الجيش العربي السوري يهاجم الإرهابيين في أرياف دمشق ودرعا ودير الزور وحمص وإدلب وحماه واللاذقية وحلب لبنان : المقاومة الوطنية تضرب دبابة "إسرائيلية" في مزارع شبعا وتوقع إصابات في طاقمها العراق : عشرات القتلى والجرحى بتفجير إرهابي لسيارة مفخخة في حي المشتل غرب بغداد اليمن : الرئيس منصور هادي كلف أحمد عوض بن مبارك بتشكيل حكومة و"الحوثيين" اعترضوا تركيا : تظاهرات كردية ضخمة في اسطنبول ضد رئيس الجمهورية أردوغان والموقف يتأزم روسيا : روغوزين "يعد" بإنتاج أسلحة متطورة، وأسلحة ذكية "للتصدي لأي عدوان" على البلاد أميركا : بايدن يتهم تركيا والسعودية والإمارات بدعم قوى الإرهاب لـ"شن حرب بالوكالة" ضد سوريا      
الأحزاب السياسية في العالم العربي (ظروف النشأة وآفاق التجدد)

خاص ـ الحقول/ مقدمـة : تتسع في السنوات الأخيرة دائرة البحث والمناقشات العامة حول قضايا الإصلاح السياسي والدولة والديمقراطية في البلدان العربية. ويحتل الكلام على تجارب الأحزاب السياسية العربية حيّزاً من تلك البحوث والمناقشات.
يأتي هذا الاهتمام، أو ربما هذه الصحوة، بعد مرور نحو ثمانية عقود على انطلاق بواكير تجارب الأحزاب السياسية العربية الحديثة في العالم العربي، وبعدما تعثّرت مسيرة معظم هذه التجارب، وفشل الكثير منها في تحقيق الشعارات التي رفعها والأحلام التي وَعَد بها. وقد ترافقت هذه الصحوة، وتأثرت في الوقت نفسه، بالتغيرات التي شهدها النظام العالمي بين مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وبين مرحلة ما بعد الثنائية القطبية، كما ترافقت وتأثرت بتغير الموجات الفكرية التي عرفها العالم والمنطقة العربية في مراحل ومحطات تاريخية متلاحقة منذ بداية القرن العشرين حتى اليوم.
تتعدد وجهات النظر في الخطاب السياسي العربي المعاصر حول تقويم تلك التجارب الحزبية، بل حول مدى مشروعية امتلاك تلك التجارب صفة "الأحزاب السياسية" فعلاً. وتتحكم في معظم أدبيات ذلك الخطاب مقاربات تعمل على قياس تلك التجارب بمستويين: مستوى يقيس تلك التجارب وظروف نشأتها بتجارب الأحزاب السياسية في الغرب وبأهدافها وظروف نشأتها، فينفي عن التجارب العربية أصالتها نظراً إلى اختلاف شروط تأسيسها وأهدافها وهيكلياتها عن نموذجها الأصلي في التجربة الغربية...
ومستوى آخر ينظر في تلك التجارب ويحكم عليها قياساً على المفاهيم النظرية والفكرية والمعايير السياسية السائدة حالياً، بمعزل عن المسافة التاريخية وعن المفاهيم النظرية والفكرية والمعايير السياسية والظروف الاجتماعية المغايرة التي حكمت مرحلة نشأة الأحزاب السياسية العربية في النصف الأول من القرن العشرين، فينفي عنها مشروعيتها ويقضي باستحالة ديمقراطيتها نظراً إلى مغايرة طبيعتها "الأيديولوجية" وأهدافها "الاشتراكية" أو "القومية" ونهجها "الثوري" عن الطبيعة "الليبرالية" للأحزاب السائدة في البلدان الرأسمالية الغربية التي وُلدت الديمقراطية من رحمها ولا مجال لتولد من رحم غيرها .

يحاول هذا النص تقديم قراءة نقدية للتجارب الحزبية العربية. غير أن محاولة كهذه تتطلب التأسيس لبعض المفاهيم والفرضيات التي يجري من خلالها تحديد الزاوية أو المقاربة التي يجري تناول الموضوع انطلاقاً منها. من هذه المقاربات والفرضيات:
1- التحرر من موضة القراءة الديمقراطوية للتجارب السياسية والحزبية العربية المعاصرة والحديثة. وبناء على ذلك ينطلق النص من فرضية أن الديمقراطية ليست المعيار الأوحد أو الأساسي للحكم على نجاح أو فشل أو على صوابية أو عدم صوابية أي تجربة حزبية عرفها المجتمع العربي المعاصر، وبخاصةٍ في منتصف القرن العشرين، بل هناك معايير أخرى يجب أن تؤخذ في الحسبان، ليس انطلاقاً من هامشية المسألة الديمقراطية في تجارب العمل السياسي بل انطلاقاً من عدم صوابية اقتلاع التجارب الحزبية من سياقها التاريخي ومن سياق التحديات الاستراتيجية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية...) التي يواجهها هذا الحزب أو ذاك في نقطة زمكانية محددة، فتغدو بذلك المعايير الأساسية التي يجب أن يُحكم على تلك التجارب من خلالها هي التحديات والأهداف الأساسية التي حددها هذا الحزب أو ذاك لنفسه في مرحلة تاريخية محددة وفي مجتمع محدد.
2- التحرر من ثنائيات الخير والشر في قراءة وفهم وتقويم التجارب السياسية والحزبية العربية، كثنائيات ديمقراطية – استبدادية، يمينية - يسارية، اشتراكية – رأسمالية، حداثية – تقليدية، دينية – علمانية... إذ إن الكثير من المشكلات والأزمات التي شهدتها تجارب حزبية من اتجاهات مختلفة فكرية وسياسية ينبغي البحث عن أسبابها في ما يتعدى هذه الثنائيات، سواء في العامل البنيوي الاجتماعي أم في العامل الخارجي المؤثر. فهناك مشكلات عميقة واجهتها التجارب الحزبية العربية بمختلف نماذجها، كمشكلات الشخصنة والفساد والضدّية ونفي الآخر والإيمانية والماضوية والتبعية والموضوية والانتهازية، لم تقف عند حدود الحزب اليميني دون اليساري، والاستبدادي دون الديمقراطي، والديني دون العلماني... بل أصابت مختلف هذه النماذج بفعل عوامل موضوعية محلية أو خارجية. لذلك، ولتجنب الوقوع في فخ الاستسهال من خلال تفسير أسباب مشكلات التجارب الحزبية وفق أحد أطراف تلك الثنائيات، يُفترض السعي لفهم هذه المشكلات في ضوء المنهج البنيوي – التاريخي والمنهج الشمولي الذي يربط ظاهرة التجارب الحزبية بغيرها من الظواهر والعوامل الأخرى المؤثرة فيها والمتأثرة بها، سواء على مستوى الداخل (الوطني) أم على مستوى الخارج ( الإقليمي والدولي). فالكثير من الاتجاهات الفكرية والخيارات السياسية والنماذج التنظيمية والأنماط العلائقية التي اعتمدتها هذه التجربة الحزبية أو تلك لا يمكن رصدها وفهمها بمعزل عن تأثر تلك التجربة بالعامل البنيوي – التاريخي من جهة، الحزبي والمجتمعي على السواء، وبالعامل الخارجي المحيط، وطنياً وإقليمياً ودولياً من جهة أخرى.
3- يسود اليوم اتجاه في الخطاب العربي المعاصر يسعى لتفسير مشكلات المجتمع العربي، بما في ذلك مشكلات التجارب الحزبية العربية، انطلاقاً من العوامل والعوائق الداخلية لهذا المجتمع (بما فيها العوامل البنيوية)، رافضاً هذا الاتجاه تفسير تلك المشكلات بالعوائق الخارجية، وبخاصةٍ العامل الاستعماري الغربي والصهيوني، بذريعة أن التجارب الحزبية العربية تغطي فشلها وتمارس الاستبداد باسم الأمن القومي ومقارعة الاستعمار والصهيونية. ويتخذ هذا الاتجاه من ذلك التفسير ذريعة لكي يُسقط من خطابه أي موقف رفضي، أو حتى نقدي، تجاه العامل الاستعماري أو الإسرائيلي في المجتمع العربي وفي التجارب الحزبية فيه، على الرغم من كل الوقائع الحسية التي تشير إلى مدى تأثير العامل الخارجي باتجاهات مختلفة، في تلك التجارب سياسياً وفكرياً وتنظيمياً ونهجاً كما في مسار التطور التاريخي للمجتمع والدولة في العالم العربي على مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والتنموية، إما عبر تأثر تلك التجارب بالحركات الحزبية والاتجاهات الفكرية السائدة أو الصاعدة في أقطاب النظام العالمي، وإما كرد فعل على تدخل هذه الأقطاب في مصير المجتمع العربي (الاستعمار، التقسيم، اغتصاب فلسطين، فرض اتفاقات وأحلاف)، الأمر الذي كان يقطع الطريق على إحداث تحولات وتوليد ديناميات حراك سياسي يعبّر عن تناقضات المجتمع الوطني وتطوراته، وعن المناخ الثقافي والفكري السائد في ذلك المجتمع.

وفي هذا السياق يُطرح السؤال: ما الذي يجعل التجارب الحزبية العربية تعجز في شعاراتها وأهدافها وبرامجها ونهوجها عن تتويج أدبيات ومناخات عصر النهضة العربية في مشروع سياسي بهدف بناء مشروع دولة عربية ديمقراطية مؤسسية ودستورية؛ أليس التدخل الاستعماري والتقسيم، ومن ثم المشروع الصهيوني وإقامة دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي، وسياسة بناء أحلاف ودعم أنظمة حكم ومشيَخات تحمي مصالح الغرب الإستراتيجية والنفطية في المنطقة، هي التي بترت السياق التاريخي للحركة السياسية العربية النهضوية (الداعية إلى قيام الدولة العربية الديمقراطية الدستورية) باتجاه قضايا الاستقلال والتحرير والوحدة ودفعت إلى عسكرة التجارب الحزبية العربية، وبالتالي عسكرة أنظمة الحكم أو توريثها وفق أنظمة مشيَخية وملكية غير قابلة للتحول الديمقراطي؟
طبعاً هذا لا ينفي دور العوامل الداخلية الذاتية، لكن قطع الطريق على الاستمرار في تفسير تطورات الداخل في ضوء تأثيرات الخارج بهدف إعاقة الإصلاح والتغيير لا يكون (أي قطع الطريق) بارتكاب الخطأ نفسه، أي الاعتماد على الخارج وتوفير الشروط لاستمراره مؤثراً في الداخل، بل إن الحل هو بالتحرر الفعلي من التبعية والموضوية اللتين لا يبدو أن الخطاب النيوليبرالي السائد قد تحرر منهما فعلاً.

بناء على ذلك، سيحاول هذا النص وضع قراءة تقويمية للتجارب الحربية انطلاقاً من التطور التاريخي للمجتمع العربي والتحولات الإقليمية والدولية التي ولدت التجارب الحزبية العربية في سياقها، بدءاً من التحولات التي شهدتها الدولة العثمانية في نهاية عصرها، مروراً بالتدخل الاستعماري في المنطقة منذ القرن التاسع عشر الذي تُوّج بالسيطرة الاستعمارية المباشرة على معظم الأراضي العربية بعد انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، ثم بانتصار الثورة البلشفية ونشوء حركة الأممية الشيوعية (الكومنترن 1919 – 1943)، وصولاً إلى نكسة عام 1948 وقيام دولة إسرائيل وتفجر الصراع العربي – الإسرائيلي. فقد مثلت هذه الأحداث والمحطات عوامل محورية في نشوء التجارب الحزبية العربية، وهي تركت بصماتها بقوة على تلك التجارب فكراً وتنظيماً ونهجاً، فالتقت هذه العناصر مع بنى ثقافية واجتماعية ومع ظروف اقتصادية وسياسية قائمة في المجتمعات العربية أفرزت تلك التجارب ووسمتها بسمات محددة.
طبعاً لا يصح موضوعياً وعملياً أن تدعي دراسة في حدود فصل في كتاب معالجة موضوع الأحزاب السياسية في العالم العربي بوجه عام، فتعدد تلك التجارب وتنوعها الفكري والسياسي والتنظيمي والبرنامجي، يحول دون إمكان تعميم الكثير من النتائج البحثية التي يمكن أن تنطبق على بعض تلك التجارب دون الأخرى. لذا ستركز الدراسة على والبحث في بعض الديناميات التي يَفترض الباحث أنها مثلت قواسم مشتركة لنشوء العديد من التجارب الحزبية العربية في مختلف اتجاهاتها القومية والاشتراكية والإسلامية والليبرالية.
أولى هذه الديناميات هي أن هذه التجارب كانت بمنزلة ردود فعل أكثر منها فعلاً، على الرغم من أن ردود الفعل هذه اتخذت منحيين معاكسين: منحى ضدي نفيي، رافض للفعل وعاملٌ ضده، ومنحى تقليدي متماهٍ مع الفعل ساعٍ لتقليده إلى حد التبعية له.
وهذا يؤسس للديناميات الأخرى التي يفترضها الباحث، منها ديناميات الموضوية والماضوية اللتان حكمتا عمل التجارب الحزبية في مختلف اتجاهاتها الفكرية والسياسية.
مع العلم أن هاتين الديناميتين الثنائيتين (رد فعل مع – رد فعل ضد، وماضوي – موضوي) ليستا ظاهرتين عربيتين، بل هما حاضرتان في الكثير من التجارب الحزبية العالمية ولو بنسب وبحدود مختلفة لأسباب موضوعية واضحة. فظاهرة العدوى غالباً ما كانت تترافق مع صعود نموذج فكري أو أيديولوجي معين، وما كاد يلبث هذا النموذج أن يسود في أحد البلدان أو الحضارات حتى يأخذ في الانتشار في بلدان وحضارات أخرى، وخصوصاً مع تزايد احتكاك هذه البلدان والحضارات في ما بينها، أو بسبب تشابه التحولات التاريخية، الاقتصادية والاجتماعية والإنتاجية والثقافية، ولو جزئياً، بين هذه المجتمعات والبلدان. هذا ما حصل مع أفكار عصر التنوير في أوروبا ثم في العديد من مناطق العالم وحضاراته، وحصل مع الفكر القومي الأوروبي، ثم مع الفكر الاشتراكي، وكذلك مع الفكر الإسلامي، وأخيراً مع أفكار الليبرالية الجديدة المترافقة مع الموجة العولمية التي أخذ العالم يشهدها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
إذاً قضية العدوى الفكرية أو الموضوية تبدو أقرب إلى كونها قانوناً اجتماعياً من كونها تعبيراً عن حالات مجتمعية أو حضارية خاصة أو عن مرحلة تاريخية محددة، مع الأخذ في الحسبان طبعاً هامش النسبية في مدى حضور هذه الموضوية، في هذه الموجة الفكرية والحزبية أو تلك، بناء على مدى قوة هذه الموجة من جهة وعلى درجات الممانعة والاستعدادية التاريخية لدى هذه الحضارة أو تلك من جهة أخرى.
في حين تبدو الماضوية أكثر عرضة للتجاوز التاريخي، وبخاصة في مجتمعات مراكز النظام وفي البنى المجتمعية والثقافية التي وضعت حداً للعقل القَدَري، ولو أنه ما لبث أن أسس في وقت لاحق لقدرية من نوع آخر هي القدرية الوضعية النيوليبرالية، وهو أمر تقع معالجته خارج حدود هذا البحث.
أما ثالثة هذه الديناميات فهي الدينامية الإيمانية التي تُسقط العلاقة الدينية الروحية بين الإنسان والإله على العلاقة الوضعية بين الإنسان والمجتمع التي يجري التعبير عنها بالعقيدة أو بالأهداف السياسية.
طبعاً، يظل العامل الداخلي شرطاً موضوعياً في شروط قيام الأحزاب السياسية كما في أي ظاهرة اجتماعية أخرى، لكن هذا العامل وحده لا يكفي لفهم ظاهرة الأحزاب السياسية في الوطن العربي، كما هو الأمر في نشوء ظاهرة الأحزاب السياسية في الغرب ، حيث العوامل الداخلية كانت هي المحدد أكثر من سواها في عملية تحريك ديناميات نشوء التجارب الحزبية.
ستحاول هذه الدراسة إذاً، قراءة ظاهرة الأحزاب السياسية العربية من خلال تلك الديناميات التي حُكمت بمجموعة تطورات ومحطات شهدها المجتمع العربي عقب الحرب العالمية الأولى، أبرزها: (1) انهيار آخر خلافة إسلامية مع تفكك الدولة العثمانية، (2) سياسة التتريك، (3) التقسيم القسري للمنطقة، (4) المشروع الصهيوني وقيام دولة إسرائيل، (5) الاستعمار المباشر للعالم العربي، (6) الثورة البلشفية، وهي أحداث كان لها دور أساسي في تحريك ديناميات ردود الفعل الضدية والتقليدية، وديناميات الموضوية والماضوية.
أولاً: الخلفية السياسية والفكرية السائدة
قبيل نشوء الظاهرة الحزبية العربية
تشير التطورات التي شهدتها الدولة العثمانية منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى سقوطها عقب الحرب العالمية الأولى إلى وجود مجموعة عوامل وظروف ساهمت في توفير الشروط وفي التأسيس لنشوء حركة ثقافية وفكرية وسياسية عربية وفرت المناخ لنشوء تجارب الأحزاب السياسية العربية في ما بعد. وتظهر هذه التطورات أن ظروف نشأة الأحزاب السياسية العربية اختلفت عن ظروف نشأة الأحزاب السياسية في الغرب في مسألتين بارزتين، الأولى هي أن التجارب الحزبية العربية كانت محكومة برد الفعل أكثر منه بالفعل؛ والثانية هي أن العامل الخارجي كان العامل المحدد في قيام معظم تلك التجارب. دون أن يلغي ذلك وجود أرض خصبة لبروزها. أضف إلى ذلك مسألة ثالثة هي أن تلك الأحزاب لم تولد في رحم الديمقراطية، ولا كانت الديمقراطية بدورها تمثل محور اهتمامات وتحديات وأهداف تجارب تلك الأحزاب، على الرغم من احتلال مسألة بناء الدولة الحديثة وفق أفكار عصر التنوير الأوروبي حيزاً مهماً في أدبيات رواد عصر النهضة العربية الذين ساهموا في مجيء المرحلة الجمعياتية التي مثّلت بدورها المرحلة الجنينية للأحزاب السياسية العربية الحديثة.
ففي المجتمعات الغربية نشأت الأحزاب السياسية استجابة للتطورات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها تلك المجتمعات، ثم نمت مع نمو التجارب الديمقراطية في تلك المجتمعات. وارتبطت في بداياتها بديناميات الحراك السياسي داخل المجتمعات الغربية نفسها، وتحديداً بنشوء الأطر البرلمانية التي أسفر تطورها عن خلق كتل برلمانية ثم لجان انتخابية مثلت نواة الأحزاب السياسية، التي "كلما رأت المجالس السياسية وظائفها واستقلالها يكبران، كلما شعر الأعضاء بالحاجة إلى التكتل تبعاً للتجانس بغية العمل بصورة جماعية. وكلما انتشر حق الاقتراع وتعدَّد، كلما دعت الحاجة إلى الإحاطة بالناخبين من قبل لجان قادرة على التعريف بالمرشحين وعلى توجيه الأصوات نحوهم" . وقد كانت الكتل البرلمانية تقوم بناء على مجموعة عوامل، أبرزها وحدة العقائد السياسية، والمجاورة الجغرافية، والمصلحة المهنية المشتركة. وأول ما ظهرت هذه الأحزاب في الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة التوسع في حق الاقتراع عام 1830، وفي بريطانيا عام 1832، وفي فرنسا عام 1848... الأمر الذي تطلب توسيع القاعدة الحزبية وتكونت تنظيمات حزبية دائمة لاجتذاب الأصوات وجمع التبرعات، مع بقاء قيادة الأحزاب حكراً على أعضاء المجالس النيابية، وهو ما يظهر أن "الأحزاب كانت نتيجة لوجود الديمقراطية أكثر منها سبباً للديمقراطية" .
أما من وجهة النظر الماركسية فيرتبط قيام الحزب السياسي بانقسام المجتمع على طبقات وعدم تجانس هذه الطبقات، وبالاختلافات في مصالح الطبقات والمجموعات المكونة لها. وهي أسباب تؤكد دور العامل الداخلي في تأسيس الأحزاب السياسية التي يبدأ التاريخ الفعلي لنشوئها "منذ عهد الثورة البرجوازية الفرنسية العظمى في أواخر القرن الثامن عشر" .
أما في المجتمع العربي فقد تمثلت تلك الدوافع بمجموعة تحديات وتهديدات خارجية، تمثلت بمظاهر تفكك وتآكل الدولة العثمانية وتزايد إجراءات التتريك وتصاعد النزعة القومية الطورانية فيها، ثم تصاعد الهجمة الاستعمارية على المنطقة وما أسفرت عنه من مشاريع تقسيم للعالم العربي وسيطرة مباشرة عليه، إضافة جاذبية الثورة الحداثية في الغرب ونموذج الدولة القومية الذي أفرزته.
منذ بداية القرن التاسع عشر على الأقل أخذت العلاقة بين الدولة العثمانية وأوروبا تتخذ منحىً عكسياً: نهاية عهد سلسلة طويلة من السلاطين الأقوياء والأذكياء، وضعف يحل بالحكومة المركزية، وفساد يغزو الإدارة، وأزمة اقتصادية بفعل تغير خطوط التجارة العالمية، وزيادة في الضرائب، وتراجع في الزراعة... مقابل دولة قومية تقوم على إدارة حديثة وجيش قوي وثورة صناعية وفائض إنتاج يبحث عن أسواق. وفي ظل هذا الانقلاب في موازين القوى لمصلحة أوروبا، أخذت شروط العلاقة بين الطرفين تتبدل، وأخذ النفوذ الأوروبي والتدخل في الشؤون الداخلية العثمانية يتوسع. وفي سياق هذا التدخل، أُدخلت الدولة العثمانية في عهد التنظيمات منذ عهد السلطان عبد المجيد، بهدف إصلاح جهاز الدولة وتحديثه وفق النموذج الأوروبي .
كل ذلك دفع بمجموعة من الشبان العثمانيين المستنيرين إلى الشعور بضرورة إعادة الحياة إلى المؤسسات الهرمة والإدارة البالية في دولتهم ، الأمر الذي أفضى إلى تكوين نخبة عثمانية جديدة على قدر من الوعي بالهوة التاريخية الكبيرة التي تفصل ما بين الواقع العثماني والواقع الأوروبي والغربي. وقد اشتدت حدة هذا الوعي في الولايات المتحدة العربية ذات الثقافة الراسخة . وهكذا بدأ المجتمع العربي يشهد يقظة تجاه ذاته العربية التي كانت راقدة في الفضاء العثماني المتداعي، بعدما فُتحت أمامه نوافذ أوروبا وجرى التواصل الثقافي معها، بفعل تزايد البعثات التبشيرية، وانتشار الطباعة والصحافة وإصدار الكتب وإيفاد البعثات الدراسية والاستعانة بالخبراء ونشوء حركة الترجمة . وفي هذا السياق أخذ مفهوم الدولة – الأمة يترسخ لدى هذه النخبة، الأمر الذي مهّد إلى نشوء الحركات القومية لدى شعوب الدولة العثمانية بمن فيهم الشعب العربي . مع العلم أن النزعة القومية العربية في بدايتها لم تتخذ منحى استقلالياً كما ظهر لدى قوميات البلقان، بقدر ما كانت تطمح إلى نوع من اللامركزية العربية في إطار وحدة الدولة العثمانية. غير أن النزعة الاستقلالية ما لبثت أن تصاعدت مع تصاعد النزعة الطورانية وسياسة التتريك .
من جهة أخرى، ساهمت ثورة عرابي باشا في تأجيج النزعة القومية العربية ورفع موجة العداء ضد الأتراك لدى العرب، الذين كانوا ينظرون إلى ثورته إذا ما نجحت بأنها ستنطوي على مضاعفات خطيرة من شأنها أن تقرر مصير العرب كأمة .
عبرت الحركة القومية العربية عن نفسها من خلال تأسيس الجمعيات الثقافية والسياسية. وكان أبرز هذه الجمعيات الجمعية العلمية السورية (1857) التي أطلقت الصرخة الأولى للقومية العربية داعية العرب إلى اليقظة، وهي أول جمعية تقتصر عضويتها على العرب . وقد أكدت الجمعيات السياسية السرية التي تألفت في كل من بيروت ودمشق والقاهرة واستانبول في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، رغبتها في الحكم الذاتي ومن ثم الانفصال عن الإمبراطورية العثمانية .
هكذا مثّل رد الفعل على تداعي الدولة العثمانية والتأثر بنموذج الدولة القومية في أوروبا عنصرين محفزين لليقظة القومية العربية في القرن التاسع عشر. وهما عنصران لن يلبثا أن يتزايد تأثيرهما في تعميق تلك اليقظة وتفعيلها سياسياً في فترة الحرب العالمية الأولى.
ثانياً: التحديات والظروف التاريخية التي أفرزت التجارب الحزبية العربية الأولى
1- ظروف واتجاهات الحركة السياسية في ظل الدولة العثمانية
ظل النشاط السياسي للنخبة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر محدوداً وسرياً، وبخاصة في ظل مرحلة الاستبداد الحميدي. إلى أن حصلت الثورة الدستورية سنة 1908 التي قضت على العصر الحميدي وأفسحت المجال أمام مرحلة جديدة من العمل السياسي في أوساط النخبة العربية، "فبادرت النخبة العربية من خلاله إلى نشر وعيها الجديد لمفهوم الأمة المستند إلى مرجعية المثال الغربي وتاريخيته الأوروبية" .
ترافق هذا التحول مع إخلال جمعية تركيا الفتاة بوعودها الإصلاحية، إلى جانب تصاعد سياسة التتريك التي عبرت عنها الجمعية بعد عام 1908، الأمر الذي أدى إلى توتير العلائق العربية-التركية وإلى تعميق النزعة الاستقلالية لدى العرب، بعدما كانوا يطمحون في السابق إلى مجرد صيغة لامركزية في إطار وحدة الدولة العثمانية. "فعندما اتخذت تركيا الفتاة من الوطنية المتطرفة والتفوق العرقي أساساً لبناء تركيا الجديدة، تركيا القومية الموحدة ثقافياً وسياسياً، كانت ردة الفعل عند قادة العرب أنهم راحوا يفكرون بمستقبل أوطانهم العربية بالأساليب ذاتها" .
إلى جانب ذلك، شهدت الدولة العثمانية عقب ثورة 1908، تصاعداً لدور العسكر في العمل السياسي، وبخاصةٍ على يد جمعية "الاتحاد والترقي"، وهي الجمعية السرية التي أنشأتها تركيا الفتاة بهدف القضاء على استبداد عبد الحميد . وقد ترافق تصاعد دور الضباط الاتحاديين مع سياسة إقصاء الموظفين غير الأتراك من جهة ومع سياسة الإلحاق التي شهدتها بعض المناطق العربية من جهة أخرى، في ظل حملة معادية للعرب نظمتها صحف جمعية الاتحاد والترقي، وسياسة تتريك فرضها الاتحاديون على مستويات التعليم والاقتصاد والجيش، إلى جانب حل الجمعيات التي أسستها جماعات غير تركية، بما فيها جمعية الأخاء العربي التركي، الأمر الذي عزز أزمة الثقة بين الأتراك والشعوب الأخرى في الدولة العثمانية وأدى إلى تعزيز النزعة الاستقلالية واستثارة المشاعر القومية لدى هذه الشعوب، بمن في ذلك العرب  الذين عملوا على تأسيس عدد من الجمعيات والأحزاب السياسية للدفاع عن قضاياهم وحقوقهم، وهيّأ التربة الصالحة لبذور الحركة الانفصالية العربية بدءاً من عام 1909 .
وما ضاعف من أزمة الثقة بين العرب وجمعية الاتحاد والترقي هو كثافة العنصر اليهودي، إلى جانب التركي، في الجمعية .
ثم جاءت فترة حكم جمال باشا في سوريا لترفع وتيرة الخلاف بين العرب والأتراك ولتدفع العرب إلى مزيد من التشدد في نضالهم من أجل الاستقلال عن الدولة العثمانية، بل يرى البعض "إن حكم جمال باشا في سوريا، في أثناء الحرب العالمية الأولى، كان أحد العوامل الحاسمة في موقف أكثرية الزعماء العرب المسلمين من تركيا. إذ إنه قضى على كل تردد ودفع بهم إلى اتخاذ قرار الانفصال التام عن تركيا. فقد ازداد شعور العرب القومي، بعد 6 أيار 1916[...] وأصبح الاستقلال السياسي، والسيادة القومية العربية، أمراً حيوياً بالنسبة إلى العرب" . كل هذه العوامل عرفت قوات الحلفاء في أثناء الحرب العالمية الأولى كيف تستغلها، فأخذت في تشجيع العرب "للقيام بثورة ضد الأتراك ومساندتهم في حقهم بالمطالبة بالحرية والاستقلال" . وأشار لويد جورج في مذكراته إلى أن "عملاءنا (بين العرب)، وفي جملتهم عدد ممن كان قد تمرس بأساليب الدبلوماسية الشرقية، راحوا يشجعون القيام بثورة، وكانوا يعدونهم بالسلاح والذخيرة" .
2- ظروف واتجاهات الحركة السياسية العربية بين الحربين العالميتين
هكذا إذاً حُكمت المرحلة التأسيسية للحركات السياسية العربية بمجموعة مناخات وظروف تاريخية محلية ودولية، طبعت شخصية تلك الحركات، بغض النظر عن اختلافها الأيديولوجي، وحددت أهدافها وأولوياتها لعقود مقبلة :
1- فعلى المستوى الثقافي – الفكري كان هناك مناخ عصر التنوير والثورة الصناعية ونماذج التحديث في أوروبا، التي مثلت عناصر إلهام وجذب للكثير من نخب الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر الذين أسسوا لنهضة أدبية وفكرية متأثرة بنموذج التحديث الغربي وبأفكار عصر التنوير. وقد راوح هذا الانجذاب إلى التجربة الأوروبية التنويرية والتحديثية بين التماهي المطلق مع تجربة الدولة الحديثة في أوروبا عبر الدعوة إلى ضرورة القطع مع التراث الديني الإسلامي وتبني النموذج العلماني والتشريعات والقوانين الوضعية في مشروع الدولة العربية المرجوة، وبين تأكيد أهمية التراث الديني مع ضرورة تحديثه وتكييفه وفق تطورات العصر.
2- ترهل الدولة العثمانية وتصاعد موجة التتريك في عهد تركيا الفتاة، الأمر الذي دفع مختلف الشعوب غير التركية في الدولة العثمانية، بمن فيهم الشعب العربي، إلى الرد عبر البحث عن مشروعهم القومي المستند إلى هويتهم الثقافية الخاصة، على الرغم من أن النزعة العروبية في القرن التاسع عشر، سواء في الأدبيات الفكرية "النهضوية" أم في الأدبيات "اليقظوية" السياسية، لم تكن تطمح إلى مشروع قومي عربي يقطع كلياً مع الهوية الإسلامية الجامعة وفق صيغة لامركزية في إطار الدولة العثمانية.
3- في مقابل ذلك كان هناك الوجه الاستعماري والدور التقسيمي لهذا النموذج الحداثي الأوروبي، الذي أسس لمكوِّن الخوف والحذر على مستوى السياسة لدى هذه النخبة أو بعضها، وأسس بالتالي لبعض منطلقات الحركات السياسية العربية الساعية للتحرر من الاستعمار ورفض مشاريعه التقسيمية ونماذج الكيانات القطرية التي فرضها على المنطقة عقب انهيار الدولة العثمانية والتي جاءت متناقضة مع وعي المثقفين العرب لمشروع الدولة العربية التي طمحوا إلى تحقيقها على أنقاض الدولة العثمانية والتي لم يترددوا في التعاون مع القوات البريطانية والفرنسية بهدف تحقيقها، فتحول الدفع السياسي العربي من كونه رد فعل على عملية التتريك إلى جعله رد فعل على الاستعمار الأوروبي والتقسيم القطري.
إذا كانت نتائج الحرب العالمية الأولى قد أنهت أحد الأهداف التي عملت الحركة السياسية العربية من أجل تحقيقها في مرحلة ما قبل تلك الحرب، ألا وهو الاستقلال النسبي أو الكلي عن الدولة العثمانية، فإن مرحلة ما بعد الحرب قد أعادت تأكيد الأولويات والأهداف التي رسمتها الحركة السياسية العربية لنفسها على الرغم من تغير العناصر الخارجية المحفزة على تحديد تلك الأهداف.
فمشروع الاستقلال ظل هدفاً مركزياً للحركة السياسية العربية، لكن بدلاً من أن يكون استقلالاً عن الدولة العثمانية فسيكون هذه المرة استقلالاً عن الاستعمار البريطاني الذي تقاسم المنطقة العربية التي انكفأت القوات التركية عنها عقب الحرب.
ومشروع الدولة العربية التي سعى المثقفون والقادة العرب لها جاءت اتفاقات تقاسم المصالح والنفوذ الدولية عقب الحرب لتعيد تأكيده واستمراره في قائمة أهداف وأولويات الحركة العربية.
لكن هذه المرحلة (ما بين الحربين) ستضيف قضيتين أخريين إلى قائمة أهداف وأولويات تلك الحركة، أي: القضية الفلسطينية التي أخذت تباشيرها تتضح مع وعد بلفور وباتت تفرض نفسها على أهداف ودوافع الحركة السياسية العربية؛ والقضية الاجتماعية التي ستلقى بظلها على الحركة السياسية العربية فتحتل قضية العدالة الاجتماعية والاشتراكية موقعاً مركزياً في قائمة أهدافها، كل ذلك بوحي وبتأثير من حركة انبعاث الفكر الاشتراكي في العالم، التي تُوجت بانتصار الثورة البلشفية في روسيا وبقيام الأممية الثالثة (الكومنترن).
فبعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وانكفاء القوات التركية عن معظم الأراضي العربية التي كانت تمثل جزءاً من الدولة العثمانية، انشدّت أنظار القادة والسياسيين العرب إلى تحقيق مشروع الدولة العربية التي حددها الشريف حسين في ظل وعود فرنسية وبريطانية بدعمها. لكن تمتُّع العرب بنشوة تحقيق هذا الهدف لم يدم طويلاً. فما كادت طلائع الجيش العربي تدخل إلى دمشق في أواخر العام 1918 ليعلن فيصل بن الحسين قيام الدولة العربية في بلاد الشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) حتى وُوجه فيصل بن الحسين في مؤتمر الصلح في باريس في بداية عام 1919 بتناقض المصالح الاستعمارية الفرنسية والبريطانية مع مشروع الدولة تلك، على الرغم من كل الوعود التي سبق لبريطانيا وفرنسا أن قطعتاها على نفسيهما بدعم مشروع الدولة العربية  مقابل الدعم العربي لهما في حربهما ضد الدولة العثمانية، فتقاسمت القوات الفرنسية والقوات البريطانية احتلال المنطقة وفرضت منها مشاريع كيانات قطرية.
ولم تكن المرحلة الاستعمارية الأوروبية أقل وقعاً على أهداف الحركات السياسية العربية أو أقل تأثيراً في تحديد أولوياتها أو حتى في تحديد طرائق عملها، إذ "زاد الانتداب على البلدان العربية من حدة المطالبة بتقرير المصير، وبالاستقلال السياسي، فضلاً عن أنه كان سبباً في قيام عدد من الأحزاب السياسية، بالإضافة إلى أنه وحّد المقاومة ضد الغرب" . وعلى المستوى التنظيمي والإجرائي ظل الطابع السري يحكم عمل الكثير من الحركات السياسية، وبخاصةٍ الحركات ذات الطابع القومي التي كانت رداً على الانتداب وعلى مشروع تهويد فلسطين. وقد مثلت عصبة العمل القومي أبرز هذه الحركات .
ثالثاً: نماذج الأحزاب السياسية التي أفرزتها المرحلة
أسفرت السيطرة الاستعمارية الأوروبية على مختلف المناطق العربية بين الحربين العالمتين وما أسفرت عنه هذه السيطرة من تقسيمات جديدة للكيانات السياسية في المنطقة، عن ظهور عدة نماذج من الأحزاب السياسية العربية: (1) الأحزاب القومية العربية التي لم تعترف بشرعية الكيانات القطرية الوليدة والتي تعمل من أجل تحقيق الوحدة العربية؛ (2) الأحزاب القومية الإقليمية التي تركزت أساساً في بلاد الشام، الداعية إلى توحيد سورية الطبيعية؛ (3) الأحزاب القومية القطرية والأحزاب الوطنية القطرية؛ (4) الأحزاب الشيوعية؛ (5) الأحزاب الإسلامية. وسنتطرق في هذا النص إلى تجارب ثلاثة نماذج من هذه الأحزاب:القومية العربية والشيوعية والإسلامية.

1- ديناميات الحركة القومية العربية
كان حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب أبرز تنظيمين سياسيين قوميين على الساحة العربية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى. وإذا كان معظم الحركات والأحزاب السياسية العربية بعد الحرب العالمية الأولى وعقب تنفيذ مشاريع تقسيم المناطق العربية التي كانت منضوية تحت الدولة العثمانية، قد اتخذ نضالها هماً وطنياً – قطرياً، سواء على مستوى تحقيق الاستقلال الوطني أم على مستوى الاندماج الاجتماعي، أكثر منه هما قومياً يسعى لقيام الدولة العربية الواحدة، فإن هاتين الحركتين، قد ظلت قضية الوحدة العربية بوصفها الرد الأنجع على التحديات المحورية التي يواجهها الوطن العربي القضية المركزية لديهما . وهذا ما دفع هذين الحزبين إلى توسيع دائرة نشاطهما الحزبي إلى معظم الأقطار العربية. وإذا كانت نكبة فلسطين عام 1948 مثلت المحرك الأساسي لدينامية رد الفعل الضدي لدى حركة القوميين العرب، فإن التأسيس السابق على النكبة لحزب البعث العربي عام 1940 مثل امتداداً أو إنضاجاً سياسياً وتنظيمياً لردود الفعل اليقظوية التي شهدتها المجتمعات العربية في نهاية عصر الدولة العثمانية التي عبرت عن نفسها بالأطر الجمعياتية، فمثلت الوحدة العربية بذلك أبرز ديناميات حزب البعث. غير أن الظروف التوليفية لنشوء حزب البعث العربي الاشتراكي، عقب توحيد حزبي البعث العربي، بعث زكي الأرسوزي وبعث ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار، ذوي النزعة القومية والنخبوية الاجتماعية المثقفة، مع الحزب العربي الاشتراكي، بزعامة أكرم الحوراني، المرتكز على خلفية جماهيرية ذات نزعة طبقية، حالت دون طغيان دينامية على أخرى في بنية هذا الحزب ودوافعه، لكن من دون أن تختفي كلياً أي من تلك الديناميات.
تأثر الأرسوزي بالتجربة القومية الأوروبية، وبخاصة النازية والفاشية، واهتم بقضايا التنوير، وربط مشروع الأمة العربية بوجود زعيم واحد يمثلها ويعبر عنها أصدق تعبير. فالزعيم من الجمهور بالنسبة إلى الأرسوزي «كالأم من بنيها» . لكن بعث الأرسوزي كان يرى في الوقت نفسه أن الديمقراطية هي النظام السياسي الأمثل.
أما ميشال عفلق، الذي يعد المنظِّر الرئيسي في حزب البعث، فلم تظهر الديمقراطية عنده، كما لم تخفِ توجهاته العديد من المظاهر المعبرة عن تلك الديناميات، وبخاصةٍ الدينامية الإيمانية التي ربط عفلق نظرته إلى القومية العربية بها وأعطاها الأولوية على المعرفة، إذ إن «الإيمان يجب أن يسبق كل معرفة ويهزأ بأي تعريف، بل إنه هو الذي يبعث على المعرفة ويضيء طريقها» ، كما لم تخلُ قوميته من القدرية، «لأن الفكرة القومية هي بديهية خالدة، وهي قدر محبب لأنها حب قبل كل شيء» ، فالقومية كالدين «تنبع من معين القلب وتصدر عن إرادة الله» . وكذلك لم تخلُ تلك التوجهات من الدينامية الماضوية. فالعرب بالنسبة إليه هم تلك «المجموعة من البشر التي استلهمت من الماضي تلك المقومات والشروط الابتدائية والضرورية للشعور المشترك، وللمصلحة المشتركة» . وهكذا فإن الأيديولوجيا العفلقية «تقوم على موضوعة أن نضال العرب الحديث لا يستهدف إلا (بعث) ماضيهم» ، فالمشروع القومي مستمدة شروطه من الماضي.
لكن هذه النظرة ما لبثت أن تحولت عقب تجربة الوحدة المصرية – السورية، بعدما برزت اتجاهات فكرية وسياسية متعددة داخل حزب البعث كرد فعل على النظام الناصري وعلى تجربة دولة الوحدة. وقد برز في المؤتمر القومي السادس في الحزب عام 1963 تيار يساري أضفى على نظرة الحزب إلى القومية مضموناً ديمقراطياً اشتراكياً متحرراً من الماضوية. فوفق هذا المضمون الذي نظّر له ياسين الحافظ «لم تعد الوحدة العربية مجرد تحقيق لماضٍ سلف، بل هي ضرورة مباشرة في معركة الوجود العربي ضد الاستعمار بشكلية القديم والجديد» .
في المقابل كانت دينامية رد الفعل الضدي أكثر تأثيراً ومباشرية في نشوء حركة القوميين العرب. فقد نشأت الحركة «كرد فعل سياسي على نكبة فلسطين 1948، التي سلطت أضواء على العجز والتفكك العربيين، وكمحاولة للسعي إلى القوة والتنظيم والتوحيد والانقلاب الجذري على الأوضاع القائمة» .
وقد عبرت الحركة عن هذه الدينامية بالنزعة الثأرية التي أطلقها مرشد الحركة علي ناصر الدين عام 1951، الذي وضع العرب أمام خيارين: «الثأر أو العار» . وما لبث موضوع الثأر أن أصبح يمثل أحد عناصر الشعار الثلاثي للحركة: «وحدة، تحرر، ثأر».
من جهة أخرى كانت دينامية الموضوية حاضرة بقوة أيضاً في البنية الفكرية والتنظيمية لدى مؤسسي حركة القوميين العرب. غير أن تفاعل ديناميتي رد الفعل الضدي والموضوية لدى هؤلاء المؤسسين جعل تأثرهم ببعض اتجاهات «الثورة الأوروبية» تتخذ منحىً عدائياً للغرب، المسؤول عن قيام دولة إسرائيل، في الوقت الذي كان القائد الإيطالي غاريبالدي يمثل رمزاً ثورياً لهم، ووجدوا في مازيني مؤسس "جمعية إيطاليا الفتاة" ملهماً للعمل السري .
هكذا اتخذت المرحلة التأسيسية للحركة منحىً عسكرياً قبل أن تغدو حزباً سياسياً، إذ مثلت «كتائب الفداء العربي» تجربة انتقالية رد فعلية مر بها أبرز مؤسسي الحركة.
على المستوى الفكري، استمدت الحركة طروحاتها من تجربتين جمعويتين، هما جمعية العروة الوثقى التي كان قسطنطين زريق أحد روادها، وعصبة العمل القومي التي كان علي ناصر الدين أحد مؤسسيها أيضاً. كما مثلت أدبيات ساطع الحصري أحد روافد الفكرة القومية لدى أبناء الحركة.
كما مثلت الدينامية الإيمانية أحد مكونات العقيدة القومية لدى القوميين العرب. وقد ظهرت هذه الدينامية بقوة في نصوص ساطع الحصري، الذي رأى «أن الإيمان من أهم القوى المؤثرة في حياة الإنسان». وهو حين يقول ذلك لا يقصد من كلمة الإيمان "معناها الديني الخاص"، بل يقصد «معناها اللغوي العام»، أي «الإيمان بأي شيء»: «[...] إيمان القائد بقدرة الجيش وبالنصر النهائي... إيمان السياسي بصوابية الخطة الموضوعة [...] إيمان الوطني بمجد الأمة وكفاءتها وبقدرة الوطن ومستقبله» . وهو يرى أن «النضال في سبيل النهضة القومية يتطلب بذل المجهود لبث "الإيمان القومي" في النفوس، ولتقوية هذا الإيمان وتغذيته بكل الوسائل الممكنة» .
ويربط الحصري الدينامية الإيمانية بالدينامية الماضوية، فيرى «أن أمجاد الماضي من أهم عوامل الأمل، ودوافع الإيمان بالمستقبل، وذلك لأن المرء عندما يجد في ماضي أمته كثيراً من الصفحات المجيدة، يزداد إيماناً بإمكان استعادة ذلك المجد» ، فالماضي «منبع المستقبل على الدوام، كما أنه من عوامل الدفع إلى الأمام، في كثير من الأحيان» .

2- ديناميات الحركات الإسلامية
لم تختلف الحركات الإسلامية في نشأتها عن الحركات القومية من حيث تحكُّم دينامية رد الفعل الضدي على ظروف النصف الأول من القرن العشرين. فقد مثل سقوط الخلافة الإسلامية على أيدي الأتاتوركية ذات التوجه العلماني محركاً قوياً لدينامية رد الفعل الضدي لدى العديد من رجال الدين والمثقفين المسلمين العرب. وقد أسفر إلغاء الخلافة العثمانية وفشل المساعي لنقلها إلى مصر خلال مؤتمر الخلافة الإسلامية عام 1926 عن «بروز اتجاهين إسلاميين، هما تيار السلفية المشرقية الذي مثل "منار" رشيد رضا ركنه الأساسي، وتيار لاهوتية التحرير المغاربي الذي تمثل بشكل أساسي بالشيخ عبد الحميد بن باديس (الجزائر) وبالأمير عبد الكريم الخطابي (مراكش)» . وفي هذا السياق، جاء تأسيس حسن البنا لحركة الإخوان المسلمين في الإسكندرية عام 1928 «امتداداً حركياً للإصلاحية السلفية المشرقية في شروط مواجهتها الحادة للنموذج العلماني الكمالي» ، من جهة، وكرد فعل ضدي على «المنكرات» وعلى التبشير الإنجيلي المسيحي، وعلى بعض تحولات المجتمع المصري الديني في القاهرة من جهة أخرى .
إلى جانب ذلك تحضر دينامية الماضوية في حركة الإخوان المسلمين الداعية إلى قيام دولة إسلامية. فالإسلام في نظر البنا «عبادة وقيادة، ودين ودولة، وروحانية وعمل، وصلاة وجهاد، ومصحف وسيف، لا ينفك واحد من هذين عن الآخر»، «فالإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركناً من أركانه» .
وقد جعل البنا من «الدعوة إلى الله» عنواناً رئيسياً لحركته، محملاً هذا العنوان خمسة أهداف رئيسية هي:
1- إيقاف التبشير في المجتمع المصري، والحؤول دون قيام المبشرين بتنصير المسلمين.
2- محاربة الاستعمار بوصفه الداعم الرئيسي للمبشرين، وكونه المؤسسة التي تعمل على إحلال النظم الأوروبية محل النظم الإسلامية في مختلف مجالات الحياة.
3- العمل على رد المؤمنين بالحضارة الغربية إلى القيم الإسلامية.
4- الأخذ في يد المسلمين الواقعين في متاهات البدع والضلالات والأوهام والخرافات إلى حيث القيم الدينية السلمية.
5- اتخاذ "كتاب الله" مرجعية وميزاناً توزن به كل الأمور .
أخذت تجربة الأخوان المسلمين تمتد خارج مصر منذ عام 1935، تاريخ انعقاد المؤتمر الثالث للجماعة الذي قرر تعميم الدعوة في الخارج. وبدأ الأخوان ينشطون في سوريا من خلال جمعيات إسلامية متعددة أقيمت في مختلف المناطق والمدن السورية، واتخذت صفة الجمعيات الدعوية الخيرية والثقافية. وكان عدد من كوادر هذه الجمعيات مرتبطاً تنظيمياً بمكتب الإرشاد العام للإخوان في القاهرة.
كان "شباب محمد" اللقب المشترك الذي يجمع نشاط هذه الجمعيات في سوريا ولبنان، حتى عام 1944 تاريخ انعقاد ما يشبه المؤتمر التأسيسي الأول لجماعة الأخوان المسلمين في سوريا ولبنان.
تميزت انطلاقة التجربة الإخوانية في سوريا عن التجربة الأم في القاهرة، فاتخذت منحى أكثر ليبرالية لم يطالب بتطبيق الشريعة بل بإجراء إصلاح على أساس الإسلام من خلال إقامة حكم صالح يزيل مساوئ الاستعمار في الحكم والإدارة والسياسة. كما أقرت هذه التجربة بالتعددية الحزبية، واتخذت منحىً يسارياً وسطياً على المستويين السياسي والاقتصادي، فأسّست "الجبهة الإسلامية الاشتراكية" عام 1949.
بدت الدينامية الموضوية أكثر حضوراً في التجربة الإخوانية السورية منها في التجربة المصرية المحكومة أكثر بالدينامية الماضوية، فقد عبرت التجربة السورية عن تماهيها مع نموذج الأحزاب الديمقراطية المسيحية الغربية، إذ اقتربت من "احتمال تطورها إلى نوع من حزب ديمقراطي إسلامي على غرار نمط الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا وأميركا اللاتينية" . وكان المراقب العام للجماعة مصطفى السباعي يدفع بهذا الاتجاه.
واللافت للنظر أن التجربة الإخوانية في سوريا شبيهة بتجربة حزب البعث لناحية البنية التوليفية غير المحكومة بقوة بدينامية محددة. وقد عبّرت مواقف الجماعة عن هذه التوليفية غير المحكومة بإحدى الديناميات من خلال التوفيق بين "الدفاع عن النظام الجمهوري في مواجهة مشروع سورية الكبرى، والوقوف ضد مشروع الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط، وتبني الحياد الإيجابي وطرح إصلاح زراعي جذري، والتعاون الاقتصادي والسياسي مع الاتحاد السوفييتي، وطرح الاشتراكية [كرد فعل ضدي] على الشيوعية" ، وهو رد فعل ضدي اتخذ منحىً أوضح في دينامية التجربة الإخوانية في فلسطين، التي سعت لمواجهة الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي كان أبرز مؤسسيه من اليهود  بعدما أصبح المشروع الصهيوني يمثل محور العمل السياسي لدى مختلف الاتجاهات والقوى السياسية الفلسطينية، ما عدا الحركة الشيوعية.
مع العلم أن ديناميات المرحلة التأسيسية لدى جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، تطابقت إلى حد بعيد مع ديناميات الجماعة الأم في مصر، ألا وهي دينامية رد الفعل الضدي على الاتجاهات التغريبية ودينامية الماضوية الداعية إلى إعادة الإسلام إلى المجتمع وإلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية. غير أن تحديات المشروع الصهيوني فرض على الجماعة جدول أعمال سياسياً تحكمه دينامية رد الفعل الضدي في وجه المخاطر القائمة آنذاك. وقد عبر المؤتمر العام الذي عقدته جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين عام 1946 عن هذه الدينامية في مقرراته التالية:
1- اعتبار حكومة فلسطين مسؤولة عن الوضع السياسي المضطرب.
2- تأييد الجامعة العربية.
3- تأييد مطالب مصر بالجلاء ووحدة وادي النيل.
4- عرض قضية فلسطين على مجلس الأمن.
5- تأييد المشاريع التي ترمي إلى إنقاذ البلاد.
6- عدم الاعتراف باليهود الطارئين على البلاد.
7- تعميم شُعب الإخوان المسلمين في فلسطين .
وفي السياق نفسه، لم تختلف تجارب الأحزاب والحركات الإسلامية في ديناميات نشوئها في البلدان العربية الأخرى عما كانت عليه في مصر وبلاد الشام، وبخاصةٍ أن الكثير من هذه الحركات المبكرة تأثرت، أو ارتبطت، بصورة أو بأخرى، تنظيماً وفكراً وديناميات، بالتجربة الإخوانية المصرية.
3- ديناميات الأحزاب الشيوعية العربية
تميزت تجارب الأحزاب الشيوعية العربية في دينامياتها عن تجارب الأحزاب والحركات القومية والإسلامية. ففي الوقت الذي كانت دينامية رد الفعل الضدي ترتكز في تحريكها عملية نشوء التجارب القومية والإسلامية على عوامل موضوعية تمثلت، كما سبق أن ذكرنا، بنمو النزعة الطورانية وسياسة التتريك ثم بانهيار الدولة العثمانية وانتهاء الخلافة الإسلامية فيها، مروراً بتقسيم العالم العربي وبفرض السيطرة الاستعمارية المباشرة عليه، وصولاً إلى قرار تأسيس الكيان الصهيوني في فلسطين، وفي الوقت الذي طغت قضايا الاستقلال والوحدة والتحرير ومواجهة آثار الاستعمار على أولويات أهداف تلك الحركات والأحزاب القومية والإسلامية، طغت على أولويات أهداف الأحزاب الشيوعية العربية قضايا أخرى محكومة بديناميتي رد الفعل التقليدي – التبعي والموضوية، المتحفزتين بصعود الاتحاد السوفياتي كقطب عالمي المتميز بجاذبية أيديولوجية وثورية قادرة على محاكاة شرائح واسعة من المثقفين والشبان والحرفيين والكادحين.
ثم إن تحكم الدينامية الإيمانية في الثقافة العربية، المترافقة مع نوع من المركزية التنظيمية والسياسية للحركة الشيوعية العالمية (الكومنترن)، عززا من تحكم ديناميتي الموضوية ورد الفعل التقليدي - التبعي في الحركة الشيوعية العربية.
هكذا سنجد مثلاً أن القضايا والتحديات الكبرى التي سيواجهها العالم العربي في العقود الأربعة في منتصف القرن العشرين ستتعامل الحركة الشيوعية معها باتجاه مغاير إلى حد بعيد لاتجاه الحركات السياسية والشعبية العربية بوجه عام، سواءٌ في ما يتعلق بالموقف من الاستعمار، أم في ما يتعلق بقضية الوحدة العربية، أم في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والمشروع االصهيوني. فالأحزاب الشيوعية العربية لم تستمد نشأتها من "الحركة الذاتية للبنية الاجتماعية، كما جرى في البلدان الصناعية المتقدمة التي انشقت فيها الأحزاب الشيوعية عن الأحزاب الاشتراكية (فرنسة، إيطالية) وتلك الاشتراكية الديمقراطية (ألمانية)، بل ارتبط نشوؤها بالظرف الذي نشأ عن ثورة أكتوبر 1917" .
ويرى شمس الدين الكيلاني أن "الحركة الشيوعية في بلادنا تستمد شرعيتها من انتسابها إلى الفكر الماركسي، ومدى تنفيذها لقرارات "الكومنترن" الحامل المؤسسي لهذا الفكر، فظلت ماركسيتها عملياً تستمد أصولها من هذا "المركز"، ومن قرارات الحزب الشيوعي السوفييتي حصراً. فهي لم تتعرف على فكر ماركس وإنجلس، ولا حتى لينين، إلا عبر التفسير الستاليني، وعبر وصاية المؤسسة الستالينية "الكومنترن"" . ففي المناخ الأيديولوجي والسياسي للعصر الستاليني، الذي نشأت معظم التجارب الشيوعية العربية في ظله، بات معيار الأممية "الوفاء للدولة السوفياتية والدفاع عن مواقفها حتى التكتيكية (ورفعها إلى مرتبة النظرية وتكييف النظرية وفقاً لها) ورسم السياسات القومية على أساسها" .
هكذا سينعكس موقف الحزب الشيوعي السوفياتي من المسألة القومية على مواقف الأحزاب الشيوعية العربية من القضية القومية والوحدة؛ وسينعكس التحالف السوفياتي مع الحلفاء ضد ألمانيا النازية في أثناء الحرب العالمية الثانية موقفاً لدى الشيوعيين العرب غير معادٍ للاستعمار الفرنسي – البريطاني في العالم العربي؛ وسينعكس موقف الحزب الشيوعي الفرنسي على مواقف الأحزاب الشيوعية المغاربية من قضية الاستقلال المغاربي عن فرنسا المستعمرة وبالتالي من الثورات التحريرية والحركات الاستقلالية والعروبية هناك؛ كما سينعكس موقف الاتحاد السوفياتي من قرار تقسيم فلسطين عام 1947 على موقف الأحزاب الشيوعية العربية قضية الاعتراف بإسرائيل .
خاتمة
مضى القرن العشرون وانطوت معه صفحات عديدة من تجارب حزبية عربية، منها ما تشظّى أو اندثر، ومنها ما لا يزال قابعاً في السلطة ولو متعثراً. وبعد مرور نحو ثمانية عقود على بدء نشوء ظاهرة الأحزاب السياسية العربية يغدو طبيعياً التساؤل أين أصبحت الشعارات والأهداف التي وضعتها تلك التجارب لنفسها ومثلت محور الحركة السياسية والنضال الجماهيري على مدى عقود: الاستقلال، تحرير فلسطين، الوحدة العربية، الاشتراكية، أو العدالة الاجتماعية، التحديث، التنمية المستقلة. صحيح أن الاستقلال (الشكلاني طبعاً) تحقق، واندحر الاستعمار المباشر عن الأرض العربية، بفضل الثورات الشعبية وملايين الشهداء، في مغرب البلاد ومشرقها، لكن الأحزاب الرئيسية التي كانت قائمة آنذاك لم تكن هي المحرك الفعلي لتلك الثورات. في حين تعثرت كل الأهداف الأخرى ولو أنها حققت اختراقات محدودة هنا أو هناك. في المقابل تعرض العالم العربي لمزيد من الصدمات الكبرى ومن النكسات، وشهد العالم تحولات تاريخية أثرت جميعها في مصير الاتجاهات السياسية والفكرية العربية، بدءاً من هزيمة عام 1967 التي أحدثت اهتزازاً في الأحزاب السياسية ذات الاتجاه القومي ولدى الانتليجنسيا العربية التي راحت تبتعد من الفكر القومي وتتجه أكثر نحو الاشتراكية، مروراً بانتصار الثورة الإسلامية في إيران في أواخر سبعينيات القرن الماضي التي مهّدت لصعود الصحوة الإسلامية وتعزيز مكانتها على الساحة الحزبية العربية، مقابل انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينيات الذي ساهم بقوة في تصدع الحركة الشيوعية العربية وفي انحسار حضورها الجماهيري، وصولاً إلى العدوان الأمريكي على العراق المتمرحل في عدة محطات بلغت أوجها باحتلال البلاد وإزالة حزب من السلطة هو بقايا المرحلة القومية.
وها نحن دخلنا في قرن جديد يقال إن له سمات جديدة. ويُدعى العالم العربي وقواه السياسية والحزبية إلى الأخذ في هذه السمات وإلى الخروج من لغة القرن العشرين سياسياً وفكرياً، مع العلم أن جل الأهداف التي تمحورت الحركة الحزبية العربية حولها لم تتحقق بعد. فهل هذا يعني أن الأهداف كانت خاطئة وبالتالي ينبغي إسقاطها وتجاوزها، أم أن الوسائل والأدوات السياسية والفكرية كانت تشكو خللاً ما، وبالتالي لا بد من إعادة البحث عن وسائل جديدة، أم أن هناك خللاً بنيوياً في المجتمع العربي نفسه وفي ثقافته العربية – الإسلامية، وبالتالي لا بد من تفكيك هذه البنية والقطع معها كشرط لدخول عصر العولمة، أم أن كل المشكلة تكمن في غياب الديمقراطية، وبالتالي فإن العقار الديمقراطي سيحقق الشفاء من كل هذه العلل؟
تلك هي بعض اتجاهات الخطاب النقدي في الفكر السياسي العربي المعاصر أو حتى في الأدبيات السياسية وفي الخطاب السياسي الرسمي في بعض البلدان الغربية المعنية بشؤون العالم العربي.
في حين يجري في هذه الأدبيات إلى حد بعيد، إسقاط دور العامل الخارجي في تعثر التجارب الحزبية العربية في تحقيق أهدافها وفي إنجاز وعودها، على الرغم من كل ما كان لهذا الخارج من تأثير فكري وسياسي ونموذجي طبع تلك التجارب وفرض نفسه في تحديد أهدافها وأساليب عملها، سواء عكسياً عبر دينامية رد الفعل الضدي أم مواكبةً، ولو سلباً، عبر دينامية رد الفعل التقليدي – التبعي أو دينامية الموضوية، وهما ديناميتان لا تزالان تتحكمان حتى بالخطاب السياسي "الليبرالي" المعاصر الذي يدعو إلى تجاوز جل تركة القرن العشرين بمدارسها الفكرية وتوجهاتها السياسية وأهدافها ونماذجها وتناقضاتها.
هنا لا بد من التفكير قليلاً ومن طرح بعض التساؤلات المحورية: هل تجاوز العالم فعلاً سمات القرن العشرين؟ وهل أن التحديات التي واجهت العالم العربي في القرن الماضي اضمحلت واندثرت والأهداف تحققت وبالتالي هناك تحديات جديدة ومغايرة تواجه العرب اليوم يجب أن تصاغ برامج الأحزاب السياسية وأهدافها بناء عليها؟ وهل أن الخارج لا يؤثر فعلاً، وبقوة، في تحريك اتجاهات التطور (الفكري والسياسي والاقتصادي والثقافي) في العالم العربي، وبالتالي في مصير هذا العالم؟ وهل أن الديناميات التي أنتجت التجارب الحزبية العربية هي ديناميات معطِّلة وهي وليدة المجتمع العربي المتخلف في ظرف تاريخي محدد، أم أنها ديناميات لها صفة عالمية، بل ربما تصل إلى حدود كونها قانوناً اجتماعياً، دون أن ينفي ذلك تاريخيتها؟
تتوقف على الإجابات عن هذه الأسئلة طبيعة القراءة النقدية التي ينبغي التعاطي بها مع التجارب الحزبية العربية ومع التجربة السياسية بوجه عام في القرن الماضي؛ كما تتوقف عليها طريقة رؤية التحديات التي تواجه العالم العربي والتجارب الحزبية العربية في هذا العصر، وبالتالي طريقة رسم الأهداف وتحديد الأولويات وهل هي استمرار لسمات القرن العشرين مع ضرورة التجديد في الوسائل والأهداف وطرائق التفكير، أم أنها تجاوز لسمات القرن العشرين ربما يصل إلى حدود القطيعة؟
لكن هل أن سقوط الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي ونهاية الحرب الباردة، وقيام نظام عالمي أحادي القطبية وما قيل عن انبثاق عصر العولمة مع كل ما رافقه من أدبيات فكرية وسياسية وضخ إعلامي تبشر بمرحلة أو حتى بثقافة ما بعدوية ونهائوية... هل كل ذلك قد أسّس لعصر جديد له سماته المغايرة لسمات القرن العشرين، أو سمات أواخر النصف الثاني منه على الأقل؟
لا يبدو ذلك حاصلاً، في العالم العربي على الأقل. وما يلفت النظر في هذا السياق أن عدم حصول ذلك هو ليس بفعل تعثر وتقادم ديناميات المجتمع العربي نفسه، بل بفعل ضغوط العامل الخارجي هذه المرة أيضاً. فهاهي القضايا نفسها التي مثلت عناصر حفز لديناميات الحركة السياسية في النصف الأول من القرن العشرين لا تزال تمثل عناصر حفز لديناميات الحركة السياسية في بداية القرن الحادي، وهي في معظمها عناصر ضاغطة بفعل العامل الخارجي: المشروع الصهيوني واستمرار احتلال فلسطين، الاستعمار العسكري المباشر، مشاريع تفتيت العالم العربي، التبعية الاقتصادية والتخلف الاجتماعي وتركز الثروة؛ لكن مع إضافة مناخ جديد هذه المرة لم يكن سائداً بهذه القوة في تجربة القرن العشرين، هو عامل الديمقراطية، التي باتت تفرض نفسها كضرورة تاريخية لم يعد تجاهلها ممكناً لدى أي تجربة حزبية وسياسية. مع العلم أن ما نشهده من هذه الموجة الديمقراطوية ليس كله بفعل الضرورة التاريخية، بل بفعل التقاء عامل الضرورة التاريخية هذا بعامل الموضوية السياسية والفكرية التي غالباً ما يجري الترويج للديمقراطية من خلالها عبر اختزالها في حدودها الشكلانية واستخدامها كأدوات للسيطرة السياسية وللاستباحة الاقتصادية.
كل هذه العوامل المتجددة على أبواب قرن جديد لا توحي بأن القضايا والعناوين والأهداف الكبرى التي قامت عليها التجارب الحزبية العربية في القرن العشرين قد ماتت فعلاً وأصبحت من الماضي، على الرغم من تبدل الدوافع الأيديولوجية والفكرية بين الربع الثاني من القرن العشرين وبين اليوم. فقضية تحرير فلسطين ستظل قضية محورية لدى الكثير من التيارات والتجارب الحزبية العربية، وقضية التحرر من الاستعمار المباشر والاحتلال العسكري الأجنبي كما هي حال العراق، ستظل بدورها عامل حفز لدينامية رد الفعل الضدي في تحريك بعض التجارب الحزبية. وفي المقابل، ستظل قضايا اللبرلة الاقتصادية و"الأَولَنَة" (مصر أولاً، الأردن أولاً، لبنان أولاً...) عوامل حفز لدينامية الموضوية المحركة لبعض التجارب الحزبية الأخرى. وستظل قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحديث السياسي والإداري ومكافحة الفساد والتنمية الاقتصادية منطقة وسطى يغرف منها الجميع، سواء بوصفها ضرورة تاريخية أم بوصفها موضة تزين شعارات هذه الأحزاب وخطاباتها السياسية والإصلاحية.
من هنا تغدو القراءات "النقدية" المعاصرة للتجارب الحزبية العربية في القرن العشرين التي تنعي تلك التجارب بسبب فشلها التنظيمي والأدائي تمهيداً لإسقاط الأهداف والقضايا الكبرى التي قامت تلك التجارب من أجلها، وتحديداً قضية تحرير فلسطين، والعراق، والتحرر من مشاريع الهيمنة الاستعمارية، والتنمية والعدالة الاجتماعية، والتكامل العربي، إن لم يكن الوحدة، قراءات غير قادرة على التأسيس لمرجعية نظرية محررة لفهم التحديات المستقبلية للمجتمع العربي ولحفز ديناميات العمل السياسي على مواجهتها.
لا شك في أن نماذج الاستبداد التي تحكمت في كثير من التجارب الحزبية العربية، بما فيها التجارب التي وصلت إلى السلطة، هي نماذج معطِّلة وهي لم تعد قادرة على الاستمرار أو حتى على تبرير استمرارها. غير أن سقوط تلك النماذج في التجربة لا يعني بالضرورة سقوط الأهداف التي قامت تلك النماذج من أجلها أصلاً.
غير أن مواجهة تلك التحديات والتناقضات وتحقيق تلك الأهداف تعني من جهة أخرى استمرار ارتكاز التجارب الحزبية الجديدة أو المتجددة على الديناميات نفسها التي قامت عليها في النصف الأول من القرن الماضي، أي ديناميات رد الفعل التقليدي - التبعي، والموضوية، والماضوية، والدينامية الإيمانية؛ وإذا كان استمرار حضور العامل الخارجي القسري غالباً يمثل مبرراً موضوعياً لاستمرار دينامية رد الفعل الضدي، فإن أي تجربة مستقبلية فاعلة وبناءة لأي حزب سياسي عربي يجب أن تقوم على دينامية الفعل أيضاً، إذ لم يعد كافياً ولا مثمراً مواجهة التحديات ومقارعة الأعداء وصد الاعتداءات المتنوعة بالارتكاز على دينامية رد الفعل الضدي وحدها، بل لا بد لأي مشروع مواجهة من أن يرتكز على مشروع حضاري له رؤيته المتحررة والمستقلة للمستقبل المستمدة من ظروف المجتمع العربي ومن علاقة وموقع هذا المجتمع بالمنظومة العالمية بتداخلاتها وتناقضاتها. 

الهوامش

1- انظر: جورج طرابيشي، «الايديولوجيا الثورية واستحالة الديمقراطية،» في: برهان غليون [وآخرون]، الديمقراطية والأحزاب في البلدان العربية: المواقف والمخاوف المتبادلة، ط2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، الفصل الثاني، ص 71 – 78.

2- انظر في هذا الصدد: موريس ديفرجيه، الأحزاب السياسية، ترجمة علي مقلد وعبد الحسن سعد، ط 4 (بيروت: دار النهار، 1983)، ص 6 و 7.

3- المصدر نفسه، ص 7.

4 – نظام بركات، "الحزب السياسي في ظل النظام الديمقراطي،" في: هاني حوراني [وآخرون]، المرشد إلى الحزب السياسي (عمان: مركز الأردن الجديد للدراسات، 1995)، ص 50.

5- معجم الشيوعية العلمية، الطبعة العربية (موسكو: دار التقدم، 1985)، ص 203.

6- محمد نجاتي طيارة، «المرحلة الجمعياتية،» في: بو علي ياسين [وآخرون]، الأحزاب والحركات القومية العربية، ج 1، مشروع نشأة الحزب السياسي وتطوره ومصائره في الوطن العربي في القرن العشرين (دمشق: المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، [د.ت])، ص 9.

7- زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية (بيروت: دار النهار، 1968)، ص 41.

8- محمد نجاتي طيارة، المصدر نفسه، ص 10.

9- المصدر نفسه، ص 10.

10- المصدر نفسه، ص 11.

11- المصدر نفسه، ص 12.

12- زين، نشوء القومية العربية، ص 68.

13- باسل الكبيسي، حركة القوميين العرب، تعريب نادرة الخضيري الكبيسي، ط 4 (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1985)، ص 38، وطيارة، «المرحلة الجمعياتية،» ص 14. المصدر نفسه، ص 40.

14- المصدر نفسه، ص 40.

15- طيارة، المصدر نفسه، ص 15.

16- زين، نشوء القومية العربية، ص 90 – 91. ويذكر زين ابرز هذه الجمعيات: جمعية الأخاء العربي العثماني، والمنتدى الأدبي، والجمعية القحطانية، والعلم الأخضر، والعهد (تأسست في استانبول)، وجمعية بيروت الإصلاحية، وجمعية البصرة الإصلاحية، والنادي الوطني العلمي (بغداد)، والجمعية العربية الفتاة، وحزب اللامركزية الإدارية العثماني. ص 90 – 91.

17- جورج أنطونيوس، يقظة العرب، ترجمة ناصر الدين الأسر وإحسان عباس، ط 7 (بيروت: دار العلم للملايين، 1982)، ص 175.

18- وجيه كوثراني، «دراسة في بدايات تكوُّن الوعي السياسي العربي الحديث: تركية المركزية وعروبية اللامركزية،» أبعاد، العدد 3 (أيار/مايو 1995)، ص 54 – 55، وجورج أنطونيوس، المصدر نفسه، ص 77 و 90 زين نور الدين زين، المصدر نفسه، ص 77 و 90.

19- زين نور الدين زين، المصدر نفسه، ص 77 و 90. المصدر نفسه، ص 86، وجورج أنطونيوس، المصدر نفسه، ص 176.

20- المصدر نفسه، ص 86، وجورج أنطونيوس، المصدر نفسه، ص 176.

21- زين نور الدين زين، المصدر نفسه، ص 122.

22- المصدر نفسه، ص 122.

23- المصدر نفسه، ص 122.

24- لمزيد من التفاصيل حول التوجهات السياسية لتلك الجمعيات التي مثلت نواة الحركة السياسية العربية الحديثة، انظر: طيارة، «المرحة الجمعياتية،» ص 9 – 39، إضافة إلى كتاب وجيه كوثراني، الاتجاهات الاجتماعية – السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي 1860 – 1920، سلسلة التاريخ الاجتماعي للوطن العربي 1، ص 2 (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1978)؛ أنطونيوس، يقظة العرب، وعبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984).

25- انظر: جورج انطونيوس، المصدر نفسه، ص 385 – 390، وبو علي ياسين، «عصبة العمل القومي، 1933 – 1954،» في: ياسين [وآخرون]، الأحزاب والحركات القومية العربية، ج 1، ص 47 – 48.

26- زين، نشوء القومية العربية، ص 140.

27- بو علي ياسين، المصدر نفسه، ص 49.

 

28- الكبيسي، حركة القوميين العرب، ص 52.

29- بو علي ياسين، «حزب البعث العربي الاشتراكي: النشأة والتطور الأيديولوجي،» في: ياسين [وآخرون] الأحزاب والحركات القومية العربية، ج 1، ص 213.

30- المصدر نفسه، ص 239.

31- المصدر نفسه، ص 240.

32- المصدر نفسه، ص 241.

33- المصدر نفسه، ص 240.

34- المصدر نفسه، ص 290.

35-المصدر نفسه، ص 292.

36- حركة القوميين العرب، «التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القومي الاستثنائي عام 1963،» ص 17. نقلاً عن: جورج كتن، «من تجارب الأحزاب الثورية، إشكالية الممارسة الديمقراطية داخل حركة القوميين العرب: دراسة نقدية،» في: علي خليفة الكواري، تحرير، الديمقراطية داخل الأحزاب في البلدان العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)، ص 32.

37- عنوان محاضرة ألقاها علي ناصر الدين بدعوة من نواة مؤسسي الحركة في نيسان/أبريل 1951، مشيراً فيها إلى أن «شيئاً واحداً بعينه يمحو العار، وليس يمحوه أي شيء آخر، على الإطلاق، وهو الثأر» انظر: محمد جمال باروت، حركة القوميين العرب: النشأة – التطور – المصائر (دمشق: المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، 1977)، ص 56. كبيسي، حركة القوميين العرب، ص 60. ساطع الحصري، آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، طبعة خاصة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984)، ص 33.

38- الكبيسي، حركة القوميين العرب، ص 60.

39- ساطع الحصري، آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، طبعة خاصة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984)، ص 33.

40- المصدر نفسه، ص 36.

41- ساطع الحصري، دفاع عن العروبة، طبعة خاصة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص 47.  

42- الحصري، آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص 67.  

43- أنور عبد الهادي أبو طه [وآخرون]، الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية، ج 1 (دمشق: المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، [د.ت])، ص 34-35.

44- المصدر نفسه، ص 43.

45- المصدر نفسه، ص 44.

46- محمد أحمد خلف الله، «الصحوة الإسلامية في مصر،» في: إسماعيل صبري عبدالله [وآخرون]، الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)، ص 39.

47- المصدر نفسه، ص 45.

48- "سوريا: أصول وتعرجات الصراع بين المدرستين التقليدية والراديكالية،" في: فيصل دراج وجمال باروت، الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية، 2 ج (دمشق: المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، [د. ت.]، ج 2، ص 257.

49- المصدر نفسه، ص 258.

50- المصدر نفسه، ص 373.

51- المصدر نفسه، ص 375.

52- محمد سيد رصاص، «السوفييت والأحزاب الشيوعية العربية،» في: فيصل دراج ومحمد جمال باروت، تحرير، الأحزاب والحركات اليسارية، ج 1، مشروع نشأة الحزب السياسي وتطوره ومصائره في الوطن العربي في القرن العشرين (دمشق: المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، [د.ت])، ص 40.

53- شمس الدين الكيلاني، «الأحزاب الشيوعية والقضايا القومية،» في: فيصل دراج ومحمد جمال باروت، تحرير، المصدر نفسه، ص 52.

54- ياسين الحافظ، التجربة التاريخية الفيتنامية: تقييم نقدي مقارن مع التجربة التاريخية العربية، الأعمال الكاملة 3، ط 3 (دمشق: دار الحصاد، 1997)، ص 106

55- لمزيد من التفاصيل حول تجارب الأحزاب الشيوعية العربية، انظر: مجموعة من الباحثين، الأحزاب والحركات اليسارية، تحرير فيصل دراج ومحمد جمال باروت، الجزءان الأول والثاني (دمشق: المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، [د.ت])، وعبدالله تركماني، الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي والمسألة القومية من العشرينات إلى حرب الخليج الثانية (بيروت: الآن، 2002).

فــارس أبي صعب، كاتب وباحث عربي من لبنان
 

 

 إطبع هذا المقال     أرسل إلى صديق

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
دراسة
> لبنان يشن الحرب على الإرهاب : تسليح الجيش بين الخيار الروسي وخداع واشنطن ...
> "داعش" في السعودية : واشنطن تدفع الرياض إلى مغامرة في ... أوكرانيا!؟
> أميركا ـ "إسرائيل" : ديناميات القوة وتوتر العلاقة
> تيارات النخبة المصرية وإفلاس الطبقة السياسية
> أميـركــا - السـعوديــة... العـلاقـات الصـعـبـة
> إشكاليات الحكم "الإخواني" : مصر المحروسة إلى أين؟
> الحرب في سوريا كحرب «جديدة» : إشكالية الوطني والدولي في أزمات الدول الصغرى
> الإحتلال الأميركي و"غزو المخدرات" للشباب العربي
> السلامة النفسية في موضوع الحجاب (نظرة الجامعيين إلى حجاب المرأة)
> إفقار اللاجئين : أجور نصف الشباب الفلسطينيين في لبنان دون الحدّ الأدنى؟!