"مصر التي كانت" (مرافعة محمد سليم العوا أمام القضاء المصري عن "خلية سامي شهاب" و ... الرئيس جمال عبد الناصر)
سيدي الرئيس... حضرات المستشارين...
أفتتح هذا القسم من دفاع المتهم الثاني، ولعله دفاع للمتهمين كافة، بتحية الزملاء المحترمين في النيابة العامة الذين تولوا المرافعة في هذه القضية ممثلين للاتهام.
لقد أبت على هؤلاء الرجال ضمائر حيَّة ودينٌ إلا أن يعطوا القضية في مرافعتهم وصفها الصحيح وتكييفها الواقعي: "قضية سياسية قبل أن تكون، بأي اعتبار، قضية جنائية".
لقد استمعنا الى ذكر دولة قيل إنها تحاول الهيمنة على المنطقة بأسرها. لكن اسمها لم يذكر، وبقي لنا بهذا الإغفال المتعمد أن نجتهد في إقامة الدليل على الذي يقصده الإتهام بتلك الدولة.
واستمعنا إلى أن حزب الله مجرم لأنه أقام بين وحداته، التي يقاوم بها الصهيونية وحدة تنعت بالوحدة (1800) المسؤولة عن دول الطوق، وتركنا الاتهام في مرافعته حيارى، أيَّ طوق هذا؟ أهو الطوق المحيط بمصر أم بسواها من الدول؟ ولذلك حق لنا أن نجتهد في هذه المسألة لبيان المقصود بها.
واستمعنا إلى مذهب يرى أن حزب الله أداةٌ للدولة الأجنبة، على نحو يحقق وصف الدولة الأجنبية لمن يتخابر معه، فتقوم بذلك الجريمة الموصوفة في المادة 86 مكرراً ج من قانون العقوبات، فأصبح علينا بيان مدى صحة هذا الإستنتاج او مدى خطئه.
واستمعنا إلى عبارات فيها ذكر العدو، وعبثه وغروره.... ولم يوقفنا الإدعاء على الذي يقصده بهذا التعبير فأمسى من واجب الدفاع تبيين من الذي يستحق هذه الأوصاف الواردة في تلك العبارات، ويقيم الدليل على ذلك.
واستمعنا إلى تأكيد لدور مصر التاريخي في نصرة القضية الفلسطينية وأن المتهمين أرادوا بجرائمهم التي تحاكمونهم عنها "أن تتخلى مصر عن قضية أمتها ليرثوا عرش ريادتها"!! فأضحى واجباً علينا أن نبين صنيع مصر الحقيقي، لا في هذا الشأن وحده، بل في شأن آخر متصل أوثق اتصال بما نحن فيه، وسأحاول بيانه حالاً.
فهذه وجوه خمسة، تناولها الزملاء المحترمون الذين مثلوا النيابة العامة في هذه القضية، فأكدوا ماهية القضية وطبيعتها ومعالمها وحدودها : إنها قضية سياسية بكل ما للكلمة من معنى ولذلك قلت أن تحيَّتَهم عليَّ واجبة : أن أعطوا القضية وصفها الصحيح وتكييفها الحق.
نعم إن أمامنا واجب التعرض لمواد الإتهام، وقد عرض لها الزملاء المحترمون ممثلو النيابة العامة، لكن الإحاطة بشأنها وتفنيد دعوى انطباقها على ما هو منسوب إلى المتهم الثاني، بل إلى المتهمين كافة، كل ذلك لا يستقيم بنيانه، ولا يصدُق في الأذهان بنيانه، إلا بعد إنعام النظر وإجالة البصر في حقيقة ما هية الدعوى ووصفها السياسي.
سيدي الرئيس...
حضرات المستشارين...
إن نشاط المتهم الثاني كله وما يرتبط به من نشاط غيره، لم يكن له هدف، على ما تنطق الأوراق به، إلا مواجهة العدو الصهيوني بتزويد المقاومين الفلسطينيين في غزة بالسلاح والعتاد، وتدريب من يمكن تدريبه منهم ليعود مرة أخرى إلى أرض فلسطين المحتلة فيقاوم منها العدو الصهيوني.
الركن المادي لهذا النشاط كله كان : محاولة المساعدة في إمداد وتموين القوى المقاومة للإحتلال في فلسطين بالسلاح والخبرة.
والركن المعنوي، القصد، كان هزيمة العدو الصهيوني، إن لم يكن في وجوده بإزالته وهدمه، وهو واقع لا محالةَ طال الزمن أم قَصرُ. إن لم يكن في وجوده، ففي غطرسة القوة التي يدعيها، ويهدد شعوب المنطقة كلَّها بها. إن لم تكن هزيمة كلية نهائية، فهزيمة موجعة يتراكم أثرها مع آثار الهزائم التي أصابته وتصيبه، منذ هزيمته في رمضان 1393 هـ = أكتوبر 1973 على الجبهة المصرية، إلى هزيمته في لبنان في جمادى الآخرة 1427 هـ = يوليو/ تموز 2006، بل حتى هزيمته بانسحابه دون أن يتحقق أي هدف من أهداف حربه على غزة (2008 ـ 2009). ثم، بعد هذا التراكم، تكون القاضية التي وعد الله بها عباده : ﴿ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم؛ وليُبْدِلَنَّهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً﴾ (النور:55)
إن الإحتلال، سيدي الرئيس، كلَّه، حينما كان غير مشروع، والمقاومة المستمرة في كل أوطان العرب، أثبتت أن هذه الأوطان تسكنها شعوب لا قابلية لديها للإستعمار، ولا ترتضى الضيم، ولا تستنيم إلى الذل، بل هي شعوب تقاوم جيلاً بعد جيل، لا يتوقف جهادها إلا تحرقاً لقتال أو تحيزاً إلى فئة، ولا يصيبها مصاب في مجاهديها إلا كان في الناشئة من يسد مسدَّه ويقوم مقامه:
إذا مات منَّا سيَّدٌ قام سيدٌ.. قؤول لما قال الكرامُ فعول (!!)
من الذي ساد هذا الميدان أول ما شُقَّ طريقه ومُهِّدتْ سبيله؟
من الذي سنَّ سنَّة مقاومة الإحتلال حيثما كان، وبكل وسيلة أتيحت، وبلا نظر إلى شيء مما يفرضه القانون الدولي و"المحلي"، على غير مواطني الدول، من احترام سيادتها، وعدم انتهاك أراضيها بدخولها بغير إذنها؟
من الذي صنع ذلك أوَّلَ الناس وعلمَّهُ من بعد للعالمين؟ إذا عرفناه أقمنا الحجة عليه بفعله الحسن الرائد الشجاع المثمر أحسن الثمر، ولذلك صحت مقولة القائل صادقاً : "... وأول راضٍ سنَّه من يسيرها" (!!)
مصر، يا سيدي الرئيس، هي أول من مهَّد هذه السبيل، وشقَّ هذا الطريق، وسار فيه أشواطاً بعيدة لو ذهبت أصف تفاصيلها، وأذكر حقائقها، لضاق بي المقام عن الوفاء بحقها، لكنني أكتفي بإشارة دالة غير مخلة، تثبت، بلا ريب أن الذي صنعه المتهم الثاني من أبطال مصر تعلَّمه، وأن الهدى الذي حاول أن يبلغ به محلَّه هو هدى غَذَتْهُ مصر بروحها وعطائها ومالها عَقدين كاملين من الزمان يزيدان في بعض البلدان قليلاً ويقلان في بعضها الآخر قليلاً.
مصر، يا سيدي الرئيس، أرسلت منذ نهاية عام 1952 (عام قيام الثورة) إلى 26/11/ 1959 (في أثناء الوحدة مع سوريا) خمساً وأربعين شحنة سلاح ومتفجرات وأطقم للضفادع البشرية للتفجير تحت الماء وغيرها من المهمات العسكرية... أرسلتها إلى الجزائر، وبعض المجاهدين في تونس ومراكش (المغرب)، عبر بها الضباط المصريون حدود ليبيا من البر ومن البحر؛ ثم حدود تونس البرية الصحراوية القاحلة إلى الجزائر، وتسلمها المجاهدون الجزائريون يداً بيد من الضباط المصريين الذين كانوا يعملون يومئذ في الإستخبارات العامة المصرية.
وكان راعي هذا العمل رعاية مباشرة هو جمال عبد الناصر لا سواه.
يدل على ذلك شهادة فتحي الديب في كتابه عبد الناصر وثورة الجزائر (الطبعة الثانية، دار المستقبل العربي، القاهرة 1990)، لقد تضمنت هذه الشهادة في مواضع عدة، أن فتحي الديب عندما كان يخبر مدير المخابرات المصرية ومؤسسها : زكريا محي الدين بأمر من أمور هذا العمل المصري البطولي كان زكريا محي الدين يأمره بالعرض على عبد الناصر شخصياً، ومنه كان يتلقى الدعم والإقرار فيما فات، والأوامر والتوجيهات فيما هو آت.
لقد أنشأت الإستخبارات المصرية، حديثة العهد، يومذاك قسماً للوطن العربي كان يرأسه فتحي الديب، كما أنشأ حزب الله الوحدة (1800) لدول الطوق. أليس هذا سلوكاً واحداً يجب أن يسلكه كل مقاوم للمستعمر المحتل؟ وكيف يقاومه وهو لا يعمل من حول حدوده؟ وهل يملك أن يبقي نفسه محصوراً في جبهة واحدة إذا حيل بينه وبين العمل منها توقف جهاده في سبيل وطنه وأمته.
لقد كانت مصر هي الرائدة في ذلك السباقة إليه، ومنها تعلمه المجاهدون العرب والأفارقة، فأنى لنا اليوم أن ننكر على المقلدين ونحن المبدعين المبتكرون؟ وكيف يسوغ لنا أن نعاقب من يمشون على الدرب الذي افتتحناه، وعبّدناه، واخترعنا وسائل عبوره إلى الهدف الأسمى: تحرير الأوطان من نير الإحتلال!!
إن مصر، في قيادتها كفاح الشعوب ضد الإحتلال، من خارج أوطانهم، ومن خلال اختراق أراضي دول أخرى، وأنهارها، ومياهها الإقليمية، ومجالها الجوي، لم تساعد شعب الجزائر وشعب تونس لوحدهما. لكنها ساعدت: الجزائر وتونس ومراكش (المغرب الآن) وساعدت الصومال، ومالي، وكينيا (أيدّنا فيها ثورة الماوماو)، وأوغندا، والكونغو (برازفيل)، وبوروندي، وتنزانيا، وزنزبار، ونيجيريا، وإرتيريا، والكونغو (كينشاسا). (محمد فائق، عبد الناصر والثورة الإفريقية، الطبعة الرابعة، دار المستقبل العربي، القاهرة 2002)، فهذه أربع عشرة دولة ليس من بينها دولة واحدة تجمعها بمصر حدود برية أو بحرية، فكان لزاماً، كما هو الحال في قضيتنا أن يعبر رجال الإستخبارات المصرية ـ بالمئات إذا جمعناهم ـ حدود بلاد من البر والبحر والجو كي يصلوا إلى أهدافهم من مساعدة المجاهدين للاستقلال عن الإحتلال، وهي مساعدة كانت دائماً بالسلاح والتدريب على استعماله والعتاد الحربي والمتفجرات وأدوات تفجيرها... إلخ.
إن في أدلة اتهامنا إن حديثاً جرى بين المتهمين الأول والثاني ومتهمين آخرين حول إمكانية استئجار مركب صيد لتهريب السلاح والذخيرة فيه إلى المجاهدين في غزة... وسيأتي حديث الإستدلال لهذه الواقعة على الإدانة لاحقاً. لكنني أتساءل الآن هل أتى المتهم الثاني ورفيقه المتهم الأول بهذه الفكرة من عند نفسيهما أم أن لهما فيها سابقاً هو أسوة وقدوة؟
إن هذا السابق، سيدي الرئيس، كانت الإستخبارات المصرية، في تهريبها السلاح والذخائر بكميات هائلة إلى الجزائر وتونس والمغرب، لقد استخدمت الإستخبارات المصرية اليخت (دينا) الذي كان مملوكاً للملكة دينا عبد الحميد ملكة الأردن ـ بغير علمها ـ طبعاً. واليخت (نمر) الذي كان مملوكاً قبل الثورة للأمير عباس حليم وصودر مع أموال الأسرة المالكة، واليخت (الحظ السعيد) الذي كان مملوكاً الإستخبارات العامة، واليخت (انتصار) الذي كان مملوكاً للقوات البحرية، استخدم مرات، واليخت (بلزتريك) الذي اشتراه أحمد بن بللا من إيطاليا بأموال من الإستخبارات المصرية.
واشترت مصر السفينة (دفاكس) من اليونان بعشرين ألف جنيه إسترليني لتستعملها في تهريب السلاح للجزائر. (فتحي الديب، السابق، ص 169 وص 229).
وحمّلت مصر سفينة بريطانية اشتريت بأموال مصرية اسمها (آتوس) بشحنة هائلة من السلاح والذخيرة إلى الجزائر (الشحنة العاشرة)، فضبطها الجيش الفرنسي وصادر الشحنة، واعتقل عشرات من المجاهدين الجزائريين الذين كان تدريبهم قد اكتمل على الحرب البرية، وبعضهم على أعمال الضفادع البشرية، بأجهزتهم وسلاحهم وعتادهم... وكان ذلك نتيجة خيانة غير مسبوقة، من شخص غير مصري، كان يتعاون مع استخباراتنا.
وعندما أصابت صدمة عصبية البطل فتحي الديب، الذي يقابل في قضيتنا المتهم الثاني، كان رد فعل جمال عبد الناصر ان استدعاه وقال له بالحرف الواحد والعهدة على فتحي الديب: "مالك زعلان ليه، هو انت متصور أن كل عملياتك لازم تنجح، دي أول مركب تتمسك من ثمانية مركب، ولازم تكون واقعي احنا قدراتنا محدودة (أليست قدرات المقاومة محدودة بالقياس إلى الصهاينة؟!) ورغم كده نجحنا في تهريب عدة مراكب، ولا يهمك!! أنا عازوك تقوم بعملية تهريب جديدة بكرة، وحتى لو اتمسكت برده شيء طبيعي يجب ألا يهز أعصابنا لأن اللي بيعمل في العمل السري لازم يتوقع النجاح والفشل". (فتحي الديب، السابق، ص 259).
مصر، إذن، سيدي الرئيس، حضرات المستشارين، هي صاحبة فضل السبق، ودور الريادة في الباب الذي دخلت منه بعدها كل قوة عربية تحاول التخلص من الإحتلال والقضاء على الإستعمار، وهو الذي فكَّر المتهم الثاني ـ أو الأول ـ أن يحاول الولوج منه إلى مساعدة المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية؟
فأي بأس على المقلِّد إن كنت أنا المجتهد؟ وأي تثريب على اللاحق إذا كنت أنا السابق؟ وأية عقوبة يجوز لي توقيعها على من اقتدى بي واهتدى بهديي؟
ولم يكن عمل مصر عسكرياً فقط، بل كان سياسياً كذلك. كانت مصر وراء مؤتمر باندونغ (18 ـ 24/4/1955) "بضرورة التعاون الإفريقي ـ الآسيوي للنهوض بحقوق الشعوب المغلوبة على أمرها". ووراء القرار الذي أصدرته الجميعة العامة للأمم المتحدة في 14/12/1960 بوجوب "اتخاذ التدابير الفورية اللازمة في الأقاليم المشمولة بالوصاية أو غير المتمتعة بالحكم الذاتي لنقل جميع السلطات إلى هذه الشعوب" (دكتور شوقي الجمل؛ الدور الإفريقي لثورة 23 يوليو 1952، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994 ص 32 ـ 35)
وما أشبه الليلة بالبارحة (!) ففي ديسمبر 1958 انقسم ثوار الجزائر إلى فرقتين متناحرتين، واختارت مصر استمرار دعمها العسكري بكل صوره إلى فريق أحمد بن بللا، وهاجم فريق عباس فرحات مصر هجوماً شنيعاً "سعياً نحو تشويه سمعة مصر" (دكتور عبد الله إبراهيم رزق، مصر وحركات التحرر الوطني في شمال أإفريقيا، ص62) فلم يثنها ذلك عن الإستمرار في مساعدة المجاهدين لتحرير وطنهم، بل زادها عزماً وإصراراً.
عندما تحدث السيد حسن نصر الله عن إسرائيل بعد إنسحابها من لبنان، فراراً بليل، في مايو 2000 م. قال إن ذهاب الإحتلال من لبنان لا ينهي المشكلات مع العدو الصهيوني... ولكن هناك ملفات ".... والفلسطينيون يجب أن يعودوا إلى وطنهم ومن حقهم أن يفعلوا أي شيء لكي يعودوا إلى ذلك الوطن" (خطابه في 14/4/2000 بمناسبة ذكرى العاشر من محرم 1421 هـ).
وليقارن من شاء هذا الكلام بقول جمال عبد الناصر بعد جلاء الإستعمار البريطاني عن مصر: "إن القضية المصرية ليست آخر مشاكل المصريين مع الإستعمار، وإن مصر لن تستريح أو يهدأ لها بال حتى تتحقق الحرية الكاملة لكل بلد من البلاد الإفريقية والعربية والإسلامية، ولا بد من مواصلة الكفاح لتحقيق هذه الغاية... (دكتور علي عبده إبراهيم، مصر وإفريقيا في العصر الحديث، دار القلم بالقاهرة 1962 ص 187)
إن هذا سلوك الثوار، دولة كانوا يمثلون أم جماعة أم حزباً أم مجموعة فدائية، هذا هو سلوك الذين يرون أنفسهم من أصحاب الرسالات لا يختلفون فيه سنةً كانوا أم شيعة. هذا سلوك أصحاب العزائم لا تردُّهم عنه هزيمة عارضة ولا عوائق مانعة.
هؤلاء سيدي الرئيس، يسلكون كل سبيل متاحة لتحقيق هدفهم الأسمى لا يأبهون بشيء ما داموا في النهاية يحققون الغاية التي نذروا أعمالهم لها... "الإستمرار في دعم الكفاح المسلح... بكل طاقاتنا وقدراتنا المتاحة مهما كانت التضحيات... (الثورة) قامت لا لتحرر أرض مصر وحدها بل لتحرر كل الأرض العربية". (فتحي الديب، نقلاً عن جمال عبد الناصر، ص 214 وتاريخ هذا الكلام 16/3/1956م).
هكذا سيدي الرئيس، كل ثوري مناضل يرى واجبه يسع الناس جميعاً لا قومه وحدهم، والأوطان كافة لا وطنه دون غيره، وهو لا يعرف في عمله الحدود ولا القيود، فمصر في عام 1969 قصفت ميناء إيلات الإسرائيلي انطلاقاً من الأراضي الأردنية دون علم سلطاتها.
ومصر في عام 1970 أغرقت الحفار الإسرائيلي الذي كان متجهاً إلى خليج السويس في مياه المحيط الأطلسي أمام أبيدجان، عاصمة ساحل العاج، دون علم سلطاتها بالنشاطات الهائلة التي مورست على أرضها ومن خلال مياهها الإقليمية لتحقيق هذه النتيجة.
.... إنّ في هذا الحديث الممتع، مثيرات ٌللشجن أيضاً، وفيما أشرت إليه كفاية ليتساءَل المرء: ها هنا كنا: أين أصبحنا؟ وكيف؟.
وليقف هنا اللسان، ولتلجمْ اليدُ القلم عن المضي فيما يعبَّر عنه الصمت بأبلغ مما يعبر عنه الكلام (!!)
سيدي الرئيس...
حضرات المستشارين...
إن نشاط المتهمين كله، وما كان المتهم الثاني بصدد صنعه، لم يكن إلا مساعدة المقاومة الفلسطينية، وليقل من شاء في هذه المساعدة ما شاء، فلن يجديه من الحقيقة مهرباً أن يغمض عينيه عنها.
وقيام المتهم الثاني بذلك كان جزءاًَ من واجبات حزب الله الذي لا يصح له وصف قدر صحة وصفه بأنه جزء أساسي أصيل من حركة التحرر العربية الإسلامية في طورها الجديد الذي أصبح أمانة في يد الشعوب وخياراً لها، تقديراً منها ومن زعمائها للضرورات التي حالت بين الحكومات وبين القيام بمثل ما كانت تقوم به حكومة مصر في عقود الخمسينيات والستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي.
وهذه القوى التحررية يسعها ما وسع الدولة المصرية في تلك العقود، ولا سبيل لها كي تواصل عملها إلا هذا "مهما كانت التضحيات" كما كان يقول جمال عبد الناصر.
ولهذا النشاط ضروراته ولوازمه، فقد استخدمت لبعض أنواعه الأراضي المصرية، نعم استخدمت الأراضي المصرية للوصول عبرها إلى الوطن المحتل فلسطين، وجندت عناصر في سبيل هذا الهدف من مصر ولبنان والسودان وفلسطين نفسها، وربما من دول أخرى كذلك!! كلهم عرب، كلهم مؤمنون بقضية عادلة، عاملون في سبيلها، وبعضهم همه الإرتزاق من عمل شريف (!) يُدْفَعُ فيه الكثير مقابل الجهد القليل (!!)
ونحن فعلنا ذلك، لقد استعنا بيونانيين وقبارصة وهولنديين وبلجيك، فضلاً عن المصريين وسائر العرب وجميع جنسيات الأفارقة.
في 16 يناير من العام الماضي 2009 وقعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية، تسيبي ليفني، ونظيرتها الأميركية كونداليزا رايس، اتفاقاً قبيحاً في واشنطن، يَنُصُّ على فرض رقابة صارمة على مداخل غزة البرية والبحرية والجوية، بمشاركة حلف الناتو وقوى إقليميةً أخرى، بحيث تنتشر هذه الرقابة لتشمل البحر الأحمر والبحر الأبيض وخليج عدن والخليج العربي وسيناء!!
وتضمن الإتفاق تَعَهُّد واشنطن بإقامة جهاز مراقبة واسع لمنع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، ومراقبة معابرها وتزويدها بأجهزة متطورة لاكتشاف الأنفاق. بجانب تدريب قوات "محلية" في المنطقة على كيفية مواجهة عملية تهريب السلاح إلى غزة.
هذا الإتفاق المخالف للقانون الدولي لتضمنه تدخلاً في الشؤون الداخلية لدول غير أطرافه، هو مجرد مثال من مئات الإتفاقات المشبوهة المماثلة، فطنت له الإدارة المصرية، وتحركت سريعاً لإحباطه، فدعت لقمة إقليمية ودولية تشاورية تضم كلاً من : رئيس السلطة الفلسطينية وملك الأردن والرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية والأمين العام للأمم المتحدة، وآخرين، لتعلن أن مصر لن تكون جزءاً من هذا المخطط المشبوه، وهذا ما عبر عنه وزير الخارجية المصري السيد أحمد أبو الغيط، عندما أكد في 17 يناير 2009م، أن "مصر غير ملزمة بهذا الإتفاق"، وهو ما أكد عليه رأس القيادة المصرية الرئيس محمد حسني مبارك، بقوله: "إن مصر لن تقبل أبداً نشر قوات دولية على الحدود مع غزة وأن هذا الأمر يعتبر خطاً أحمر"...
وهو موقف يحسب للقيادة المصرية، ويدل على أنها قارئة جيدة لكل ما يحدث في هذا الملف الشائك، وأنها تعلم جيداً ما يخطط له الإسرائيليون والأمريكيون، من محاصرة العالم العربي براً وجواً وبحراً، وبكل الطرق والوسائل.
لكن الوسائل التي تملكها مصر، الدولة، تختلف عن تلك التي يملكها المتهمون في القضية الماثلة وهم أشخاص وطنيون، يغارون على دينهم وأرضهم وعروبتهم، ويحاربون الكيان الصهيوني بكل ما يملكون، وبقدر ما يستطيعون، وهم بوصف التاريخ وخصوصاً التاريخ البطولي المصري، أبطال لا مجرمون، ولهم كامل الحق في أن يواجهوا هذه الغطرسة الإسرائيلية والأميركية على قدر ما يستطيعون، وهذا الحق ثابت بنصوص القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، وقرارت الشرعية الدولية، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك التي وقعتها الدول العربية، وعلى رأسها مصر في عام 1950م استجابة لرغبة شعوبها في ضم الصفوف لتحقيق الدفاع المشترك عن كيانها.
سيدي الرئيس...
حضرات المستشارين...
لقد سيق دليلاًَ على صحة الاتهامات الموجهة للمتهمين، وما هي بصحيحة كما سترون، موضوع النفق الذي يقع بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية، ولئلا أخوض في حديث قد يحتمل الإختلاف والجدل أستعيد، كما استعدت حالاً كلام الرئيس محمد حسني مبارك نفسه في مسألة الأنفاق.
كان الرئيس يتحدث في عيد الشرطة ويخاطب قياداتها بدءاً من الوزير إلى الضباط الكبار ذوي المسؤوليات الواسعة ويخاطب من ورائهم شعبه وشعوب العالم، فلما ذكر القضية الفلسطينية وجهود مصر بشأنها قال ما تعيينه بحصر اللفظ:
"لقد روجت إسرائيل خلال العامين الماضيين لموضوع التهريب والأنفاق وعاودت التركيز على هذا الموضوع بعد عداونها على غزة وخلال اتصالنا لوقف إطلاق النار وأقول أن تهريب البضائع هو نتيجة للحصار وأن الإتفاق الإسرائيلي ـ الأميركي لمراقبة تهريب السلاح لا يلزمنا في شيء، أقول إننا كأي دولة مسؤولة قادرون على تأمين حدودنا لن نقبل بأي تواجد لمراقبين أجانب على الجانب المصري من الحدود ونتمسك بأن تبتعد أي ترتيبات إسرائيلية دولية عن أرض مصر وسمائها ومياهها الإقليمية". (خطابه بمناسبة عيد الشرطة، في 4/2/2009، موقع الهيئة العامة للاستعلامات، والصحف القومية، يوم 5/2/2009، نصه مقدم في حافظة مستقلة).
وبعد هذا الحديث الواضح المحدد بثلاثة أشهر فقط في مايو 2009، قال الرئيس محمد حسني مبارك في افتتاح مؤتمر غزة الذي استضافته مصر في شرم الشيخ: "إن العدوان على غزة، رغم جسامته وخطورة تداعياته، لا يجب أن يصرف أنظارنا عن جوهر القضية الفلسطينية... فهي قضية شعب يعاني النكبات والمحن منذ ستين عاماً... ويتطلع لإنهاء الإحتلال وإقامة دولته المستقلة"... "نعلم من دروس التاريخ أن القوة المسلحة، مهما عظمت، لا تقضي على المقاومة والحقوق المشروعة للشعوب... ونعلم جميعاً أن الإحتلال ومصيره إلى الزوال..." (خطابه يوم 14/5/2009 أمام الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر الدولي لدعم الإقتصاد الفلسطيني وإعادة إعمار غزة، شرم الشيخ، مصر، نصه مقدم مع نص الخطاب السابق).
وقال الرئيس في الخطاب نفسه:
"إن سرعة التوصل إلى اتفاق بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بما يضمن فتح المعابر أمام مستلزمات البناء وإعادة الإعمار ضرورة.... فإغلاق المعابر يعيدنا للمربع الأول.. ويضع عملية الإعمار في مهب الريح، (المصدر نفسه).
فهل زال الحصار الذي سوّغ في نظر رئيس مصر نفسه وجود الأنفاق؟ وهل أصبحت المعابر مفتوحة حتى تمر منها السلع الضرورية، والأدوية الحيوية، ومستلزمات إعادة الإعمار، والأفراد والأسر والمجموعات، لتصبح الأنفاق عملاً غير مشروع لإنتفاء أسبابه التي دعت إلى وجوده أصلاً؟
اللهم لا.
بعلم العالم كله، وتحت سمعه وبصره، لا يزال الإحتلال جائماً فوق الصدر الفلسطيني الصبور المقاوم طول الوقت، ولا تزال المعابر مغلقة، ولا تزال الأنفاق هي الطريقة الوحيدة المتاحة للتقليل من ـ لا للتغلب الكامل على ـ آثار هذا الحصار الوحشي الذي لم تعرف له البشرية نظيراً منذ ما قبل الإسلام، عندما حوصر النبي صلى الله عليه وسلم وقومه في الشُّعب نحو ثلاث سنين، ومنع عنهم الماء والطعام وسائر احتياجات البشر .. لم تعرف البشرية، منذئذ، حصاراً عاماً لجماعة من الناس إلا الحصار الحالي لغزة ومليون ومائتي ألف إنسان يعيشون فيها، لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يحصلوا على حقهم في حياة إنسانية حرة في ظل حكومة منتخبة انتخاباً صحيحاً حراً بلا خلاف.
هذا، كما قال الرئيس، هو سر الأنفاق: الحصار الظالم على شعب كامل.
وهذه، كما قال الرئيس، هي نهاية الإستعمار: الزوال والإندحار.
ولأجل ذلك فليعمل العاملون وفي سبيله فليتنافس المتنافسون، وسيعلم الذين ظَلموا ـ بلا ريب ـ أي منقلب ينقلبون.
من أجل ذلك، سيدي الرئيس، أطبقت كلمة فقهاء القانون الدولي، وتواترت قرارات المنظمات الدولية على مشروعية المقاومة المسلحة للإحتلال.
المقاومة هي التعبير الحيّ عن البقاء، والصنو المرادف للحياة، والحقيقة المساوية لجوهر الوجود، وما استمرار الإنسان ذاته إلا نتاجٌ لعوامل المقاومة والبقاء داخله، ضد أسباب الفناء وعوامل الهلاك، إذ ما أن تنتهي منه سمات المقاومة وصفاتها، وإرادة الحياة وأدواتها حتى يحكم عليه بالموت والفناء، وكذلك الأمر بالنسبة للشعوب والأمم، والدول والجماعات (دكتور هيثم موسى حسن، التفرقة بين الإرهاب الدولي ومقاومة الإحتلال في العلاقات الدولية، رسالة دكتوراه 1999 جامعة عين شمس، طبعة نقابة المحامين بالقاهرة، 1999 ص 210).
وقد عرَّف أستاذنا الدكتور محمد طلعت الغنيمي، في كتابه الوسيط في قانون السلام حركات التحرير الوطنية التي تقاوم بالمقاومة الشعبية المسلَّحة بأنها "حركات تستند إلى حق الشعب في استعادة إقليمه المغتصب، وتسمتد كيانها من تأييد الجماهير الغاضبة على المغتصب، وتتخذ عادة من أقاليم البلاد المحيطة حرماً لها، تستمد منها تموينها وتقوم عليه بتدريب قواتها... ثم إنها بسبب ضعف إمكانياتها إنما تركز جهودها على تحدي الإرادة الغاصبة، لا على هزيمة جيوش الإحتلال في حرب منظمة" (الوسيط في قانون السلام، منشأة المعارف بالإسنكدرية 1982 ص 350).
المركز القانوني الدولي لحركات مقاومة الإحتلال وأفرادها في ضوء مقاومة الإحتلال وأفرادها في ضوء اتفاقيات جنيف لعام 1949م.
نصت المادة (4) من الإتفاقية الثالثة، اتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة أسرى الحرب، على أن:
"أسرى الحرب بالمعنى المقصود في هذه الإتفاقية هم الأشخاص الذين ينتمون إلى إحدى الفئات التالية، ويقعون في قبضة العدو:
1 . ......................... .
2. أفراد الميلشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان هذا الإقليم محتلاً..."
وفي تحديد معنى نص هذه المادة يذهب الفقه الدولي إلى أن :
"المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بمعاملة أسرى الحرب، إذ تقدم تعداداً حصرياً للأشخاص الذين يكون لهم الحق في التمتع بوصف أسرى الحرب، فإن ذلك يعني ضمنياً تعداداً للمقاتلين والمحاربين المحميين بموجب هذه الإتفاقية.... ذلك لأنه إذا كان كل مقاتل أو محارب قانوني، يتمتع بوصف أسير حرب، فهذا يعني أن كل أسير حرب يكون له قانوناً مباشرة الأعمال القتالية، ولذلك يعتبر مقاتلاً قانونياً يتمتع بحماية هذه الإتفاقية..." (دكتور هيثم موسى، السابق ص 285 حيث ينقل عن الفقيه Draper).
وقد ذهب فقهاء القانون الدولي، بغير خلاف بينهم إلى أنه "يستنتج من نصوص اتفاقيات جنيف أنها اشترطت ضمناً أن تتخذ المقاومة في الإقليم المحتل شكل الحركة المنظمة والانتماء إلى أحد أطراف النزاع، ويعني ذلك أن تتخذ حركة المقاومة في الإقليم المحتل أو خارجه شكل الحركة المنظمة ذات الهياكل التنظيمية والإدارية والعسكرية والأطر القيادية القادرة على تعبئة موارد حركة المقاومة، وحشد الرأي العام، وتوظيفها في سبيل استمرار المقاومة وكسب التأييد والشرعية لها... بغية تحقيق الأهداف الوطنية في تحرير الوطن وطرد المحتل الغاصب. أما فيما يتعلق بانتماء اعضاء حركات المقاومة المنظمة إلى أحد أطراف النزاع، فلا يشترط في هذا الإنتماء أن يكون قائماً على أساس رابطة قانونية (الجنسية) وإنما يُكتفى بإثبات قيام رابطة أو علاقة واقعية تكشف عن عملية التعاطف أو التضامن بين أفراد حركة المقاومة والقضية التي يناضلون من أجلها"...
"ووجود التنظيم الذي يضم المقاومين مسألة لاحقة على وجود المقاومة نفسها... وهي مسألة تتعلق بظروف الحال، فقد تنقلب المقاومة التلقائية إلى مقاومة منظمة، أو تكون مقدمة لها، وقد تكون المقاومة المنظمة بمثابة جهاز طليعي ينبثق عن الهبَّة التلقائية في وجه الغزو الأجنبي". (دكتور عز الدين فودة، مجلة دراسات في القانون الدولي، الجمعية المصرية للقانون الدولي، 1969، ص 23، ودكتور صلاح الدين عامر، المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي، دار الفكر العربي بالقاهرة، دون تاريخ ص 50).
وقد أُلحقت اتفاقيات جنيف المذكورة بملحقين. بروتوكولين إضافيين، أضيفا على حركات المقاومة، وأعضائها، مزيداً من الحماية القانونية الدولية. فنصت المادة 44 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م في فقرتها الرابعة، على إنه:
"4. يُخِلُّ المقاتل الذي يقع في قبضة الخصم، دون أن يكون قد استوفى المتطلبات المنصوص عليها في الجملة الثانية من الفقرة الثالثة (أن يميزوا أنفسهم عن السكان المدنيين أثناء اشتباكهم في هجوم أو في عملية مسلحة تجهز للهجوم) بحقه في أن يعد أسير حرب، ولكنه يمنح، رغم ذلك ، حماية تماثل من كافة النواحي تلك التي تضيفها الإتفاقية الثالثة وهذا الملحق، على أسرى الحرب. وتشمل تلك الحماية ضمانات مماثلة لتلك التي تضفيها الإتفاقية الثالثة على أسير الحرب عند محاكمة هذا الأسير أو معاقبته على جريمة ارتكبها".
استناداً إلى هذا النص، فإن "الحروب التي تخوضها قوات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، والعربية عموماً ضد القوات الإسرائيلية وانطلاقاً من كل الجبهات، إنما هي حروب ذات طابع دولي، تخضع لأحكام بروتوكول جنيف الإضافي الأول لعام 1977م، ويتمتع أفراد هذه القوات بصفة المحاربين القانونيين وما يترتب على ذلك من حصولهم على كافة أنواع الحماية والمزايا التي يحصل عليها هؤلاء المحاربون..." (دكتور أحمد رفعت، الإرهاب الدولي في ضوء أحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة، دار النهضة العربية بالقاهرة، دون تاريخ ص 128).
مشروعية استخدام القوة من قبل حركات المقاومة.
بتاريخ 4/5/1948م أصدرت المحكمة الجنائية بلاهاي حكماً بخصوص حركات المقاومة اليهودية السرية ضد الإحتلال النازي، اعتبرت فيه "أعمال المقاومة السرية التي جرت ضد الإحتلال النازي أعمالاً مشروعة في مواجهة الإحتلال الحربي الذي يتعارض مع القانون الدولي..." (دكتور هيثم موسى حسن، السابق ص 340 حيث يشير إلى دكتور عبد العزيز محمد سرحان، دور محكمة العدل الدولية في تسوية المنازعات الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة 1981 ص 285).
ومن المقرر فقهاً (دكتور هيثم موسى حسن، السابق ص 283) في هذا الصدد، أنه إذا قُرِّرَ حق الدفاع الشرعي عن النفس للفرد في مواجهة أي خطر يتهدده، فإنه يجب تقرير ذلك، من باب أولى، للشعب الذي تستعمر بلاده أو تحتل أراضيه وتنتهك سيادته واستقلاله، وقد أكدت هذه الحقيقة الإتفاقيات الدولية، وميثاق الإمم المتحدة، والفقه، والعمل الدولي المطرد، والقضاء الدولي، وزاد هذه الحقيقة تأكيداً ورسوخاً سلسلة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ذات الصلة بهذا الموضوع، وأهمها، مرتبة زمنياً، هي :
(1) أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم 1514/د15 بتاريخ 14/12/1960م، القرار الخاص بمنح الإستقلال للدول والشعوب المستعمَرة، القاضي بصريح العبارة بـ "ضرورة وضع حد عاجل ومطلق للاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره". ولعل ذلك أصبح واقعاً دولياً إلا في مناطق نادرة من العالم منها الأراضي الفلسطينية والعربية التي تحتلها إسرائيل.
(2) ثم القرار رقم 2105/د20، بتاريخ 20/12/1965م، القاضي بـ "شرعية النضال الذي تخوضه الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية من أجل ممارسة حقها في تقرير المصير والاستقلال، ودعوة الدول الأخرى لتقديم المساعدة المادية والمعنوية لحركات التحرير الوطني في الأراضي المستعمَرة والمحتلة".
(3) ثم القرار رقم 2734/د25، بتاريخ26/12/1970م، المتعلق بالأمن الدولي، القاضي بأن "كفاح الشعوب المضطهدة ضد الإستعمار كفاحٌ مشروع".
(4) ثم القرار، بالغ الأهمية، رقم 2787/د26، بتاريخ 6/12/1971م، الذي نصَّ على "شرعية نضال الشعوب في سبيل تقرير المصير والتحرر من الإستعمار والتسلط والاستعباد الأجنبي، بما في ذلك شعب فلسطين".
(5) ثم القرار، رقم 3070/ د28، بتاريخ 30/11/1973م، الذي أكد على "شرعية نضال الشعوب في سبيل التحرر من السيطرة الأجنبية والاستعباد الأجنبي، وأكد على حقها في اللجوء لكل الوسائل الممكنة لتحقيق هذا الهدف، ومن بينها الكفاح المسلح.."
(6) ثم القرار رقم 3103/د، بتاريخ 12/12/1973م، (بعد حرب أكتوبر بشهرين فقط) الذي وضع مبادئ في غاية الأهمية، تنص على:
(A) "إن نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الإستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية، في سبيل تحقيق حقها في تقرير المصير والاستقلال، هو نضال شرعي ويتفق مع مبادئ القانون الدولي".
(B) "أنَّ أي محاولة لقمع الكفاح ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية هي مخالفة لميثاق الأمم المتحدة ولإعلان مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الدولية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والإعلان الخاص بمنح البلاد والشعوب المستعَمرة استقلالها، وتشكل خطراً على السلام والأمن الدولي".
(7) القرار رقم 3236/د29، بتاريخ 22/11/1974م، الذي يتضمن "إقراراً بحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والحق في الاستقلال والسيادة الوطنية ويعترف القرار بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكافة الوسائل الممكنة وفقاً لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، ويناشد جميع الدول والمنظمات الدولية أن تمد يدها لمساعدة ودعم الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه وفقاً للميثاق".
وقد عنيت بهذا الأمر الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب (1998) فقضت مادتها الثانية بأنه: "لا تعد حالات الكفاح بمختلف الوسائل جريمة، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان من أجل التحرير وتقرير المصير وفقاً لمبادئ القانون الدولي".
ونصت المادة 2/1 من معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب (1999) على أنه: "لا تعد حالات كفاح الشعوب جريمة إرهابية بما فيها الكفاح المسلح ضد الإحتلال والعدوان الأجنبيين والاستعمار والسيطرة الأجنبية من أجل التحرر أو تقرير المصير وفقاً لمبادئ القانون الدولي".
ونصت المادة الثالثة من اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لمنع الإرهاب ومكافحته على أنه : "مع مراعاة أحكام المادة (1) من هذه الإتفاقية (المادة 1عرفت الإرهاب) لا تعتبر حالات الكفاح الذي تخوضه الشعوب من أجل التحرر أو تقرير المصير طبقاً لمبادئ القانون الدولي أعمالاً إرهابية، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاستعمار والعدوان والسيطرة الأجنبية".
ومصر قد صدقت على هذه الاتفاقيات جميعاً، فأصبح ما تتضمنه من أحكام جزءاً من القانون الداخلي، واجب الإعمال من سلطات الدولة كافة، وفي مقدمتها السلطة القضائية المعنية قبل غيرها، بإحسان تطبيق القانون.
وحاصل ما سلف ذكره، سيدي الرئيس، أن مبادئ القانون الدولي العام المعاصر، وقرارات الشرعية الدولية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة، وكذلك إجماع آراء الفقه والقضاء الدولي والممارسات الفعلية في الحياة الدولية قد سَلَّمت جميعها بمشروعية نشوء حركات المقاومة، وحقها في اللجوء الى استخدام القوة المسلحة ضد أعدائها المستعمرين أو المحتلين، في سبيل تحقيق أهدافها الوطنية في تحرير أراضي الوطن وممارسة الحق في تقرير المصير ونيل الحرية والاستقلال.
وهذا التسليم فرع لأصلين مقررين في القانون الدولي المعاصر هما:
حق الدفاع الشرعي عن النفس ومقاومة العدوان، وحق الشعوب كافة في تقرير مصيرها بنفسها.
وكل عمل يهدف الى ممارسة أحد هذين الحقين، أو كليهما، يخرج، بحكم اللزوم القانوني، من دائرة الإرهاب، الذي هو مدار التهم كلها في هذه القضية.
وقد عبر عن ذلك أجلى تعبير كورت فالدهايم، الأمين العام للأمم المتحدة، في أثناء شغله منصبه في ديسمبر من عام 1972م، حين أعلن أنه :
"ليس للإرهاب الدولي صلة باستعمال القوة لأغراض مشروعة في الحياة الدولية، وميثاق الأمم المتحدة وسائر القرارات التي أصدرتها الجمعية العامة بخصوص حركات التحرير الوطني، لا يمكن المساس بها تحت غطاء الإرهاب الدولي...وبناء على ذلك لا يعد الفعل إرهاباً، وبالتالي لا يعاقب عليه القانون الدولي إذا كان الباعث عليه الدفاع عن الحقوق المقررة للأفراد، حقوق الإنسان، أو الشعوب، حق تقرير المصير، أو الحق في تحرير الأرض المحتلة ومقاومة الإحتلال، لأن هذه الأفعال تقابل حقوقاً يقررها القانون الدولي للأفراد والدول، حيث يكون الأمر هنا متعلقا باستعمال مشروع للقوة طبقا لأحكام القانون الدولي والإتفاقيات الدولية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة...."
(أورده الدكتور هيثم موسى حسن، السابق، ص 362 نقلاً عن الدكتور شريف بسيوني في: حق تقرير المصير والقضية الفلسطينية، نيويورك 1971، ص 33).
وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3103/د28، بتاريخ 12/12/1973م، الذي نص على إقرار الدول الأعضاء:
بالحماية القانونية التي يجب إسباغها على مناضلي حركات التحرير الوطني والمقاومة ضد الأنظمة الإستعمارية والمحتلة والعنصرية، وأقرَّ بشرعية كفاحهم ضد هذه الأنظمة إعمالاً لحقهم في تقرير المصير والاستقلال، وأكد على اعتبار كل محاولة لقمع هذا الكفاح بمثابة انتهاك لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، والإعلانات والقرارات الدولية ذات صلة.
في هذا الإطار، حضرات المستشارين يمكن القول بأن الشعوب التي تقع فريسة للاحتلال الحربي أو السيطرة الأجنبية أو التفرقة العنصرية يثبت لها الحق في تقرير المصير بمجرد وقوع هذه الأفعال، لأنها تمثل أفعالاً دولية غير مشروعة، وإنكاراً لحق الشعوب في تقرير مصيرها، واعتداء على حقوقها وسيادتها واستقلالها، وهو ما يعطي هذه الشعوب الحق في استخدام القوة المسلحة ضد هؤلاء المحتلين أو المستعمرين أو العنصريين، ويكتسي استعمالها للقوة في هذه الحالة بالطابع القانوني والشرعي، لأنه إعمال لحق مقرر لها في القانون الدولي (دكتور أحمد فتحي سرور، المواجهة القانونية للإرهاب، ط ثانية، القاهرة 2008 ص 103). وهذا ما أكدته عملياً قرارات الأمم المتحدة الصادرة بهذا الشأن، وما قررته لجنة القانون الدولي، المنبثقة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، في إطار إعدادها لمشروع قانون المسؤولية الدولية، بقولها:
"إن من صور السلوك غير المشروع دولياً، والذي يعتبر جريمة دولية:
أ. .......... . ب. الإنتهاك الخطير لالتزام دولي ذي أهمية جوهرية للحفاظ على حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، مثل تلك التي تُحرم استعمال القوة (أي تحرم ذلك على الشعوب الخاضعة للاستعمار أو المهددة به) لإرساء السيطرة الاستعمارية أو لاستعادتها..."
وبالبناء على ما تقدم جميعه يكون من حق الشعوب العربية التي احتلت أراضيها من قبل إسرائيل (فلسطين، جنوب لبنان، سوريا) استخدام القوة المسلحة ضدها، إعمالاً لحق: الدفاع الشرعي عن النفس، وحق تقرير المصير. ويكون من حق حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، والسورية عندما توجد، استخدام القوة المسلحة ضد العدوّ الصهيوني في كل شبر يبسط سيطرته عليه. بمعنى أن من حق أفراد المقاومة اللبنانية استهداف الإسرائيليين في فلسطين، والعكس صحيح بالنسبة للمقاومة الفلسطينية، أي إن لها أن تستهدف جنود الإحتلال الصهاينة في أرض لبنان المحتلة أو في أرض سوريا المحتلة.
نحن إذن، سيدي الرئيس، أمام قضية محاولة لمقاومة الاحتلال لا أمام قضية إرهاب، سواء أنظرنا للإرهاب بمفهومه الدولي أم بمفهومه المحلي.
...........
فالنشاط الذي قام به المتهم المذكور على الأراضي المصرية، والتنظيم، واللقاءات، والتحركات، والأهداف المعلنة والخفية كلها تصب في بوتقة واحدة، هي بوتقة الجهاد والنضال ضد العدو الصهيوني، ونقل خبرة المقاومة اللبنانية إلى الفصائل الفلسطينية في غزة ومساعدتها ودعمها بالسلاح بأنواعه كافة، وتدريب عناصرها وتجهيزهم للقتال.
ومما يزيد هذا الأمر وضوحاً، ويثبته في يقين المحكمة الموقرة، أن ملاحظات النيابة العامة على قائمة أدلة الثبوت تضمنت ذكر مسألة تهريب السلاح إلى غزة، وإلى فلسطين، وذكر دعم المقاومة، والقيام بعمليات استشهادية ضد العدو الصهيوني (22) مرة.
............
وفي سبيل هذه المقاومة يجوز في القانون الدولي، وفي الممارسات الفعلية للمقاومين أفراداً ومنظمات، وفي السلوك النضالي المصري دعماً لحركات التحرر من الإحتلال على مدى عقود ثلاثة، يجوز ما قد يبدو في الظاهر غير جائز، ويعامل على أنه مشروع مباح. أما لوقع لغير أغراض المقاومة لكان غير مشروع ولا مباح.
..............
ومما يجب التأكيد عليه، في هذا المقام، أمور:
الأمر الأول: أن كل ما أشارت إليه ملاحظات النيابة العامة من أقوال قررها المتهم الثاني عن انتمائه لحزب الله في لبنان، وعمله في صفوفه وتدريبه على أعمال مختلفة، يخصه وحده، ويخص الحزب المنتمي إليه، وليس في شيء من هذه التقريرات ما يدخل في نطاق مواد الإتهام أو يعد جريمة في القانون المصري.
الأمر الثاني: أن حزب الله ليس منظمة محظورة في مصر، ولا هو منظمة محظورة في لبنان، بل هو بموجب وثائقه السياسية العلنية (وسنتشرف بتقديم صورة آخرها الصادرة في نوفمبر 2009) حركة مقاومة وطنية عربية إسلامية تشارك ـ منذ نشأتها ـ في العمل السياسي، ولها في حكومات لبنانية متعاقبة، بما فيها الحكومة الحالية، وزراء. ونظرة على خريطة تشكيل مجلس النواب اللبناني الحالي تدل على مدى قوة الوجود السياسي للمقاومة الإسلامية، وعلى قوة المعارضة التي يقودها حزب الله (الخريطة النيابية مقدمة لاطلاع المحكمة الموقرة). وقد صرح رئيس الوزراء اللبناني الشيخ سعد الحريري في زيارته الأخيرة للقاهرة (يناير 2010) بأن حزب الله شريك سياسي في لبنان، وحاضر في البرلمان والحكومة وأن لبنان بلد ديمقراطي تشارك فيه كل القوى في العمل السياسي بلا حظر (نص تصريحاته مقدم للمحكمة الموقرة).
الأمر الثالث: أن الهدف الرئيسي لحزب الله هو مقاومة العدو الصهيوني، وفيما عدا ذلك فإن الأعمال الأخرى للحزب كلها، اجتماعية وثقافية وسياسية، لا أثر فيها لاستعمال القوة ولا التهديد بها، ونظرة عجلى على التحليل العلمي الأكاديمي للتطورات التي مر بها حزب الله منذ نشأته وحتى الآن (مقدمة في حافظة مستقلة للمحكمة الموقرة) تثبت أن طبيعة الحزب هي أنه منظمة مقاومة إسلامية ذات دور سياسي مؤثر في السياسة اللبنانية والإقليمية على حد سواء، (الصفحات في الحافظة المرفقة مأخوذة من: يوسف الآغا، حزب الله: التاريخ الأيديولوجي والسياسي، ترجمة نادين نصر الله، دراسات عراقية، بيروت ـ بغداد ـ أربيل 2008)
........
فتح والشهداء الأقصى
كما جاءت تحريات مباحث أمن الدولة التي قام بها العقيد/ أحمد عاطف بتاريخ 4/4/2009، لتثبت أن َّ المتهمين المذكورين، الرابع والعشرين والخامس والعشرين، ينتميان لكتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، وإن وجودهما بمصر واتصالهما بالمتهم الثاني كان بتكليف من قياديين بارزين بكتائب شهداء الأقصى وحركة فتح، هما أبو صهيب وأبو علاء، وأن الهدف من ذلك كله كان مساعدة حركات المقاومة الفلسطينية ممثلة هنا في حركة فتح (كتائب شهداء الأقصى) في نضالها ضد إسرائيل، وأن هذه المساعدة من جانب المتهم الثاني كان مقدراً لها أن تكون بتدريب العناصر في الجنوب اللبناني، وإعادة دفعهم إلى قطاع غزة، والإمداد بالسلاح والعتاد....
فالتحريات والتحقيقات واقوال المتهمين المذكورين تثبت جميعها أن المتهمين لم يكونوا ينتوون القيام بعمليات إرهابية على الأراضي المصرية، وأن نشاطهم لم يكن أبداً بهدف السعي والتخابر لدى حزب الله اللبناني للقيام بعمليات إرهابية داخل مصر أو ضدها، خاصة وقد ثبت من التحقيقات والتحريات وأقوال المتهمين أن هناك تنظيماً آخر، أو جماعة أخرى بل حركة مقاومة أساسية ضد الصهيونية والاحتلال ضالعة في هذا الأمر هي حركة فتح (كتائب شهداء الأقصى) وأن من بينهم من هو منتم لهذه الحركة كالمتهمين الرابع والعشرين والخامس والعشرين، وأن دخولهما للأراضي المصرية واتصالهما بالمتهم الثاني كان بغرض قيام الأخير بتسفيرهما للجنوب اللبناني ليتلقيا التدريبات اللازمة تمهيداً لإعادة دفعهما إلى داخل اسرائيل للقيام بعمليات استشهادية أو هجومية ضدها، كان هذا هو المقصد، وفي إطاره كان نشاط المتهمين جميعاً.
فإذا ما استقام ذلك فليس لعاقل أن يزعم أو يتصور أن عضوي حركة فتح وكتائب شهداء الأقصى (ذراعها العسكري)، المتهمين الرابع والعشرين والخامس والعشرين تسللا للأراضي المصرية للقيام بعمليات إرهابية ضد المصالح المصرية بإيعاز واتفاق ومساعدة من المتهم الثاني. لأن التحقيقات والتحريات أثبتت أن المتهمين المذكورين تابعان لحركة فتح وكتائب شهداء الأقصى، وأن تسللهما لمصر كان بتكليف من قياداتهما ممثلة في القياديين أبو صهيب وأبو علاء، وليس يخفى على أحد أن حركة فتح شريك أساسي للقيادة المصرية، وأن قيادتها على وفاق كامل مع القيادة المصرية، بل أن جميع الفصائل الفلسطينية والكتائب التابعة لها، بما فيها حماس، على وفاق مع القيادة المصرية، بل أن كل تحركاتهم تقف عليها القيادة المصرية أولاً بأول، فهل يعقل أن يأتي أفراد تابعون لهذه الفصائل بتكليف من قادة بارزين بهذه الفصائل، كأبي صهيب وأبي علاء للقيام بعمليات إرهابية على أرض مصر أو ضد أمنها واستقرارها؟!!
لو صح هذا التصور المزعوم لكان على النيابة العامة ، المنصفة والأمينة على الدعوى الجنائية، أن تتهم حركة فتح وكتائب شهداء الأقصى كما اتهمت حزب الله!! خاصة وأن اثنين من المتهمين عضوان تابعان لحركة فتح وكتائب شهداء الأقصى، ولكان على الإعلام الحر البنَّاء أن يتناول قادة فتح وكتائب شهداء الأقصى باللوم والتقريع والهجوم اللاذع، أو بشيء ـ ولو قليل ـ مما ناله حزب الله من هذا الإعلام الحر نفسه!!!
ولا يقدح في ذلك أن النيابة العامة لم توجه للمتهمين المذكورين، الرابع والعشرين والخامس والعشرين تهمة السعي والتخابر للقيام بعمليات إرهابية على أرض مصر أو ضدها، واكتفت بتوجيه تهمة التسلل للبلاد بطريق غير مشروع لهما!!
وذلك لأن المتهمين المذكورين هما المقصودان بالعبارة الواردة بالاتهام الأول "البند أولاً" من أمر الإحالة، والتي فيها تتهم النيابة المتهمين من الثالث حتى الثاني والعشرين بأنهم تعاونوا مع مندوبي حزب الله "في تسهيل سفر البعض ممن يعملون لأهداف هذا الحزب إلى خارج البلاد بطرق مشروعة وغير مشروعة لتلقي التدريبات العسكرية.... ثم العودة للبلاد لتنفيذ عمليات إرهابية على النحو المبين بالتحقيقات"، وفي البندين سادساً /3، وثامناً، وصفت النيابة نشاطهما بقولها إنهما "يمارسان نشاطاً يخل بالأمن والنظام العام على النحو المبين بالتحقيقات"....
بل إن المتهمين المذكورين هما المعنيان ـ فرضاً لا واقعاً ـ والمقصودان بالعبارة المشار إليها آنفاً بالبند أولاً من أمر الإحالة، فهما المعنيان بالسفر خارج البلاد بطرق مشروعة وغير مشروعة لتلقي التدريبات ثم العودة للقيام بأعمال إرهابية بمصر، إذ ليس من بين المتهمين جميعهم من أثير بالتحقيقات أنه سيسافر إلى الخارج (الجنوب اللبناني) لتلقي تدريبات عسكرية إلا المتهمان المذكوران وليس من بين المتهمين من ثبت أن مهمته كانت من البداية للنهاية هي السفر عبر الأراضي المصرية الى الجنوب اللبناني لتلقي تدريبات عسكرية إلا المتهمان المذكوران. وبالتالي، فقد ارتكب المتهمان المعنيان الجريمة التي تتحدث عنه النيابة في البند أولاً من أمر الإحالة وهي السفر خارج البلاد لتلقي تدريبات عسكرية للقيام بعمليات إرهابية على الأراضي المصرية (وهذا كله حسب تصوير النيابة العامة للواقعة في اتهامها الوارد بالبند أولا من أمر الإحالة بفرض صحته فرضاً جدلياً ليس إلا). وبالتالي كان على النيابة اتهام المتهمين الرابع والعشرين والخامس والعشرين بالتخابر والسعي لدى حركة فتح للقيام بعمليات إرهابية داخل مصر، وكان على النيابة أن تتهم حركة فتح بأنها تخطط للقيام بأنها تخطط للقيام بعمليات إرهابية داخل مصر، لا سيما وأن المتهمين المذكورين قد جاءا لمصر بناء على تكليف من قيادتهما ممثلة في أبو صهيب وأبو علاء، القائدين بكتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح.
.........
سيدي الرئيس....
حضرات المستشارين الأجلاء....
بقي للدفاع كلمات قصار يحاول بهن ان يوضح بها بعض ما أُبْهِمَ في مرافعة الزملاء المحترمين الذين تحدثوا امام الهيئة الموقرة ممثلين لجانب الاتهام.
لم يخبرنا الادعاء باسم الدولة التي عناها، ولا باسم العدو العابث المغرور، فكان من الواجب الذي يدعو إليه مبدأ التعاون على إظهار الحق أن ينطلق الدفاع بما سكت عن النطق به الادعاء.
إن الدولة الوحيدة، سيدي الرئيس، التي تحاول الهيمنة على المنطقة كلها، وفرض إرادتها على شعوبها قبل دولها هي: اسرائيل.
إسرائيل التي تحتل حتى اليوم مرتفعات الجولان السورية، ومزراع شبعا وبلدة الغجر، وتلال كفرشوبا اللبنانية، وأرض فلسطين كاملة بما فيها القدس، وما أدراك ما القدس وما الذي يجري فيها.
إسرائيل التي شنت الحرب تلو الحرب (12 حرباً في ستين سنة كما كتب المستشار الجليل طارق البشري، في دراسته المرفقة) ولم تزل تهدد حتى اليوم بحرب جديدة على لبنان بسبب سلاح حزب الله وقدرته على البقاء في موقع التأثير على السياسة اللبنانية والإقليمية وعونه المستمر، بل المتدفق للمقاومة الفلسطينية بفصائلها كافة بما فيها الفصائل التابعة لمنظمة فتح، كما تشهد بذلك أوراق هذه القضية وما فيها من ذكر أفراد وقادة من منظمة شهداء الأقصى، الذراع العسكرية التابعة لفتح.
هذه الدولة (إسرائيل) سيدي الرئيس لم يردعها عن العدوان على الدول العربية كلها شيء بل لم يردها عن العدوان على مصر ومحاولة اختراق أمنها شيء.
لقد بلغ عدد الجواسيس الصهاينة وعملاؤهم الذين ضبطوا في مصر منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد سنة 1979 إلى سنة 2009 مائة وخمسة وأربعين جاسوساً لصالح إسرائيل، وفي المدة الواقعة بين سنة 1991 وسنة 2007 ـ وحدها ـ كان المضبوطون من جواسيس إسرائيل تسعة أشخاص، ومن المصريين الذين نجح الموساد في تجنيدهم ضد وطنهم ثمانية أشخاص، ومن الأجانب عن مصر وإسرائيل معاً ثلاثة أشخاص (روسي، وياباني، وأيرلندي).
وكانت الأعمال الموكولة لهؤلاء اختراقاً للأمن القومي المصري تترواح بين أن تكون جمع معلومات عسكرية عن الشخصيات المهمة في مصر من خلال إقامة علاقات جنسية وانحرافية معهم، وجمع معلومات صناعية واقتصادية وعسكرية، ومعلومات سياسية واقتصادية، ومعلومات عن البرنامج النووي المصري، الذي لم ير النور بعد. ومعلومات عن العناصر العربية في خارج مصر للعمل على تجنيدهم لصالح إسرائيل، وجمع المعلومات عن الاستثمار الأجنبي، بوجه خاص في مصر، وجمع معلومات عن المواني والمطارات ووسائل المواصلات الداخلية في مصر.
إن بين مصر، الدولة، وبين إسرائيل اتفاقية (هدنة)، هذه هي حقيقتها، تسمى باتفاقية السلام، وإسرائيل تنتهكها يومياً بغير شك، ومصر تسكت رعاية لهذه الإتفاقية نفسها. وهذا كله لا يعنيني هنا، لكن الذي يعنيني هو أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تربطها بمصر مثل هذه الإتفاقية: لأنها الدولة الوحيدة العدو!!!
هل رأى الناس على مر التاريخ، صديقاً يقيد صداقته بآخر بمعاهدة؟!
اللهم لا.
لكن الدول تقيد عدواتها وتضبط وقع خطاها بمعاهدات تسميها بما شاءت من الأسماء.
وليس لاختصاص إسرائيل بتلك المعاهدة من سبب إلا إنها العدو الوحيد لمصر في منطقتنا كلها!!
هذا سيدي الرئيس، حضرات المستشارين، هو العدو الذي يحاول الهيمنة علينا نحن في مصر أولاً، وعلى المنطقة كلها ثانياً، يشهد لذلك ما جرى من إهانة للسفير التركي في تل أبيب دعت اسطنبول للتهديد بسحبه في اليوم نفسه ما لم تعتذر إسرائيل قبل الساعة الثامنة من مساء ذلك اليوم. وقد كان. اعتذر وزير الخارجية، واعتذر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيليين، فقال الأتراك: إن على إسرائيل أن تعرف مع من تتعامل عندما تكون تركيا طرفاً في الأمر!!!
والدفاع يقدر كل التقدير الأوضاع السياسية التي تحول دون ذكر إسرائيل باسمها في مرافعة الادعاء، وليس مرماه من هذا البيان إلا خدمة الهيئة الموقرة بالإفصاح عن المضمر وبرد المظنون، أو الذي يمكن أن يكون مظنوناً، عن المقصود بالعدو العابث المغرور.
وأي ظن عن أي طرف آخر، سوى إسرائيل أنه المقصود بالعدو، في نعت النيابة العامة، أو أنه يحاول الهيمنة على المنطقة في وصفها، هو ظن لا يقوم عليه من الواقع دليل.
(الوحدة 1800)
لم يذكر الزملاء المحترمون المترافعون عن الإدعاء سر وجود هذه الوحدة ضمن هيكل تنظيمات حزب الله. وتركوا السامعين يهيمون في أودية شتى ليس من بينها الوادي المؤدي الى واحة المعرفة أو نهر الحقيقة في هذا الشأن.
والحقيقة، سيدي الرئيس، أن هذه الوحدة هي نظير قسم الدول العربية، وقسم الدول الإفريقية، في المخابرات العامة المصرية. هذان القسمان تحدث عنهما السيدان فتحي الديب ومحمد فائق في كتبهما عن دور الثورة المصرية في مناصرة حركات التحرر العربية والإفريقية، وهو دور لا بد للقائم به من دراسة مجالات حركته والمعرفة يمن يستعين بهم أو يستعينون به. وهذا هو الدور الذي تقوم به (وحدة دول الطوق) في حزب الله.
دورها كله يعبر الدول المحيطة بإسرائيل. وعملها كله يتعلق بمقاومة العدو. والدليل أنه منذ قام الحزب سنة 1979 حتى يوم الناس هذا في سنة 2010 لم يزعم أحد أنه اعتدى على سيادة أية دولة عربية، أو قام بأية عملية على أراضها، او جند ضدها أحداً من أبنائها أو من غيرهم، في الوقت نفسه، الذي تجنب فيه الحزب أي عمل ضد أية قوة أو دولة عربية أو إسلامية، نجده أوقع بإسرائيل خسائر لا تحصى أمكنني بإمكاناتي المحدودة أن أجمع منها:
666 قتيلاً سوى قتلى حرب يوليو/ تموز 2006.
و276 جريحاً سوى جرحى حرب يوليو/ تموز 2006.
13 ضابطاً وجندياً اختطفوا وتبودلوا، أو تبودلت جثث من مات منهم، بأكثر من ألفين من الأسرى العرب (لبنانيين وغيرهم) وبجثث بعض شهداء المقاومة لدى العدو الصهيوني (!!)
هذا هو حزب الله وصنيعه بعدوه إسرائيل، فلا تذهبن بأحد أوهام عبارة (وحدة الطوق) إلى أن الحزب يعمل ضد البلاد العربية وأهليها، فإن دون إثبات هذا الوهم خرط القتاد.
حزب الله
لقد حرص الدفاع على تقديم الوثيقة السياسية الأخيرة لحزب الله (نوفمبر 2009) ليثبت للهيئة الموقرة، من خلال الاطلاع عليها، بطلان الدعوى القائلة إن حزب الله أداة للدولة الأجنبية التي أشار إليها الزملاء المحترمون ممثلو النيابة العامة في مرافعتهم الشفهية. وإذا انتفى القول بهذه التبعية انتفت من ثم النتيجة التي رتبها الادعاء عليها من تحقق وصف (الدولة الأجنبية) الوارد في المادة 86 مكررا ج من قانون العقوبات في شأن تهمة السعي والتخابر.
وليس من شك في أن النيابة العامة الموقرة لم تقصد بالدولة، التي ظنت حزب الله أداة في يدها، الدولة نفسها التي استظهر الدفاع أنها العدو الحقيقي للأمة العربية كلها وعلى رأسها مصر، لأنه من غير المعقول أن يقول أحد أن حزب الله عميل لإسرائيل.
فبقي ذكر هذه الدول (الأخرى) أمراً مجهلاً والحديث عنها كلاماً مرسلاً لا تنبني عليه نتيجة ولا يترتب عليه حكم.
سيدي الرئيس، حضرات السادة المستشارين الأجلاء:
لعل قضية لم تشغل الرأي العام في مصر وفي الوطن العربي مؤخراً، فيما عدا قضية مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم، كما فعلت هذه القضية. والدفاع عن المتهم الثاني قبل أن يتولى الدفاع عنه، وقبل أن يحيط علماً بتحقيقات وأوراق هذه القضية، وتفاصيلها، كان يتابع الجرائد اليومية، ويقرأ كل ما نقلته الأخيرة عن النيابة في تحقيقاتها، والعناوين الصحيفة المدوية التي كانت توضع لهذه التحقيقات، والاتهامات الشنيعة التي كانت تكال بوفرة للمتهمين، والمتهم الثاني تحديداً، صاحب الحظ الأوفر من هذه الاتهامات الصحفية!!
لقد ظن الدفاع وقتها أن المتهم الثاني هالك لا محالة، وكذا شأن باقي المتهمين.
ولكن ظنَّ الدفاع في هلاك المتهم الثاني، تحول الى يقين، بإذن الله، في نجاته هو ورفاقه، خاصة بعد أن فحص الدفاع الأوراق والملابسات، وأحاط بدلائل الثبوت المتهاوية، وادعاءات الإدانة المتخاذلة، وتيقن من أن المتهم الثاني ورفاقه لم يتحولوا عن أصل البراءة المفترض فيهم ابتداء، ولا زال هذا الأصل ثابتاً فيهم متعلقاً بهم، ولن يفارقوه ولم يفعل هو، وإنه ليس في أوراق القضية برمتها، ولا مرافعة النيابة في إجمالها وتفصيلها، ما يناقض هذا الأصل والحكم ببراءتهم. تأسيساً على أن أصل البراءة، وحسبما وصفته المحكمة الدستورية العليا في عديد من أحكامها "يعتبر جزءاً لا يتجزأ من محاكمة تتم إنصافاً، باعتباره متسانداً مع عناصر أخرى تشكل مقوماتها، وتمثل في مجموعها حداً أدنى من الحقوق اللازمة لإدارتها، ويندرج تحتها أن يكون لكل من المتهم وسلطة الاتهام الوسائل عينها التي يتكافأ بها مركزاهما سواء في مجال دحض التهمة أو إثباتها. وهي بعد حقوق لا يجوز حرمان منها أو تهميشها، سواء تعلق الأمر بشخص يعتبر متهماً أو مشتبهاً فيه، وقد أقرتها الشرائع جميعها، لا لتظل المذنيبن بحمايتها، وإنما لتدرأ بمقتضاها وطأة الجزاء المقرر للجريمة التي خالطتها شبهة ارتكابها، بما يحول دون القطع بوقوعها ممن أسند إليهم الاتهام بإتيانها، إذ لا يعتبر هذا الاتهام كافياً لهدم أصل البراءة، وهو ما يعني أن كل جريمة يدعي ارتكابها لا يجوز إثباتها دون دليل جازم ينبسط على عناصرها جميعاً، ولا يجوز كذلك افتراض ثبوتها ـ ولو في أحد عناصرها ـ من خلال قرينة قانونية ينشئها المشرع اعتسافاً، ودون ذلك لا يكون أصل البراءة إلا وهماً". (المحكمة الدستورية العليا، مجموعة مبادئها في أربعين عاماً، مارس 2009 ص 497 وما بعدها).
بناء عليه، يلتمس الدفاع الحكم ببراءة المتهم الثاني مما منسوب اليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع:
ـ صفحات من :
مذكرة تتضمن خلاصة دفاع المتهم الثاني محمد يوسف أحمد منصور وشهرته سامي شهاب ـ في القضية رقم 7629 لسنة 2009م جنايات عابدين المعروفة بقضية "خلية حزب الله" ـ المحددة لنظرها جلسة 20/2/2010
ـ للاستزادة ـ أنظر أيضاً:
فتحي الديب: عبد الناصر وثورة الجزائر، الطبعة الثانية، دار المستقبل العربي، القاهرة 1990.
دكتور هيثم موسى حسن، التفرقة بين الإرهاب الدولي ومقاومة الإحتلال في العلاقات الدولية، رسالة الدكتوراه 1999 جامعة عين شمس، طبعة نقابة المحامين، بالقاهرة، 1999.
|
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق