الديموقراطية والأمن القومي : لماذا شكلت بريطانيا لجنة شيلكوت وما هي اهدافها؟
بدأت "لجنة التحقيق حول مشاركة بريطانيا في غزو العراق" جلساتها منذ نحو أسبوع. قائمة "الشهود" تشمل وزراء وديبلوماسيين وضباط استخبارات ومسؤولين ساهموا في تنفيذ قرار حكومة طوني بلير بارتكاب جريمة الغزو واحتلال العراق، تحت إمرة إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الإبن.
الخطوة البريطانية لا ترمي إلى إدانة الغزاة الإنكلو ساكسون، ولا تمهد لإقامة محكمة دولية تقاضي المتورطين في جرائم الإحتلال والإغتصاب والقتل العمد للعراقيين الآمنين. كما لا تهدف إلى تقديم الإعتذار إلى بنات وأبناء الشعب العراقي عن المصائب والآلام التي حلت بهم على أيدي جيوش الكولونيالية الجديدة المتوحشة التي هدمت دولتهم، وخربت اجتماعهم.
حكومة غوردون براون لم تشكل هذه اللجنة لوضع حد لإحتلال العراق وترك شعبه يقرر مصيره بنفسه. أبدا.
رئيس اللجنة السير جون شيلكوت حصر دورها في إنجاز جدول الأعمال التالي : أولا، تقديم تقرير عن المشاركة البريطانية في الحرب لا "يحابي أحدا على حساب الحقيقة". ثانيا، وضع "توصيف عميق وشامل للإعتبارات المختلفة التي أثرت على شرعية الحرب". ثالثا، "كتابة السرد بحيث نتعلم الدروس من أجل المستقبل" السياسي والعسكري للمملكة المتحدة.
لجنة شيلكوت هي لجنة قومية تبحث في الماضي والمستقبل البريطاني. إنها أداة قانونية لتمويه أو إخفاء "حقيقة" العدوان المسلح على العراق، ووسيلة للتشكك في "الحقيقة" التي عرفها ولمسها العراقيون بكونهم ضحايا للعدوان الأميركي ـ البريطاني المستمر منذ عام 2003.
يتوقع شيلكوت ألا يقدم تقريره قبل عام 2012. ونتوقع خلال هذه المدة الطويلة تظهير "الحقيقة" البريطانية تدريجيا، او تباعا على الراي العام العربي والإسلامي والدولي، من أجل التأثير على سلامة قناعته ببطلان "شرعية الحرب" التي شنها الأميركيون والبريطانيون، ولإضعاف يقينه بأن حرب الأنكلوساكسون في ارض الرافدين هي حرب ظالمة، وحرب إجرامية.
أن كل التبريرات التي ساقها البريطانيون والأميركان لشن الحرب على حكومة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وعلى الدولة العراقية، وعلى المجتمع العراقي ليست شرعية ابدا، ولن تمنح هذه الحرب اي شرعية إطلاقا. وهذه التبريرات، وإن نشرت في وسائل الإعلام، لهي مجرد أكاذيب سياسية وإعلامية وعسكرية وتقنية مدبرة. وستبقى كذلك اي يكن رأي لجنة التحقيق الملكية التي تعمل في لندن، حاليا.
من المستحسن أن ينتبه الرأي العام العربي إلى أن لجنة شيلكوت تضم في قوامها عضوين من مجمع الإستخبارات البريطاني، الذي صنع تلك الأكاذيب. ولهذين العضوين حق النقض ضد كشف اي معلومات تعرض في جلسات التحقيق، يمكن أن تمس "الأمن القومي البريطاني". هذا هو سقف عمل اللجنة .. هذه هي حدود "الحقيقة" التي يبحث عنها شيلكوت ومساعدوه .. هذه هي شروط عمل اللجنة التي ستنظر في "شرعية الحرب" على العراق.
النظام الديموقراطي البريطاني يحتاج إلى ضمير شيلكوت لتنقية سجله الإجرامي في "الخارج". لن نفاجأ إذا اتهمت الشهادات طوني بلير بأنه كذاب، أو أنه خادع مرؤوسيه. ولن نفاجأ إذا قالت اللجنة إن بلير كان ضعيفا امام بوش. أو أن بوش اختلى به ونظر في عينيه فاستسلم. شخصنة الجريمة، هو ثمن زهيد تدفعه الديموقراطية الغربية عن طيب خاطر، مقابل تنزيه الأجهزة المدنية والعسكرية للدولة.
هذا هو مراد الديموقراطية البريطانية من لجنة شيلكوت. وزارة غوردون براون أقامت هذه اللجنة لتحميل المسؤولية للشخص أي طوني بلير، وطمس عار الجرائم التي ارتكبتها القوات المسلحة البريطانية في بلاد ما بين النهرين.
ما يجري اليوم مع بلير وبعض مرؤوسيه في بريطانيا ومع بوش الإبن في الولايات المتحدة، يبرهن أن شخصنة جرائم أجهزة أو جيوش النظام الكولونيالي والإمبريالي الغربي هي جزء من آليات عمله. وهذا ما يفسر مبادرة كثير من المسؤولين الغربيين إلى كتابة مذكراتهم بمضمون شخصي ـ سياسي بعد خروجهم من الخدمة. فهذه المذكرات تصبح خشبة إنقاذهم من عبء المسؤولية الشخصية التي تصر أدوات النظام على إلقائها عليهم.
مهمة لجنة شيلكوت هي إعادة كتابة فصول تاريخ العراق المعاصر. وبالضبط، إعادة كتابة فصل الجريمة فيه، من أجل استعادة شرعية النظام السياسي الإمبريالي البريطاني، وتقوية مكانته الأخلاقية والمعنوية بنظر الرأي العام في "الخارج"، كما من اجل تأويل حقيقة الجريمة العراقية في الوعي الإنكليزي، ليتحرر حزب براون من وزر "أخطاء" و"أكاذيب" و"تجاوزات" زعيمه السابق طوني بلير، ويضمن بقائه ركنا من أركان النظام الديموقراطي البريطاني.
يبقى أن في جدول أعمال "لجنة التحقيق حول مشاركة بريطانيا في غزو العراق" هدفا رئيسيا رابعا، لم يعلنه رئيس اللجنة السير شيلكوت، وهو وجود اللجنة نفسها، وعملها لإشغال المواطنين العرب، ومواطني الدول الإسلامية، والتلاعب بعواطفهم القومية والدينية، كوسيلة من وسائل شد عود الأمن القومي للمملكة المتحدة.
هذا الهدف الأخير عظيم الأهمية، والإنكليز يريدون بلوغه من خلال العرض الحقوقي والقانوني "الديموقراطي" الذي ستقدمه لجنة شيلكوت، بما في ذلك المعلومات الجزئية، والشخصية، والتفصيلية التي ستنشرها باعتبارها عناصر "الحقيقة"، أو مبررات "شرعية"، أو "دروس" الحرب على العراق.
هذا الهدف الأخير لا غرابة فيه. فالإنكليز أعرق الكذابين في السياسة الدولية.
الاربعاء، 15 ذو الحجة 1430، الموافق 02 كانون الأول/ديسمبر، 2009 |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق