تجمعات شعبية سورية ترحيبا بقدوم وزير الخارجية ومدير الإستخبارات الخارجية الروسية إلى دمشق قوات الأمن السورية تواصل ملاحقة الإرهابيين أوباما يقول أن التفاوض مع الحكومة السورية لا زال ممكنا الإضطرابات الشعبية في مصر متواصلة، وأحياء جديدة في القاهرة تشهد اضطرابات الإخوانيون والسلفيون يتهمون شباب الثورة في مصر بأنهم "بلطجية" اتفاق بين مشعل وعباس تحت "رعاية" أمير قطر على تشكيل حكومة مشتركة برئاسة عباس أنباء عن انقسامات في حماس وفتح بسبب اتفاق الدوحة الأسير الفلسطيني عدنان خضر يتحدى الإحتلال الصهيوني ويواصل إضرابه عن الطعام منذ 17 كانون الأول الماضي مسلحون يقتحمون مخيما للاجئين ليبيين في طرابلس ويقتلون عددا من المدنيين "إسرائيل" تقرر إنشاء سكة حديد تربط المتوسط بالبحر الأحمر أوباما يقرر إغلاق السفارة الأميركية في دمشق، وحكومة لندن تتبعه الشيخ حافظ سلامة : "الدنانير والدولارات والريالات التي تتدفق على مصر وراء تحريك العنف للنيل من الثورة" المعارضة البحرينية بدأت أسبوع احتجاج من أجل الإصلاح السياسي الحكومة الكويتية قدمت استقالتها عقب الإنتخابات النيابية، وحكومة جديدة خلال اسبوعين الجيش الإيراني أجرى مناورات لصد هجمات معادية وكشف عن اسلحة جديدة لديه تظاهرات في هولندا احتجاجا على زيارة بنيامين نتنياهو فيدل كاسترو نشر كتابا جديدا في هافانا عن "مرحلة حرب العصابات" روغوزين : مؤتمر ميونيخ فشل في إيجاد تسوية حول نظام الدفاع الصاروخي الأوروبي، وروسيا بناء نظام مماثل الشرطة الأميركية قمعت اعتصام حركة "احتلوا وول ستريت" في واشنطن وقامت بطرد المعتصمين وتدمير مخيمهم      
الأدب الصهيوني وحروب الجيش "الإسرائيلي" (نموذج محرقة غزة)

هذه الدراسة قيمة لأنها تتناول إشكالية الأدب والحرب في الكيان الصهيوني/"إسرائيل. وهي تأتي في وقتها، بعد محرقة غزة، حيث تحلل موقف ما يسمى بالأدب "الإسرائيلي" من وقائع تلك المحرقة و"أبطالها" وضحاياها. إن هذه الدراسة هي نوع من أنواع النقد الأدبي التطبيقي، ولا بد من وضعها في سياق ما ينشر في وسائل الإعلام العربي، بين وقت وآخر، من مقالات وترجمات ومقابلات عن ما يسمى الأدب "الإسرائيلي". حيث نلاحظ أن أهداف الناشرين تنقسم بين اتجاهين : الأول، يرمي لتلقيح الوعي العربي بثقافة العدو، بهدف تحصينه من آثارها الضارة. والثاني، يريد اختراق الوعي العربي، بهدف تطبيعه على قبول ثقافة العدو، بذريعة "قبول الآخر". تنتمي هذه الدراسة للإتجاه الأول، إذ تكشف لنا أن ما يسمى "أدباء إسرائيل"، ليسوا إلا جوقة قوالين يمتهنوا مدح جرائم الجيش الصهيوني، خصوصا جريمته الأخرى وليس الأخيرة : محرقة غزة.     

مدخل
جرت العادة، في كل مرة تشن إسرائيل خلالها حربًا على الفلسطينيين أو على العرب، أن يعلن الأدباء العبريون موقفًا منها، باعتبارهم "حراس شرف الكلمة" في عُرف الذهنية الإسرائيلية العامة. وتتجه أنظار الرأي العام في العقود الأخيرة، على وجه التخصيص، إلى ما بات يعرف بـ "الترويكـا" الأدبية الإسرائيلية والمؤلفة من أبرز ثلاثة كتاب، وفقًا لأحكام المؤسسة الأدبية العبرية، وهم عاموس عوز وأ. ب. يهوشواع ودافيد غروسمان.


               عاموس عوز

ونشير بداية إلى أنه في إبان حرب لبنان الثانية، في صيف 2006، مثلاً، تحركت هذه "الترويكا" معًا وعممت، في يوم 6 آب/ أغسطس من ذلك العام، أي بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على اندلاع الحرب، نداء من خلال صحيفة "هآرتس" دعت فيه إلى أن توافق حكومة إيهود أولمرت على "اتفاق متبادل لوقف إطلاق النار".

وجاء في ذلك النداء ما ترجمته الحرفية التالية:
"إن عدوانية منظمة حزب الله استلزمت أن تقوم إسرائيل بعملية عسكرية واسعة النطاق للدفاع عن نفسها، سواء أضد هذه المنظمة ذاتها أو ضد السلطة اللبنانية، التي تقدّم الحماية والدعم الكاملين لهذه المنظمة الإجرامية، التي تؤيد إبادة إسرائيل.
إن هذه العملية العسكرية عادلة ومبرّرة في نظرنا من الناحية الأخلاقية، وهي تلائم الشرعية الدولية بشأن الدفاع عن النفس في وجه عدوانية دولة عدو. وعلى الرغم من أنه جرى، في أثناء هذه العملية، المسّ بمدنيين كثيرين من سكان دولة العدو فإن هدفها لم يكن بتاتًا قتل المدنيين لمجرّد ذلك، خلافًا لمنظمة حزب الله التي عمدت، في ظلّ حماية السلطة اللبنانية لها، إلى إطلاق آلاف القذائف والصواريخ على بلدات في إسرائيل وإلى قتل عشرات المدنيين، يهودًا وعربًا على حد سواء.
إننا، في هذه المرحلة من الحرب، ندعو الحكومة"الإسرائيلية" إلى الموافقة على اتفاق متبادل لوقف إطلاق النار. وذلك من منطلق الافتراض بأن الأهداف المعقولة والممكنة لهذه العملية العسكرية قد تحققت، ولا مبرّر للتسبب في معاناة وسفك دماء إضافية للطرفين من أجل أهداف ليست ممكنة ولا تستحق هذه المعاناة. لا حق للشعب اللبناني في المطالبة باحترام سيادته إذا ما تلكأ في بسط مسؤوليته الكاملة على جميع مواطنيه وعلى جميع أراضيه. إن إصرار إسرائيل على الدفاع بحزم عن حدودها ومواطنيها تم توضيحه كفاية بحسب رأينا إلى الشعب اللبناني، ولذا لا حاجة إلى زيادة آلامه وآلامنا أكثر فأكثر. ومع كل تأييدنا المبدئي للعملية العسكرية الإسرائيلية، فإننا ندعو إلى الموافقة الفورية على وقف متبادل لإطلاق النار".
وعلى ما يبدو فإن الحرب الإسرائيلية على غزة "جرى شنها خلال الفترة بين 27/12/2008ـ 17/1/2009 تحت مسمى "عملية الرصاص المصبوب" لم تفلح في أن تجمع بين أضلاع هذه "الترويكا" مرة أخرى، غير أن كلاً منهم لم يتلكأ في نشر موقفه على حدة.
كان البادئ غروسمان، الذي قتل نجله الأصغر في آخر أيام حرب لبنان الثانية، وذلك بواسطة مقال ظهر في صحيفة "هآرتس" يوم 30 كانون الأول/ ديسمبر 2008. وتلاه عوز بمقال في صحيفة "يديعوت أحرونوت" يوم 31 كانون الأول/ ديسمبر 2008. ومن ثم يهوشواع بمقال في صحيفة "معاريف" يوم 6 كانون الثاني/ يناير 2009. كما أن غروسمان ويهوشواع نشرا مقالين آخرين في فترة لاحقة.
لكن على الرغم من هذه "الفُرقة"، التي لم نتعثر بأسبابها الحقيقية، ناهيك عن أنها لا تشكل شاغلاً مهمًا في هذا المقال، فإن المفارقة الرئيسة ظلت كامنة في مساحة الالتقاء بين المقالات/ المواقف الثلاثة ومقالات الأدباء الإسرائيليين الآخرين سواهم في معظمهم. ومن ناحية أخرى هناك وحدة في رؤية الهدف المرغوب إسرائيليًا. ثمة اختلاف لكنه يبقى شكليّا، لا يمس الجذور الحقيقية للموقف الإسرائيلي التقليدي إزاء الإنسان الفلسطيني. أمّا البديل الذي يطرح تغييرا جذريا لمحتوى العلاقات بين الطرفين، وقد يكون إيذانًا بحدوث اختراق معين، فقد ظلّ من نصيب فئات قليلة من الأدباء الإسرائيليين اليهود، ليست مؤثرة في المشهد الثقافي العام، على الرغم من رصانة خطابها، وعلى الرغم من كونه من ناحية منطقية الأكثر مدعاة للتعاطف والتماهي.
يهدف هذا المقال، أساسًا، إلى دراسة مواقف الأدباء الإسرائيليين إزاء الحرب الإسرائيلية على غزة. وقد ركزنا على مواقف شفّت عنها مقالات ظهرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة في أثناء الحرب وبعدها بفترة وجيزة. وهو يبيّن، على نحو حادّ وصريح وصاف، أن هؤلاء الأدبـاء أيدوا، في معظمهم، تلك الحرب فور الإعلان عن شنها، بحجة عامة فحواها أنها "حرب عادلة ومبررة" تتخذ من شعار "الدفاع عن النفس" المألوف ذريعة لها، باعتبار ذلك حقًا لا بُدّ أن تحظى إسرائيل به، على غرار سائر الدول في العالم، في إثر تعرضها لإطلاق الصواريخ والقذائف من قطاع غزة على بلداتها الجنوبية. غير أن تأييد الحرب وإبداء الحماسة لها لم يعمّرا طويلاً، حتى لدى الأدباء الذين لم يبهظهم شنها مطلقًا. وسرعان ما انطلقت دعوات من أجل إيقافها. وعلى الرغم من ذلك فإن مبررات تلك الدعوات لم تستند إلى مبادئ أو مقولات تحيل إلى قيم إنسانية عالمية عامة، وإنما نهلت من نبع أفكار عكرة تحيل إلى مسلمات صهيونية راسخة تغلب عليها عادة سمة الصنمية. وقد وقفت في صلب هذه الأفكار، مثلاً، فكرة "تلقين الفلسطينيين درسًا"، وفكرة أخرى فحواها "حتمية استعمال القوة"، وفكرة ثالثة مؤداها "أن العرب على وجه العموم لا يفهمون إلا لغة القوة".
إن الصورة العامة، التي ترتسم للأدباء الإسرائيليين في العالم، هي أنهم "كتيبة أمامية" في ما يسمى بـ "معسكر أنصار السلام". وفي كل مكان من العالم يعارض "أنصار السلام" استعمال القوة، بصورة مبدئية حازمة لا تقبل التأويل أو المساومة والمقايضة. أمّا في إسرائيل فقد بات استعمال القوة ضد الفلسطينيين والعرب أمرًا حتميًا حتى لدى "أنصار السلام"، بمن فيهم الأدباء. وقد أبانت الحرب على غزة، كما الحرب على لبنان، أن الإسرائيليين في غالبيتهم الساحقة أصبحوا أسرى "إجماع قومي جديد" مفاده أنه لا بُدّ من أن يذوق الفلسطينيون بأس القبضة الإسرائيلية الحديدية، أولاً ودائمًا. لكن يبقى هناك فارق طفيف هو أن "المعتدلين" من بينهم، أي "أنصار السلام"، يؤمنون بوجوب أن يترافق ذلك مع شعارات آسرة من قبيل "دولتين للشعبين" و"التطلع إلى السلام" و"ترجيح المفاوضات السلمية"، في حين أن "المتطرفين" من بينهم، أي "مناهضي السلام"، يؤمنون أن هذه الشعارات من شأنها أن توهن إسرائيل، علاوة على كونها مشعوذة، ولذا يمتنعون من إطلاقها بالشكل الأعمى أو غير المحسوب الذي يطلقه "المعتدلون".

"القوة الناعمة"
في مقالته "القوة والإستراتيجيا بعد العراق" الصادرة في مجلة "علاقات دولية" (Foreign Affairs) تناول الباحث والسياسي الأميركي جوزيف ناي مفهوم القوة الناعمة، باعتبارها أحد تجليات السياسات الأميركية العالمية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أكد في هذا السياق أنّ ما تقوم "القوة الناعمة" به هو الممارسات المكملة وأحيانًا البديلة لما أسماه "القوة الصلبة" أو "الخشنة". والتعريف كما ورد عنده: "إن القوة الناعمة هي في جوهرها قدرة أمة معينة على التأثير في أمم أخرى وتوجيه خياراتها العامة، وذلك استنادًا إلى جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي ومنظومة قيمها ومؤسساتها بدلا من الاعتماد على الإكراه أو التهديد". (1)
ويرى ناي أنّه في الإمكان نشر هذه الجاذبية، التي تقوم في أساس "القوة الناعمة"، من خلال طرق شتى، كالثقافة الشعبية والدبلوماسية الخاصة والعامة والمنظمات الدولية ومجمل الشركات والمؤسسات التجارية العاملة.
ويقوم ناي بحصر فاعلية وتأثير "القوة الناعمة" لأي دولة من الدول الكبرى في ثلاثة عناصر أساسية: الثقافة العامة، القيم السياسية والسياسة الخارجية المنتهجة. إنها القدرة على الاحتواء الخفيّ والجذب الليّن، بحيث يرغب الآخرون في فعل ما ترغب القوة المهيمنة فيه، من دون حاجة إلى استخدام القوة، أو بما يغني أصلا عن استخدام سياسة العصا والجزرة، كما يقول الباحث الأميركي. (2) وعلى صلة بسياق الصراع العربي- الإسرائيلي يتعين أن نلاحظ أن الولايات المتحدة عملت على تطوير "القوة الناعمة" إلى منظومة محاور بارزة وثابتة، قسّمت العالم العربي والإسلامي، فعليًا، إلى محورين أساسيين: محور "المعتدلين" ومحور "الممانَعَة". كما لا بُدّ من ملاحظة أن إسرائيل، كقوة لافتة في منطقتنا على الصعد العسكرية والثقافية والاقتصادية، سرعان ما تبنت هذه المنظومة، بل ونكاد نقول عملت على تطويرها وترقيتها إلى ما هو أبعد من الطرح النظري الأصلي الذي أتى ناي به، إلى ناحية ممارسة القوة الناعمة والقوة الصلبة في الآن ذاته!
فإسرائيل نجحت، ولبالغ الأسف، في تثبيت واقع مخادع يقوم على بيع صورة ديمقراطية ومنفتحة وليبرالية- غربية لها في العالم (الغربي بالأساس)، وفي الوقت نفسه ظلت تمارس وضعية احتلال لشعب آخر منذ اثنين وأربعين عامًا، وهي وضعية تتطور بمرور الوقت إلى أبرتهايد فعلي على الأرض، إلى جانب التمييز العنصري البنيوي ضد الأقلية العربية الفلسطينية فيها.
إذًن: القوة الصلبة في محاولة إخضاع الطرف الغريم (حملات عسكرية، حروب، اغتيالات، أسر وسجن، هدم بيوت، مصادرة أراضٍ... الخ). ومن جهة أخرى: القوة الناعمة التي تهدف إلى تكريس صورة مغايرة عنها تجاه العالم، وأيضًا وبما لا يقل أهمية ـ تجاه مواطنيها والرأي العام الداخلي الإسرائيلي ـ الذي يأخذه قباطنة إسرائيل الرسمية في الاعتبار، وينقاد بدوره وراءهم انقيادًا شبه تامّ. (3)
إن المحور الأساس الذي سيشغلنا في هذا المقال هو: كيف تقوم النخب الثقافية والأدبية في إسرائيل بممارسة دور "القوة الناعمة" إزاء الرأي العام الإسرائيلي وإزاء الخارج، في غمرة الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين أو على لبنان، من خلال تجنيد الرأي العام أو عبر شرعنة الممارسات من طرف "رجال فكر وثقافة" يشكلون مرجعية لا يُستهان بها في المجتمع الإسرائيلي؟. وذلك في سبيل أن نطرح التساؤل: هل باتت هذه النخب تندرج في نطاق عناصر "القوة الناعمة" التي تشكل عاملاً مكملاً أو بديلاً لـ "القوة الصلبة"؟ وثمة هدف آخر يتغيّا هذا المقال أن يكشف عنه، أو أن يوسع دائرة الضوء من حوله، هو ارتباط ممارسات هذه النخبة بالمبادئ الأصلية، التي تتحكم بالممارسات الصهيونية إزاء الإنسان العربي عمومًا والإنسان الفلسطيني خصوصًا. وبكلمات أخرى محاولة تأصيلها من خلال ردّها إلى جذورها الحقيقية، التي لا تزال حاضرة بقوة في الوقت الراهن.

عن "مبدأ" طمس الرواية الفلسطينية
إن الدارس أو المتتبع للعلاقة بين أهل الفكر والأدب العبريين وبين الرأي العام اليهودي والإسرائيلي (قبل إقامة دولة إسرائيل وبعدها) في إمكانه أن يلحظ بسهولة ويُسر أن هناك عملية طمس ممنهجة ميّزت الأدب العبري وكُتابه إزاء الإنسان الفلسطيني والعربي، وبالأساس إزاء الرواية الفلسطينية. فمنذ الأيام الأولى للاستيطان الصهيوني في فلسطين التاريخية، في نهاية القرن التاسع عشر، ثبّت الأدب العبري ورموزه العربي والفلسطيني كإنسان بلا معالم، يقوم ويحيا ويتواجد في الحيز "الرعوي"، شبه البربري، الفلاحي، كخطر أمني أو إستراتيجي على الاستيطان وعلى احتمالات توسعه في "أرض الميعاد".
وقد تقصّى الباحث الإسرائيلي يوحاي أوبنهايمر هذه العملية منذ بدايتها وحتى يومنا هذا، في سياق دراسة تعتبر الأحدث في هذا الشأن، علمًا بأن هناك دراسات أخرى ليست أقل أهمية منها.
إن الاستخلاصات التي توصل إليها أوبنهايمر في هذا الصدد لا تحتاج إلى شرح أو تعقيب، ومؤداها ما يلي: "لم تظهر روايتا النكبة أو النكسة بتاتًا في الأدب العبري، كما لم تُكتب أي قصة مدنية "أي خارج السياق العسكري الصدامي ـ أ. ش وع. ح" تتناول حيوات للعرب... تجري في مبعد جغرافي وبالأساس ذهنيّ عن التماسّ القومي". ويزيد: "إن المشتكي هو المتضرر ويملك الأدوات لإثبات هذا. ولكنه يتحول إلى ضحية عندما يفقد هذه الأدوات... ويصبح عرض الغبن الذي لحق به غير ممكن".
ويمضي أوبنهايمر في استخلاصه النهائي ليقول: "الأدباء اليهود يستصعبون عمومًا الكتابة عن الطرد واللجوء كما يفعل الكاتب العربي، لا لأنهم لم يمروا بهذه التجربة من قبل، بل لأنّ كتابتهم بالعبرية مصوغة في قلب الرواية الإسرائيلية القومية بطابعها. إن تمثيل العرب من وجهة نظر تشذ عن الرواية الإسرائيلية هو أمر محدود جدًا". (4)

هذا هو، بإيجاز شديد، ما فعله الأدب العبري (إلى جانب وسائل تعبير أخرى) بالفلسطيني: تجريده من أي إمكانية للتعبير عن آلامه، عن روايته، عمّا لحق به، عن طريق تسطيحه وموضعته في هامش الإبداع والمبدعين، إلا بما يخدم الغايات الصهيونية.
عقب الحرب على غزة كتب باحث إسرائيلي آخر، هو أورن يفتاحئيل، أنه إذا ما نجحنا في تأمل الأحداث العنيفة من خلف ركام الدمار المريع وسحب الدخان وأشلاء الجثث وبقع الدماء وصرخات الأطفال، فسنتمكن من فهم هذه الحرب على أنها استمرار للمشروع والسلوك الإقليمي الإسرائيلي الذي تبنى هدفًا متشددًا ووحشيًا يتمثل في إسكات الزمن الفلسطيني، أي محو التاريخ الكامل لهذه البلاد. وغني عن القول إن إسكات التاريخ يشكل أيضاً محوًا للمكان الفلسطيني ومعه الحقوق السياسية الكاملة، تلك الحقوق القائمة بحق مشروعيتها لا بمنة من إسرائيل. وعليه فإن الغزو الإسرائيلي الحالي لغزة هو ليس فقط عملية لوقف الصواريخ، أو مسعى لتلميع شخصيات سياسية تمهيداً للانتخابات الإسرائيلية العامة "التي جرت في 10 شباط / فبراير 2009" أو محاولة لترميم قوة الردع الإسرائيلية. الغزو ليس فقط محاولة أخرى  "لفرض النظام" لدى آخرين وإسقاط حكومة "حماس" المنتخبة، وليس مسعى إمبريالياً) إسرائيليا ـ أميركيا) للسيطرة على حيز إسلامي بمستويات متصاعدة من العنف. إن الغزو الحالي هو هذه الأمور كلها بطبيعة الحال، ولكنه أيضاً استمرار لإستراتيجيا مديدة الأعوام من إنكار ومحو وشطب أي ذكر لتاريخ هذا المكان في العصور الأخيرة. ومشروع المحو هذا ينخرط فيه الجميع تقريباً: السياسيون والفنانون ووسائل الإعلام والباحثون في الجامعات والمثقفون الإسرائيليون. (5)
ما نودّ التأكيد عليه هو أنّ كتابات رموز الأدب الإسرائيلي المعاصر، خلال الحرب الأخيرة على غزة، هي ذات جذور ضاربة في التاريخ ونابعة، منذ أكثر من مئة عام، من نزع الشرعية عن العربي وتقليصه ضمن حيّز الكتابة العبرية التي مهدت لنشوء إسرائيل، ثم سعت من أجل تعزيز "تميزها الحضاري" في مقابل "الشرق البربري" المتمثل في الشخصيات العربية التي وردت في الغالبية الساحقة من الأدب الإسرائيلي المعاصر.

"منطق" تبرير" "الحرب الدفاعية"!
لدى طرق مهمة تتبع وتحليل ما نشره كتاب إسرائيليون بارزون خلال الحرب الأخيرة على غزة، يجدر التوقف مليًا عند نصوصهم عبر اختبارها وتشريحها، وذلك من خلال بعض المحاور الأساسية، وهي:
1ـ معظمهم أيد الحرب كما لو أنها حرب دفاعية، كأحد ثوابت الفكر الصهيوني؛
2ـ الحرب جاءت لتلقين العرب درسًا أو كردّة فعل شرعية على ممارسات الفلسطينيين، من دون استحضار وتثبيت السياقين الفعلي والتاريخي لها ـ تبديل احتلال غزة باحتلال كولونيالي جديد يتميز بالسيطرة عن بعد وعن قرب من خلال المعابر والتنقل وتأسيس سجن كبير في القطاع؛
3ـ الوعي المؤجل، وهو ما يميز المجتمع الإسرائيلي ونخبه الثقافية في أي مواجهة عسكرية.
في هذا السياق نتناول بداية مقالين للكاتب الإسرائيلي دافيد غروسمان، المعدود على "اليسار الصهيوني".
ففي مقاله الأول، المنشور بتاريخ 30 كانون الأول/ ديسمبر 2008، يؤكد غروسمان مسألة "الردّ الشرعي العنيف"، مبررًا إياه، وفي الوقت ذاته مقدمًا النصائح إلى قباطنة الحرب في إسرائيل، بشأن الخطوات القادمة: "الآن، بعد الضربة القاسية التي ألحقتها إسرائيل بقطاع غزة، من المحبذ أن نتوقف، وأن نتوجه إلى قيادات حماس ونقول لهم: حتى يوم السبت "المقصود يوم 27 كانون الأول/ ديسمبر 2008، موعد بدء الحرب" كبحت إسرائيل جماح نفسها أمام إطلاق آلاف صواريخ القسام من قطاع غزة. وها أنتم تدركون الآن مبلغ القسوة التي يمكن أن تنطوي ردة فعلها عليها". (6) وفي مجرى تحول الكاتب والمثقف إلى ناصح عسكري يتبع التبريرات والأفكار "العملية والمنطقية"، بدلا من البوصلة الأخلاقية التي من المفترض أن تميز الكتابة "الأدبية" أو "الخلاقة"، يستعرض غروسمان تصوره العملي: "وكي لا نزيد من القتل والدمار نحن ننوي وقف النار بشكل أحادي الجانب في غضون الساعات الثماني والأربعين المقبلة. حتى لو واصلتم إطلاق النار باتجاه إسرائيل فإننا لن نردّ باستئناف القتال. سنكظم غيظنا، كما فعلنا طيلة الفترة الأخيرة... نحن ندعو الدول ذات الشأن، القريبة والبعيدة، إلى التوسط بيننا وبينكم كي نثبّت الهدوء مجددًا. إذا توقفت النيران من طرفكم فإننا لن نجددها. وفي حال واصلتم إطلاق النار بينما نحن مسيطرون على أنفسنا ـ فإننا سنرد على هذا في نهاية الساعات الـ 48، ولكن حتى عندها سنترك الباب مفتوحًا للتفاوض على تجديد الهدوء وحتى لتحقيق اتفاق عام وأوسع". (7)


                       دايفد غروسمان

هكذا، وبكل بساطة، يتولى غروسمان، "اليساري الإنساني"، مهمة التهديد والتلويح بالردّ إذا لم يرتدع "الآخر"، الفلسطيني، كما يجب أن يفهم من الوعيد المبطن: "سنرد"، يكتب غروسمان، بضمير الجماعة، من خلال تبني وحدة حال جماعية لا فارق فيها بين العسكر والمدنيين، بين المحلل "الأخلاقي" وبين الضاغط على الزناد.
وفي حمأة تبنيه المنظور العسكري الإسرائيلي، لا يتردد غروسمان في كيل المديح لوزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك: "حتى يوم السبت تصرفت إسرائيل ـ بقيادة إيهود باراك العسكرية ـ بروية وهدوء مثيرين للانطباع. عليها أن لا تفقد هذه الروية الآن في معمعان المعركة. علينا ألا ننسى ولو للحظة واحدة أنّ سكان قطاع غزة سيظلون جيرانا قريبين لنا، وعاجلا أم آجلا سنرغب في التوصل إلى علاقات جيرة طيبة معهم". (8)
عن أي روية وهدوء يتحدث غروسمان، في الوقت الذي أعلن فيه قباطنة إسرائيل، العسكريون منهم والسياسيون، أنّ "صاحب البيت قد أصابه مسّ من الجنون"؟. لقد صبّت إسرائيل جام قوتها المدمرة على واحدة من أكثر المناطق ازدحامًا بالسكان في العالم كي "تستعيد قوة الردع"، متعللة بأنّ مقاتلي "حماس" يختبئون بين المدنيين، وكأنّ هناك ساحة وغى أخرى غير شوارع غزة وأزقتها. من المثير حقًا أن نرى كيف ينبري أحد رموز "السلام واليسار" في إسرائيل لينفي تهمة اعترف بها غيره، وبفخر، حين يلصق نعت "الهدوء والروية" بحملة مجنونة فاخر قادتها بأنهم فقدوا صوابهم فيها.
ويستمر غروسمان في شرعنة الردّ العسكري الإسرائيلي الساحق: "إن إسرائيل ملزمة بأن تفحص باستمرار متى تتخطى القوة التي تستخدمها حدود الرد الشرعي والناجع، والتي تهدف إلى الردع واستعادة وضعية التهدئة، وأن تتيقن من اللحظة التي تقع فيها أسيرة لدوامة العنف العادية". (9)
وبين هذا وذاك، يكتب غروسمان بازدواجية مريبة، تكاد تكون فصامية: "ولذلك يجب التوقف. يجب وقف إطلاق النار. محاولة العمل لمرة واحدة خلافا لغريزة الرد العادية. وخلافا للمنطق الفتاك الخاص بالاستبداد وديناميكية التصعيد. إن فرصة استئناف إطلاق النار ستكون متاحة دائمًا. فالحرب، كما قال إيهود باراك قبل أسبوعين، لن تهرب. كما أنّ الدعم الدولي لإسرائيل لن يُمسّ بل سيتعاظم إذا ما اتبعنا كبح الذات الموزون وإذا ما دعونا المجتمع الدولي، والعربي، إلى التدخل والوساطة." (10) إن غروسمان يدعو إلى العمل "خلافًا لغريزة الرد العادية"، الغريزة ذاتها التي جعلته يعتقد أنّ الرد الإسرائيلي حتى 30 كانون الأول/ ديسمبر 2008 كان "شرعيًا" ويتصف بالهدوء والروية. (11)
بعد واحد وعشرين يومًا نشر غروسمان مقالا آخر في"هآرتس"، يوفر للمتابع فرصة فورية وتكاد لا تتكرر، لتبيان منظومة "الوعي المؤجل" التي تميز النخب الثقافية والسياسية في إسرائيل. فهو يكتب: "في خضم موجة التحريض والرعونة القوموية التي تجتاح البلاد الآن، سيكون من المفيد أن نتذكر أنّ الحملة الأخيرة في غزة، في نهاية المطاف، ليست إلا محطة أخرى في درب ملأى بالنار والعنف والكراهية، تفوز فيها مرة وتخسر مرة، إلا أنّ الدرب نفسها تفضي في النهاية إلى الضياع. وإلى جانب الرضا من إصلاح الأعطاب الخاصة بحرب لبنان الثانية، من المحبذ أن نصغي إلى الصوت القائل بأنّ إنجازات الجيش الإسرائيلي في مقابل حماس ليست دليلا حاسمًا على أنّ إسرائيل كانت على حق عند خروجها إلى هذه الحملة الواسعة، وبالتأكيد فإنها لا تبرر الشكل الذي عملت فيه "إسرائيل". ما تفعله هذه الإنجازات فقط هو أنها تؤكد على أنّ إسرائيل، وببساطة، أقوى من حماس كثيرًا، وفي حالات معينة يمكنها أن تكون صلبة وقاسية جدًا، بطريقتها. عندما تنتهي الحملة نهائيًا، وبعد أن يتضح حجم الدمار والقتل، إلى أن تنتصر، ولبرهة، على أجهزة النفي والتبرير المتطورة التي تعمل في إسرائيل الآن، يمكن عندها أن تتأكد عبرة ما في الوعي الإسرائيلي أيضًا. قد نفهم أخيرًا أنّ أمرًا عميقًا وأساسيًا في مسلكياتنا في المنطقة، منذ وقت طويل، هو مخطوء وغير أخلاقي وغير ذكي، وبالأساس- أنه يقوم بنفسه بتغذية النار التي تبتلعنا، مرة بعد أخرى". (12)
هكذا على حين غرة، ينتقل غروسمان من دور المشجع والناصح والمقوّم الموضوعي للحملة كردّة فعل شرعية، إلى الحديث عن "أمر عميق وأساس" وعن أنه "مخطوء وغير أخلاقي". هذه لهجة مختلفة تمامًا عن المقال السابق، الذي اتسم بـ "موضوعية وعملية" يتميز بها عادة المحللون العسكريون الإسرائيليون، وهم يحاولون التغطية على المسلكيات الإسرائيلية.
وإمعانًا في التوجه الجديد لقراءة صورة الوضع، يناقض غروسمان نفسه ثانية: "من الواضح أنه لا يجب إعفاء الفلسطينيين من المسؤولية عن أخطائهم وجرائمهم. إن مثل هذا التعامل يحمل في طياته استخفافًا واستعلاءً عليهم، وكأنهم أناس غير بالغين ولا يحملون أفكارًا مستقلة ويتحملون المسؤولية عن أفعالهم وأفشالهم. صحيح أنّ سكان غزة "اختنقوا" "المزدوجان في الأصل" من عدة نواحٍ بيدي إسرائيل، إلا أنّ طرقًا أخرى كانت متاحة أمامهم للاحتجاج والتحاور والتعبير عن ضائقتهم الصعبة، عدا عن إطلاق آلاف الصواريخ باتجاه الأبرياء في إسرائيل. يجب ألا ننسى هذا. ويجب ألا نعفي الفلسطينيين بتسامح، وكأنّ الأمر مفروغ ضمنًا، بأنهم حين يتواجدون في ضائقة فإنّ الطريق شبه الأوتوماتيكية في ردهم هي طريق العنف". (13(
من جهة يطلب غروسمان عدم الاستعلاء على الفلسطينيين، إلا أنه من جهة أخرى لا يقاوم رغبته في إسداء النصح لهم، بضرورة إتباع وسائل احتجاج مغايرة، متناسيًا أنهم اتبعوها أعوامًا طويلة سبقت المرحلة الراهنة وما زالوا يتبعونها، ولم توفر عليهم العناء.
مع ذلك فإن غروسمان، في هذا المقال الثاني، يبدو أكثر وضوحًا من المقال الأول في تشخيص حالة الهستيريا القومية والوطنية التي ميزت المجتمع الإسرائيلي: "ستأتي أيام سنحاول فيها تطبيب الجراح التي ننكأها اليوم. كيف ستأتي هذه الأيام إذا لم نفهم أنّ قوتنا العسكرية لا يمكن أن تكون الأداة الأساسية التي نستعين بها لشق طريقنا هنا، في مقابل الشعوب العربية ومعها؟ كيف ستأتي هذه الأيام إذا لم نتذوّت معنى المسؤولية، التي تلقيها العلاقات والروابط المتشعبة والمصيرية، في الماضي والحاضر، ما بيننا وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والجليل والمثلث، على كواهلنا؟ عندما تنجلي سحب الدخان الملونة التي صنعتها تصريحات السياسيين بشأن النصر الجارف والحاسم، عندما تتضح لنا الإنجازات الحقيقية لهذه الحملة والهوة بينها وبين ما نحتاجه حقا في سبيل حياة سوية هنا، وعندما نقبل الاعتراف بأنّ دولة كاملة نوّمت نفسها بلهفة وبأنها كانت في أمسّ الحاجة إلى الإيمان بأنّ غزة ستشفيها من داء لبنان، عندها قد نجري حسابًا مع أولئك الذين يقومون، مرة بعد أخرى، بتهييج العجرفة وسكرة القوة لدى الجمهور الإسرائيلي العريض... أولئك الذين يقنعوننا أنّ العرب يفهمون القوة فقط، ولذلك يجب أن نتحدث إليهم بهذه اللغة فقط (...) إن ما حدث خلال الأسابيع الأخيرة في قطاع غزة ينصب أمامنا، في إسرائيل، مرآة تعكس لنا وجهًا كنا سنخافه أشد الخوف لو أننا نظرنا إليه للحظة من الخارج، أو لو أننا رأيناه لدى شعب آخر: كنا سنفهم أنّ النصر ليس نصرًا حقيقيًا وأنّ الحرب في غزة لم تجلب لنا الشفاء حيث نحتاج إلى الدواء بشدة، بل قامت، فقط، بالكشف وبحدة عن أخطاء قيادتنا التراجيدية والمستمرة، وعن عمق الشرك الذي نتخبط فيه". (14(
إنه كما تلاحظون غروسمان آخر، مختلفًا كليا عما سبق، ولا بدّ أنه صادق فيما يكتب. لكنه، كالعادة، وكغيره، يصل إلى هذه المسلمات بعد فوات الأوان، بعد أن رغب في "حملة عسكرية قصيرة" فقط!. نضرب قليلا ونتوقف، ثم نضرب ثانية إذا ما اقتضت الحاجة. إن الفارق بين مقاله الأول ومقاله الثاني هائل وكبير ويخال المرء أنّ الاثنين لم يكتبهما الكاتب ذاته.
تجدر الإشارة إلى أن المقال الأول لغروسمان التقى هو ومقالان آخران لكل من عوز ويهوشواع، تزامن نشرهما مع نشر مقاله بوقت قصير، كما أسلفنا، من حول العناوين الرئيسة الآتية:
ـ أن الفلسطينيين هم المسؤولون عن تدهور الأوضاع في غزة، فلولا قيامهم بإطلاق الصواريخ على إسرائيل لما كانت هناك حاجة إلى عملية عسكرية إطلاقًا؛
ـ الدعوة إلى أن تبادر إسرائيل إلى وقف إطلاق النار، والاكتفاء بما ألحقته العملية العسكرية الإسرائيلية من قتل ودمار بغزة وأهلها خلال أيامها الأولى؛
ـ السعي إلى تسوية المشكلة مع حركة "حماس" سياسيًا. وقد زاد يهوشواع على ما قاله عوز وغروسمان في هذا الشأن بأنه لا مهرب من التحادث معها في نهاية المطاف.
إن الرغبة في "عملية عسكرية قصيرة" راودت أيضًا كاتبًا إسرائيليًا رابعًا هو مائير شاليف، الذي أكد أنه "كان من الأفضل لو تم تحديد الحملة الإسرائيلية العسكرية "ضد غزة" في نطاق عملية انتقامية. فلو أن إسرائيل فعلت ذلك ما كانت لتتخبط الآن في كيفية إنهائها، وكانت تحول دون وضع شروط لذلك من قبل حركة حماس. إن طبيعة العملية الانتقامية تقتضي أن تكون ذات هدف ونهاية واضحين كليًا". (15)

"منطق" تبرير "استعمال القوة"!
الصحافي غدعون ليفي يكتب وبمثابرة ومنذ أعوام طويلة في صحيفة "هآرتس" عن معاناة الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال، حتى تحول إلى شخصية بارزة في المجتمع الإسرائيلي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بـ "الآخر"، الفلسطيني.
في أثناء الحرب على غزة لم يتوقف ليفي عن الكتابة ضدها وعن آثارها، ما أثار حفيظة الكاتب الإسرائيلي المعروف أ.ب. يهوشواع. وقد كتب هذا الأخير مقالا في "هآرتس" بعنوان"رسالة مفتوحة إلى جدعون ليفي"، شرح له فيه ما يعتقد به بشأن الحرب وضرورتها وبشأن تعامله مع الضحايا الفلسطينيين في غزة.
من الناحية الأنثروبولوجية يمكن لهذه "الرسالة" أن تكون ملفًا أولاً وربما أساسيًا من أجل فهم نفسية "اليسار الصهيوني" الإسرائيلي، وخصوصًا في أثناء المواجهات العسكرية بين إسرائيل وجوارها. 


                        أ .ب.يهوشواع

يكتب يهوشواع موجهًا كلامه إلى ليفي: "أحيانا تحضرني أفكار ثقيلة بأنك لا تحزن على الأطفال الميتين في غزة أو في إسرائيل، بل على ضميرك الشخصي. فلو كنت تهتم حقًا بالأطفال، أطفالنا وأطفالهم، لكنت ستفهم العملية الحربية الحالية، التي لم تهدف إلى اجتثاث حماس من غزة بل إلى جعلها تدرك، بالطريقة الوحيدة للأسف التي تؤثر عليها حاليا، أنّ عليها أن توقف النار وأن تخزّن الصواريخ نهائيًا، وبالأخص كي يُمنع موت الأطفال الفلسطينيين في مغامرة غير مجدية". (16)
إذًن فالفلسطينيون مسؤولون عن قتل أبنائهم وأطفالهم، حتى بعد أن تصرفت معهم إسرائيل بكرم: "والآن، ولأول مرة في تاريخهم، حظي جزء من الفلسطينيين بقطعة أرض أولى، وآمل أنها ليست الأخيرة، التي من المفترض بهم أن يديروا فيها حكمًا كاملاً ومستقلاً. ولو شرعوا في البناء والتطوير والاهتمام بالسكان فإنهم كانوا سيثبتون للعالم أجمع، وخصوصًا لنا، بأنّه في لحظة انتهاء الاحتلال فإنهم على استعداد للعيش بسلام مع جوارهم، أحرارًا، ولكن مسؤولين عن أعمالهم. من العبث بمكان أن تنتفض على النسبة القائمة بين عدد القتلى الفلسطينيين والإسرائيليين. يمكن أن نستنتج من أقوالك أنه في حال نجحوا في قتل مئة طفل إسرائيلي (فصواريخ القسام ضربت المدارس ورياض الأطفال، وكانت هذه خالية بالصدفة)، فسيكون من المسموح لنا وقتها أن نقتل مئة طفل فلسطيني. أي أنّ القتل نفسه لا يقلقك، بقدر ما تقلقك المقارنة العددية بيننا وبينهم. وأنت، غدعون، الذي تحيا بين أفراد شعبك، أنت تعلم جيدًا أننا لا ننوي قتل الأطفال الفلسطينيين كانتقام على قتل أطفالنا، إلا أننا نحاول أن نحثّ زعامتهم على وقف هذا الاعتداء الأحمق والشرير، وتعلم أنّ الأطفال يُقتلون أيضًا للأسف بسبب الخلط التراجيدي والمتعمد بين مقاتلي حماس وبين المدنيين. فرجال حماس يطلقون النار منذ فك الارتباط "عن غزة في العام 2005" باتجاه المدنيين فقط. وحتى في هذه الحرب، أرى مصدومًا أنّهم لا يوجهون الصواريخ والقنابل باتجاه تجمعات الجيش بجانب الحدود بل صوب البلدات المدنية، مرة تلو أخرى". (17)
إذا كان في الإمكان، لدوافع أخلاقية وإنسانية محضة، أن نبدي قدرًا من التفهم لواقع أن إطلاق الصواريخ الفلسطينية على المستوطنات الإسرائيلية، يبهـظ هذا الأديب ويثير حفيظته، فلا يجوز تجاهل الاستعلاء الكولونيالي الذي يميز يهوشواع في كتابته، والذي ينبئ به ادعاؤه أنه يعرف مصلحة الفلسطينيين أكثر مما يعرفون هم أنفسهم، وبأن الحملة تهدف إلى تلقين قيادة "حماس" درسًا.
لكن دعونا نترك مساحة الردّ على ادعاءات يهوشواع إلى غدعون ليفي نفسه، الذي نشر بعد يومين من نشر مقال الأول، مقالا عنوانه "رد مفتوح على أ. ب. يهوشواع" جاء فيه: "أنت أيضًا، الكاتب المقروء، وقعت ضحية للموجة العكرة التي تغرقنا الآن، وهي موجة تعمي الأبصار وتُسيّد الغباء وتغسل جميع الأدمغة. أنت في الواقع تبرر أفظع حرب شنتها إسرائيل حتى اليوم، وبهذا تكون شريكًا للخدعة التي تدعي أنّ "الاحتلال في غزة انتهى"، مثلما هي الحال مع تبرير القتل الجماهيري بحجة أنهم "يستخدمون الأطفال". أنت تُماثل بين شعب عاجز بلا دولة وجيش- فيه حركة أصولية تحارب بوسائل غير مشروعة من أجل هدف صادق، هو نهاية الاحتلال- وبين دولة عظمى في المنطقة، ترى في نفسها ديمقراطية وإنسانية، إلا أنها اتضحت كدولة محتلة، وحشية وقاسية. كإسرائيلي لا يمكنني أن أدين قيادتهم وأيدينا ملطخة بهذا الدم كله".(18 )
ويضيف ليفي: سكان غزة لم يحظوا أبدًا بـ "قطعة أرض لهم"، كما تدعي. لقد خرجنا من غزة من أجل حاجاتنا ومصالحنا، وسجنّاهم فيها. عزلناهم عن العالم الخارجي وعن الضفة الغربية المحتلة، ولم نسمح بقيام مطار أو ميناء. نحن نسيطر على السجل السكاني، والعملة هي عملتنا، لا جيش لهم بالطبع، وتسمي هذا "انتهى الاحتلال"؟. لقد منعنا الرزق منهم وفرضنا مقاطعة وحصارًا لعامين ـ وهذا ما تسميه "طرد الاحتلال من أراضيهم"؟ الاحتلال في غزة بدّل من صورته فقط، جدار بدلا من مستوطنة، سجانون في الخارج بدلا من الداخل. (19)
وفيما يخص الافتراض الإسرائيلي الضمني ـ بالنسبة لهم ـ أنّ الجيش الإسرائيلي هو "أكثر الجيوش أخلاقية في العالم"، وأنّ إسرائيل لا تتعمد المسّ بالمدنيين أو الأطفال بتاتًا، كما يدعي يهوشواع، يقول ليفي: "لا، أنا لا أعرف "جيدًا"، كما تقول، بأننا لا ننوي قتل الأطفال. عندما تكتسح بدبابات ومدافع وطائرات منطقة مزدحمة كهذه، لا يمكن الامتناع من قتل الأطفال. أنا أفهم أنّ ضميرك نظيف، بفضل حجج الدعاية الإسرائيلية، ولكن ضميري وضمير غالبية العالم غير نظيف. نحن نحكم على النتائج لا على النوايا. والنتائج مذهلة للغاية". (20(
مرة أخرى، منطق القوة. "لا يفهمون إلا بالقوة"، كما قال يهوشواع. وهنا يرد ليفي على النحو التالي: "هذه الحرب في نظرك تُعدّ "الطريق الوحيدة التي تؤثر عليهم". وحتى لو تجاهلنا الطابع الإستعلائي لملاحظتك، فإنّنا نتوقع أكثر من هذا من كاتب مهم مثلك. كنت أتوقع من كاتب مهم أن يكون مطلعا على تاريخ نضالات التحرر القومي: لم يحدث أن قضي عليها بالقوة (...) هم والعالم فهموا أمرًا واحدًا: أنّ إسرائيل دولة عنيفة وخطرة، منفلتة من عقالها. هل تريد أن تحيا في دولة لها سمعة كهذه؟ دولة تفتخر بأنّ "صاحب البيت جُنّ"؟ أنا لا أريد ذلك". (21)
بيد أن "منطق" تبرير "استعمال القوة" أفضى، أيضًا، إلى إنتاج مواقف أقل ما يقال بشأنها إنها غرائبية. ومنها، مثلاً، موقف برز في بيان صدر عن "ثنائي أدبي" من جيل الأدبـاء الإسرائيليين الأصغر سنًا، هما الزوجان إتغار كيرت وشيرا غيفن، وظهر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" (22)، وفحواه دعوة رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى "استثناء الخيار، الذي قد ينطوي على مخاطر قتل أطفال فلسطينيين بعدد روّاد روضة واحدة، من مجمل الخيارات السياسية والعسكرية المتاحة أمامه لإدارة الحرب في غزة" من لحظة نشر ذلك البيان فصاعدًا، وذلك بهدف "عدم منح أعدائنا فرصة إملاء عالم قيمهم وأخلاقهم علينا". ونقول من تلك اللحظة فصاعدًا، لأن البيان قد جاء عقب مقتل عدد كهذا من الأطفال الفلسطينيين في إحدى المدارس التابعة لوكالة غوث اللاجئين.
على صلة بهذا الموقف الغرائبي انبرى كاتب آخر، هو يهونتان غيفـن، المعروف بنقده الشديد للمؤسسة السياسية الإسرائيلية، "للتحذير" من مغبـة تأدية قيام إسرائيل بـ "إلقاء أطنان من المواد المتفجرة على السلطة الفظة والعنيفة في غزة" إلى "جعلها "إسرائيل" شريكة لحركة حماس ضد الشعب الفلسطيني البائس والعاجز"، على الرغم من إعلانه أن الحرب في غزة لم تفاجئه مطلقًا "لكونها تعبّر عن الطريقة الوحيدة التي نتقن ممارستها، وهي إلحاق أكثر ما يمكن من الأذى بالفلسطينيين". (23)

"منطق" تلقين الفلسطينيين درسًا!
في واقع الأمر لم يكن غدعون ليفي وحيدًا. ففي قلب التجند القوموي الصهيوني من قبل الإعلام الإسرائيلي، نُشرت هنا وهناك بعض المقالات التي رسمت ملامح الجنون والهستيريا اللذين ميزا الرأي العام في إسرائيل. وعلى سبيل المثال فقد كتب المؤرخ والصحافي توم سيغف: "إسرائيل تضرب الفلسطينيين كي "تلقنهم درسًا". هذه هي الفرضية الأساس التي ترافق المشروع الصهيوني منذ نشوئه: نحن ممثلو التقدم والعلم والذكاء العقلاني والأخلاقيات، والعرب رعاع متخلف وعنيف، صبيان جهلة يجب تربيتهم وتلقينهم الحكمة، كل هذا طبعًا عبر "العصا والجزرة"، كما يفعل صاحب الحمار مع حماره. ينبغي بقصف غزة "أن يقضي على حكم حماس"، وحتى هذا يتم وفقًا للفرضية التي ترافق الحركة الصهيونية منذ تأسيسها، والتي بحسبها يمكن فرض قيادة "معتدلة" على الفلسطينيين تتنازل عن تطلعاتهم القومية. كما آمنت إسرائيل دائمًا وأبدًا أنّ المسّ بالمدنيين سيؤدي إلى تثويرهم ضد قياداتهم القومية. وقد ثبت خطأ هذه الفرضية مرة بعد أخرى.(24)
ويلمس سيغف عصبًا أساسيًا من أعصاب "النفسية الجماهيرية" في إسرائيل، وهي نفسية الضحية، التي باسمها تبرر إسرائيل وأغلبيتها اليهودية كل الجرائم وكل أفعالها: "كل الحروب تعتمد على فرضية تلازمنا دائمًا وأبدًا، وهي أننا ندافع عن أنفسنا فقط. "نصف مليون إسرائيلي تحت القصف"، صرخ العنوان الرئيس أمس في "يديعوت أحرونوت"، وكأنّ قطاع غزة ليس خاضعًا منذ زمن طويل لحصار أدى إلى القضاء على فرص جيل كامل في العيش حياة جديرة بأن تُعاش". (25)
وفي مقال تحت عنوان "وطنية سيادية"، كتبت الناقدة نعاما شيفي في "هآرتس" حول التجند الإعلامي الإسرائيلي لصالح الحرب على غزة تقول: "حتى لو نظرنا إلى هذا التجند الوطني في الأيام العادية بقدر من الحسن والبراءة، فإنّ هذ الوطنية الفظة تحمل في طياتها الآن قدرًا من الخطر. كلمات المديح المسترسلة غير المصحوبة بالتحذير من الآتي تثير الخشية من أن تقود، مرة أخرى، إلى ورطة تكلف الكثير من الأرواح. ويستند النقد الموجه إلى التغطية الصحافية لحرب غزة إلى أحداث حرب لبنان الثانية: صحافيون ومحللون رسموا الهدف الذي تمحور كله في تطبيق القيم الاستبدادية الملائمة لنهج "سنريهم"، وسياسيون وعسكريون اندفعوا إلى المعركة. لذلك ترغب مجموعة صغيرة من الصحافيين والباحثين في الإعلام في التحذير من مغبة تكرار الظاهرة. ليست الوطنية المزيفة هي ما تثير الغيظ إزاء توجه الصحافيين الذين يغذون فرح المعركة، بل التجند الشعبوي والغضروفي (...) بعد الحرب سيستيقظون ليكتشفوا أنه كان في الإمكان التفاوض مسبقًا، ليس فقط مع الذين يعيشون في هدوء نسبي في الضفة الغربية". (26(
وقد أحسنت الكاتبة والصحافية أفيراما غولان حين تطرقت في مقال لها في "هآرتس" إلى البعد الكولونيالي الذي يطغى على الجانب الإسرائيلي لدى تعامله مع العربي أو الفلسطيني: "كم من الحبر أريق في الأبحاث الأكاديمية المنمقة حول صوت "الآخر" في المجتمع البوست- كولونيالي، وكم من المؤتمرات والمقالات جزمت بأنّ المجتمع الإسرائيلي تجاوز منذ زمن مرحلة "بوتقة الصهر" وهو الآن مجتمع متعدد الثقافات يتيح المجال لوجود صوت "الآخر". والآن، يكشف د. عز الدين أبو العيش، مرغمًا، عن مدى الكذب الكامن في هذه المقولة. إن سكان غزة غير حاضرين في الوعي الإسرائيلي ولم يحظوا حتى بمكانة "الآخر"، ولكن كون الطبيب الغزي يعمل في إسرائيل أيضًا، ولديه الكثير من المعارف الإسرائيليين، منحاه إمكانية حُرم منها الآلاف الآخرون، لإسماع أقواله في "البرايم تايم"، وهذا لم يحدث إلا بعد سفك دماء بناته بيسان وميار وآية في بيته. إلا أنّ دقيقة الرحمة هذه مضت بسرعة، وقامت الردود المتشككة والكارهة "بموازنة" العطف". (27)
وعلى ذكر قصة هذا الطبيب نشير إلى أنه من الصعب أن نحصي القصص الفلسطينية الإنسانية، التي تضمنتها الحرب الإسرائيلية على غزة، غير أن هذه القصة فقط احتلت بكيفية ما صدارة المشهد الإعلامي الإسرائيلي في آخر أيام الحرب. وقد سبق لأبو العيش أن عمل في المستشفيات الإسرائيلية، وكان في عداد المناهضين لسلطة "حماس"، وتعرّض منزله في غزة يوم 16 كانون الثاني 2009 إلى القصف الإسرائيلي، ما أسفر عن مصرع ثلاث من بناته وابنة أخيه، علاوة على إصابة ثلاث من بناته الأخريات بجراح بالغة. وفي واقع الأمر احتلت هذه القصة صدارة المشهد الإعلامي في إسرائيل بسبب العلاقات الوثيقة التي كانت تربط هذا الطبيب بمجموعة من الصحافيين الإسرائيليين.
وفي سياق ذلك اعتبر أحد هؤلاء الصحافيين، وهو بوعاز غاؤون، أن ما حلّ بعائلة أبو العيش يعتبر، من ناحيته، "صورة الخسارة"، التي منيت إسرائيل بها مع انتهاء "عملية الرصاص المصبوب" (صحيفة "معاريف"، 18/1/2009).
ورأى الكاتب إيال ميغد، الذي عادة ما كان يتبنى مواقف يمينية متطرفة في الآونة الأخيرة، أن محاولة امرأة إسرائيلية من مدينة هرتسيليا أن تتهم أبو العيش، في أثناء لقائها به في ردهة أحد المستشفيات الإسرائيلية حيث كانت بناته الثلاث يخضعن للمعالجة، بالمسؤولية عن المصيبة التي نزلت بعائلته، هي محاولة "تثير الخزي والعار". وعلى الرغم من قيام إحدى قنوات التلفزة الإسرائيلية بتنظيم "لقاء مصالحة" بين الطرفين فقد أصرّت تلك المرأة الإسرائيلية على أن تبرّر فعلة الجيش الإسرائيلي.
وكتب ميغد في هذا الشأن يقول: "إن المأساة المروعة لهذا الطبيب الفلسطيني لا تهمها لا من قريب ولا من بعيد، فهي عمليا لا تراه بتاتًا... بكلمات أخرى في إمكاني القول إن هذه المرأة قد جسدت، في اللحظة الملائمة، ما لا نرغب في أن نقرّ به، وهو وجود جانب مخجل ومثير للقلق في سلوك المجتمع الإسرائيلي برمته، هو جانب بلادة الحسّ، الذي يفضي به إلى فقدان شعوره الإنساني الأساس". (28) إن هذا الجانب لم يكن وليد الحرب الأخيرة على غزة، وإن كانت قد ساهمت في تفاقمه، وإنما يشكل عنصرًا رئيسًا في الثقافة الإسرائيلية العامة. وسبق أن صادفنا، عقب انتهاء حرب لبنان الثانية في صيف 2006، رؤى سياسية تنم هي أيضًا عن هذه الخلاصة الجوهرية. من هذه الرؤى، مثلاً، دعوة الصحافي والمعلق السياسي دانيئيل بن سيمون، الذي أصبح عقب الانتخابات الإسرائيلية العامة في 2009 عضوًا في الكنيست عن لائحة حزب العمل، إلى أن تخرج إسرائيل من شرنقة الأحادية وأن تلتفت إلى محيطها الإقليمي.

ومما كتبه في هذا الصدد نستعيد ما يلي:
"في السنوات الأخيرة تعززت لدينا النزعة الاضطرارية للتحادث مع أنفسنا فقط بشأن كل ما يتعلق بالتسوية مع العرب، كما لو أن النزاع الحقيقي في الشرق الأوسط هو بين اليمين واليسار (في إسرائيل).
منذ ستة أعوام توقفت السياسة الإسرائيلية عن التقدّم ولو خطوة واحدة إلى الأمام. ومنذ أن دفع إيهود باراك ياسر عرفات إلى داخل الكوخ في كامب ديفيد في تموز 2000 لم يحدث أي تماس جاد بين زعيم إسرائيلي وبين زعيم عربي نخوض نزاعًا معه. النتيجة كانت مروّعة. فلقد أقفلت إسرائيل الأبواب أمام جيرانها وعقدت العزم على الوصول إلى تسويات سياسية وفقًا لما تفكر به وبسجال مع ذاتها عبر التغاضي عن جيرانها.
ربما يكمن مصدر العدوانية تجاهنا في طبيعتنا الأنانية وفي عدم تعاملنا مع جيراننا، في عدم استعدادنا لرؤيتهم عن بعد متر واحد... كما لو أن العرب هوام لا يليق التحادث معهم".
وتابع: "بدلا من الحديث مع أعدائنا فإننا نتحدث فقط مع أصدقائنا، حتى لا نقول الأوصياء علينا، في الولايات المتحدة... تبنينا الإنجليزية كلغة أم ونتعامل مع اللغة العربية كما لو أنها خطر على وجودنا. حتى الآن لم يثبت أن استعباد حياتنا وقيمنا ومستقبلنا لأميركا انطوى على أي فائدة. ولم نكن عديمي الأمان بتاتًا كما نحن عليه الآن. وكجزء من يأسنا فإننا نحيط أنفسنا بسور ونحوّل شعار الانبعاث القومي إلى غيتو محض ومحكم الإغلاق من كل ناحية.
إذا تفشى اليأس من الجيران ومن السلام، فمن شأن الإسرائيليين تسليم مقود الدولة إلى أيدي مهووسين خطرين أمثال رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"  أفيغدور ليبرمان. "من أجل أوضاع جنونية يتوجب أن يكون في الحكم أشخاص مجانين"، هذا ما قاله أحد سكان كريات شمونه، وعكس بذلك المزاج العام الجديد وذكر ليبرمان كوصفة سحرية.
إذا لم يعد أولمرت الأمل على وجه السرعة، وإذا لم يفاوض السوريين والفلسطينيين واللبنانيين، فمن شأن اليأس من الوضع أن يدفع الإسرائيليين نحو حلول متطرفة". (29)
كما سبق أن أورد أ. ب. يهوشواع على لسان "نعيم"، بطل روايته الشهيرة "العاشق"، في ثمانينيات القرن الفائت، الجملة التالية، التي تعكس تجاهل وجود الآخر ومشاعره في الذهنية الإسرائيلية العامة:
قال نعيم: ينبغي بنا نحن "يقصد العرب في الداخل"، الذين نكاد نقضي اليوم كله إلى جانبهم "يقصد اليهود"، أن نكون حذرين للغاية. كلا، إنهم لا يكرهوننا. إن الذي يعتقد أنهم يكرهوننا يرتكب خطأ فادحًا. فنحن خارج نطاق كراهيتهم، نحن أشبه بظلال بالنسبة لهم!.
والواقع أن وجود الآخر أو حتى الحساسية تجاه مشاعره يكادان أن يكونـا الغائب الأكبر في مقال كاتب كبير آخر، هو عاموس عوز، الذي ركز أساسًا على "الربح والخسارة" جراء هذه الحرب من ناحية إسرائيل، فكتب يقول: "لن تربح إسرائيل شيئًا من استمرار الهجمات على غزة. فسكان القطاع لن ينتفضوا على حماس، ولن تقوم في غزة سلطة صديقة لإسرائيل، كما أن من شأن عملية عسكرية برية أن تؤدي إلى التورط والغرق في المستنقع الغزي، الذي يعدّ أسوأ كثيرًا من المستنقع اللبناني".
وأردف: "صحيح أن حماس هي المسؤولة عن تدهور الأوضاع في غزة، فلولا قيامها بإطلاق الصواريخ على إسرائيل لما كانت هناك حاجة إلى عملية عسكرية، غير أنه لا بدّ أن تكون العملية العسكرية الإسرائيلية محدودة في أهدافها".
لكن يبقى بيت القصيد هو أن عوز نأى بنفسه عن التطرّق، ولو تلميحًا، إلى دور السياسة الإسرائيلية في ما آلت إليه الأمور في غزة. وقد أفضى به هذا إلى أن يكتب صكّ براءة لهذه السياسة على الوجه التالي: "ليس لدى إسرائيل أي هدف "إزاء غزة" سوى أن تتوصل، في أقصى سرعة ممكنة، إلى اتفاق شامل وتام لوقف إطلاق النار، يكون مقرونًا باستتباب الهدوء والتهدئة على حدودنا. وفي الإمكان التوصل إلى اتفاق كهذا في مقابل تخفيف الحصار المفروض على غزة. يجب أن تنتهي العملية العسكرية في غزة من دون اجتياح بريّ أيضًا، لكن سوية مع وقف إطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية". (30)

عن بعض الأصوات الصافية
كما دائمًا، برزت بعض الأصوات الصافية من بين النخب الثقافية والأدبية الإسرائيلية، التي تعرف دومًا كيف تتجاوز تأثير الدعاية الإسرائيلية الموجهة ضد الرأي العام الإسرائيلي. ولعل أبرزها إسحاق لاؤور وب. ميخائيل.
وقد كتب ب. ميخائيل، باعتباره أحد أصحاب الأعمدة الصحافية في "يديعوت أحرونوت"، بضعة مقالات خلال فترة الحرب على غزة. وكان أولها غداة شنها تحديدًا. وقد سخف فيه "الكلمات السامية"، التي عبقت أجواء إسرائيل بها، والتي ادعت "البطولة والمفاجأة" من جهة، و"الحنكة والنجاح"، من جهة أخرى موازية ومكملة. وتساءل في هذا الشأن: "هل فاجأنا الفلسطينيين فعلاً إلى درجة إرباك حركة حماس، مثلاً، وجعلها تحجم عن إخراج طائراتها ومدرعاتها وصواريخها المتطورة كي تزجّ بها في المعركة؟". وخلص إلى القول إن النتيجة الوحيدة المؤكدة لهذه الحرب هي "المزيد من الكراهية والثكل والمعاناة، سواء في إسرائيل أو في غزة. وهذا أمر يبعث على الإنهاك، بل وعلى اليأس أيضًا". (31)
وفي إبان الحرب كتب لاؤور قصيدتين نشرهما بالعبرية والعربية، تعاملتا مع الحرب على غزة من منطلق كونها حربًا إجرامية يقوم الجيش الإسرائيلي بها بلا أدنى روية.
كانت القصيدة الأولى بعنوان "نصائح" (32)، وهي مكتوبة إلى نجل الشاعر، ويسدي له فيها نصائح بشأن المهنة التي يتعين عليه أن يمتهن كي ينهي الأمور بالسرعة اللازمة:

"فقط لضيق الوقت، بُنيّ، لا تكُن جنائِنيًّا.
كم من الوقت سيمرّ كي تثمرَ شجرة واحدة
ستزرعُها بالماء والسّماد، إلى أن
تضرب جذورها، تزهر، تخضرّ، تمرّ الفصول، إلى أن
تبرعم زهرة واحدة، مثل سمكة ذهبية. فقط لضيق الوقت
بُنيّ، لا تكُنْ بنّاءً. كم من الوقت سيمرّ كي يجهز البيت
تحفر الأسس وتصبّ الطين والجصّ وتضع لبنة
بعد لبنة، ظهرك يؤلمك، يدك مجروحة وغليظة
عيناك مكويّتان، تقيسان. ستفتح نافذة في حائط
وطلاء ومسامير وإزميل، وسمكة ذهبية في غرفة الطفل.
وفقط لضيق الوقت، بُنيّ، لا تكن امرأةً. في دمائها كائن
يتكوّن، كم من الوقت إلى أن ينمو فيها، رويدًا رويدًا
يتشكل طفل، وإلى أن يُولد، بألم، يرضع، يتعلم
المشي، الكلام، أبي، أمي، زهرة، بقرة، شجرة، غيمة
بيت، حديقة، سمكة ذهبية، وقت، وكم من الوقت سيمرّ كي يصبح فتًى
شابًا، كم بطيئة كلّ هذه، بُنيّ. كُن طيّارًا، دقيقة ً واحدة ً
وينهدمُ كل شيء، الجنين، الشابّ، الحديقة، البيت
السمكة الذهبية. كُن طيّارًا، بُنيّ، ضربة ً وينتهي الأمرُ "

كما أنّ لاؤور يرد على أ. ب. يهوشوع بقصيدة بعنوان "مرحى للفصل" (33) يصفه فيها بأنه لا أكثر من مجرّد "رصاص مصبوب"، تمامًا كما الحرب على غزة:

"الكاتبُ "أ. ب. يهوشواع" لمْ يَسمَعْ مِنْ قبْل
ببناتِ د. عزّ الدين أبو العيش الثلاثِ
مِنْ مُخيّم جباليا للّاجئين في غَزَةَ
كما أنّ بناتِ د. عز الدين أبو العيش الثلاثَ
لمْ يَسمعْنَ من قبل بـ "أ. ب. يهوشواع"، ولنْ يَسمعْنَ به بَعدَ الآنَ.
أريدُ أنْ أؤكدَ للدكتور أبو العيش بأنّ إلهاتِ الثأرِ
سيلاحقنَ "أ. ب. يهوشواع" كُلَّ حياتِهِ، ولكنَّ إلهاتِ الثأرِ
كَما نعرفُ يأتينَ مِنَ الدّاخلِ، ولـ "أ. ب. يهوشواع" لا يُوجدُ داخِلٌ.
إنه مثلُ دَولتِنا، رَصاصٌ مصبوب".
وكان لاؤور قد أنجز، قبل أعوام كثيرة، دراسة لافتة في محور العلاقة بين الأدباء الإسرائيليين وبين المؤسسة السياسية الإسرائيلية. وقد أظهر فيها، من ضمن أشياء أخرى، مبلغ هيمنة هذه المؤسسة الأخيرة على الأدب العبري وكتابـه، في كل ما يتعلق بالرواية الفلسطينية وممارسات الحركة الصهيونية ومن ثم الدولة الإسرائيلية. (34(

بعض الخلفيـات من الماضي القريب وإجمال
لا معنى لقراءة أداء النخبة الإسرائيلية المثقفة إزاء الحرب على غزة بمعزل عن أداء" اليسار الإسرائيلي الصهيوني" عمومًا، وتحديدًا منذ العام 2000 وصولاً إلى حرب لبنان الثانية في العام 2006. فهذه النخبة تتباهى صبح مساء بالانتماء إلى هذا "اليسار" وتراهن عليه.
في هذا الإطار نشير إلى أن يوسي سريد، الوزير الإسرائيلي السابق الذي كان زعيمًا لحزب ميرتس وأحد أقطاب هذا "اليسار الصهيوني"، رأى أن الحرب على غزة كانت بمثابة امتحان مصيري آخر لليسار الإسرائيلي، وقد سقط فيه سقوطًا مدويًا.
إن سريد هو نفسه الذي اعتبر أن هذا اليسار كان، قبل تلك الحرب، أحد أبرز المدفونين في "القبر الجماعي" الذي حفرته الحرب على لبنان في صيف 2006 وأهالت التراب فيه على مجموعة من ساسة إسرائيل وعسكرها وإعلامييها. ومردّ ذلك أنه لم يفعل ما كان يتعيّن عليه أن يفعله "وهو بمفرداته معارضة الحرب بصريح العبارة من دون أدنى تلعثم" وبقي يمارس "الرقص على حبلين"، بين المعارضة وبين التأييد للحرب، بمسوّغ أنها "عادلة" و"مبرّرة". وكان يتوجب على هذا اليسار أن يفهم باكرًا في قراءة سريد ـ أن انضمامه إلى الإجماع، حتى لو كان متحفظًا بعض الشيء، من شأنه فقط أن يؤجّج تهافت إسرائيل نحو عمق لبنان. وتساءل: إذا لم ينهض هذا اليسار في وقت الامتحان، فمتى كان في نيته أن ينهض على قدميه؟. (35)
أما المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس"، عكيفا إلدار، فأكد أن الحرب على لبنان دقّت المسمار الأكبر في نعش اليسار الصهيوني، الذي كان يعتبر نفسه معسكر السلام الإسرائيلي.
وأضاف أن استطلاعات الرأي وكذا تصريحات أشخاص يساريين بارزين، على غرار الكاتب المسرحي يهوشواع سوبول والكاتب الروائي يورام كانيوك، تدل على أن "هجوم الصواريخ على شمال البلاد، الذي ترافق مع قصف سلاح الجو في بيروت وجنوب لبنان، أفلح في تقويض إيمان الجمهور الإسرائيلي بوجود شريك عربي للسلام. ويكفي سماع كلمات الندم الصادرة عن اليساري سوبول وقراءة مقال يوسي بيلين في صحيفة معاريف الذي اقترح فيه مهاجمة سورية أو قراءة صرخات الحرب في ملحق هآرتس الصادرة عن النساء المؤسسات لمنظمة أربع أمهات كي نفهم ذلك".
ويعتقد إلدار أن الحديث لم يدر في ذلك الوقت على "ردات فعل عاطفية عابرة، قد تعدّ نتيجة مطلوبة ومفهومة لمشاعر الغضب والإحباط والخوف"، وإنما دار على "مرحلة إضافية في سيرورة عميقة ومتصلة من فقدان البوصلة واللهاث وراء حلول انعزالية وأحادية الجانب، لا بُدّ أن تكون نهايتها الطريق المسدود وتكريس النزاع".
وقال الكاتب إن السهولة، التي هضم فيها معسكر السلام هذا ذرائع ايهود باراك بشأن إخفاقه في مسار المفاوضات السوري ـ اللبناني والمسار الفلسطيني في العام 2000، كانت بمنزلة أول شهادة على هشاشته.
إنّ ما يتضح الآن ـ أضاف ـ هو أن أغلبية الإسرائيليين الذين يتفاخرون بحمل لقب "يساريين" هم "حمائم تغرّد داخل السرب" لا "حمائم ذات قيم عالمية" تتجاوز الإطار المحليّ الضيق . وهؤلاء يؤيدون عملية السلام من منطلق اعتبارات براغماتية تحيل فقط إلى ما يندرج في إطار مصلحة الشعب اليهودي، مثل الميزان الديموغرافي أو ضمان أمن إسرائيل أو دفع ازدهارها الاقتصادي قدمًا. أما الصنف الذي يؤيد السلام لدوافع أخلاقية عالمية فقد بات صنفًا نادر الوجود. إن هذا الصنف هو الذي لا يبحث عن ملاذ في أحضان الوطنية العمياء والإجماع العابـر. (36)
بناء على ذلك ليس من المجازفة القول إن الحرب على لبنان كانت إيذانـًا بانتقال شريحة كبيرة من النخبة الإسرائيلية الثقافية إلى متراس المؤيدين للحرب، وذلك سوية مع قوى "اليسار الصهيوني". وجاءت الحرب على غزة لتكرّس هذه "النقلة" ولتعمق صيرورة راهنة لهذه الشريحـة، كجـزء من "القوة الناعمة" التي تكمل "القوة الصلبة" في نطاق ممارسة إسرائيلية تُعتبر مخصوصة في هذا الشأن. ولا بُدّ من التنويه بأن هذه الصيرورة باتت، في الوقت نفسه، من نصيب شريحـة أكبـر وذات نفوذ مباشر أوسع كثيرًا في صفوف الصحافيين والمعلقين والمحللين الإسرائيليين، ولم نتطرق إلى جوهر ما يصدر عنها من مواقف ورؤى تستحق الدراسة والتأصيل أيضًا.
إن ما يعزّز هذه الخلاصة هو أنه تراكمت، في الآونة الأخيرة، أكثر من إشارة بليغة إلى واقع قيام إسرائيل باستثمـار تفكير واسع في هذه المقاربة، خصوصًا عقب الحرب على لبنان. وقد أشار أحد الباحثين العرب في هذا الشأن إلى أن المقاربة الّتي تدمج بين الدبلوماسية العسكرية والإعلام الإستراتيجي هي مقاربة جديدة برزت في الأعوام الأخيرة وهي مبنية على استنتاج إسرائيلي مفاده أن صورة إسرائيل كدولة قوية بدأت تنفصل عن إستراتيجيات الردع الإسرائيلية، كما أن صورة إسرائيل كدولة أخلاقية محاطة بأعداء يحاولون تصفيتها آخذة بالتلاشي. لهذا على إسرائيل التي تريد إخافة أعدائها وأن تتحبب على أصدقائها أن تعيد النظر في كيفية طرح سياساتها العسكرية والإستراتيجية من جهة وفي كيفية تسويق رهبتها لأعدائها ومصادر تحببها لأصدقائها من جهة أخرى. وقد برز هذا عند اختيار رئيس جديد لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي في كانون الثاني 2007، بعد الصدمة العسكرية الإسرائيلية في الحرب على لبنان، والّذي طرح في الإعلام كشخصية قيادية ذات قدرات خاصة. كما برز من خلال إقامة قسم إعلامي جديد في وزارة الخارجية الإسرائيلية في أواخر العام 2006، أنيطت به مهمة صوغ سياسة جديدة للدبلوماسية الإسرائيلية. (37)
كما أنّ الناطق العسكري الإسرائيلي السابق، نحمـان شاي، الذي أصبح عضوًا في الكنيست الثامن عشر عن لائحـة كديمـا، خصص أول خطاب برلماني له من أجل الدعوة إلى تجيير نظرية "القوة الناعمـة" في تسويق سياسات إسرائيل، مؤكدًا أن في إمكانها أن تسعفها في أن تظهر في مظهر "الشريك" لأشياء أخرى عدا الحرب. غير أنه شدّد، في الوقت ذاته، على أن ذلك لن يشكل، بحال من الأحوال، بديلاً عن "الاحتلال، إذ أننا سنستمر في الاعتماد على قوتنا العسكرية"!. (38(
وبالعودة إلى إجمال مستجدات أداء أبرز الأدباء الإسرائيليين و"اليسار الصهيوني"، التي جرى عرضها أعلاه، تحضرنا مقولة صدرت عن أحد الباحثين، فحواها أنه مع "يسار" من هذا القبيل لا يحتاج زعماء إسرائيل لا إلى وسط ولا إلى يمين من أجل المضي قدماً في تطبيق سياستهم العدوانية التقليدية إزاء الشعب الفلسطيني والشعوب العربية جمعاء.
مؤلفا الدراسة : أنطوان شلحت وعلاء حليحل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
1. Joseph S. Nye. U.S. Power and Strategy After Iraq, Foreign Affairs 1 July, 2003)
2ـ للتوسع في هذه المنظومة وجدليتها وجوانبها العديدة بالإمكان مراجعة: "الولايات المتحدة الأميركية بين القوة الصلبة والقوة الناعمة"، وهي دراسة أعدها د. رفيق عبد السلام ضمن سلسلة دراسات "أوراق الجزيرة" الصادرة عن "مركز الجزيرة للدراسات". بالإمكان معاينة الدراسة على الرابط التالي:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/C10D9444-E314-4B27-B126-843EF8AE5742.htm
3ـ كان هذا وزير الخارجية الأميركية الأسبق، هنري كيسنجر، الذي قال إنّه لا توجد لدى إسرائيل سياسة خارجية، بل سياسة داخلية فقط، في إشارة إلى أنّ الدبلوماسية الإسرائيلية تتقرر وفق الصراعات الحزبية والسياسية الداخلية. وهي إشارة من دبلوماسي رفيع وخبير في هذا السياق إلى أهمية النقاش الداخلي الإسرائيلي وتأثيره الحاسم على القيادة السياسية، ومن هنا أهمية السيطرة على الرأي العام.
4ـ أوبنهايمر، ي. "عبر الجدار- تمثيل العرب في الأدب العبري والإسرائيلي (1906-2005)". إصدار: "عام عوفيد" وكلية سابير، 2008.
5ـ يفتاحئيل، أورن. "زمن غزة الضائع..."، "المشهد الإسرائيلي"، 13/1/2009.
6ـ غروسمان، دافيد. "بعد أن وصلت الرسالة إلى حماس، يجب وقف النار"، "هآرتس"، 30/12/2008.
7ـ المصدر السابق.
8ـ المصدر السابق.
9ـ المصدر السابق.
10ـ المصدر السابق.
11ـ من الواضح أن غروسمان يتجاهل حتى "الإحصاءات الجافة" حول عدد القتلى وحجم الأضرار منذ بدء الحرب على غزة حتى يوم 30/12/2008، والتي أشارت إلى ارتفاع حصيلة الشهداء إلى أكثر من 385 شهيدًا والجرحى إلى 1750 إصابة 300 منهم خطرة، علاوة على الدمار الكبير الذي لحق بالبيوت والمباني العامة والبنى التحتية.
12ـ غروسمان، دافيد. "القصة التي نجد أنفسنا حبيسين فيها"، "هآرتس"، 20/1/2009.
13ـ المصدر السابق.
14ـ المصدر السابق.
15ـ "يديعوت أحرونوت"، 2/1/2009.
16ـ أ. ب. يهوشواع. "رسالة مفتوحة إلى غدعون ليفي". "هآرتس"، 16/1/2009.
17ـ المصدر السابق.
18ـ ليفي، غدعون. "رد مفتوح على أ. ب. يهوشواع". "هآرتس"، 18/1/2009.
19ـ المصدر السابق.
20ـ المصدر السابق.
21ـ المصدر السابق.
22ـ  كيرت، إتغار وغيفن، شيرا. "يديعوت أحرونوت"، 8/1/2009.
23 ـ "معاريف"، 29/12/2008.
24ـ سيغف، توم. "إنهم يلقنونهم درسًا مرة أخرى". "هآرتس"، 29/12/2008.
25ـ المصدر السابق.
26ـ شيفي، نعاما. "وطنية سيادية". "هآرتس"، 6/1/2009.
27ـ غولان، أفيراما. "منغلقون وكارهون". "هآرتس"، 29/1/2009.
28ـ "معاريف"، 19/1/2009.
29ـ "هآرتس"، 15/8/2006.
30ـ "يديعوت أحرونوت"، 31/12/2008.
31ـ "يديعوت أحرونوت"، 28/12/2008.
32ـ لاؤور، إسحاق. "نصائح". مجلة "ميطاعم"، العدد 17، آذار 2009.
33ـ لاؤور، إسحاق. "نصائح" و"مرحى للفصل". صحيفة "الرأي" الأردنية، 23/1/2009. ترجمة: علاء حليحل.
34ـ نشرت ترجمة عربية لهذه الدراسة بعنوان "اللغة الممزقة" في كتاب "ذاكرة، دولة وهوية- دراسات نقدية حول الصهيونية وإسرائيل". إعداد وترجمة: أنطوان شلحت. إصدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ـ مدار، رام الله 2002.
35ـ "هآرتس"، 15/8/2006.
36ـ  مجلة "آفاق جديدة" الإلكترونية، إصدار: "مركز بيت بيرل"، عدد 22 آب 2006.
37ـ جمال، أمل"الدبلوماسية الإعلامية الإسرائيلية وتأثيرها على علاقات إسرائيل الدولية". ورقة قدمت إلى ندوة مشتركة ما بين مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية والمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ـ مدار بعنوان "جدول أعمال إسرائيل الراهن"، القاهرة، كانون الأول 2008.
38ـ "عضو الكنيست الجديد نحمان شاي يعرض رؤيا جديدة للشرق الأوسط: سياسة القوة الناعمة". "هآرتس"، 20/3/2009.

المصدر :
نشرت هذه الدراسة أصلا، تحت عنوان : النخب الثقافية والأدبية في إسرائيل-"القوة الناعمة" المكملة لـ "القوة الصلبة" [الحرب على غزة كمثال]، في فصلية "قضايا إسرائيلية" الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات "الإسرائيلية" ـ مدار (العدد 33). وذلك على الرابط التالي :
http://www.madarcenter.org/madar/article.asp?PubID=253
ثم أعيد نشرها تحت عنوان : النخب الثقافية في إسرائيل تتقمص دور "القوة الناعمة"، وذلك على الرابط التالي :
http://www.arabs48.com/display.x?cid=19&sid=57&id=62825
 
 إطبع هذا المقال     أرسل إلى صديق

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
نقد
> عندما تصيبك رواية بدهشة حد البكاء .. "لخضر" نموذجا (عن آخر روايات ياسمينة صالح)
> قناة الجزيرة و... الجزرة (كيف عالج الإعلام النفطي خطاب أوباما)
> الروائي العربي الكبير حنا مينة يكتب عن : "الحدث في الرواية"
> "الأقدام السوداء" تعود إلى المكتبات الفرنسية!
> الأوجه المختلفة لإرنست رينان (تذكير بالجذور العنصرية في الإستشراق)
> صحافة «أولاد آدو» وظهور «المحافظين الجدد» العرب (اصطناع أميركا لصحافة التضليل)
> ملحق النظام : مأساة صحافيّي «النهار» وأخواتها (عن عودة اليمين الغبي في لبنان)
> الصهيونية وسلاح الإعلام : يهود صهاينة مولوا مجلة ثقافية أصدرها طه حسين
> رواية "حاسة هاربة" : عن مخيـم فلسطيني أزيل من الوجود
> أبو الطيب المتنبي بين سهام النقاد ونشيد الأيام