خاص ـ الحقول / أصبحت أوكرانيا "مكبا" للمهاجرين غير الشرعيين الذين يفدون إلى الإتحاد الأوروبي من الدول العربية والإسلامية. ويتضح من هذا التقرير الميداني، أن السلطات الأوكرانية لا تحترم مواثيق حقوق الإنسان، حيث تقوم تحت سمع وبصر مفوضية حقوق الإنسان الأوروبية، باحتجاز رجال ونساء من العراق وفلسطين والصومال، وباكستان، ومن جورجيا، ودول البلطيق أيضا، في مخيمات اعتقال خاصة، تحرمهم من ابسط متطلبات الحياة الإنسانية.
ونأمل أن يساعد هذا التقرير الذي وضعته بعثة CEDRI (1)، قوى المجتمع المدني العربي على إدراك الإنفصام الأخلاقي في سياسة الإتحاد الأوروبي حيال قضايا الهجرة من الجنوب إلى الشمال، وأن تتخذه وثيقة رسمية لمساءلته بشأن مدى احترامه لمبادئ حقوق الإنسان. كما يستدعي الأمر شن حملة ضغط على أوكرانيا لإرغامها على وقف اعتداءاتها على المهاجرين غيرالشرعيين الذين طردوا من أوروبا الغنية إلى اراضيها. ويزيد من ضرورة هذه الحملة، اشتباه تقارير منظمات خقوقية دولية بإيواء أوكرانيا وبولندا ودول اوروبية اخرى، سجونا سرية يحتجز فيها معتقلون من دول عرب ومسلمين، كانت الأجهزة الأمنية الأميركية قد اختطفتهم خلال السنوات الماضية.
نص تقرير اللجنة الأوروبية للدفاع عن حقوق اللاجئين المهاجرين CEDRI
لقد عدنا قبل بضعة أيام من رحلة في غرب أوكرانيا، قمنا بها، باعتبارنا ممثلين للجنة الأوروبية للدفاع عن حقوق اللاجئين المهاجرين CEDRI، حيث زرنا هناك مخيمين للاجئين، وذلك بدعوة تلقيناها من لجنة المساعدة الطبية لمنطقة عبر الكربات Transcarpathia.
في الخريف الماضي، أغلق مخيم بافشينو Pavchino للاجئين، الواقع في منطقة عبر الكربات، بسبب الإنتقادات الدولية التي ثارت بشأنه. كان هذا المخيم يضم أعدادا من اللاجئين الذين تم ترحيلهم من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المجاورة لأوكرانيا، وقامت السلطات الأوكرانية بسجنهم فيه، حيث كدستهم صيفا وشتاء في مجموعة من الخيام. وبعد إغلاق هذا المخيم ، فإن مصير أولئك اللاجئين لم يعد ملفا مطروحا على بساط البحث.
نحن ما زلنا مرتابون بالصمت المحيط بهذا الملف. أين أصبح أولئك اللاجئون، الآن؟ فالدول الأوروبية تواصل طرد اللاجئين إلى أوكرانيا، عبر حدودها المشتركة مع كل من : بولندا وسلوفاكيا والمجر ورومانيا. وذلك بعدما باتت أوكرانيا بالنسبة لأعداد متزايدة من المهاجرين، محطة نهاية الرحلة الى دول الغرب الأوروبي.
إن أصدقائنا الناشطين ميدانيا في أوكرانيا، كانوا على علم ببعض الادلة المتعلقة بهذا الملف، الذي أردنا متابعة تفاصيله. وإن ما شهدناه هناك قد أصابنا بصدمة بالغة.
وبفضل مقدرة أولئك الأصدقاء على التفاوض، نجحنا يوم الثلاثاء في 10 آذار/مارس 2009، بزيارة مخيم للاجئين، أقيم في ثكنة حرس الحدود الأوكراني في مدينة شوب CHOP، التي تقع على الحدود مع هنغاريا.
عندما وصلنا إلى هذا المخيم الذي لم تزره أي جهة أو منظمة حقوقية حتى الآن، كان برفقتنا ممثلون عن مؤسسة كاريتاس المحلية التابعة للفاتيكان، وقد التقينا هناك بقائد حرس الحدود الأوكراني، الذي تولى إرشادنا عبر أنحاء تلك الثكنة العسكرية.
في البداية، جال بنا في جانب من الثكنة، الذي تم تجديد بنائه بأموال الاتحاد الأوروبي ومنظمة كاريتاس ـ النمسا. الجانب الأيسر من المبنى مخصص لإقامة النساء، بينما الجانب الأيمن يقطنه الرجال. في الجناح النسائي، أدخلنا الضابط المرافق إلى المطبخ المشترك والغرف الموجود فيه. لم يكن مقيما في تلك الغرف، سوى امرأة مسنة من مولدافيا. كانت تبدو خائرة القوى وهي تجلس بصمت فوق سريرها. كما شاهدنا بابا مقفلا بمفتاح، يؤدي إلى فناء محاط بالشباك المعدنية مخصص "للأطفال".
دخلنا إلى جناح الرجال عبر شباك معدنية كانت تفتح أمامنا. الهواء خانق. سرنا في ممر ضيق يمتد أمامنا. من كل جانب يوجد أربع زنزانات، يسكن في كل واحدة 3-4 لاجئين، ويتم إغلاقها بأبواب حديدية ثقيلة. كان هناك زنزانتين خاليتين. من خلال فتحة الباب التي لا تزيد مساحتها عن مساحة بطاقة بريدية، لاحظنا عيونا مليئة بالأمل. استطعنا التحادث مع بعض هؤلاء الرجال اللاجئين عبر تلك الفتحات الصغيرة.
هناك شابان من جورجيا يقيمان في هذا الجناح منذ أكثر من ثلاثة أشهر، واحد منهما لم يتناول أي طعام تقريبا، منذ مجيئه. والآخر يشكو من أن المياه التي تقدم إليهم ليست صالحة للشرب.
هناك رجل آخر من أصول باكستانية، سألنا متى سيكون بمقدوره تقديم طلب لجوء إلى أوكرانيا أو الإتحاد الأوروبي. بأي حال، فإن جناح الرجال مهيأ لاستيعاب 44 شخصا. لكننا لم نرى في هذه الأثناء، أكثر من 20 شخص لاجئ تقريبا. علما بأنه كان قد قيل لنا، في البداية، إن عدد اللاجئين المقيمين في هذا المخيم بلغ 120 إمراة ورجل. فإلى أين انتقل الباقون. بعد إلحاحنا على القائد العسكري الأوكراني المرافق، عدة مرات، بأننا نريد رؤية بقية اللاجئين واللاجئات، وبعد أن تردد طويلا، بادر لأخذنا إلى مبنى آخر.
قام جندي أوكراني من حرس الحدود، يرتدي زيا قتاليا، بفتح الشباك المعدني لنتمكن من الدخول. وجدنا أنفسنا في ممر مظلم بسبب عطل كهربائي. أبواب الزنزانات كانت مفتوحة، ورويدا رويدا، تجمهر بعض الشبان أمامنا في الممر. أحاطوا بنا من كل جانب. بعض هؤلاء الرجال جاء من الصومال، العراق، أريتريا، فلسطين، الشيشان وأفغانستان.
الفلسطيني الذي يتكلم اللغة الفرنسية بشكل جيد، توسل إلينا قائلا : نحن 27 شخصا محشورين في زنزانة مساحتها 5 × 5 أمتار (25 مترا مربعا)، تحتوي على اربعة أسرة من ثلاث طبقات، ننام عليها بالتناوب. الطعام رديء للغاية، ولا يوجد ماء نظيفة للشرب، ولا يوجد مياه ساخنة للحمام. ونحن مجبرون على طلب الإذن من الجندي السجان، للذهاب إلى دروة المياه لقضاء الحاجة، وسط روائح كريهة جدا. في كل قسم هنا، توجد اربع زنزانات، تضم نحو 100 لاجئ ـ سجين تقريبا. لا يسمح لهؤلاء السجناء ـ اللاجئين، بتنفس الهواء النقي في الباحة الداخلية للمبنى، سوى مرتين في الشهر، رغم أن هواء الزنزانات ملوث وغير صالح للتنفس. يأتينا محام كل أسبوعين، ولكن لا أحد منا يعلم أي شيء عن طلب اللجوء الذي قدمه.
خزائن الدولة الأوكرانية خاوية، حاليا. وهي نجحت بالكاد، في دفع رواتب جنود حرس الحدود. حتى الآن، تتولى مؤسسة كاريتاس المحلية تأمين تغذية الأشخاص المحتجزين في هذا المخيم ـ السجن. الأعمال الخيرية تسمح لهذه المؤسسة بجلب زجاجات مياه الشرب، الأغذية والملابس، مواد التنظيف والادوية أيضا. بالإضافة لمنح المساعدين الإجتماعيين والمحامين مكافآت مالية. لكن هذه الموارد الخيرية تستنفد أيضا، وذلك، لأن الاتحاد الأوروبي لا يوفر المزيد من المال اللازم للإنفاق على هذا المخيم ـ السجن. وبالطبع، لا أحد يعرف ما سيؤول الحال فيه.
في نفس اليوم، كنا على موعد مع ممثل قسم الهجرة، في وزارة القوميات والاديان في مدينة أوجغورود Oujgorod، عاصمة منطقة عبر الكربات Transcarpathia. وهذا الموظف أكد لنا بأنه يتلقى المزيد من طلبات اللجوء المقدمة من مخيم اللاجئين واللاجئات في مخيم شوب، ولكن لا يوجد اتصال مباشر بينه وبين المخيم، الذي يخضع لسلطة وزارة الدفاع الأوكرانية وحدها.
في وقت لاحق، التقينا في مدينة أوجغورود بخمسة من اللاجئين الصوماليين الذين تمكنوا من تقديم طلب لجوء. وقالوا أنهم حصلوا على تصريح إقامة مؤقت، ولكن ليس لديهم أي فرصة للحصول على حق اللجوء. كما أنه ليس لديهم الحق في العمل والحصول على أي مساعدة. وهم يقيمون في غرفة صغيرة جدا. والشرطة تتعقبهم، وتطلب مقابلتهم كل يوم تقريبا. وهم يخشون التنزه في شوارع المدينة، خوفا من تعرضهم لهجمات العصابات العنصرية. أصواتهم كانت تتسم بالتردد، يرفضون قول المزيد بشأن أحوالهم.
بعد ذلك بيومين، سرنا نحو500 كلم باتجاه الشمال الأوكراني، نحو مدينة لودسك Ludsk، حيث أقيم فيها مخيم "نموذجي" للاجئين، تم بناؤه وفقا لمعايير المنظمة الدولية للهجرة، OIM، وهي منظمة حكومية دولية ، تولت ـ على سبيل المثل ـ أمر معسكرات اعتقال لاجئي القوارب التي أقيمت في بعض الجزر النائية في المحيط الهادئ، بأمر من أوستراليا.
يقوم هذا المخيم ـ "النموذج" في قلب غابات سبخية مليئة بالمستنقعات، على أنقاض قاعدة قديمة للصواريخ النووية السوفياتية. الموقع يحيط به سور عال أبيض، تلمع فوقه الأسلاك الشائكة. منذ وقت قريب أعيد تجديد مباني هذا المخيم، والهواء نظيف ونقي. لكنه باختصار، سجن مثالي، يخضع لإشراف وزارة الداخلية، وقوات الشرطة، وينتشر في أرجائه حراس مخيفون، مجهزون بهروات طويلة، ويوحدهم الزي الأسود. بعض النساء كن يتجولن في ممرات المباني بسترات بيضاء ناصعة، كما لو أنهن في عيادة طبية.
إنه غولاغ حديث. فهذا المخيم يستوعب 180 شخصا، لكن 29 شخصا فقط محتجزون فيه. ومثلما هو الحال في مخيم شوب، فقد علمنا أن الأموال هنا أيضا غير متوفرة، من أجل تأمين الغذاء للمحتجزات والمحتجزين في المخيم ـ "النموذج". لقد كان الغرب الأوروبي مسرورا بتمويل تجديد هذا المخيم. حيث يبقى اللاجئون واللاجئات قابعون فيه لمدة لا تزيد عن 6 اشهر، يطلق سراحهم بعدها في أنحاء الريف، من دون توفير العمل والسكن ولا المال لهم.ولقد ذهبنا إلى عمارة يتواجد فيها هؤلاء : كانوا قابعين في صالة للإستراحة مثل المصابين بالشلل. إنهم خائفون، لا يريدون التحدث إلينا تحت أعين الحراس. غادرنا المكان ونحن محبطون. لقد اصبحت أوكرانيا خاتمة المطاف للمهاجرين غير الشرعيين.
ماذا يمكننا ان نفعل؟. خلال رحلتنا ألتقينا بلجان كثيرة، تؤلف القاعدة المستقبلية للمجتمع المدني في أوكرانيا. بفضل هؤلاء، صار من الممكن تطوير مشاريع تنموية مع السكان المحليين، ومكافحة تجارة تهريب البشر. كما تمكنا بفضلهم أيضا من زيارة هذه المخيمات ـ السجون. إنهم يتوقون إلى فعل شيء ما من أجل أولئك اللاجئين واللاجئات ونحن نريد مؤازرتهم في ذلك. ساعدونا على تقديم العون لهم. القروش القليلة هنا تعادل مبلغا كبيرا هناك.
في المدى القريب : هناك حاجة ماسة لإرسال مياه الشرب والأغذية، والثياب، والأدوية من أجل اللاجئات واللاجئين الموجودين في مخيم مدينة شوب. كذلك هناك حاجة لإرسال محامين مستقلين للعمل داخل هذا المخيم وخارجه. ومن الضروري إنشاء صندوق مالي طارئ لإعانة اللاجئات واللاجئين المعدمين الموجودين في المدن، وإدارة هذا الصندوق ستكون على عاتق شركائنا الناشطين ميدانيا.
في المدى المتوسط : بدلا من المخيمات الموصدة، نحن نريد التقدم نحو إعداد مراكز "مفتوحة" على الدوام، حيث يمكن لهؤلاء اللاجئين واللاجئات أن يتلقوا النصح، والعناية الصحية، وأن يجدوا فيها الطمأنينة. وبالمقابل، فإنه من الملح توعية الشعب الأوكراني بالمحنة التي يعانيها اللاجئون الأجانب، وذلك لكبح العنف ضد الأجانب.
في المدى الطويل : تنظيم حملة إعلامية في بلدنا وفي البلدان الأوروبية، بهدف وقف عمليات إلقاء المهاجرين غير الشرعيين في أوكرانيا. ونحن نحضر ملفا مفصلا، سيصل إلى كافة المنظمات المعنية بشؤون اللاجئين، وإلى وسائل الإعلام، كما سنرسله لكل من يطلبه.
ونحن لا يسعنا أن نقبل بمحاولة الدول الأوروبية الغنية التخلص من مشكلة اللاجئين واللاجئات لديها، من خلال طردهم إلى الدول الأوروبية الأكثر فقرا. وإننا نشكركم سلفا لتضامنكم.
ترجمة فريق تحرير الحقول
(1) Le Cedri est le Comité Européen pour la Défense des Réfugiés et Immigrés
المصدر :
http://www.michelcollon.info/index.php?option=com_content&view=article&id=2011:ukraine-gare-terminus&catid=6:articles&Itemid=11
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق