البيئة والجيواستراتيجيا : ذوبان الجليد يفتح ممرات تجارية جديدة ويعزز سباق التسلح
خاص ـ تحرير الحقول/ جري التحقق تدريجيا من أن معدل ذوبان القمم الجليدية، سواء في القطب الجنوبي أو القطب الشمالي، يفوق كثيرا كل ما كان مقدرا ومتوقعا، ويشمل الذوبان الأنهار الجليدية وأعالي الجبال الشاهقة الإرتفاع التي عرفت بثلوجها الدائمة.
إن بعثات التحقق الروتينية الأخيرة قد كشفت أن أجزاء من حدود جبال الألب بين سويسرا وايطاليا قد إختفت مؤخرا بعد أن كانت موجودة علي الخرائط منذ 1861. ومن حسن الحظ فإن هذا التغير الحدودي يتعلق بدولتين تمتعتا بفترات طويلة من التعايش السلمي، ومن ثم تتناولان القضية بصورة منطقية وودية، عبر لجنة فنية متخصصة.
لكن العواقب التي يمكن إن تترتب على مشكلات من هذا النوع في مناطق جغرافية أخرى، أصبحت تشكل مصدرا كبيرا للقلق. فمن شأن تغير مشابه على الحدود بين الهند وباكستان أن يأتي بعواقب خطيرة، خاصة في كشمير وسياشين حيث لقي 3000 جنديا من البلدين حتفهم في نزاعات مسلحة منذ 1984.
وينطبق هذا الحال على الحدود الصينية ـ الهندية المتوترة أصلا، وكذلك على الوضع الشديد التعقيد بين أفغانستان وباكستان، حيث ستساهم سرعة ذوبان الجليد في زيادة مسامية الحدود، ما يؤدي إلى زيادة عدم الإستقرار بين هاتين الدولتين اللتان تعدان ضمن أقل دول العالم استقرارا.
وثمة تداعيات أخرى كبيرة لارتفاع درجة حرارة الارض، ألا وهي سرعة فتح ممرات شحن دولية كبرى في مناطق كانت مقفلة في الماضي بسبب الجليد، سواء في الشمال الشرقي أو الشمالي الغربي.
وقد بدأ مؤخرا، لأول مرة في التاريخ، إستخدام الممر الشمالي الغربي على طول شمال روسيا، الذي يقصر المسافة بين موانئ الصين واليابان، وكوريا، وهامبورغ، روتردام، وجنوب هامبتون، بمعدل 4،000 كيلومترا.
أما ممر الشمال الشرقي، أي بالإبحار عبر شمال كندا، فينشأ تغير بيئي مماثل بين موانئ "مصنع العالم" والسواحل الشرقية الأمريكية.
وبالنتيجة، سوف يسفر فتح هذه الطرق الجديدة عن تغير ديناميات التجارة العابرة للقارات تماما، بل وقد يقضي على أهمية تلك الممرات التي كانت تعتبر أساسية حتى اليوم، من المنظور الجيو إستراتيجي، كقناة بنما وقناة السويس.
إضافة لذلك، سيؤدي إنحسار الجليد إلى تسهيل استخراج الاحتياطيات الهائلة من المواد الخام المقدر توفرها في منطقة القطب الشمالي (خمنت وكالة الأنباء الروسية/تاس، إحتياطي المنطقة من النفط وحده بما يفوق 10,000مليون طن), وهذا الإنحسار الجليدي قاد بالفعل إلى سباق تسلح وتوترات، خاصة بين روسيا، النروج، الدانمارك، المملكة المتحدة، كندا، والولايات المتحدة.
لقد أطلقت هذه الظاهرة المناخية ـ البيئية سباق تسلح في المنطقة. ففي حالة كندا وحدها تمت الموافقة علي ميزانية غير عادية قدرها 6,900 مليون دولار، لتعزيز تواجدها العسكري في منطقة القطب الشمالي الواقعة داخل حدودها. أما روسيا، فقد استأنفت الرحلات التكتيكية لقاذقات القنابل النووية في المناطق القطبية.
كما دفع هذا التغيير الإتحاد الأوروبي إلى التشجيع على إنضمام أيسلندا المفلسة والتعجيل بضمها إليه، من أجل ضمان مواقع جيدة في المفاوضات والمطالبات الإقليمية في المنطقة مستقبلا، على ضوء إمكانية تقاسم "كعكة القطب الشمالي" بين الدول المشاطئة لحوضه.
وفي نفس الوقت، يعتبر ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي السبب الرئسي وراء إرتفاع منسوب مياه البحار، وهو ما يولد، بدوره، عواقب إقليمية وإجتماعية وإقتصادية لا رجعة فيها، ومنها اختفاء عدد من الدول - الجزر في المحيط الهادئ، كالمالديف، ساموا، كيبيباتي، وغيرها، وذلك في المستقبل المنظور.
أن كل هذا ينطوي على تداعيات متعددة على الأوضاع السياسية والقانونية للدول دون أراضي، تضاف إلى المآسي الشخصية والبيئية والثقافية والقومية المترتبة على ذلك.
كما يشكل ارتفاع منسوب البحار خطرا حقيقيا علي البنيات التحتية الأساسية في العالم كالموانيء، والمطارات، ومحطات تكرير النفط، والمنشآت النووية وغيرها، التي توجد في كثير من الأحيان بالقرب من البحار أو عند مستواها.
ناهيك عن ذلك، فإن الجانب الأعظم من سكان الأرض يقيمون في مناطق قريبة جدا من البحر، في مدن ضخمة مثل : مومباي ولندن ونيويورك وشنغهاي وطوكيو وبوينوس أيريس، وكذلك في مناطق كثيفة السكان مثل دلتا نهر غانز في بنغلاديش، حيث تسبب إرتفاع منسوب مياه البحر بالفعل في كوارث متعاظمة جراء تلوث المياه ضمن غيرها.
وتتوقع دراسات حديثة إرتفاع عدد اللاجئين لأسباب بيئية في السنوات المقبلة، ما سوف يزيد الضغوط البشرية والتوترات ويؤجج النزاعات القائمة أو الممكنة.
لقد قدم المنتدي الإنساني العالمي تقريرا هذا العام، يبرهن بصورة قاطعة على أن عدد الأفراد الذي يلقون حتفهم سنويا بسبب التغيير المناخي يبلغ 300,000 شخص، في حين تشير التوقعات على المديين المتوسط والطويل إلى إرتفاع ملحوظ في هذا العدد.
إن مستقبل السلم الدولي مرهون بحتمية العمل السريع لمكافحة التغيير المناخي، ما يلزم المجتمع الدولي بالعمل، خاصة بعد فشل قمة كوبنهاغن الأخيرة. صحيح أن الأمر يتعلق بالمناخ، ولكنه يتعلق أيضا بالسلم وبالكثير من الأرواح.
مانويل مانونييس، مدير مؤسسة ثقافة السلام ـ برشلونة/البرتغال
المصدر :
http://www.ipsinternational.org/arabic/nota.asp?idnews=1729 |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق