خبير بارز يحلل «السياسة الأميركيّة من بعد جورج بوش الإبن»
تكثر التوقعات بشأن مستقبل السياسة الأميركية في الدول العربية والشرق الإسلامي، بعد خروج الرئيس جورج بوش الإبن من البيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر القادم. وقد نظم «مركز عصام فارس للشؤون اللبنانيّة» في بيروت، ندوة لمناقشة هذه التوقعات تحدث فيها الخبير الأميركيّ بشؤون الشرق الأوسط ريتشارد ستراوس، ناشر تقرير الـ«ميدل إيست بوليسي سيرفي» الشهريّ المتخصّص بالسياسة الأميركيّة تجاه الشرق الأوسط. وتقدم الحقول ملخصا مكثفا عن الندوة :
عرض ستراوس في الندوة تحليلا عن «السياسة الأميركيّة تجاه لبنان والشرق الأوسط بعد بوش»، ان المسؤولين الاميركيين متشائمون من النجاح في الملف اللبناني، وأن «إدارة الرئيس الاميركي جورج بوش الابن تدرك أنّ جهودها في لبنان لا تؤدّي المرتجى منها»، وانها «تحتاج الى قصّة نجاح عراقيّة تعوّض هذا الركود والتراجع في لبنان».
وأشار ستراوس الى ان الرئيس بوش «ليس الوريث السياسيّ لوالده بل للرئيس رونالد ريغان، الذي تميّز عهده بسياسة «الأسود والأبيض»، أي «إمّا أن تكون معنا أو ضدّنا».
وعزا ستراوس الكثير من مظاهر السياسة الحاليّة لإدارة الرئيس بوش إلى تأثير أحداث الحادي عشر من أيلول على نظرة المسؤولين الأميركيّين تجاه القوى السياسيّة في العالم، فحوّلتهم إلى فئتين: «خيّرين»، أي الذين يؤمنون بالديموقراطيّة ويعبّرون عن أفكار قريبة من الفكر الأميركيّ، و«أشرار» يجب وضع حدّ لهم.
وشكك الخبير الأميركي بأن يحمل بوش أيّ جديد إلى مسار السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي، خلال زيارته الى المنطقة هذا الشهر. وتوقف عند مواصفات المرشحين الثلاثة الأبرز للانتخابات الرئاسيّة الاميركية، الجمهوريّ جون ماكّين والديموقراطيّين هيلاري كلينتون وباراك أوباما، فاعتبرهم من أفضل ما أنتجته الطبقة السياسيّة الأميركيّة، خاصّةً لكون مرشّحي الحزب الديموقراطيّ هما «أسوَد وامرأة».
وقال ستراوس إنّ ماكّين جدّيّ في طروحاته وهو يعبّر عن تطلعات الجمهوريّين وربّما يكون محاطا ببعض المساعدين من المحافظين الجدد، أمّا كلينتون فسيكون لها، إذا انتُخِبَت، مساهمة تغييريّة متواضعة في السياسة الحاليّة وهي تتسلّح بخبرة كبيرة وبفريق عمل واقعيّ جدّا.
وقد رجّح ستراوس انتخاب أوباما رئيسًا، واعتبر أنّه من الفئة الشابّة والمختلفة والقادرة على إحداث تغيير أوسع. لكنّه أشار إلى أنّ أيّ رئيس جديد للولايات المتّحدة لن يكون بعيدًا كثيرا عن السياسة الحاليّة، ولن تمرّ ستّة أشهر على انتخابه، إلا وسيشكّل خيبة أمل كبرى للذين يتوقّعون تغييرًا جذريّا في السياسة الأميركيّة.
أمّا في ما يخصّ تموضع الأولويّات السياسيّة على الأجندة الأميركيّة، فالعراق، بالنسبة لستراوس، سيبقى يحتلّ المكانة الأولى والثانية والثالثة، وحتّى إيران التي كان يمكن اعتبارها أولويّةً رابعة، فالمحادثات معها باتت متّصلة بالمسألة العراقيّة الكبرى.
وبالرغم من أهمّيّة الملفّ النوويّ الإيرانيّ، فقد رأى ستراوس أنه يقع ضمن الدائرة العراقية أيضًا. مشيرا إلى حيرةٍ تطال المسؤولين الأميركيّين إزاء ما يجب القيام به تجاه إيران، فتدخّلها المتزايد في العراق واستمرارها، رغم قرارات مجلس الأمن بتطوير برنامجها النوويّ، يشكلان أبرز مشكلتين تواجههما الإدارة الأميركيّة حاليًّا، والخيار العسكريّ تجاهها مستبعد.
هذا التركيز المطلق على العراق، عزاه ستراوس إلى إدراك إدارة بوش أنّ جهودها في لبنان لا تؤدّي المرتجى منها، وأنها تحتاج الى قصّة نجاح عراقيّة تعوّض هذا الركود والتراجع في لبنان. إلا أنّه أشار في المقابل إلى استمرار التزام الإدارة الأميركيّة بدعم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.
ونقل ستراوس عن مسؤول في الخارجيّة الأميركيّة قوله إنّ الفرنسيّين لا يبدون اليوم الحماسة المطلوبة لدعم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، إذ يحبّذون رؤية توازن في القوّة بين الحكومة والمعارضة.
كما سجّل ستراوس تمايزًا في المواقف بين الإدارة الأميركيّة والحكومة الفرنسيّة الجديدة بقيادة الرئيس نيكولا ساركوزي، الأكثر تحفّظًا من سلفه الرئيس جاك شيراك بالتدخّل في لبنان. فالأخير كان له تأثير شخصيّ فاعل في مجريات الأمور في لبنان والمنطقة، يمارسه خاصّةً من خلال علاقاته الوثيقة برئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري.
وكشف ستراوس عن إعادة نظر يقوم بها السعوديّون، إثر قول السفير السعودي السابق في واشنطن لمسؤولين أميركيّين إنّ حكومته استنفدت جميع وسائل التأثير على الأداء السوريّ في لبنان، ما حمل المسؤولين الأميركيّين على التشاؤم من النجاح في الملفّ اللبنانيّ.
وحذّر ستراوس اللبنانيّين من الإفراط في الاعتماد على الولايات المتّحدة، لأنّ الأميركيّين ليسوا أفضل من يمكن الاعتماد عليهم، بكلّ بساطة لأن لا شيء يضطرّهم للعب هذا الدور. |