس أن التفاوض بشكل ثنائي، واقامة نوع من اتفاقات الشراكة مع بعض الدول كل على حدة، يشكل مكسبا سياسيا واقتصاديا للدول الاوروبية.
لذلك أقاموا اتفاقية شراكة مع مصر، اتفاقية شراكة مع المغرب، مع تونس، كان هناك محاولات لاتفاقية شراكة مع سوريا، يبدو انها في اطار وضع خطوطها الاخيرة. الأوروبيون يفضلون اتفاقات الشراكة الثنائية على الاتفاقات الكلية الشاملة التي تجمع كل العرب. اضافة الى ان من مصلحة الأوروبيين هو أن تكون الدول العربية مجزأة الى جزر اقتصادية. بمعنى أن عملية التعاطي مع دول الخليج العربي يجب أن تكون مختلفة عن دول المغرب العربي، وعملية التعاطي مع دول المغرب العربي يجب أن تكون مختلفة عما هي عليه مع دول المشرق العربي.
لذلك، فإن عملية الحوار العربي ـ الأوروبي فشل ليست فقط لابعاد سياسية واقتصادية، انما أيضا لابعاد ذات علاقة برؤية استراتيجية كانت تضعها الدول الاوروبية. من هنا ليس من باب الصدفة طرح عملية مسار برشلونة (1994)، عقب اتفاقية ومفاوضات مدريد للسلام (1991) خاصة أن هذه العملية كانت مطروحة أساسا، منذ الثمانينيات. والرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران كان من الذين طرحوها، وكذلك من سلفه جيسكار ديستان الذي كان قد طالب باقامة نوع من الشراكة المتوسطية، لكنها لم تأخذ بعين الاعتبار في حينه، لان المفاوضات العربية ـ الاوروبية كانت جارية، وكانت المعطيات السياسية والاقتصادية على المستوى الاقليمي والدولي مختلفة.
بعد مفاوضات السلام في مدريد تغيرت الرؤية عند الأوروبيين فذهبوا الى اتفاقية برشلونة، من أجل اقامة نوع من الشراكة المتوسطية بين الدول الاوروبية المطلة على المتوسط والدول العربية المطلة من الضفة الاخرى. لكن تعدلت المواقف عند الأوروبيين بحيث انهم بحكم وجودهم داخل تكتل اوروبي واحد، كان من المفترض أن يساهموا جميعا سواء الدول الأوروبية المطلة أو غير المطلة على المتوسط في عملية الشراكة المقترحة، اضافة انهم وجدوا لاسباب سياسية انهم من الاجدى لهم كأوروبيين أن يضموا الى هذه الشراكة دول عربية غير مطلة على المتوسط مثل الاردن التي اعتبروها عضو مراقب، بينما استبعدوا ليبيا لأسباب ذات علاقة بأزمة لوكربي. مع العلم ان الدولة الليبية تمتلك أكبر شاطئ عربي على البحر المتوسط.
اذن، كان هناك اعتبارات سياسية معينة تحكم اتفاقية الشراكة في برشلونة، ومع ذلك يمكن القول انه لم تؤد الغرض منها لسبب رئيسي حتى لا ندخل في الأسباب الاخرى المتعددة، هو أن هدف الأوروبيين كان إيجاد نوع من الالية لدفع العرب، لتطبيع العلاقات الاقتصادية بشكل كامل مع اسرائيل، وهذا ما كان مرفوضا من قبل بعض الدول العربية وليس كلها، خصوصا التي لا زالت في دائرة الصراع مع اسرائيل. وهذا الرفض ناتج عن عدم استعادة الحقوق العربية المشروعة، لذلك لم تكن تلك الدول مستعدة للتطبيع مع اسرائيل.
تأزم الامور في منطقة الخليج مع احتلال العراق (2003) ومع تبع ذلك من تحولات وتغيرات في المنطقة، أسقط بشكل نهائي اتفاقية برشلونة، حتى عام 2005. حينها، وبمناسبة مرور عشر سنوات على انطلاقة هذه الاتفاقية، تم عقد اجتماع في مرسيليا/فرنسا لاعادة احياء هذه الاتفاقية، ولكن الذين حضروا كانت لديهم انتقادات سياسية سلبية أكثر بكثير من استعدادهم لاعادة احياء هذه الاتفاقية، فأعلنت وفاتها مسار برشلونة بشكل رسمي، مع الاتفاقية الاخرى التي يمكن أن نتحدث عنها وهي اتفاقية الإتحاد من أجل المتوسط.
بالاضافة الى النفط، من الواضح أن "اسرائيل" حاضرة في الحوار العربي ـ الاوروبي، وفي مسار برشلونة. هل ان "اسرائيل" تشكل مصلحة حيوية للاتحاد الاوروبي، وبالتالي فرض التطبيع على الدول العربية هو أحد الأهداف الاستراتيجية للاتحاد الاوروبي؟!
بالحقيقة، هناك مصلحتان ان صح التعبير، تحرص الدول الاوروبية على اعطائهم الاهمية القصوى. الاولى، هي المصلحة الاسرائيلية. لأن جزءا كبيرا من الدول الاوروبية، وليس كلها متحمسة لاقامة أفضل العلاقات مع اسرائيل، لا بل أنه من خلال المفاوضات المشتركة التي تمت بين الإتحاد الأوروبي واسرائيل، تم منحها حق أفضلية التعامل، وكأنها أصبحت عضو غير منتسب للاتحاد الاوروبي. وهذا الحق يسمح للإسرائيليين بالاستيراد والتصدير لكل البضائع بين اسرائيل والدول الاوروبية برسوم جمركية رمزية، كأن إسرائيل عضو في الاتحاد الاوروبي. اضافة الى اعطاء المنتجات الاسرائيلية حق الافضلية في دخول الاسواق الاوروبية.
طبعا، وراء هذا المشروع فرنسا الى حد كبير، وبريطانيا والمانيا. وهذه الأخيرة تعاني دائما، من عقدة الهولوكوست مع اليهود. كما يدعم هذا المشروع بعض دول اوروبا الشرقية التي انضمت حديثا الى الاتحاد الاوروبي والمدعومة من الولايات المتحدة الاميركية. وكما هو معلوم فهذه الدول تعمل أساس وفق الاجندة الاميركية داخل الاتحاد الاوروبي.
المصلحة الثانية، هي حرص الأوروبيين على ابعاد تركيا قدر الامكان عن الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، لذلك كان لا بد من تفكير بإيجاد الية محددة تكون تركيا عضو أساسي فيها، ومن هنا كانت المشاريع أو المبادرات المتتالية الاوروبية ومنها ما يخدم اسرائيل بالدرجة الاولى، ومنها بنظرهم ما يخدم تركيا ويبعدها عن الانضمام لأوروبا لانهم يخافون لاعتبارات عديدة من انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي.
ضمن هذا السياق هل يعني ما يسمى بالاتحاد من أجل المتوسط كان حملة علاقات عامة فرنسية أو أوروبية أكثر من كونه مشروعا جديا لتنظيم العلاقات بين ضفتي المتوسط العربية والاوروبية؟
أثناء الحملة الانتخابية التي قام بها [الرئيس الفرنسي نيقولا] ساركوزي في العام الماضي للوصول الى قصر الاليزيه، كان من ضمن الطروحات التي قدمها، مشروع انشاء الإتحاد من أجل المتوسط .. يتلخص الاتحاد من أجل المتوسط في اقامة نوع من الشراكة الاقتصادية والسياسية بين ضفتي المتوسط : الدول الاوروبية (اذا صح التعبير) من ناحية والدول العربية من ناحية ثانية.
وبما أن الدول الأوروبية ليست كلها دول مطلة على غرب وجنوب وشرق المتوسط، فقد وقع الخلاف بينها، طبعا، مع المانيا بشكل أساسي، لانها دولة بعيدة عن البحر المتوسط. كما وقع خلاف مع بريطانيا. هذا الوضع تتطلب أو استدعى من [الرئيس الفرنسي] ساركوزي ان يجري بعض التعديلات على مشروعه، الذي صيغ على أنه اتحاد ما بين أوروبا والدول الاخرى المطلة على المتوسط، فسمي الاتحاد الاوروبي ـ المتوسطي أو الإتحاد من اجل المتوسط.
كان الهدف الرئيسي من هذا المشروع أيضا، اكمال المسيرة الاولى لاتفاقية برشلونة بما يعني تطبيع أو اقامة أفضل العلاقات الاقتصادية مع اسرائيل بحضور ومشاركة المجموعة العربية في المشروع.
لماذا من أجل المتوسط؟ لأن الدول الممانعة التي كانت ترفض اقامة علاقات اقتصادية أوسياسية مع اسرائيل هي دول موجودة، في الأساس، بحكم الجغرافيا على ضفة البحر المتوسط، ومنها لبنان وسوريا ومنها السلطة الفلسطينية. لذلك كان مطلوب دفع هذه الدول باتجاه إيجاد شراكة، أو اشراكهم في الية حتى يقيموا أفضل العلاقات مع اسرئيل.
المسألة الاخرى هي أن عملية انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي اصبح خطاً ضاغطاً خاصة بعد العدوان على العراق، حينما لعبت تركيا دورا أساسيا عبر حلف شمال الأطلسي/ناتو، الذي يملك أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، القائمة في منطقة أنجرليك في تركيا، اضافة إلى ان تركيا تعتبر القوة العسكرية الثانية في هيكلية حلف شمال الأطلسي/ناتو.
لذلك، كان دخول تركيا الى أوروبا قد أصبح نوعا من حاجة تركية وحاجة دولية، الامر الذي حاولت أوروبا وتحديدا فرنسا، تداركه مسبقا، فأقدم ساركوزي أثناء حملته الانتخابية على طرح الاتحاد من أجل المتوسط. وثم جرى تشريعه عبر لقاء رئاسي متوسطي [أوروبي/إسرائيلي ـ تركي ـ عربي] موسع تم في تموز 2008.
كان من نتيجة ذلك اللقاء أن هذا المولود ولد ميتاً، نتيجة الخلافات التي حصلت، أولا على رئاسة الاتحاد، الوظيفة السياسية لهذا الاتحاد، موقع الاتحاد، من يدير هذا الاتحاد، ما هي الامانة العامة؟. وان كان قد تم الاتفاق شكليا على أن تكون الرئاسة مداورة، الان فرنسا ومن ثم مصر. كان هناك خلاف أيضا حول دورية الامانة العامة، هل تكون اسبانية ثم تونسية أم العكس، وأين سيكون مقر الاتحاد هل يكون في تونس أم في اسبانيا إلى ما هنالك.
كل هذه التفاصيل كانت بمثابة القشور التي تغلف لب المشكلة الاساسية وهي عملية التعمية أو التعتيم على عملية انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي. ولذلك، بعد مرور سنة [تقريبا] على إنشاء صيغة الإتحاد من اجل المتوسط، يتضح أن هذه الصيغة وآليات تنفيذها لم تحقق أي نتائج. بل أن الرئيس الاميركي الجديد باراك أوباما، في اللقاء الاخير الذي تم في فرنسا بمناسبة انعقاد مؤتمر للحلف الاطلسي، أعلن بشكل واضح وصريح أن تركيا يجب أن تنضم للاتحاد الاوروبي. أوباما لم يتمن على الأوروبيين، وإنما تحدث كأنه أعطى أمر انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، ما أثار حفيظة الفرنسيين والالمان الذين ردوا بانهم لا يتلقون الاوامر من أحد.
طبعا الأوروبيين يتذرعون أن تركيا ليس فيها ديمقراطية وما زالت محكومة من العسكر، وهذا يتنافى مع طبيعة الأنظمة الموجودة في أوروبا. ويقولون أن نسبة النمو في تركيا متدنية جدا، ولا تتوافق مع نسبة النمو في الدول الاوروبية. ولكن الحقيقة أبعد من ذلك. الحقيقة أن تركيا دولة اسلامية، فيها أعداد هائلة جدا من السكان قادرة على الانتقال بسهولة .. تركيا لديها قدرة اقتصادية على المنافسة في الاسواق الاوروبية ومع البضائع الاوروبية الاخرى من حيث الجودة والنوعية.
لذلك كان دخول تركيا الى الاتحاد الاوروبي مرفوض. مثلما ان دخول ألبانيا إليه، وهي بالمناسبة دولة أوروبية لا يمكن التشكيك بأوروبيتها، مرفوض أيضا، لانها دولة اسلامية. انضمام ألبانيا إلى الاتحاد مرفوض رغم أن كل الدول الأوروبية المجاورة لها قد انضمت الى الاتحاد الاوروبي. ليس هناك من تفسير آخر.
