"طبيب أهل الموصل" يستشهد برصاص جنود الإحتلال
ناجي عبد الرحمن من أشهر أطباء الأطفال في العراق ولمع اسمه في مدينة الموصل التي يزيد عدد سكانها على ثلاثة ملايين نسمة حيث قضى فيها سبعاً وأربعين سنة مزاولاً مهنة الطب، منذ تخرجه من جامعة بريطانية وعودته الى مدينته ليطبب أطفالها. حرب احتلال العراق أرادت من هذا الطبيب الشهير أن يشطب تاريخه ونمط حياته الشخصي ويعيد انتاج نفسه في حركته اليومية على وفق متطلبات حربية يفرضها الجندي الأميركي وأوامر الحرب التي يعمل بها داخل المدن العراقية أو حولها.
ذلك الطبيب صار من أكبر همومه أن يفكر، كيف يتجنب عصابات اختطاف الأطباء وابتزازهم في بلد فقد أمنه الاجتماعي بعد احتلاله. وأصبح يختار أقل الساعات واكثرها تلبية لحاجة المواطنين للدوام في عيادته. وكان عليه أن يبرمج عقله واحساسه كما ملايين العراقيين على حسب متطلبات حرب لا تشبهها حرب في العصر الحديث منذ الحرب العالمية الثانية في اربعينات القرن الماضي. وحين لا يستطيع هذا الطبيب السبعيني أن يكيف نفسه مع مفردة واحدة من مفردات هذه الحرب يدفع حياته ثمناً وتخسره أسرته ومئات الألوف من الأطفال العراقيين الذين كان لفرط ذكائه وعمق تجربته يطببهم من دون اللجوء الى أية وسيلة تشخيص تكنولوجية الا في حدود ضيقة جداً بسبب عدم اتاحتها له أو غلاء تكاليفها على العراقيين المستنزفين في حرب وحصار سبقها على امتداد ثلاث عشرة سنة بحجة اسقاط النظام السياسي الذي لم يسقط حينها، وسقط دونه مليون عراقي معظمهم من النساء الحوامل والأطفال والعجائز لنقص الأدوية وتفشي امراض لا قبل لمجتمع معاصر أن يواجهها.
وتلك صفحة طويت ولم تتذكرها (انسانية أو عدالة) الامم المتحدة أو مجلس الأمن اليوم. فَمَن قُتِلَ من طفل أو امرأة قُيّدَ ضمن الخسائر التي يتوجب ان يدفعها نظام سياسي غير مرضي عنه من واشنطن ومحيطه الاقليمي. ولكنه لم يدفع الثمن وحده بل دفع الشعب أضعاف ذلك الثمن.
ناجي عبد الرحمن، عاد من عيادته قبيل غروب الشمس في يوم رمضاني له بهجة وقدسية لدى العراقيين مسلمين وغير مسلمين. وكان صائماً متوجهاً الى بيته بسيارته الخاصة، وكانت هناك دورية اميركية في ذلك الموقع من الموصل قد فرضت مفردة جديدة من النمط السائد للحرب. ولأن هذا الطبيب مثقل بهموم اطفال موجوعين ومثقل بهمومه الشخصية وأمراض الشيخوخة التي تدب في جسده، ولأن صعوبة تغيير نمط الحياة بعد سن السبعين مسألة لا تتفهمها الحرب الاميركية عندما اجتاحت العراق، فقد اطلقت الدورية الرصاص عليه فقتلته في سيارته فوراً. انها أوامر قتل سهلة تحت عنوان "الشرعية الجديدة" و"الضربة الوقائية” التي تقتل من لم يمتثل لأوامر عدم المرور من هذا الشارع المؤدي الى منزله والذي اعتاد ان يسلكه منذ أكثر من أربعين سنة.
ومن هنا صار لزاماً على أي مشروع اصلاح يعتزم الرئيس الاميركي باراك أوباما السير فيه أن يعالج هذا المفصل المختل بين ذلك الطبيب القديم واحترام نمط حياته التي فقدها، وبين النمط المفروض من أعلى الى أدنى الذي بات هو القاعدة التي يجب أن يسير عليها الجميع في العراق. وان رؤية المحافظين الجدد في قرارهم تغيير هيكل الشرق الاوسط وثقافته السياسية باتت تمتد الى تفاصيل حياة العراقيين غير السياسية وهي ذاتها تسببت في النهاية بموجات نزوح وهجرات جديدة للعراقيين الى خارج بلدهم او في داخله، وهو ثمن لم يدفعه نظام سياسي كان قيد خطط التغيير والازالة وانما دفعه شعب كامل.
