محمد حسنين هيكل يستشرف سياسة الرئيس الأميركي أوباما نحو العرب (من أجل نقد عربي للـ"أوبامانيا")
هذا الحوار الطويل مع المفكر العربي المصري محمد حسنين هيكل مكرس لنقد ظاهرة الـ"أوبامانيا" التي انتشرت في الإعلام الغربي والعربي بعد نجاح باراك أوباما في انتخابات الرئاسة الأميركية. مع أن مناسبة الحوار وموضوعه هو خطاب الرئيس أوباما الذي ألقاه فى جامعة القاهرة. وقد تأخرنا في نشر هذا الحوار، أملا في أن نُكَوِّن ملفا يجمع الرؤية العربية إلى ظاهرة الـ"أوبامانيا"، ويكون الحوار مع هيكل من بينه. لكن للأسف، فإن النقد العربي للـ"أوبامانيا" لا زال بطيئا ومحصوله ضحلا، بينما يشتد هذا النقد في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية. أنظر، مثلا، المقال القيم الذي كتبته الباحثة ميرا كامدار، تحت عنوان : "آسيا لا ترضخ للأوبامانيا"1.
ينقسم هذا الحوار مع الأستاذ هيكل إلى قسمين. الأول، يعرض فيها تقييمه للـ"أوبامانيا" كما تجلت في خطاب الرئيس الأميركي أمام حشد من الرسميين والأكاديميين ورجال الدين المصريين، الذين انتظروه ثلاث ساعات في قاعة جامعة القاهرة. والثاني، يتضمن أسئلة وأجوبة تتعلق بهذا التقييم، حيث تقلبه نظرا وبحثا وتمحيصا، عسى أن يفيد المواطن العربي في رؤية حاضره ومستقبله.
هيكل : أوباما تغيير أميركي في التعبير وليس في السياسة
"[أوباما] هو نجم شديد السطوع، وقصة إنسانية رائعة بأى معيار، وهو شخص رائع. هذا رجل جاء من لا مكان ووصل إلى قمة العالم، وبصرف النظر عن أى شىء آخر، فنحن أمام ظاهرة نجم لا شك فيها، شخصية قادرة على أن تحكى، وعلى أن توجه، وعلى أن تعبر. وأما إذا كان هو القوة الحقيقية فى أمريكا، فتلك قضية أخرى، فأنا أعتقد أن مؤسسة قوية اختارته للتعبير عنها فى لحظة أزمة تواجه أمريكا، أو فى لحظة أزمات تواجه أمريكا، وأنا أعتقد أنه يؤدى دوره بامتياز.
والأزمة التى جاء أوباما ليعبر عن احتياجاتها هى أزمة فى السياسة الأميركية، ولكن ليس هناك إقرار بين الدوائر الحاكمة فى أميركا أن هذه السياسة فشلت، ولكن هناك إقرارا بأن التعبير عنها قد فشل، وأن فشل بوش كان فى التعبير، وفى الشعار، الذى اختير للمعركة. فكل قوى عظمى فى اعتقادى تحتاج لشعار تدير به معركتها. اختير شعار الديمقراطية فى لحظة من اللحظات. الاتحاد السوفييتى، على سبيل المثال، اختار شعار المساواة بين الناس. وفى فترة أخرى، اختارت أميركا شعار مكافحة الشيوعية، حتى جئنا إلى لحظة وجدت أميركا نفسها بلا عدو، ثم تبدى ذلك للعدو، تبدى فى لحظة تالية باعتبار الإرهاب مقترنا بالإسلام، ثم كان أن وصلت هذه المعركة فى التعبير عن مطالب الإمبراطورية الأميركية إلى طريق مسدود.
فالحرب على الإرهاب، وإدخال الإسلام فيها، لا يمكن أن تكون معركة حقيقية، لأنها معركة بلا نهاية، ومعركة بتكلفة هائلة، ومعركة بغير ميدان، وبلا شعار ممكن شرحه للناس بطريقة مقنعة. وعلى أى حال فشلوا، وبات واضحا تماما أنهم فى حاجة إلى تعبير جديد. والرجل الذى أتى حاملا للتعبير الجديد، أوباما، هو شخصية إنسانية بديعة، وهو قادر على أن يؤدى المهمة التى جىء به من أجلها. وعندما أقول إن هناك مؤسسة جاءت به فهذا لا يقلل من شأنه. وليس نظرية مؤامرة، فأنت لا تدعو لنظرية مؤامرة حين تؤكد أن الدول والحكومات تعبر عن مصالح حقيقية فى المجتمع، والرأسمالية الأميركية من حقها شأن أى قوى أخرى أن تأتى بمن يمثل المؤسسة أو أن تساعده على الوصول.
ونحن رأينا هذا بأشكال مختلفة.. رأيناه فى وقوف برنارد باروخ، ممثلا للمؤسسة المالية الصناعية بجانب روزفلت. ورأيناه مع كارتر، ممثلا فى اللجنة الثلاثية أو Trilateral Commission، بمشاركة يابانية وأوروبية وأميركية. لأنه لا يمكن تصور، تحت أى وضع، أن المؤسسات صاحبة المصالح تترك مصالحها للأهواء السياسية، فلابد وأن توجد فى السياسة بشكل أو بآخر، وعندنا فى مصر مثلا المجلس الأميركى المصرى، ولجنة السياسات. ليس فى الأمر مؤامرة، لكن من الطبيعى تماما أن تعمل المصالح الموجودة فى بلد ما على أن تعبر عن نفسها سياسيا، وأن تضمن مصالحها سياسيا.
دعونا نبدأ من هنا إذن. أنا أتصور أننى أمام المشهد التالى: هناك تغيير فى الرسالة، تغيير فى التعبير، لكن لا تقول لى إن هناك تغييرا فى السياسات. فإذا أريد تغيير فى السياسات ـ أود أن ألفت النظر إلى أنه فى أميركا ـ إذا أريد تغيير السياسات، فمكان هذا هو الكونغرس وليس جامعة القاهرة. أنا أمام تعبير جديد، يوجه للعالم الإسلامى، بعد نهاية وسقوط خطاب عقائدى معين، فالتعبيرات القديمة فشلت، ولكنه ليس تغييرا فى السياسات، فلا يمكن لتغيير فى السياسات أن يبدأ من القاهرة، أو من جامعة القاهرة. فأنا أمام تغيير فى التعبير، وليس تغييرا فى السياسات.
التعبير الجديد موجه إلى العالم الإسلامى، أو دعوة للعالم الإسلامى، لأن الحرب الإمبراطورية فى عالمنا تحت شعار الحرب ضد الإرهاب وصلت لطريق مسدود. أنت إذن تحاول التراجع عن هذا الطريق المسدود، وبشكل أو بآخر تبحث عن وسيلة لتحقيق هذا، وعن خطاب جيد، وعندك النجم المؤهل والقادر على توجيه ذلك الخطاب.
دعونا ننتقل إذن للحديث فى عدة أشياء متعلقة بهذا الخطاب. أولا، كانت هناك حاجة إلى خطاب جديد، لأن هناك تغييرا فى التعبير، وأن هذا التعبير الجديد يجب أن يعلن عنه من داخل العالم الإسلامى. وأنا أتكلم هنا كمراقب صحفى، فقد قامت مناقشات طويلة جدا فى واشنطن فيما يتعلق بأى العواصم يقع عليها الاختيار لتوجيه الخطاب. وذكرت أربع عواصم هى العاصمة الإندونيسية، جاكرتا، والعاصمة السعودية، الرياض، كما ذكرت أنقرة، وذكرت القاهرة.
أقول، وأنا متابع مهتم لما جرى، أن نقاشا دار فى واشنطن حول كل هذه العواصم. جاكرتا كانت من اختيار أوباما نفسه، لأنه يعرفها، وعاش فيها عدة سنوات فى طفولته، ولديه خبرة بها، كما أنها كبرى البلاد الإسلامية من حيث عدد السكان، ولكن قيل له وبوضوح إن إندونيسيا بعيدة جدا عن قلب العالم الإسلامى، وبعيدة عن تاريخه، وقد لا تكون هى المكان المناسب. أما السعودية فلم تكن راغبة، ومنذ البداية قالت إنها لا تريد خطابات أو مؤتمرات عندها، وهى موجودة فى خلفية الصورة، تتصرف أو تبدى رأيها. ولم تكن مصادفة أن أهم الصحف السعودية التى تصدر فى لندن عمدت فى تغطيتها لزيارة أوباما إلى الرياض قبل مجيئه للقاهرة، على التأكيد فى عناوينها أن «أوباما فى السعودية لأخذ المشورة قبل مخاطبة العالم الإسلامى من القاهرة».
عند نقاش واشنطن لمسألة اختيار العاصمة الأنسب لخطاب أوباما، أبدت خمسة اعتراضات أساسية على القاهرة، أولها: أن القاهرة منغمسة فى مشكلات مع أطراف كثيرة جدا فى العالم العربى، فلديها مشكلات مع التيار الإسلامى داخل مصر، ومشكلات مع الإسلام الشيعى فى أنحاء المنطقة، ومشكلات مع دول عربية متعددة، وهى بذلك قد لا تكون من أصلح الأماكن للخطاب. كما أشير إلى أن المؤسسة الدينية التقليدية، لم تعد، بشكل أو بآخر، تتمتع بنفس ما كانت تتمتع به من نفوذ معنوى فى الماضى، ثم طرح ثالثا الاعتراض المتعلق بغياب الديمقراطية فى مصر، وطرح اعتراض رابع متعلق بابتعاد القاهرة عن الكتل الإسلامية الكبرى فى جنوب وشرق آسيا، وإنها ليست مسموعة هناك، وطرح أخيرا أن مصر ـ لظروف عديدة مختلفة ـ ليست مناسبة لخطاب يريد أن يكون شاملا إسلاميا.
واستقر الرأى على تركيا، لعدة أسباب، فهى بلد إسلامى أوروبى، قريبة من الغرب بشكل واضح، كما أنها مقر عاصمة آخر إجماع إسلامى، وآخر خليفة للمسلمين.
وذهب أوباما إلى أنقرة. فنحن إذن أمام خطاب يتكرر للمرة الثالثة. كانت المرة الأولى من تركيا، ثم ذهب أوباما للسعودية، ليقول إنه جاء إلى موطن الحرمين الشريفين، وإلى منبع الإسلام ومهده الأول.
ولكن الرسالة التى انطلقت من أنقرة وصلت إلى العالم الإسلامى فى حدودها، لأن الدولة التركية تعاملت مع الرسالة بطريقة دولة. نلاحظ هنا أمرا مهما جدا، فقد ذهب أوباما إلى تركيا، وتكلم فى مجلس النواب التركى، وليس خارجه، ثم وجه خطابه إلى رموز الدولة التركية، فاستهل خطابه بالتوجه إلى رئيس مجلس النواب، وإلى رئيس الحكومة. فنحن هنا أمام دولة تركية تعاملت مع الخطاب بطريقة دولة، وبالتالى وضعته فى حجمه الطبيعى، وبعدها بشهر أو شهرين اكتشفوا أن الخطاب يحتاج إلى ملحق، وأصبحت هناك ضرورة إلى تكراره على نحو ما، فنحن لسنا إزاء إعلان عن سياسات، فالإعلان عن سياسات لا يحتاج إلى تكرار، ولكنك تكرر الإعلان عن تعبيرات إذا أحسست أنك تريد أن تضغط، تكرر الإعلان عن التعبيرات حتى تصل.
حاولوا مع السعودية، فقالت لا، لا أريد، فجاءوا إلينا، وجاءوا إلينا فى ظل ظروف تستحق التأمل. ولكن هناك تناقضا آخر يجب أن نلفت النظر إليه. هذا الخطاب ـ وأنا أعرف بعض التفاصيل عما جرى ـ اطلع عليه، وأبدى الرأى فيه من 38 إلى 42 خبيرا، وأهمهم هنرى كيسنجر، وطلب من كل واحد فيهم أن يضيف ما يتصور أنه يعجب السامعين، أى إنهم سئلوا: «ماذا ترى أن يقوله الرئيس؟» هذه نقطة تستحق الملاحظة، فلو كنت بصدد تغيير فى السياسة، لكان على الرئيس أن يملى، وعلى معاونيه أن يصوغوا، ولكن أن يطلب من عدد كبير ومتنوع من الناس، من خبراء فى الإسلام إلى خبراء فى السياسة، يقولون لهم ماذا ينبغى للرئيس أن يقوله لكى يرضى سامعيه، فنحن هنا نتحدث بوضوح عن التعبيرات وليس عن السياسات.
دخل على هذا الخطاب، وأضاف إليه ما بين 38 و42 خبيرا، وليس هذا كلاما من عندى، ولكنه نشر فى النيويورك تايمز. وأنا أعلم أن هذا الخطاب عرض على كثيرين جدا، من سياسيين وأكاديميين وحزبيين، وأشخاص عرفوا العالم العربى والإسلامى عن قرب، وأمضوا فيه فترات طويلة. لو كان خطابا سياسيا، لقام الرئيس بوضع خطوطه الرئيسية، ثم أعطاه لمن يصوغه.
أعتقد أن ما شاهدناه هنا فى القاهرة كان ممارسة للدبلوماسية العامة، ممارسة بديعة، ولكنه لم يكن ممارسة للدبلوماسية السياسية. أنا أمام حملة علاقات عامة، ويسمونها هذه الأيام دبلوماسية عامة. أنا أعتقد أنها كانت ممارسة جديرة بالإعجاب، ولكن على أن أنتبه، عندما يقول شيخ الأزهر «خطاب أوباما مس وجدانى» فهذا هو ما كان مقصودا من الخطاب، وقد تحقق، وبنجاح كبير. ولكن المسألة هل نريد خطابا يمس الوجدان أم خطابا يمكن أن نناقشه بالعقل؟
مشهد الزيارة أعجبنى جدا، ولفت نظرى فيه، وأعجبنى، تواجد مصر التاريخية فى المشهد. مصر التاريخية كلها شكلت خلفية الخطاب. أعجبنى جدا مشهد دخول أوباما إلى قصر القبة، ولكن يبدو أن الفكرة السلطانية طغت على التحضير، حيث إنه قصر السلطان عباس حلمى الثانى، فكانت الخيول على الجانبين. مشهد القصر أعجبنى جدا، وإن كنت أعترف بأننى لم أكن معجبا بالإضافة السلطانية. الخيالة كان منظرهم جميلا، ولكن ببساطة لم يكن متفقا مع السيارة المصفحة المجهزة إلكترونيا وأمنيا بوسائل أبعد ما تكون عن رشاقة الخيول والخيالة.
خلفية مسجد السلطان حسن كانت بديعة، وكذلك خلفية الأهرامات. أى إن مصر التاريخية هى التى وفرت فى واقع الأمر المسرح الأمثل للزيارة والخطاب. ولكن السؤال ما إذا كانت هذه الخلفية التاريخية المهيبة قابلة للتوظيف على هذا النحو وفى هذه المناسبة.
على أى حال، كان مقصودا أن توفر مصر التاريخية خلفية الصورة، ولم أعرف سياسيا جاء إلى مصر فى العصر الحديث، ومنذ اختراع كاميرا التصوير، إلا وطلب أن يصور أمام الهرم: تيودور روزفلت حتى الأميرة ديانا، وغيرهما كثيرون، سواء ساسة كبار أو نجوم مسرح وسينما، كلهم طلبوا إخلاء منطقة الأهرامات من أى مظهر من مظاهر مصر المعاصرة، ليقف الواحد منهم ووراءه مصر التاريخية، يستدعيها لصورته هو وليس لفعله.
هذا كله رأيته وأعجبت به. جيد، ولكن ليس من حق أحد أن يقول لى إن أوباما ذهب إلى قصر القبة لإجراء محادثات مع الرئيس مبارك تناولت قضايا الشرق الأوسط، فى ثلث الساعة، شملت التحية والسلام والتعارف. لا أعتقد أن مثل هذا الكلام دقيق أو مقنع. وقالوا أيضا إنهم قدموا له «فطير مشلتت وعسل»، وأنا أعلم أن أطباء البيت الأبيض يصرون دائما على ألا يتناول أى رئيس أميركى أى شىء ـ بما فى ذلك المياه ـ غير ما يأتى به معه على الطائرة. فلم يأكل لا «فطير مشلتت ولا عسل ولا فول» ولم يقترب من أى شىء من هذا القبيل، ومع ذلك يقال إنه أكل، وبشهية.
على أى حال، بعد حكايات الفول والعسل الأسود والفطير المشلتت، يذهب أوباما إلى جامعة القاهرة، ويستهل خطابه بغير توجيهه إلى أحد. كيف يمكن لرئيس دولة زائر أن يبدأ خطابه بقوله: «أنا سعيد بأننى فى جامعة القاهرة وفى ضيافة الأزهر؟»، لابد من أن يوجه خطابه إلى أشخاص محددين. من كان مضيفه؟ ونلاحظ أيضا أنه لم يذكر اسم رئيس الدولة المضيفة ولا مرة واحدة فى خطابه.
كل هذا يدل على أننا أمام مسرح تاريخى جرى الحصول عليه وإعداده لتوجيه الخطاب. لم يجىء بنية عمل شىء. جاء لتوصيل رسالة معينة، ثم مشى. ثمانى ساعات زار خلالها القاهرة، ما بين حفل استقبال، وزيارات لمصر التاريخية وخطاب ألقاه. يلفت نظرى أيضا استخدامه للآيات القرآنية. أنا أعلم أنه طلب نصح أشخاص ورأى عدد من المستشرقين، وأنهم نصحوه بزيادة نسبة الآيات القرآنية فى الخطاب. أعرف هذا، ونحن هنا نسمعه يردد الآيات ونصيح: «الله» ونصفق.
لفت نظرى أيضا أن الأمن عمل أشياء غريبة جدا، فأغلق الشوارع وسمر 4000 شخصية مصرية فى مقاعدهم لمدة ثلاث ساعات من أجل الخطاب. قبعوا فى مقاعدهم ثلاث ساعات منتظرين.
أمر آخر أجده واضحا أمامى. فبصرف النظر عن الأمور العامة التى تناولها الخطاب، فإذا جئت إلى المسائل الأساسية فلن تجد جديدا. ركز على قضايا الشرق الأوسط، سواء مواجهة إيران أو بقايا المعركة ضد التطرف أو حل القضية الفلسطينية. فمثلا يقولون إنه أول من قال بحل الدولتين. ليس هذا صحيحا على الإطلاق. كانت المرة الأولى لحديث الأميركيين عن حل الدولتين فى نوفمبر 2001، فى خطاب لكولن باول فى جامعة لويس فيل، فى كنتاكى، وفيه تكلم باول عن حل دولة فلسطينية وأخرى إسرائيلية، يعيشان جنبا إلى جنب داخل حدود معترف بها. ليس هناك جديد هنا؟ لكن يقال لنا إنها أول مرة يعترف فيها رئيس أميركى، فهذا ليس صحيحا، وفى كل مرة يقال هذا أول رئيس أميركى يقول بحل الدولتين.
لم يكن الهدف من الخطاب رسم سياسة، ولكن أن يقول ما يعجب العالم العربى، إلى جانب توصيل رسائل معينة قصد تأكيدها. عدد من الرسائل أولاها «أن صداقتنا بإسرائيل لا تتزحزح»، ثم تكرار الكلام عن الهولوكوست. أنا واحد من المعترفين بحقيقة الهولوكوست، ولكن أن يصر على تكرار رقم الستة ملايين، فهذا أمر آخر. هناك بالفعل جريمة ارتكبت ضد اليهود، وكان هناك تمييز بشع ضدهم فى أوروبا، ولكن لا تفرض علىّ رقم الستة ملايين. فعلى سبيل المثال ضغطوا ضغوطا شديدة على بابا الفاتيكان، وهو يزور إسرائيل، لكى يقر برقم الستة ملايين، ولكنه رفض ذلك بشكل قاطع، واكتفى بعبارة «ملايين».
الرقم يناقش فى أنحاء العالم، ولا يحتاج الأمر إلى فلسفة، فآخر إحصائيات عصبة الأمم قبل الحرب العالمية الثانية تقول إن عدد اليهود فى العالم 11 مليونا، وبعد نهاية الحرب، تصدر الأمم المتحدة عام 1947 تقريرا يقدر عدد اليهود فى العالم فى ذلك العام بـ 12 مليونا. هذه الأرقام أوردها منذ أكثر من أربعين سنة محققون وكتاب معروفون.
من الممكن تماما، فى تقديرى، أن نقول إن مئات الآلاف من اليهود راحوا ضحايا المحرقة، وهذا كف للحديث عن مأساة إنسانية كبرى، ولكن أن تصر على أن تفرض علىّ رقم الستة ملايين فذلك لا لزوم له. لا أريد أن أتوقف عند هذه النقطة كثيرا، ولكن لا أجد داعيا لأن يفرض على هذا الرقم هنا فى القاهرة، وهو لم يتمكن من ذلك مع البابا فى إسرائيل.
ثم إن الخطاب ممتلئ بالتناقضات، وتجد فيه الشىء ونقيضه. شخص واحد صاغه فى النهاية، ولكن 38 أو 40 شخصا شاركوا فى إنتاجه. وعلى سبيل المثال، يقول لى إن الشعب اليهودى عانى من ألمانيا النازية، وأن ألمانيا النازية دفعت ثمن ذلك. صحيح، ضربت ودمرت ودفعت تعويضات. حسنا، ولكن ماذا عن الذين ارتكبوا المحارق ضد الفلسطينيين. تقول لى تعاملوا معهم، لا يعاقبوا ولا يدفعوا شيئا. أليس غريبا أن الذين اضطهدوا اليهود، وهم ألمانيا النازية، تمت معاقبتهم، أما الذين اضطهدوا الفلسطينيين، وتسببوا فى عذابهم، كما جاء فى الخطاب، فتقول لى تعامل معهم، تعامل مع من صنعوا هذا العذاب. حسنا، يمكننى أن أتعامل معهم، ولكن يجب أن توضع قواعد جادة، لا تطلب منى نسيان كل شىء والتنازل عن كل حق.
الرسالة التى تم توجيهها من تركيا لم تكن كافية، ولذلك لزم أن تلحق بها رسالة أخرى أكثر تحديدا ومن مكان مهيأ أكثر لهذا النوع من الرسائل. فما شاهدناه فى الأيام الأخيرة كان فى الحقيقة هو مهرجان الترويج الثالث للسياسة الأميركية. كان مهرجان الترويج الأول فى 1974، وجاء نيكسون إلى القاهرة لتغطية أمرين، أولهما هو فضيحة ووترغيت، وثانيهما التحول الجذرى الذى جرى وقتها فى السياسة والتوجهات المصرية.
وجاء المهرجان الثانى فى مؤتمر مدريد، وشاركنا فيه بنشاط بالغ، واعتبرناه هو الحل، وأقنعنا كل المترددين بالذهاب، وضغطنا على الجميع. وكان المقصود من المهرجان التغطية على ما جرى قبله من تدمير للعراق، وإعادته إلى العصر الحجرى، على حد قولهم، والهدف الثانى أن يفتح الباب أمام إعادة انتخاب بوش الأب لولاية ثانية، وهو ما لم ينجح فيه.
المهرجان الثالث هو ما جرى هذه الأيام، ونحن إذا ما عملنا على فرز ما هو متعلق بالتاريخ، وما هو متعلق بالدبلوماسية العامة وبالعلاقات العامة، وتنحيتها جانبا لرأينا أين هو بالضبط التغيير الذى يتحدثون عنه. هناك وعد بالتغيير، ولكن لا يمكنك أن تتحدث عن تغيير دون أن توضح لى ما هى آفاق ذلك التغيير. يقول بدأنا صفحة جديدة فى العلاقات، ولكن صفحة جديدة لا يمكن أن تلغى كل ما فات، تتحدث عن صفحة جديدة فى العلاقات، والقضايا كلها مستمرة، وتطالبنى فى الوقت نفسه بأن أنسى كل ما عانيته، وكل ما اتفق عليه، وأن أبدأ بداية جديدة، بداية لماذا بالضبط؟
يلفت نظرى توقيت الخطاب، وهذا مهم جدا.. ليس هذا خطابا موجها للعالم الإسلامى، وإنما هو فى الحقيقة موجه لجزء من العالم العربى، موجه لتغطية المعتدلين فى العالم العربى، وتحديدا مصر والسعودية والأردن، لكى يتولوا القيام بمهام معينة فى المرحلة القادمة.
توقيت الخطاب مثير للانتباه، فهناك أمامى انتخابات فى لبنان وانتخابات فى إيران، وبداية معركة الجنرال دايتون فى فلسطين. الجنرال دايتون هو الرجل الذى يقوم بتدريب قوات فتح على القتال، وقد بدأت بالفعل معركة الاحتكاك بالمعارضة الفلسطينية بهدف تصفيتها أو تحجيمها. دايتون هو جنرال الحرب الأهلية الفلسطينية، ولاحظ أنه عين مساعدا لجورج ميتشيل، وهذا أمر غريب جدا. ولدايتون تصريح غريب، قال فيه إن قوات فتح التى قام بتدريبها لابد من إيجاد مهمة لها، إن لم تحل القضية الفلسطينية، فقال: نحن بنينا وحوشا مقاتلة، وسوف نراها تقاتل إسرائيل، سوف نراها فى المستعمرات تقاتل الإسرائيليين.
يقولون إن أوباما قال كلاما مهما فى شأن القدس. لم يقل أى شىء جديد فيما يتعلق بالقدس، وإنما كرر ما قيل كثيرا من قبل حول لقاء أبناء إبراهيم. ففيما يتعلق بنا قال شعرا، وفيما يتعلق بإسرائيل تحدث بوضوح عن صداقة دائمة لا تهتز، وعن رقم لا يقبل المناقشة أو الجدل عن 6 ملايين يهودى ضحايا الهولوكوست.
كل هذه أمور جديرة بمجرد التأمل على الأقل.
والآن أضع نفسي تحت تصرفكم.
نص الحوار
هيكل : كلام أحدهم عن أن بقاء أوباما فى جامع السلطان حسن أكثر مما كان مقررا، شبيه بما كان يقال عن الشيخ هتلر
ـ خطاب أوباما فى القاهرة أثار مع ذلك هجوما شديدا من دوائر إسرائيلية وبين اليمين الأميركى، وهاجمه الجمهوريون لذكره حماس وإسرائيل فى جملة واحدة؟
أن يتصور أحد أنه يمكنه أن يستمع لكلام من رئيس أميركى، أيا من كان، ويأخذه كما هو، فهو لا يفهم أميركا. إسرائيل ركزت دائما على الكونغرس، فأميركا ليست جمهورية موز، ليست Banana Republic، هذه دولة كبيرة ومتقدمة وديمقراطية، والتوجيه السياسى فيها للكونغرس. الرئيس يمكنه أن يتصرف كما يشاء فى إطار معين، وفى حدود سلطته، ولكن أن تحدث تغييرات مفاجئة أو انقلابات كبرى فى السياسة، فهذا أمر آخر.
والرئيس الأميركى قادر على إجراءات كثيرة ولكن التوجهات السياسية أعقد من أى إجراءات. دعنا مرة أخرى نتذكر ماذا فعل جيمس بيكر بعد مدريد، وإيقاف ضمانات القروض لإسرائيل بسبب سياسة الاستيطان، ودعنا نتذكر أيضا أن جورج بوش الأب وجه كلاما عنيفا جدا لإسرائيل فى فترة معينة. كل ذلك يؤثر، ولكن ماذا حدث بعدها. بدأوا يتراجعوا عن إيقاف الضمانات خطوة بخطوة.
ذهبوا للكونغرس وقالوا لهم اخصموا تكاليف ما يوجه للمستعمرات، ثم أفرجوا عن الباقى، وبالفعل فعلوا هذا، وبالتدريج أفرجوا عن المبلغ كله، ثم تم إعفاء إسرائيل من العبء كله.
الكونغرس هو المؤسسة التى ينظر إليها عندما يتعلق الأمر بتغيير كبير فى السياسات، وليس ما يصرح به أى رئيس أميركى، خاصة إذا كان بصدد شن حملة دبلوماسية عامة.
ـ هناك مع ذلك تحولات مهمة قد لا يكون الخطاب هو الذى وضعها على المائدة، ولكن لا شك فى أنه أكدها عليها. أولا، التأكيد على أنه لن تكون هناك ضربة عسكرية لإيران، لا من أميركا ولا من إسرائيل، وذلك فى وقت شكّل توجيه ضربة لإيران التعهد الانتخابى الأهم لنتنياهو. وماذا أيضا عن مخاطبته لحماس مباشرة، وعدم استخدام لمصطلح الإرهاب؟
أوباما ليس أول من قال بأنه ليس هناك ضربة وشيكة ضد إيران، فبوش قال ذلك قبل أن يترك الحكم. عليك أيضا أن تلاحظ التناقض فى كلامه، وهو تناقض سببه كثرة عدد الذين شاركوا فى إعداد الخطاب، ولأن الخطاب كان مطلوبا منه أن يؤثر فحسب، لا أن يقنع بأى شىء. فنحن أمام ممارسة سياسية بالانطباع، وليس ممارسة سياسية بالإقناع. فى موضوع ضرب إيران كان بوش هو أول من قال بأنه لن تكون هناك ضربة، وقال: إننا نجحنا فى أن نؤجل ضربة إسرائيلية لإيران، وبوش هو الرجل الذى قال لأولمرت: لا تفعلوا أى شىء بدون تصريح منا. وعلى أى حال فإنه مازال مبكرا استبعاد ضربة لإيران.
على أنه برغم ذلك فأننى أظن أن ضرب إيران لم يعد سهلا، فقد حدث شىء مهم فى إيران وهو تملكها للمعرفة النووية. إيران اليوم أكملت دورة التخصيب، ونحن نتكلم الآن عن تشغيل إيران لأكثر من عشرة آلاف جهاز طرد مركزى، والضرب لم يعد ذا جدوى كبيرة، فأهم عنصر فى امتلاك قدرة نووية هو امتلاك المعرفة، والمعرفة موجودة فى عقول الناس لا تستطيع القضاء عليها بضربة عسكرية. كما أن الإيرانيين استفادوا من تجربة العراق، وأعتقد أنهم قاموا بتوزيع واسع لمنشآتهم النووية بأكثر مما كنا نتصور. ثم يقول لإيران: التزمى باتفاقية حظر الانتشار النووى ورقابة الوكالة الدولية. إيران تطيع الوكالة الدولية، وتعلن ليل نهار أنه ليس لديها مشروع لتطوير سلاح نووى، بل إن هناك فتوى من الإمام الخمينى بتحريم تطوير سلاح نووى.
إسرائيل أرادت أن تستبق امتلاك إيران للمعرفة النووية، وأن تحرمها من امتلاكها، ولكن لم يعد ذلك ممكنا، لأنه ببساطة طالما وصلت للتخصيب فلم تعد محتاجا إلا لقرار سياسى وبعده بستة أشهر يكون عندك قنبلة نووية. نموذج كوريا الشمالية واضح تماما فى هذا الأمر، هى قامت فى وقت معين بتدمير جميع منشآتها النووية، ولكن ما إن صدر القرار السياسى حتى أصبح عندها قنبلة نووية، فى غضون أربعة أشهر.
وفى إيران دورة التخصيب عند حد لايزال منخفضا، فلم تتجاوز 10 أو 12في المئة، فى حين أن المطلوب لتصنيع قنبلة 40 أو 45في المئة على الأقل لدرجات تخصيب اليورانيوم، ولكن المعرفة هناك. كان المطلوب فى مواجهة إيران هو وقف عملية امتلاك المعرفة النووية، ولكن لعب الإيرانيون لعبتهم بذكاء شديد، وكسبوا الوقت اللازم لامتلاك المعرفة. فحتى لو ضربوا اليوم فستكون خسارة مؤقتة، وأما فى المدى المتوسط والبعيد فهى ما يمكن تعويضه.
ـ وماذا عن التخاطب المباشر مع حماس، وعدم وصفهم بالإرهابيين؟
حقيقة امتنع أوباما عن الحديث عن الإرهاب، وهذا طبيعى، فالحديث عن الإرهاب اليوم، وكما استخدمته أميركا، وكما فهمه العالم خلال السنوات الماضية يستدعى مباشرة وبالتداعى عبارة الإرهاب الإسلامى. وهو فى هذا الخطاب بالذات يريد أن يتجنب أى إشارة عدائية للإسلام، يريد أن يفك الاشتباك مع الإسلام، ويريد أن يتخلى عن الشعار العقائدى الذى كان مرفوعا من قبل، الذى اقترن الإرهاب فى ظله بالإسلام، وهذا شعار وصلت سياساته إلى طريق مسدود. هو يريد التراجع عن هذا الشعار، أو العنوان، وأن ينشئ شيئا آخر مختلفا، ولكن أن يعيد إطلاق صفة الإرهاب فهو يستدعى بالضرورة الإسلام، وتهزم هدفك الأساسى من الخطاب.
ـ وماذا عن التخاطب المباشر مع حماس؟
لم يكن هناك باستمرار إنكار لوجود لحماس، فليس إنكار حماس هو المسألة، وإنما مطالبة جميع الأطراف لها، بمن فى ذلك الأوروبيون، بأن تعترف بإسرائيل وبأن تقبل بالالتزامات التى قبلت بها السلطة الفلسطينية، ويقال لهم إنكم إذا ما قبلتم بذلك فقد صرتم طرفا شرعيا. أما حماس فقد ردت: لو قبلنا بهذا لما عدنا حماس، أنتم تطالبوننا بأن نتخلى عن هويتنا.
ليس فى هذا جديد إذن، فما أنت بصدده فى الحقيقة هو مجرد تعبيرات مختلفة بقصد التأثير، وفى مجال التأثير أعتقد أن أوباما حقق نجاحا مهما.
ـ قلت إن هذا هو مهرجان الترويج الثالث، ولكن لماذا جاء أوباما. هل بسبب ما ذكرته عن حماس، وهل الهدف هو التوصل إلى تسوية نهائية للقضية الفلسطينية. بوش فشل مع العالم الإسلامى، وأنا أعتقد أن إدارة بوش فشلت أمام الشعوب الإسلامية، ولكن أوباما جاء كى يتحدث مع الشعوب الإسلامية، لأنه يعرف أن لديه شعبية ويستطيع أن يبنى عليها معهم. وهناك عبارة قالها ذات مغزى كبير، فقد طالب جميع الأطراف بأن يقولوا فى العلن ما يقولونه له فى الغرف المغلقة. ألا يعنى هذا أنه يقول للمعتدلين العرب أن ما تقولونه لى سر عليكم أن تقولوه أمام شعوبكم علنا، شعوبكم التى أنا زعيمها، وليس أنتم؟
بشكل أو بآخر ما تقوله صحيح، ولكننى لا أعتقد أنه كان يوجه خطابه للعالم الإسلامى. هناك أشياء عمومية كانت موجهة للعالم الإسلامى، ولكن القصد الرئيسى للخطاب كان لتقديم غطاء للمعتدلين العرب لكى يكملوا ما أرادته منهم إدارة بوش، وطلباتها منهم كثيرة.
العرب المعتدلون أمامهم مطالب أميركية كثيرة ـ عليهم مطلب تسوية نهائية بأى شكل للصراع العربى ـ الإسرائيلى، أو النزاع الفلسطينى ـ الإسرائيلى كما يسمونه الآن. وعليهم مطالب فى العراق تمكن الأميركان من انسحاب أمن من المدن يضمن بقاء بترول العراق فى أيديهم. وعليهم مواجهة إيران فى المنطقة، وفى إيران نفسها إن أمكن.
قائمة المطلوب منهم كبيرة، وكله فى مقابل ضمانات ـ لا أعرف ضمانات لمن ولماذا؟
ـ هو طالب كل العواصم أن تخرج للعلن، وتصرح بما تخفى، بما فى ذلك العرب وإيران وإسرائيل. ولكنه يعرف أن بعض الأنظمة العربية لا تستطيع ذلك، فماذا تفعل؟ وأنا أعتقد أن أوباما فى مأزق، وكذلك فهو قد وضعنا فى مأزق. من يستطيع أن يقول هذا الكلام الممنوع فى العالم العربى، فالشعوب غير مستعدة لاستقباله؟
من بين الأشياء الواضحة، التى رجحت اختيار القاهرة أنه قيل إن مصر هو البلد العربى الوحيد الذى كسرت فيه كل الحدود العربية المعروفة. وعلى سبيل المثال كان حزب الله صعبا، فلا أحد يقترب من حزب الله، لأنه تمكن من الصمود أمام إسرائيل واستطاع بنجاح أن يصد عملية عسكرية ضخمة، ولكن قمنا فى مصر بتقريبه و«بهدلته». وكذلك كان الأمر مع حماس. هذه مسألة جديرة بالتوقف أمامها، فهذا البلد دوره التاريخى هو أن يحفظ الحرمات لا أن يكسرها، ولكن إذا كانت قوتنا تتمثل فى إننا نستطيع أن نتجرأ على من نشاء، وعلى «بهدلة» من نشاء، فنحن حينئذ ننسى تأثير ذلك على مكانة مصر، وقيمتها التاريخية، واحترامها لنفسها، نحن بهذا نستهلك من أرصدة مصر التاريخية.
لابد أن نعيد لخطابنا السياسى بعض الاحترام الذى فقده. لابد أن نعرف كيف نفرق بين عدو وصديق وبين قريب وغريب. مع الصديق نستطيع أن ننصح ونعاتبه إذا أخطأ. إننى لا أتجاوز إذا قلت إننى شخصيا عتبت على السيد حسن نصرالله فى بعض ما قاله وبدا وأنه تحريض للجيش المصرى، وللأمانة فإن الرجل تقبل وسمع طويلا، وأنا أشرح له بعض جوانب فى نفسية الشعب المصرى، فكل شعب حتى لو كان ينتمى إلى نفس الأمة، له تكوينه الخاص، والمؤثر على مزاجه. ولكن علينا دائما أن نعرف أن هناك حدودا وهناك حرمة.
ـ هذا التيار الذى يكسر الحرمات وجد فى زيارة أوباما دعما كبيرا؟
للأسف بعض الساسة فى العالم العربى مثل البوربون، لا ينسون شيئا ولا يتعلمون شيئا. قيل عن أسرة البوربون الملكية فى فرنسا، التى عادت بعد سقوط نابليون، ولكن بعد أن نجح نابليون فى العودة من منفاه فى ألبا، ونزل على الشواطئ الفرنسية، إذا بالملك لويس الثامن عشر يسارع بالهروب من باريس قبل وصول نابليون، حينها قال تاليران عن البوربون عبارته الشهيرة: إنهم لم ينسوا شيئا ولم يتعلموا شيئا.
جاء أوباما إلى القاهرة ليتحدث تحت «بداية جديدة»، وهذا هو العنوان الرسمى لخطابه، ولا يتذكر أحد أن أول عبارة قالها كيسنجر عند هبوطه من الطائرة فى مطار القاهرة فى 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1973 كانت «اللى فات مات»، قالها باللغة العربية، وكانوا لقنوها له. «اللى فات مات» كانت تلك العبارة أول ما قاله كيسنجر للصحفيين عند هبوطه من الطائرة. 35 سنة مرت بين «اللى فات مات» و«البداية الجديدة»، ونحن وكأننا لم نتعلم شيئا خلال السنوات الـ35 الماضية.
ـ وسائل الإعلام تحدثت كثيرا عن الآيات القرآنية التى استخدمها أوباما فى خطابه، وأشارت بعضها إلى أنه أول رئيس أميركى يستخدم عبارة Holy Quran أو القرآن المقدس، وأبرزوا أيضا أنه ساوى بين حماس وإسرائيل وذكرهم فى جملة واحدة؟
سمعت ما هو أكثر من ذلك، قيل لى إن أحدهم فى الإذاعة قال إن أوباما بقى فى جامع السلطان حسن لمدة أكثر مما كان مقررا، مما، مما يدل على إيمانه بالإسلام فى دعائه، وهذا كلام شبيه بما كان يقال أيام زمان عن الشيخ هتلر.
ـ تقول إنهم ينتهجون النهج نفسه مع العرب منذ أيام كيسنجر وحتى أوباما، ولكن ماذا نفعل نحن؟
دعنى أقول لك ما أعتقد أننا سنفعله. سنتحرك، فهذه الخطابات كلها تستهدف الدفع نحو حركة. الخطاب السياسى مقصود به جمهور معين، يقصد منه التأثير فى لحظة معينة حتى يتسنى فتح المجال أمام تحرك ما. الخطاب سينسى، ولكن المهم هو ما سيسفر عنه من حركة، وفى هذا فإننا نحن المقصودين بالتأثير، وسنتحرك لنبحث ما يمكننا أن نعطيه، فهذه شيمة الضعفاء، ليس أمامهم إلا أن يعطوا. تأتى المهرجانات لتفتح أمامك الأبواب حتى تستمر تسلك نفس الطريق.
ـ وماذا لو افترضنا أن أوباما هو مع ذلك من أفضل الرؤساء الأمريكيين من وجهة نظرنا نحن العرب، وهو بكل تأكيد ليس من أسوأهم من هذه الزاوية. ولكن يبقى أن تعاسة الوضع العربى تجعلنا عاجزين عن الاستفادة من أى شىء سواء كان رئيسا جيدا نسبيا فى البيت الأبيض أو أى شىء آخر؟
أنت أمام رئيس من نوع مختلف.. أمام رئيس نجم، وهو نجم استطاعت أميركا تصديره للعالم الخارجى لكى يعطيها صورة جديدة. وأنا أعتقد أن السؤال المركزى المطروح حاليا هو: هل يقدر هذا النجم على أن يحول ما لديه من ضوء ساطع إلى طاقة فعل حقيقية؟ مازالت الإجابة عن هذا السؤال غير واضحة، ولكن إذا أراد فعلا أن يحول ضوء النجم إلى طاقة فعل، وأن يحل قوة التغيير محل قوة الانطباع. أذا أراد هذا فعلا، فالمكان لذلك ليس هنا، بل فى الكونغرس. عليه أن يذهب إلى الكونغرس وأن يخوض مواجهته مع الكونغرس. المعركة الحقيقية هناك وليست عندنا هنا.
نحن بالفعل أمام رئيس من نوع جديد، وهو ليس كيندى، فكيندى لم يظهر نجمه إلا بعد أزمة الصواريخ الكوبية. لكن هذا الرجل امتلك منذ اللحظة الأولى جميع خصائص النجم. ولكن مشكلة أوباما أنه لا يمتلك كثيرا من الخلفية وقاعدة القوة التى استند إليها كيندى. كيندى كان وراءه ولاية ماستشوستس، وكان وراءه أسرة من كبرى الأسر الأميركية، وكان لهذه الأسرة وجود فى الكونغرس، وفى سوق المال وفى تمويل حملات الحزب الديمقراطى. جيد أن يكون أوباما نجما بهذا السطوع، وأنا سعيد به للغاية، ولكنى أكرر أن النجم يستطيع أن يلمع ولكن ليس بالضرورة أن يفعل، فإذا أراد أن يفعل فعليه أن يحول الضوء إلى طاقة فعل، وهذا مكانه الكونغرس.
ـ ولكن كبار موظفى الإدارة الحالية، بمن فيهم نائب الرئيس ووزيرة الخارجية وكبير موظفى البيت الأبيض كلهم سياسيون مخضرمون وأعضاء سابقون فى الكونغرس، ويعرفون كيف يؤثرون فيه؟
مستعد أن أوافقك أن إدارة أوباما لديها نفوذ وصلات وثيقة بالكونغرس، ولكن السؤال هو ما إذا كانت هذه الصلات ترشح هذه الإدارة لإحداث تغيير فى السياسات أم للاستمرار فى نفس السياسات؟ أوباما نفسه أجاب عن سؤالك. سألوه ما الجديد فى إدارتك، فهيلارى كلينتون كانت موجودة وكذلك جوزيف بايدن، وغيتس فى الدفاع وغيثنر فى وزارة المالية، فما الجديد فى إدارتك، فكان رده: «أنا الجديد». «أنا الجديد» هذه إجابة ملفتة للانتباه، فهذا الاستمرار الكثيف للقديم يدلك على أن التغيير تغيير فى التعبير وليس تغييرا حقيقيا. صحيح هؤلاء القدامى لديهم قاعدة قوة، ولكنها قاعدة قوة للسياسة القديمة.
ـ هل معنى هذا أننا أمام إخراج جديد لفيلم قديم، أم أمام إنتاج لفيلم جديد؟
ما أقوله هو أن الولايات المتحدة دخلت أزمة إعادة توصيف وتحديد وصياغة دور تقود به العالم، وهى لم تصل بعد إلى قرار فى هذا الأمر، فالعالم أصبح شديد التعقيد. أميركا لم تصل إلى قرار، وأظن أنها تبحث عن شىء، تبحث عن أداء جديد، تريد أن تكسب وقتا، وأظن أن هذا ما يفسر مجىء أوباما.
أنت أمام ظاهرة استثنائية غير مسبوقة: رئيس أميركى أسود. هذا فى حد ذاته دليل على عمق الأزمة، فهذا الرجل من خارج السياق. أما إذا ما أدركت أميركا أنها أصبحت فى حاجة ماسة إلى تغيير حقيقى، وقررت أن تحدث هذا التغيير، فإنها يجب أن تأتى برئيس وراءه ما هو أكثر من بريق النجم، عليه أن يكون قادرا على الكونغرس، أى إنها تحتاج إلى فرانكلين روزفلت آخر. هل فى مقدور أوباما أن يصبح روزفلت آخر؟ هل تسمح له المتغيرات والظروف؟ لا أعرف، ولكنه لا يمتلك قاعدة روزفلت، وهو ينتمى إلى أقلية، ومحاط فى نفس الوقت بالمؤسسة القديمة.
أميركا فى لحظة حيرة. المؤسسة الرئيسية فيها تحتاج إلى وقت لكى تتأقلم، لكى تعتمد على خطاب مقنع فى أجواء شك يملأ العالم كله.
أميركا لم تقرر بعد، ونعرف أن الناس حين لا يملكون خططا بعيدة يتصرفون بما يلائم المدى القصير، وهذا هو ما نراه الآن. يكثر الكلام عن نظرية المؤامرة، ولكن ليس نظرية مؤامرة أن ندرك أن برنارد باروخ كان هو صلة روزفلت بمجتمع المال والصناعة، وليس نظرية مؤامرة أن نذكر بتحذير أيزنهاور لأميركا فى خطاب الوداع من «المجمع العسكرى الصناعى». أميركا مجتمع صناعى مالى، وليس فى هذا هزل، أما العسكرى فهو تعبير عن اجتماع المالى والصناعى ومطالبتهم بقوة لحماية المصالح. فبعد باروخ بدأ هؤلاء يأخذون شكلا منظما، وأصبحت لهم تنظيمات ـ مثل المجلس المصرى الأميركى وغرف التجارة المشتركة، ولجنة السياسات عندنا ـ تنظيمات تعبر عن مصالحهم، وتضمن لهم صوتا مسموعا فى الإدارة، وهذا أمر طبيعى. فكانوا موجودين مع كارتر من خلال اللجنة الثلاثية، ثم جاءت مجموعة البيلدربرغ Builderberg، أو مؤتمر البيلدربرغ، وهو تجمع لعدد من أصحاب الأموال وكبار الصناعيين يقولون رأيهم فى السياسة. وأخيرا أنشأت مجموعة غود غروب، وبيل غيتس من بين أشهر أعضائها. والعجيب أن القاسم المشترك فى كل هذه المجموعات هو صديقنا العزيز ديفيد روكفلر، فهو عضو فى اللجنة الثلاثية، وفى البيلدربرغ وفى الغود غروب.
ـ ماذا عن استقبال المثقفين المصريين لأوباما. الإيكونومست فى عددها الأخير ذكرت أنه منذ 99 سنة كتب الشيخ على يوسف عن زيارة تيودور روزفلت المرتقبة يقول: نحن بانتظارك بصبر نافذ؟ ونفس الشىء تقريبا قيل قبل زيارة أوباما؟
لم يتغير شىء، فنحن لدينا عقدة العجز، نبحث عن مخلص. والمفارقة أن العالم الإسلامى لم يبد اهتماما يذكر بالزيارة ولا بالخطاب. حرصت على تتبع ما جاء فى وكالات الأنباء حول استقبال الخطاب فى باكستان، لا شىء، وفى الهند، لا شىء، وإندونيسيا فى عالم آخر. أين إذن العالم الإسلامى الذى جاء أوباما ليخاطبه؟ أما عندنا فأوباما، أوباما. كم مرة ذكر اسم أوباما فى الفترة الماضية. أكثر من اللازم بكثير، وفى هذه المبالغة إساءة للرجل، وفيه تعلق بأوهام حتى ولو كان بعضها طيبا.
مرة أخرى أكرر، هو نجم بديع، ولكن القضية هى أن يتحول النجم إلى قوة فعل حقيقية. ولكن إن حدث ذلك فسيحدث فى الكونغرس وليس عندنا هنا. وأنا أشك فى قدرته على أن يفعل ذلك، ولكن فى قلبى أتمنى أن يستطيع فعله.
ـ ولكن هناك إمكانية أن يفعله؟
لا، هناك رجاء فى إمكانية أن يفعله. وعلى أية حال، لا يبدو لى حتى لحظتنا هذه أى دليل يشير إلى أنه سيفعل. غير أن سؤالى، وهو سؤال ربما ظالم له، هو هل يقدر أن يفعل؟ لست واثقا، فهو يفتقد إلى قاعدة القوة الضرورية.
وهو رئيس ينتمى لأقلية. وبالمناسبة لم يعجبنى كلامه عن الموارنة والأقباط، واستفزنى. ليس لأن قضايا الموارنة والأقباط لا تقتضى حديثا، ولكن لأن هذه قضايا عليه حين يتكلم فيها أن يتكلم فيها بجدية، موضوع الأقباط يتكلم فيه مع مبارك، وليس فى خطاب فى جامعة القاهرة. وأنا احترمت جدا رد بابا الأقباط، الذى رفض فيه أن يناقش هذه النقطة، وقال إنه سعد بحديث أوباما حول حقوق الإنسان، أما الباقى فلا يعنيه. وهو ما عكس إدراك البابا أن الحديث فى هذه الأمور لا يأتى بهذه الطريقة.
المؤسسة الحاكمة فى أميركا مؤسسة بيضاء، ومن أولى المهمات الصحفية التى قمت بها فى باكورة حياتى أن ذهبت إلى الولايات المتحدة لدراسة أشياء ثلاثة: التمييز العنصرى، ونفوذ الرأسمالية الكبيرة، والجريمة المنظمة. أى أننى رأيت التمييز العنصرى فى أميركا رأى العين.
نحن إذن أمام مؤسسة أميركية سعت، أو لم تمانع فى أن يكون الرئيس الأميركى المقبل مختلف فى كل شىء، وأن ملامحه نفسها توحى بالتغيير، وبأننا إزاء أميركا أكثر تواضعا، وأكثر وداعة. واضح أنهم كانوا فى حاجة ماسة لتغيير الصورة، ومن ناحيتى أتمنى أن يتعدى التغيير مجرد الصورة ويمتد إلى ما هو أكثر من ذلك.
العالم يحتاج أميركا، ففى كل عصر من العصور يحتاج العالم لدولة كبرى تتولى جزءا من إدارة أحواله. ولكن أميركا بدورها تحتاج العالم، ولا يعنى احتياجها للعالم أن تسوقه أمامها.
أن تدرك أميركا أنها محتاجة للتغيير، فهذا أمر جيد، ولكن عليها أن تدرك أن التغيير المطلوب لا يمكن أن يقتصر على التغيير فى التعبير فقط. نحن فى انتظار شىء آت، ولا نعرف ما إذا كان أوباما سينجح أم لا، ولكننا نتحدث عن مجتمع يواجه أزمة كبرى. انهيار "وول ستريت" يوازى انهيار حائط برلين، وكلاهما حائط. وكلنا، العالم كله، دفع ثمن الانهيار، 21 تريليون دولار خسرها العالم بسبب انهيار "وول ستريت" فى نيويورك.
هم يحتاجون إجراء عملية جراحية حقيقية، ولكن ساعتها لا يجب أن يكون فى أفغانستان، ولا يقدر أن يحارب فى إيران، ولذلك فهو يريد أن يستخدمنى، تماما كما استخدم شوارتزكوف القوات العربية أثناء الحرب على العراق فى 91، أو حرب تحرير الكويت كما سميت. فى خطة شوراتزكوف شكلت القوات الخاصة الخط الأول للقتال، وهذه مهدت قبل بدأ العمليات، أما الخط الثانى، وهو الكتلة الأساسية فتمثل فى خمسين ألف جندى مصرى وسورى وأردنى وغيره، وبقيت القوات الأميركية كلها فى الخط الثالث ولم تقاتل. ولعلكم تتذكرون الرسائل التى كان يوجهها بوش الأب فى ذلك الحين إلى شامير، رئيس الوزراء الإسرائيلى وقتها، وكان مستفزا ومتحرقا للرد على الصواريخ العراقية، ولكن ظل بوش يرجوه أن يترك العالم العربى ليؤدى المهمة بدلا منه، وبعث بولفوفيتس للإسرائيليين كى يكبح جماحهم، وكان مفاد رسائل بوش للإسرائيليين هو: اتركوا العرب يؤدون الأمر لكم، هذه معركتهم.
وعندما يقولون اليوم انظروا إلى نزاع أوباما مع نتنياهو علينا أن نذكرهم بكمية الرسائل التى وجهها بوش إلى شامير، بالضغط والغواية والعتاب، أضعاف ما وجهه أوباما لنتنياهو، ولكن العرب كما قلت مثلهم مثل البوربون لا يتعلمون.
ـ البعض فى الولايات المتحدة اعترض على مجىء أوباما قبل بلورة الإستراتيجية الجديدة للإدارة؟ كما أن بعض وسائل الإعلام الأمريكية تقول إنه لم يكن هناك رئيس يحظى بشعبية فى الشارع والعالم والكونجرس مثل أوباما؟
عندما تتحدث عن الكونغرس الأميركى فإنك تتحدث عن كيان معقد جدا.
ديناميكيات العمل فى الكونغرس شديدة التعقيد. رئيس أميركى واحد فى العصر الحديث كان قادرا على مواجهة الكونغرس فى أزمة خارجية، وكان ذلك فى زمن حرب السويس، فقد وقف أمامهم وقال لهم اصمتوا فعندى مشروع، وكان أيزنهاور، ووراءه تاريخ الحرب العالمية الثانية، وحقق أهداف الامبراطورية، ولمصلحة الامبراطورية، وإن بأسلوب آخر.
وفيما يتعلق بأوباما فأمامه قضايا لا يمكن أن تنتظر الكونغرس، ولا يمكن أن تنتظر استكمال رسم السياسة الأميركية الجديدة، فهناك انتخابات لبنانية، وانتخابات إيرانية مقبلة، واقتتال فلسطينى فلسطينى، فهناك عجلة لا تحتمل الإبطاء لتوجيه الرسالة.
وهم حاولوا بكل وسيلة التأثير فى الانتخابات اللبنانية، ذهب بايدن، وذهبت هيلارى. لكن وَجَدا احتياجا لتكرار الرسالة: قناة العربية، ثم تركيا لم تكن كافية. الأتراك يحترمون أنفسهم، واضطروه أن يتعامل مع دولة. ودعنا نشير إلى مقارنة أخرى، ففى أعقاب خطابه أمام البرلمان التركى، التقى بنحو 40 أو 50 شابا وشابة، وسألوه وأجاب كأنه مازال يخوض حملته الانتخابية. أما هنا فى القاهرة فلا شىء. جاء وأعطانى بوستر نعلقه على الجدران ثم رحل.
ـ هم لديهم استراتيجية وخطاب يتغير حسب الظروف، ولكن فى المقابل هل هناك أى استراتيجية من ناحيتنا؟
الأجواء التى أحاطت بزيارة نيكسون عام 1974 تذكرنى باليوم، وأذكر أنه سرت فى البلد شائعة بأن الأسطول السادس الأميركى قدم إلى الموانئ المصرية وعلى ظهره هدايا من كل شىء إلى كل واحد فى الشعب المصرى.
ـ أغلبية سكان البلاد العربية تحت سن 24 سنة، ليس عندهم مشروعا أو أمامهم بطل، فهل يصبح أوباما بطلهم؟
المشكلة أنه سيكون بطلا من أبطال هوليوود، مشكلة أبطال هوليوود أنهم موجودون فى الذاكرة وفى الخيال وليسوا موجودين فى الواقع وفى الحقيقة. ليست المشكلة أن تكون بطلا ولكن أن تكون مؤثرا فى الواقع. البطل غير المؤثر فى الواقع هو فى نهاية الأمر مجرد لوحة، «بوستر». يمكن لأوباما أن يكون «بوستر»، وإذا أردت أن تحوله إلى «بوستر» فهو جاهز لذلك.
ـ وماذا عن بؤر التوتر بين أميركا وإسرائيل. أوباما يعطى الأولوية للملف الفلسطينى، بينما نتنياهو يصر على وضع موضوع إيران على رأس الأجندة العلاقات مع أميركا. ألا يشكل هذا موضوع للخلاف، وهل هذا التحول تكتيكى أم إستراتيجى؟
الإيرانيون عند إسرائيل أصبحوا هم مصدر التهديد، وهم ينظرون إليهم على أنهم المحرض والمشجع والداعم للمقاومة. الأطراف الأخرى، ونحن منها، تطلب من إسرائيل أن تحل المشكلة الفلسطينية، ثم نساعد نحن فى الموضوع الإيرانى. فهناك اتصال فى العقل الإسرائيلى، وفى التخطيط الأميركى، ولكن المسألة مسألة أولويات.
المنظور الأميركى يقوم على تصدير الأزمة للعرب، تحويل الصراع إلى صراع محلى، وهذا على سبيل المثال ما حاولوه فى فترة معينة فى فيتنام، وأصبح يطلق عليه عبارة Vietnamization of the Conflict أو «فتنمة الصراع»، أى أن يجعل فيتنام الجنوبية هى التى تتولى مهمة الحرب مع فيتنام الشمالية. هم يريدون أن ينقسم أصحاب القضية فيما بينهم. انظر ما الذى حدث فى العراق، فتحوا الخلافات على آخرها: سنة ـ شيعة ـ أكراد، بل وقتال بين السنة أنفسهم، والشيعة أنفسهم، والأكراد أنفسهم!
خرجت عليهم إيران فى وقت تصوروا فيه أنهم تخلصوا من كل شىء فى المنطقة، وإذا بإيران تطرح نفسها على الساحة، وتأخذ ـ لأسباب تخصها أو عن قناعة حقيقية ـ بزمام القضية الفلسطينية. عند إسرائيل إيران هى رأس المشكلات، والأميركيون يوافقوها، ولكن عندهم المشكلة هى من يحارب إيران؟
أن تحارب إسرائيل إيران سيوجد مشكلات لا حد لها، مضيق هرمز سوف يغلق، البترول قد يتوقف، المنطقة تقارب درجة الغليان. إذن اترك إيران لأهل المنطقة يحاربونها، وبمعنى أدق، دع أهل السنة يحاربوا أهل الشيعة. اعمل على نوع من تأميم الصراعات، ملكها لأصحابها.
ـ فى ضوء خطاب أوباما، ما السيناريو الذى تتوقعه، سواء على صعيد العلاقات العربية العربية، أو علاقات عربية إسرائيلية أو علاقات فلسطينية فلسطينية أو عربية إيرانية؟
فات الوقت كى تتحدث عن سياسات عربية. وأنا أخجل من أن أقول ذلك، ولكن الأوضاع الراهنة تكشف عن عالم عربى منقسم انقسامات حقيقية. جميع التناقضات الكامنة فى العلاقات العربية منذ الحرب العالمية الأولى ظهرت على السطح، وكلها تمركزت فى مواقعها. يصعب على أن أقول هذا الكلام، ولا فائدة إلا إذا غير العالم العربى نفسه.
أملى فى العالم العربى يتعلق كله بجيل سياسى جديد. الجيل السياسى الحالى لست واثقا فى قدراته، لا صفا ولا فعلا ولا جمعا ولا تفرقة. أنا شخصيا أعلق آمالى على جيل مقبل. إسرائيل تدرك هذا، وتعمل ما فى وسعها للاستفادة من هذا الوضع، وإكمال مشروعها فى أسرع وقت.
أما عن أوباما، فلعلك لاحظت كيف بدأ خطابه فى القاهرة متسعا بالإسلام، وانتهى ضيقا بالمفاوضات مع إسرائيل. يقول إثبات حسن النوايا والاعتراف المتبادل بين الدولتين. جميل، ولكننى كنت أريد إشارة واحدة منه، إشارة إلى جدار الفصل العنصري الذى شيدته إسرائيل، وحكمت المحكمة الدولية بلا مشروعيته. أنت جئت لنا تتكلم عن الشرعية الدولية، وعن وضع حد للتعصب وسفك الدماء، وأمامك رمزا حيا للعنصرية والتعصب.
ولست أطالبك حتى بأن تقول لإسرائيل اهدمى الجدار فورا، ولكن أن تطالبها بأن تعيد النظر فى موقفها من حكم محكمة العدل الدولية فى موضوع الجدار.
يسألون: ماذا كنت تتوقع أن تسمع من أوباما، وردى: سمعت كفاية، ولكن هل هناك فى أميركا اليوم من يستطيع أن يقف ويقول ـ مجرد كإشارة إلى إمكانية التفاهم والتعايش ـ أزيلوا الحائط العنصرى، فهو يرمز لكل ما هو عازل ومانع.
ـ وهل تعتقد أن العالم الإسلامى سيرد على أوباما؟
لماذا يرد، فهو ليس معنيا. العالم الإسلامى لم يكن أكثر من مجرد عنوان للخطاب. أمل أن تكون الدول الثلاث المعنية بالخطاب، أى مصر والسعودية والأردن، قد طلبت من أوباما دليلا أو إشارة إلى التعبير الأميركى الشائع: لا تقل لى شيئا ولكن دعنى أرى!
حاوره : فهمي هويدي، جميل مطر، هاني شكر الله، إبراهيم المعلم
المصدر : جريدة الشروق المصرية
http://www.shorouknews.com/ContentData.aspx?id=53722#
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 http://blog.mondediplo.net/2008-11-26-L-Asie-ne-cede-pas-a-l-Obamania |