من هنا كل الصيغ والاليات التي تطرح سواء اتفاقية برشلونة أو الإتحاد من أجل المتوسط، لتعطيل انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي ستبوء بالفشل. لان تركيا الان، لديها نوع من اللوبي يعمل داخل الاتحاد الاوروبي، وهو مناصر جدا لانضمامها، وقد ينجح. فالمعارضة الاساسية تأتي بشكل رئيسي من قبل دولتين فرنسا والمانيا. ولكن فرنسا ذاهبة شاءت أم ابت باتجاه تليين موقفها، وكذلك الحال بالنسبة لالمانيا. وحتى الآن، في هذه المرحلة التمهيدية لعملية انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، نوقشت 10 ملفات من ضمن 35 ملفا لإنجاز عملية الانضمام. وهذه الملفات العشر تعتبر من الملفات الاساسية، ما يعني أن تركيا فعلا، ذاهبة بهذا الاتجاه، خاصة وأن الدعم الاميركي الذي حصلت عليه سيكون له الدور المؤثر، في كسب تركيا تأييد كثير من دول الاتحاد الاوروبي التي تدور في الفلك الاميركي، وهي دول ستؤيد دخول تركيا الى الاتحاد.
الاتحاد من أجل المتوسط حسب ما تفضلتم هو من ناحية، يعكس أو يعبر عن رغبة أوروبية للحؤول دون دخول تركيا الى الاتحاد الاوروبي، وهو من ناحية ثانية يعبر عن فشل مسار برشلونة. هل هناك أسباب أخرى تتعلق بوجود صراع أوروبي ـ أميركي أو تحديدا فرنسي ـ أميركي حول النفوذ في منطقة جنوب المتوسط؟
بالحقيقة ليس هناك من صراع، فالاميركان ليس لديهم مشكلة في إيجاد أو في انشاء مشروع الإتحاد من أجل المتوسط، لانهم يعلمون بأن السقف الذي يحكم هذا المشروع هو سقف اقتصادي [غير سياسي]. والاميركيون يعلمون جيدا انهم لا يستطيعون أن يضعوا أي حاجز أو أي سد أمام العلاقات الاقتصادية بين الدول الاوروبية والدول العربية، بحكم القرب الجغرافي بينهما، والعلاقات التاريخية التي كانت قائمة منذ زمن بعيد. لكن الاميركيين يفضلون أن تبقى حركة الاتحاد من أجل المتوسط ضمن الدائرة اقتصادية، وأن لا تتعدى ذلك.
حتى العرب عندما راجعوا البنود الاساسية التي وضعت لمشروع الاتحاد من أجل المتوسط وجدوا فيها بعض النقاط التي تمس صلب سيادتهم أو اهتماماتهم وتوجهاتهم السياسية. يعني أن الاوروبيين حددوا للدول العربية مسبقا، كيف يتم التعامل مع حرية التعبير، مع التعددية الحزبية، مع طبيعة الانظمة، مع الانتخابات التي يجب ان تجري. فيما يخص عملية التفاعل والتبادل الثقافي، قدم الأوروبيون صيغة تتيح الاستقبال الثقافي الغربي في الدول العربية، ولم يلحظوا بالمقابل أن يكون هناك نوع من استقبال ثقافي أو فكري من الدول العربية باتجاه أوروبا.
في مشروع الإتحاد من اجل المتوسط لم يضع الأوروبيون تعريفا موحدا للارهاب. هل المقاومة هي ارهاب، أم أن الارهاب هو الارهاب كما يتم تعريفه بالمصطلحات السياسية لدى الكثير من الدول العربية. هل اسرائيل هي دولة مقبولة، ضمن الحدود الجغرافية التي تهمين عليها حتى الان، أم المطلوب منها العودة الى حدود 67؟.
كل هذه المسائل الإشكالية التي أدخلت في صيغة الاتحاد من أجل المتوسط لم تجد حلا مقنعا يرضي الطرف العربي والطرف الاوروبي. من هنا، الاميركيون يعلمون جيدا أن الشراكة التي ستحكم العلاقات الاوروبية ـ [العربية] المتوسطية، لن تتعدى السقف الاقتصادي. وان الولايات المتحدة الاميركية ليس لديها مشكلة في هذا المجال، لا سيما وأن التقدم التكنولوجي الأميركي والسلع التي تتميز بها الصناعة الاميركية لم تستطع الصناعة الاوروبية حتى الان توفيرها في مجالات متعددة. ولذلك، المنافسة الأوروبية ـ الأميركية ستكون ضعيفة وضئيلة. باعتقادي، سبب فشل الإتحاد من أجل المتوسط، واتفاقيات الشراكة، لا يكمن في الموقف الأميركي، بل في بنود اتفاقية الشركة ذاتها. فهذه البنود تبدو كقنابل موقوتة أدت الى تفجير هذا المولود، الذي يبدو حتى الان، أنه في حالة موت سريري.
انتم ترون ان "تجربة" الاتحاد من أجل المتوسط انتهت عمليا؟
أنا برأيي انتهت، لانها فقدت مبررات وجودها. هناك مشكلة أساسية تعترض عملية انطلاقتها تكمن في كيفية التعامل مع اسرائيل. يعني هذه المشكلة الاساسية التي تفجر دائما كل انواع هذه الاتفاقات التي تحدث بين العرب والاوروبيين. لاحظنا من خلال العدوان على غزة (كانون الأول 2008 ـ كانون الثاني 2009) أن معظم الدول الاوروبية اتخذت موقفا مؤيدا لاسرائيل، بعيدا كل البعد عن حقوق الانسان، عن حرية الرأي وحرية التعبير، حتى عن أي أهداف وغايات انسانية. لكي تكون انسانيا يجب أن تكون متضامنا مع الشعب الفلسطيني، في حين أن الإتحاد الأوروبي وقف الى جانب اسرائيل بل أدان حركة حماس، واتخذت دوله موقفا سياسيا واقتصاديا ساهم بشكل أو آخر في عملية الحصار المفروض على الفلسطينيين.
المطلوب أوروبيا القبول بأن تكون اسرائيل عضوا فاعلا في الإتحاد من أجل المتوسط، ولكن كيف يكون ذلك بينما القضية الفلسطينية لا زالت حتى الان ضائعة في الادراج، والحقوق العربية لم تسترد في ما يخص الاراضي اللبنانية المحتلة أو فيما يخص الجولان السوري المحتل. لذلك، من الصعب جدا أن نتحدث عن أي شراكة على المستوى الاقتصادي أو أي تفاهمات على المستوى الاجتماعي والمستوى الثقافي ما بين الاوروبيين والعرب، ما لم يتم حل القضية الفلسطينية، هذه القضية الاساسية المركزية بالنسبة للعرب والمسلمين.
ما هو دور اللوبي الصهيوني في أوروبا، بنشر وخلق صورة إعلامية وسياسية نمطية عن العرب كإرهابيين وقذرين ومهاجرين؟ وهل أثّر هذا الدور بشكل ما على العلاقات العربية ـ الاوروبية؟
طبعا، لا يوجد لوبي صهيوني ـ ان صح التعبير ـ في كل الدول الاوروبية. لكن هذا اللوبي يحاول أن يتمركز منذ فترة كبيرة في فرنسا، حيث لديه حضور فاعل على مستوى المؤسسات سواء في الدوائر الاقتصادية او في الدوائر السياسية وفي الدوائر الاعلامية أيضا. وحضور اللوبي الصهيوني ملموس من خلال الممارسات اليومية لتوجهات الدولة السياسية فيما يخص العلاقات الخارجية لفرنسا.
مؤخرا، نلاحظ أن اللوبي الصهيوني يحاول أيضا أن يجد له موقع مميز في بلجيكا، وقد نجح الى حد كبير. طبعا نجح لان لديه آلية ديناميكية مرنة جدا، تتعامل يوميا مع كل المستجدات على الساحة، فهناك نوع من التناغم والتنسيق بين كل اللوبيات الصهيونية الموجودة في اوروبا، بحيث لو طرح اللوبي الصهيوني في أي دولة قضية ما ذات علاقة بفرنسا، مثلا، فإنه سيلقى اصداء لطرحه من نفس اللوبي داخل بلجيكا ويتناغم معه الى حد كبير.
الأكبر والاخطر من ذلك، هو أنه منذ سنوات قليلة، بدأ يتشكل في اطار الاتحاد الاوروبي، بل داخل المفوضية الاوروبية نفسها، لوبي صهيوني أعطي مكتبا داخل مقر الإتحاد في بروكسل، مهمته الأولى الاطلاع يوميا على كل يدور داخل المفوضية الاوروبية من اتفاقيات ومن مشاريع اتفاقيات من علاقات واتصالات مع العرب وما الى ذلك، واذا كان هناك أي توجه في اي ملف لا يخدم اسرائيل أو يضر بمصالحها، ولو بالقليل، فإن هذا اللوبي يتحرك لنسف هذه المشاريع، أو ممارسة ضغوطات على معديها من أجل الغائها. هذه المسألة خطيرة جدا، العرب يعلمون ذلك، ولكنهم لم يحركوا ساكنا من أجل مواجهة هذا الحال. |
التعليقات
الاتحاد من اجل المتوسط
احكي كاتب المقال على ما تفضل به وكنت اتمنى لم تم ذكر اسمه وجنسيته
علِّق