قصة ناجي الطبيب القتيل برصاص الاميركيين والذي لا أحد يعتذر لإراقة دمه ولا يكلف نفسه ارسال تعزية لأسرته أو الاعتراف بالخطأ الذي حصل في استهدافه. هذه القصة الموجزة جداً هنا هي ملخص المعضلة التي يواجهها باراك أوباما أو مَنْ يأتي بعده لإزالة إرث جورج بوش الابن صاحب أكبر مشروعين حربيين اجتمعا لزعيم اميركي هما حرب افغانستان وحرب العراق. وهذه المعضلة هي سبب رئيس في نظرة العداء المنتشرة عربياً واسلامياً للولايات المتحدة التي تفكر الادارة الاميركية وتعمل في سبيل تغييرها.
وهو أمر متعذر وصعب لا يمكن انجازه بنيات حسنة وتصريحات ايجابية وخطاب انفتاحي على العالم الاسلامي فحسب كما حصل لأوباما في جامعة القاهرة صيف 2009. لأن كل ذلك لم يجب عن سؤال: هل تخلت واشنطن في أي من مشاريعها الحالية أو المستقبلية عن اجبار ناجي عبد الرحمن وسواه الملايين الاصطفاف وراء روايتها ورؤيتها ومبرراتها في تصريف شؤون الحروب التي تخوضها في العراق أو في اي بلد.
من هذه النقطة التي تتمركز فيها العقدة والحل تولد القوة المفقودة التي تحتاجها الولايات المتحدة لتكون مقبولة من العالم. وتتحول من منطقة الكراهية لها أو التشكيك فيها أو النفور منها الى منطقة الوثوق بها. وهذا السؤال لم يكن له حتى اليوم اجابة اميركية واضحة. وحين تجيب واشنطن عنه، ستعرف مقدار قوتها ومصادرها على نحو يقيني وانساني أيضاً. وليس ذلك واجباً مطلوباً من ادارة ديمقراطية أو جمهورية تحكم من البيت الأبيض ولكنه أمر يحتاج الى اصلاح مفصل واضح في فلسفة العلاقة الاميركية مع الآخرين لاسيما أولئك الذين يقعون في أسفل دول الفقر والتخلف والحروب.
العلاقة الجديدة التي يمكن ان تنقل الولايات المتحدة الى منطقة الأمن والأمان، تتجسد في انه إنْ كان لا بد من اصطفافات، فإنّ الاميركيين عليهم الاصطفاف مع الدول والشعوب الأصغر والأضعف في اطار البحث عن سلام وتنمية وديموقراطية.
اعرف ان ذلك يتعارض مع فكر مروجي الحرب لتغيير الشرق الأوسط وكما قال مراسل (هآرتس) الاسرائيلية في واشنطن آري شبيط في الأسبوع الأول لاحتلال بغداد ان مجموعة من 25 الى 30 شخصاً من المحافظين الجدد كانت تخطط للحرب قبل وقوعها بسنة وانهم جميعهم من اليهود ومعظمهم من النخب المثقفة بينهم ريتشارد بيل وبول ولفوفيتز وداغ بيت واليوت ابرهامز وتشارلز كرواتهايمر وبيل كريستول.
وكريستول هذا أوردته الصحيفة الاسرائيلية كمثال للمحافظين الجدد، كان عندما حصلت الحرب في الأربعينات من عمره وهو محرر مبرز في مجلة "ويكلي ستاندرد" اليمينية، قال للمراسل الاسرائيلي: "هذه حرب تهدف الى تغيير الثقافة السياسية للمنطقة بأسرها. الطريقة الوحيدة لوقف اشخاص مثل صدام واسامة بن لادن هي نشر الديموقراطية وأن نكون مستعدين لاستخدام القوة من اجل توطيد نظام عالمي جديد وخلق شرق اوسط جديد. وأقر بوجود خلاف بين المحافظين الجدد وادارة جورج دبليو بوش حول الموقف من السعودية ومصر لكنه قال "انه في نهاية الامر فان جميع هذه الانظمة الديكتاتورية القذرة لن تصمد طويلاً والاختيار هو بين الاسلام المتطرف والفاشية العلمانية وبين الديموقراطية".
فاتح عبد السلام، رئيس تحرير " الزمان" – لندن
العنوان الأصلي للمقال : إصطفاف الأعلى مع الأدنى: لحظة مكاشفة
المصدر :
http://www.annahar.com/content.php?priority=1&table=kadaya&type=kadaya&day=Sun |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق