تجمعات شعبية سورية ترحيبا بقدوم وزير الخارجية ومدير الإستخبارات الخارجية الروسية إلى دمشق قوات الأمن السورية تواصل ملاحقة الإرهابيين أوباما يقول أن التفاوض مع الحكومة السورية لا زال ممكنا الإضطرابات الشعبية في مصر متواصلة، وأحياء جديدة في القاهرة تشهد اضطرابات الإخوانيون والسلفيون يتهمون شباب الثورة في مصر بأنهم "بلطجية" اتفاق بين مشعل وعباس تحت "رعاية" أمير قطر على تشكيل حكومة مشتركة برئاسة عباس أنباء عن انقسامات في حماس وفتح بسبب اتفاق الدوحة الأسير الفلسطيني عدنان خضر يتحدى الإحتلال الصهيوني ويواصل إضرابه عن الطعام منذ 17 كانون الأول الماضي مسلحون يقتحمون مخيما للاجئين ليبيين في طرابلس ويقتلون عددا من المدنيين "إسرائيل" تقرر إنشاء سكة حديد تربط المتوسط بالبحر الأحمر أوباما يقرر إغلاق السفارة الأميركية في دمشق، وحكومة لندن تتبعه الشيخ حافظ سلامة : "الدنانير والدولارات والريالات التي تتدفق على مصر وراء تحريك العنف للنيل من الثورة" المعارضة البحرينية بدأت أسبوع احتجاج من أجل الإصلاح السياسي الحكومة الكويتية قدمت استقالتها عقب الإنتخابات النيابية، وحكومة جديدة خلال اسبوعين الجيش الإيراني أجرى مناورات لصد هجمات معادية وكشف عن اسلحة جديدة لديه تظاهرات في هولندا احتجاجا على زيارة بنيامين نتنياهو فيدل كاسترو نشر كتابا جديدا في هافانا عن "مرحلة حرب العصابات" روغوزين : مؤتمر ميونيخ فشل في إيجاد تسوية حول نظام الدفاع الصاروخي الأوروبي، وروسيا بناء نظام مماثل الشرطة الأميركية قمعت اعتصام حركة "احتلوا وول ستريت" في واشنطن وقامت بطرد المعتصمين وتدمير مخيمهم      
تركيا : قضية أرغينيكون والنزاع القومي العلماني ـ الإسلامي (هل من تورط لموساد في هذه القضية)

يتصل ملف منظمة أرغينيكون بطبيعة الدولة التركية نفسها. البعد الجنائي يبدو ثانويا أمام البعد الدولتي، الذي يبدو الأهم بالنسبة للقارئ العربي. ذلك أن "النموذج التركي" في الحكم والسلطة، والعلاقة بـ"إسرائيل"، كان لبعض الوقت "بضاعة رائجة" في إعلام المحافظين الجدد، وقد عرض بديلا من حكومات ونظم عربية معينة. في ملف أرغينيكون الذي تصل بعض خيوطه إلى موساد الإسرائيلي، نلمح قدرا من صيرورة الدولة التركية التي تملك مكونا غربيا قويا بسبب موقعها الجغرافي، ونشأتها السياسية في التاريخ الحديث. كما نرى بعضا من جوانب "المقاومة الدولتية" للسياسة الإسلامية والعربية التي أطلقتها حكومة حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة. في هذا الحوار قادنا الباحث العربي محمد نور الدين(1) في ثنايا ملف أرغينيكون، مراقبا ومحللا وخبيرا في دقائق الحياة السياسية التركية.

تداولت وسائل الإعلام التركية والأجنبية في الآونة الأخيرة، معلومات وأخبار كثيرة عن منظمة أرغينيكون، فما هي هذه المنظمة، تنظيم سياسي؟ مافيا؟ هل هي دولة داخل أجهزة الدولة التركية؟ هل هي الماسونية؟! حركة لليهود، ما هي؟!.
الشائع في تركيا وجود مصطلح يسمى الدولة العميقة. والدولة العميقة مصطلح قديم ظهر منذ السبعينات وحتى اليوم. واطلق هذا المصطلح لأول مرة رئيس الوزراء التركي السابق بولنت أجاويد. ويقصد بهذا المصطلح مجموع المؤسسات والاجهزة والشخصيات التي ترى مصلحة لتركيا في العلمانية، ولا سيما بالمفهوم الأتاتوركي، وذلك بمواجهة كل الاتجاهات السياسية الأخرى، أكانت إسلامية أم انفصالية كردية أو منظمات يسارية متشددة، أو أي اتجاه او تهديدات داخلية أو خارجية، ومنها على سبيل المثال المنظمات المرتبطة باليونان أو المرتبطة بالأرمن مثل منظمة الجيش الأرمني السري/أسالا، التي نشطت في الثمانينات ومطلع التسعينيات.
ولقد انتشرت وتكررت في تركيا ظاهرة الجرائم التي كانت تطال شخصيات علمانية، كردية، شخصيات اسلامية متفرقة في كل الاتجاهات، ولكن لم يكتشف منفذ أي جريمة من هذه الجرائم،  لذلك أطلق عليها الجرائم مجهولة الفاعل. وكان دائما يشار دون أي دليل الى وجود قوى تقف خلف هذه الجرائم، وكان يشار بالاصبع الى ما يسمى قوى ومؤسسات الدولة العميقة.
فيما بعد، ومع وصول حزب العدالة والتنمية الى السلطة طرأ تحول لا شك فيه في بنية النظام السياسي، تحول ليس جذريا بالقدر الكافي، للقول ان النظام تغير، لكنه تحول وصل الى مدى معين كاف، لأن يفتح هوة في هذا الجدار السميك بشأن بعض الجرائم التي كانت تجري ولا يعرف من كان وراءها.
صدفة في حزيران 2007 اكتشف مخبأ سلاح في حديقة أحد الاشخاص، وكان هذا هو طرف الخيط الذي أوصل الى ما يمكن أن يكون شبكة أو تنظيم يقف أو خطط أو نفذ أو ساعد أو أوحى للقيام بعدد كبير من الجرائم مجهولة الفاعل، اوللتخطيط لاحداث سياسية من تنظيم تظاهرات أو ضغوط على النواب وما الى ذلك.
من خلال التحقيق مع طرف الخيط هذا الذي بدأ في حزيران 2007، تكشف أمر مذهل وهو أن هناك ما يشبه غرفة عمليات سرية. تضم هذه الغرفة قوى وشخصيات وتنظيمات نقابية تنتمي الى مختلف، ان لم نقل كل القطاعات الموجودة في المجتمع، بما في ذلك القطاعات الأمنية.

من هي أبرز أو أهم هذه الشخصيات أو المنظمات وما أهمية وجودها في هذا الاطار المسمى أرغينيكون؟
من خلال التحقيقات المتعاقبة التي بدأت في حزيران 2007 ولا تزال مستمرة حتى اليوم، وآخر موجة من هذه الاعتقالات ـ حيث كل موجة اعتقالات كان يطلق عليها اسم موجة رقم 1،  موجة رقم 2 ... ألخ ـ كانت رقم 12 وقد جرت منذ عدة أيام فقط (أواسط شهر نيسان 2009). مع كل موجة اعتقال كانت يتكشف خيوط جديدة وقضايا جديدة ومتهمين جدد بحيث أن هذه المنظمة التي اتفقوا هم على أن تكون اسمها أرغينيكون.

ماذا تعني أرغينيكون، وما هي إذن؟
أرغينيكون : مصطلح تركي يشير الى اسطورة تركية تعكس النزعة القومية التركية منذ أن كان الاتراك في آسيا الوسطى، قبل أن يأتوا الى الأناضول. وبالتالي هذه المنظمة تتكشف كما يلي :  أولا، تضم في عدادها جنرالات عسكريين، أي أن هناك أفراد ينتمون الى المؤسسة العسكرية سواء كانوا حاليا في الخدمة أو متقاعدون. في هذه المنظمة أبرز وأرفع الجنرالات. احدهم كان قائدا لجيش إيجة، وأحدهم كان قائدا للقوات البحرية، وآخر كان قائدا عاما للدرك، يعني هؤلاء من مواقع عسكرية عالية جدا ومرموقة.
هناك في أرغينيكون رجال الاستخبارات التركية أيضا، لهم خيوط ليس فقط في الجرائم مجهولة الفاعل بل في عدد كبير من الأحداث التي كانت تشهدها تركيا، من تظاهرات، من ضغوط على القضاة.
كما تبين أن هناك من قطاع الصحافة .. عدد  كبير من الصحافيين أعضاء في هذه المنظمة. مسؤولين في غرف الصناعة والتجارة مثلا غرفة تجارة أنقرة كانوا حتى ضمن القياديين في أرغينيكون. هناك فناني.
هناك لا أقول أخطر، ولكن الملفت للنظر كان هناك باحثين ومفكرين أعضاء في هذه المنظمة، والأنكى والأخطر من ذلك أن هناك خمس رؤساء جامعات أعضاء فيها أيضا. كما تجد فيها عددا كبيرا من منظمات المجتمع المدني، مثلا : احداها جمعية دعم أو تشجيع الحياة المعاصرة، يعني أن الطالبات يجب عليهن التعلم ويجب أن يكن مثقفات. ضمن هذا السياق، هناك أعضاء في أرغينيكون من قطاع الطب.
قد يكون تقصيرا بحق أرغينيكون أن نطلق عليها كلمة منظمة أو تنظيم، لعلها تتكون من تنظيم واسع جدا .. دولة داخل دولة أو مجتمع داخل المجتمع، يعني يضم أطياف من جميع الفئات الاجتماعية. هذه المنظمة تعكس حالة سياسية، حالة اجتماعية، أكثر من أن تكون منظمة بالمعنى الضيق للكلمة. وبتقديري أن هذه المنظمة تعكس حالة عامة واسعة متعددة متشعبة، أكثر من أن تكون مجرد تنظيم تقليدي له هيكلية معينة، وله بعض الأعضاء.

بما أن أرغينيكون كما تبدو تآمرية وسرية، السؤال عن مدى شرعيتها في التعبير عن الحس القومي التركي؟
هنا نأتي للنقطة الاكثر حساسية لهذا الموضوع. حتى الآن لم يعرف رأس هذه المنظمة. من هو الدماغ الاول لهذه المنظمة. البعض يقول قائد الدرك السابق. البعض يقول قائد قوات ايجة. حتى الان لم يعرف من كل هؤلاء المعتقلين من كان هو الرأس المدبر .. الدماغ الاقوى لهذه المنظمة، قد لا يكون هناك دماغ أكبر، وقد يكون هذا الدماغ خارج المنظمة.
لكن بمجرد أن يكون في المراتب العليا لهذه المنظمة جنرالات كانوا يتولون مناصب قيادية عالية جدا وحساسة جدا في الجيش الى ما قبل سنتين فقط. نقطة ثانية، ان غالبية المنتمين لهذه المنظمة هم علمانيون متشددون، وهم معادين للاتجاهات الاسلامية، ولديهم نزعة قومية متشددة، ولهم امتدادت أيضا في قبرص التركية. فالحزب الحاكم الذي نجح هناك في الانتخابات النيابية التي حصلت مؤخرا (في 20 نيسان 2009)، بزعامة درويش اير اوغلو هو أيضا متهم بأنه عضو في هذه المنظمة ...
إذا أخذنا بالإعتبار كل ذلك، نصل الى نتيجة الى أن أرغينيكون لم تكن لتنشط وتستمر ما لم تكن مدعومة من قوى اساسية من الدولة التركية أو التي سأسميها قوى الدولة العميقة، التي يعبر عنها بشكل أبرز وأوضح المؤسسة العسكرية والقيادات الامنية، وجزء من المؤسسة القضائية.
وتاليا، فإما ان أرغينيكون تحظى بدعم وبتغطية من هذه المؤسسات أو انها جزء من الذهنية أو العقلية العسكرية العلمانية القومية المتشددة. والسؤال الذي يطرح هنا : في السياسة أين تقع كل هذه القضية. لا شك أن حزب العدالة والتنمية مستفيد من كشف هذه القضية. لان الاتهامات التي وجهت للمنظمة لم يكن ممكن الكشف عنها والمضي فيها ما لم يكن حزب العدالة والتنمية في الحكم.
لماذا، لان هناك صراع تاريخي بين العلمانيين المتشددين وبين الاسلاميين بشكل اساسي، وبالتالي الاصلاح الذي جاء به حزب العدالة والتنمية كان يهدف الى كسر ما نسميه الدولة العميقة .. كسر هذا الحاجز الذي يجعل الدولة مقفلة على التيارات السياسية التي تريد التغير، والتي تريد مزيد من الديمقراطية ومزيد من تعزيز الحريات واقامة تركيا اكثر ديمقراطية أكثر احتراما لحقوق الانسان وبالتالي توفير أرضية المناسبة للدخول للاتحاد الاوروبي.
في هذه النقطة، أرغينيكون وكل الدولة العميقة هم ضد دخول تركيا الى الاتحاد الاوروبي، من منطلق تعصبي قومي، ومن منطلق الحفاظ على هذه المنظومة الاستبدادية الموجودة.


اذن، أرغينيكون تتعارض مع معايير الانضمام الى الاتحاد الاوروبي؟
 تماما. وقد تيبن أن المنظمة كانت ترتكب أعمال قتل لعلمانيين ومن بينهم الصحافي المشهور أوغور مونجو، من أجل توجيه الإتهام للاسلامين، وتأليب الرأي العام على الاسلاميين "الذين" يقتلون ويذبحون في العلمانيين، في حين أن معظم هذه الجرائم كانت المنظمة وراءها.
كشف هكذا منظمة ومحاولة الذهاب الى النهاية بالتحقيقات يخدم حزب العدالة والتنمية سياسيا، ويعزز نظرته بأن هذا البلد لا يمكن أن يحكم عبر عصابات ارهابية ضمن النظام أو تشجع من قبل البعض بداخل النظام.
لهذا السبب كان نوع من الشجاعة لدى الحزب على المضي رغم أنه مع كل موجة اعتقال كان يتكشف اسماء أو شخصيات حيث كان الجمهور يفغر فاه متعجبا : "هل من المعقول أن يكون هؤلاء في منظمة أرغينيكون".
هنا كان ثمة نوعا من الانتقام، ولكن القانوني، من قبل التيارات الاسلامية وحزب العدالة والتنمية ضد خصومهم، وخصوصا المؤسسة العسكرية.
لماذا المؤسسة العسكرية وقفت مكتوفة الايدي ولم تستطع أن تفعل شيئاً في مسألة أرغينيكون. اولا، لان الادلة دامغة وثابتة على هؤلاء المتهمين. جزء منهم كانوا يذهبون ويحفرون في حديقة منازلهم فيجدون الاسلحة.
ولان الادلة دامغة من جهة، ومن جهة أخرى لان الجيش لم يكن قادر على ايقاف عملية التحقيق في ملف أرغينيكون بعدما اسقط في يديه، لان حزب العدالة يحظى بشعبية واسعة، وأي محاولة لايقاف هذه العملية، ستكون بمثابة انقلاب مباشر او غير مباشر، وبالتالي لن ينجح الجيش في هذه المحاولة.
لهذا السبب أظهرالجيش، في محاولة لبقاء صورته بعيدا عن التورط في القضية، انه على الحياد، وأنه ويترك للقضاء مجراه.
ولكن بمجرد أن ترسل رئاسة الاركان الموفدين الى السجون، للقاء الجنرالات الموقوفين كان هذا مؤشرا أو رسالة ان الجيش غير راض عن هذه العملية التي كانت تجري.
البعض يقول أن هؤلاء الموقوفين كانوا يشكلون عبئا على المؤسسة العسكرية. يعني هناك رأس متطرف ولكن بجانبه رأس أكثر تطرفاً، وبالتالي هذه المنظمة أرغينيكون كانت الاكثر تطرفا بجانب المؤسسة العسكرية أو الدولة العميقة. وبالتالي الجيش سكت عن هذه الإعتقالات التي تجري والمحاكمات، أو بقي صامتا لانه يريد أن يتخلص منهم أو يضعفهم، لانهم أصبحوا يشكلون عبئا عليه، خاصة بعد ظهور مناخ جديد من الحريات والديمقراطية، وبعد صار من غير الممكن القيام بانقلابات عسكرية مباشرة، لا تحظى بتأيد لا شعبي ولا خارجي، وخاصة من قبل الولايات الاميركية المتحدة. يعني اجمالا الصورة حتى الان تختلف.


ما هي بالضبط الروايات التي ذكرت في الصحافة التركية أو في الاعلام التركي عن تورط موساد والاجهزة الامنية الاسرائيلية في قضية أرغينيكون. متى وكيف أشير لهذا التورط؟
ربط بشكل ما بين هذه المنظمة أو بعض الحوادث الأمنية التي جرت، بمعزل عن قيام أرغينيكون بها او اتهامها بأنها وراءها. وفي قضية واحدة من بين هذه الحوادث، وهي عملية اغتيال الصحافي التركي أوغور مونجو، ربط تنفيذها بموساد الاسرائيلي أو بعناصر استخبارات اسرائيلية، قد تكون نفذت. حيث يقال ان فريق اسرائيلي أتى ونزل ونفذ عملية الاغتيال، رغم ان عملية الاغتيال تم عن طريق سيارة متفجرة وليس عن بإطلاق الرصاص.
لكن ليس هناك حتى الان، ما يشير الى رابط بنيوي مباشر بين موساد وبين أرغينيكون، ولكن بالتحليل السياسي وليس بالمعطيات، يمكن القول بأن موساد مستفيد بالكامل من الرؤية السياسية التي كانت تتحرك بها هذه المنظمة، لانها كانت تستهدف بشكل أساسي الاسلاميين، تستهدف على سبيل المثال صورة ايران، لان عندما اغتيل أوغور مونجو سنة 1995، اتهم الاسلاميون الموالون لايران بهذه الجريمة.

قيل أن موساد شجعت أرغينيكون على اتخاذ مواقف معينة بشأن رئيس الاركان باشبوك، ما كان الموضوع بالضبط، لان باشبوك ذهب الى القدس وقيل عنه انه يهودي، وان هناك صلة بين الهجوم الحاصل عليه وبين موساد وتشجعيها لأرغينيكون.
 لا توجد معطيات محددة حول هذا الموضوع، لكن بتقديري أرغينيكون لم تكن منظمة بالمعنى  التقليدي للكلمة، بحيث ممكن أن تكون مجموعة نشاطات، مجموعة ممارسات، مجموعة خلايا، بحيث ممكن قوى داخل الدولة العميقة أن تقوم بهذا العمل هنا أو هناك عبر هذه الجهة أو تلك، من دون أن تكون هذه الجهات تنسق فيما بينها، تعقد اجتماعات. بمعنى انها ليست منظمة بالمعنى الحزبي، بالمعنى البنيوي لكلمة المنظمات.
ممكن أن تكون جهة ما داخل الدولة تقوم بأعمال تكلف بتنفيذها هذه المؤسسة مرة، ثم تكلف فئة أخرى مرة ثانية، للقيام بعمليات اغتيال أو التخطيط للانقلاب على الحكومة.
عامي 2004 ـ 2005، مثلا، اكتشفت محاولتي انقلاب على حكومة أردوغان، من جانب مجموعة من الضباط يطلق عليهم إسم "الضباط الشبان". وقد علم بهما رئيس الاركان حلمي اسكوك ـ المعروف عنه بأنه من أكثر رؤساء الأركان الأتراك الاكثر ديمقراطية وانفتاحا ـ وحال دون أن يمشي "الضباط الشبان" بمحاولتهم، وأن يأخذوا طريقهم للتنفيذ. لقد منع حصول محاولتي الإنقلاب.
هاتين المحاولتين من قبل "الضباط الشبان" اللذين ما زالوا في الخدمة، يعني من المستبعد أن تجد صلة بنيوية بين هؤلاء الضباط بالجيش الذين يخططون لعملية انقلاب على الحكومة، وبين، مثلا، جمعية معينة موجودة خارج المؤسسة العسكرية او بالمجتمع. بمعنى أن التحركات بتقديري لم تكن مركزية أو جهات التنفيذ لم تكن مركزية، وان يكن هناك جهة أخرى داخل الدولة العميقة، لا أحد قادر ان يحدد بالضبط من هي. ولكن ما ان نقول الدولة العميقة في تركيا، وهذا مصطلح عام، غامض، فإن الكل سيعرف أن هذا المصطلح يعني الجيش، الاستخبارات، بعض الاجهزة القضائية، المحكمة الدستورية، كما يعني جهات كثيرة داخل الدولة.

على ذكر هؤلاء الضباط الشبان ومحاولة الانقلاب، قيل أيضا في احد ملفات التحقيق أنه كان هناك تشجيع من موساد الإسرائيلي لكي تتولى أرغينيكون اغتيال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان!.
صلة موساد مع أرغينيكون تبقى حتى الان صلة غير ثابتة. أنا لا أبرئ موساد، ولكن دائما، هذه الامور لا تنكشف الا بمرور بعض الوقت. لا أستبعد وجود صلة، أنا قلت بأن موساد يستفيد من عمل أرغينيكون لان أهدافها تؤدي الى إضعاف التيار الاسلامي داخل تركيا، وهو تيار أزعج اسرائيل فيما بعد، علما بأن النشاطات التي نسبت الى أرغينيكون ليست جديدة.
لقد اكتشفت قضية أرغينيكون عام 2007، حينما ظهر رأس الخيط الذي أوصل لهذه المنظمة. لكن ينسب إلى أرغينيكون عددا من العمليات التي حصلت بدءاً من مطلع تسعينيات القرن الماضي. ما يعني أن هذه المنظمة موجودة من خمس عشر ـ عشرين سنة، قبل أن يصل حزب العدالة والنتمية الى السلطة، وهي كانت تستهدف مجمل الفئات التي تعارض الدولة العلمانية في تركيا، أو تعارض سيطرة العسكريين على السلطة، وبالتالي تعارض علاقات تركيا مع الغرب، وعلاقات تركيا مع اسرائيل.
من هذه الزاوية يمكن القول أن لموساد مصلحة أو منفعة من هكذا ممارسات منسوبة إلى أرغينيكون. خصوصا، وأنه حسب التحقيقات كانت هذه المنظمة جزءا أو تحت سيطرة او تشجيع الدولة العميقة المسيطرة والحاكمة في تركيا. الان هناك شيئ مباشر عملي، لا شيئ برأيي، يستبعد التعاون بين موساد وبين هذه المنظمة. ولكن حتى الان القضاء التركي لم يظهر الادلة الدامغة أو غير الدامغة. الآن، المسألة غير واضحة بالضبط.

لدينا سؤال تقني. هل ثمة احتمال بأن تكون جهات خارجية معينة هي التي كشفت أو ساهمت في كشف أرغينيكون. لان الكلام عن الصدفة في اكتشاف رأس الخيط، لا يبدو مقنعا. هل هناك قوى خارجية ساهمت في كشف هذه المنظمة؟
تتعارض وجهات النظر في هذا الموضوع. البعض يقول أن الولايات الاميركية المتحدة كانت تشجع النظام الموجود في تركيا، وتشجع مثل هذه المنظمة، لكنها في ظل تحولات تركيا الداخلية والاقليمية، وجدت الولايات المتحدة أن لها مصلحة في استمرار النظام الحاكم حاليا في تركيا. يعني استمرار سلطة حزب العدالة والتنمية، لانها ضمنت الاستقرار ولها قاعدة شعبية عريضة. الولايات المتحدة لم تعد تشجع خاصة في عهد بوش على القيام بأي انقلاب عسكري في تركيا، مع أنه في عهد بوش أميركا غضبت على الجيش التركي لانه لم يشارك في حرب إحتلال العراق، لكن الولايات الاميركية المتحدة لم يعد لها مصلحة بحدوث انقلابات عسكرية في تركيا، ووجدت أن هذه المنظمة أصبحت عبئا.
كذلك، يقال أن الولايات المتحدة هي من المساهمين في كشف أرغينيكون والتخلص منها، لأنها مثلما أصبحت عبئا على الدولة العميقة، هي أصبحت عبئا على الولايات المتحدة الاميركية أيضا. وهذه وجهة نظر. وقد يكون للصدفة أيضا دورها في هذا الامر، لا نستطيع أن نجزم الان، في هذا الاتجاه أو ذاك.

السؤال الأخير. لم تصدر تعليقات من اسرائيل حول أرغينيكون؟.
على حد علمي لا يوجد تعليقات بارزة أو ملفتة. لكن الخيط الاسرائيلي في التحقيقات بشأن أرغينيكون ... هناك كلام عن هذا الخيط لكن غير واضح وغير مؤكد.

(1) محمد نور الدين، باحث، وأستاذ جامعي عربي من لبنان، مختص بالشؤون التركية. نشر عددا من المؤلفات أبرزها :
ـ تركيا في الزمن المتحول، قلق الهوية وصراع الخيارات.
ـ تركيا الجمهورية الحائرة.
ـ تركيا الصيغة والدور.

أعد المقابلة وحررها : مركز الحقول للدراسات
بيروت في 22 نيسان 2009
 إطبع هذا المقال     أرسل إلى صديق

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
حوار
> ضاحي خلفان : هناك مخطط أميركي لتقسيم وتهميش المنطقة العربية عبر ما يسمى الفوضى الخلاقة
> سلطانية ‏:‏ أمانو يغمض عينيه عن "إسرائيل"، واذكر بالعرفان ما قاله السفير الروسي والصيني
> زبيغينيو بريجنسكي: سوف تُطرد أميركا من معادلة الشّرق الأوسط، و"إسرائيل" لن تستطيع الصّمود
> الصليبي : "صححت مساري في الكتابة التاريخية بالتدريج" (عن أزمة التاريخ المحلي: نموذج لبنان)
> بلخادم : الجزائر ضد أي تدخل أجنبي والجامعة العربية التي تطلب استعمال القوة ضد عضو منها ليست بيت العرب
> نيللي ترافيس: "البلوز هو فعلاً فن المظلوم في هذا الزمان"
> عبد الحكيم جمال عبد الناصر : التنحي ليس كافيا، يجب محاكمة حسني وجمال مبارك وأجمد عز وإعادة ما نهبوه...
> هيكل عن "ثورة الشباب" : أصداؤها ترددت في أرجاء الكون بأسره، وصفحة النظام طُويت ...
> الفنان العربي حلمي التوني: اشتغلت كاريكاتور لأركز على العدل والحرية ... طوال عمري أنتمي للقضية الفلسطينية
> مدير النووي الباكستاني : "برنامجنا موجه نحو الهند ولا مصادر تهديد لنا غيرها"‏