بريطانيا : التمييز الطبقي يرسخ الفقر في قاع المجتمع
يتخذ ممثلو الدول الأوروبية إلى البلدان العربية هيئة "المصلحين". فتسمع منهم ادعاءات واتهامات عن تقصير أو فشل حكومات هذه البلدان في معالجة أمور "حقوق الإنسان" و"الحرية الدينية"، و"الزبائنية"، و"مكافحة الفقر" ألخ. يتشبه هؤلاء بـ"الناظر في عورة غيره"، فالإتحاد الأوروبي انتفخ بالتفاوت والتمييز والفقر، والتهميش. لا يعود ذلك إلى توسيع الإتحاد أو الأزمة الإقتصادية الأخيرة، بل يتصل بطبيعة النظام الرأسمالي نفسه، خصوصا في ظل الحكم النيوليبرالي. هنا مقال عن أحوال البريطانيين "الناظرين في عورة غيرهم"، نشرته "فايننشال تايمز" :
"الجدل السياسي البريطاني ينبغي أن يواجه مسألة الطبقات، فقد وضعت دراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2007، المملكة المتحدة في أسفل قائمة تضم 12 بلداً ــ من بينها الولايات المتحدة، وكندا وأستراليا ــ فيما يتعلق بالحراك الاجتماعي. ولا يزال البلد بعيداً عن اتباع مبدأ الجدارة في منح المناصب. وما زالت هذه المشكلة مستفحلة لأسباب منها : أن النخبة السياسية تخشى كثيراً الخيارات السياسية والاقتصادية الصعبة التي من شأنها أن تحدث فرقاً.
يتعامل حزب العمال في المملكة المتحدة مع الطبقة الاجتماعية كخط للملاكمة. وقد اتخذ اهتمام الساسة في حزب العمال بهذا الموضوع في الآونة الأخيرة، شكل النكات التي يطلقها تلاميذ المدارس على خلفية ديفيد كاميرو، زعيم حزب المحافظين، الذي تخرج في كلية إيتون العريقة. غير أنه يترتب على حزب العمال – كما على حزب المحافظين – أن يجد طريقة يتحدث فيها بشكل ناضج عن موضوع الطبقات إذا كانوا جادين، كما يدعون، بشأن معالجة الحراك الاجتماعي الممعِن في التدني في المملكة المتحدة.
صادق حزب العمال على التوصيات الممتازة التي تقدمت بها هيئة الوصول العادل إلى المهن: وهي لجنة برئاسة آلان ملبيرن، وهو وزير أسبق للصحة. اقترحت اللجنة عدداً من الطرق لفتح باب الوصول إلى الوظائف التي تتطلب مهارات عالية، أمام الأشخاص الذين ينتمون إلى خلفيات اجتماعية متواضعة.
وتظهر أحدث الدراسات التي أجريت على موضوع الحراك الاجتماعي، أن الأطفال البريطانيين الأقل حظاً يواجهون صعوبة غير عادية في التفوق على منافسيهم الأكثر حظاً منهم. وقد وضعت دراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2007، المملكة المتحدة في أسفل قائمة تضم 12 بلداً ــ من بينها الولايات المتحدة، وكندا وأستراليا ــ فيما يتعلق بالحراك الاجتماعي. ولا يزال البلد بعيداً عن اتباع مبدأ الجدارة في منح المناصب.
ما زالت هذه المشكلة مستفحلة لأسباب منها أن النخبة السياسية تخشى كثيراً القيام بالخيارات السياسية والاقتصادية الصعبة التي من شأنها أن تحدث فرقاً. إن جميع الأحزاب الرئيسة لديها الدوافع للحصول على المقاعد التي تتأرجح بين الناخبين في الانتخابات المختلفة. ولذلك ليس هناك خطاب يذكر حول الثروة، أو الفرص التعليمية أو الدعم العائلي أو الشبكات الاجتماعية التي تسمح للطبقة المتوسطة ــ التي تعيش في الدوائر الانتخابية المستهدفة ــ بالدفاع عن المواقع المترسخة.
وبدلاً من ذلك، تضرب الأحزاب على وتر الأعطيات التي تقدم للطبقة المتوسطة ــ كالتخفيضات على ضريبة الدخل، أو الحسميات الضريبية من أجل الزواج ــ كتدابير لتخفيض حدة الفقر. وهي تدعي دائماً أن مجرد تحسين الخدمات العامة للجميع، سيتغلب على جميع العوائق التي يواجهها جميع الناس. لكن المشاكل اليومية للفقراء تختلف عن مشاكل الأثرياء.
إذا أخذنا مثالاً واحداً، فإن الجدول التقليدي للمدارس البريطانية لا يناسب معظم التلاميذ الأكثر حرماناً، ممن يصارع آباؤهم لإيجاد وقت للإشراف على أبنائهم عندما ينتهون من الدراسة عصراً. إن العائلات الفقيرة في حاجة إلى يوم مدرسي مختلف، إذا أريد لأبنائها أن يجاروا الطبقة المتوسطة.
لكن السماح بالمفاضلة سيتطلب من الساسة أن يتخلوا عن الادعاء بأن جميع الاحتياجات الخاصة بالعائلات متشابهة، وأن الطبقة المتوسطة لن تخسر من الجهد المكرس لتمكين الطبقة الدنيا. يجب على بريطانيا أن تبدأ أخيراً بالتفكير بصدق وأمانة، كيف أن الفقر المتأصل يرتبط بالطبقة ــ وهذا موضوع ستتناوله هذه الصحيفة مرة أخرى".
فايننشال تايمز، الخميس 28 كانون الثاني/يناير 2010 العدد 5953
المصدر :
http://www.aleqt.com/2010/01/28/article_340735.html
|
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق