سميح القاسم : مواجهة الهجوم على العروبة والعربية، لا تقتصر على الموجودين في فم الذئب “الإسرائيلي” بل هي واجب العرب في كل مكان
من المؤكد أن اللغة باتت موضوعا للحرب. لا يتعلق الأمر بالبعد الثقافي، إلا ظاهرا. إذا أردنا أن نفهم العلاقة بين الإثنين : اللغة والحرب، فالأمر ينطوي على مشقة متابعة التغيير الجذري في مفهوم ونظرية وتقنية وخبرة الحرب. سميح القاسم شاعر مقيم في موطن السيد المسيح (عليه السلام)، في الجليل، يحاور في هذا السياق الإشكالي :
ـ تسللت إلى لغة العرب المستخدمة في حياتهم اليومية الكثير من المفردات الأجنبية فهل تقلق من مخاطر هيمنة الثانية على الأولى وعلى مستقبلها؟
ـ تاريخ اللغات مرتبط بتاريخ الشعوب، فيوم كنا أمة قوية لم نتردد في تعريب ألفاظ كثيرة من الإغريقية والفارسية والهندية والصينية وحتى في القرآن الكريم دخلت ألفاظ معربة كالقلم وهو “الكالموس” والصراط وهو “ستراتوس”، والصولجان والقسطاس وغيرها من المفردات التي عربت وصارت ليس أجمل ولا أبهى.
ليس عيباً علينا أن العالم يخترع من حولنا ومن استطاع إليه سبيلا فليخترع .. وأستطيع تعريب كلمات من اللغة الوافدة حتى لو كانت عبرية التي اعتبرها لهجة عربية قديمة كلهجة قريش وكالآرامية وسائر اللغات السامية. لا أقر بلغات سامية بل هناك لغة عربية واحدة ولهجات مختلفة.
ـ ولكنك تقلل من حقيقة مخاطر غزو اللغات الأجنبية على العربية؟
ـ للغة العربية رب يحميها وكتاب يحميها، ثم شعب يحميها وشعراء يحمونها فهي عصية ومحصنة، ربما يمكن اجتياح الوطن العربي عسكرياً، ولكن لا يمكن اجتياح العربية فهي أقوى من أية لغة أخرى في العالم لا بمعنى المخترعات، فنحن لا نخترع شيئا في هذه الأيام سوى بؤسنا وأميتنا غير أن هذا لا يقلقني على اللغة العربية كجوهر وبمنتهى الصراحة والألم يبدو لي أحيانا أننا لسنا الذين نحمي اللغة العربية فهي التي تحمينا.
ـ كيف ترى أثر إعلام العرب في لغتهم؟
ـ ما يجري في الإعلام العربي بائس وتعيس، فحينما تصغي له تفجع إزاء ارتكاب أخطاء يتجنبها تلاميذ في الصف السابع الابتدائي وأحيانا أود تسجيل بعض الملاحظات، فأشعر بقشعريرة ولا تطاوعني يدي على كتابة الأخطاء المرتكبة من قبل المراسلين والمراقبين والمحللين والمفكرين ممن يتحدثون على شاشات التلفزيون بشكل مهين وبأخطاء مميتة. على الأقل يفترض أن تكون لغة الحوارات فصحى.
ـ وكيف ترى خطر العوامل الخارجية مقابل زحف العامية على الفصحى؟
ـ ما يقلقني حالة العربية في الوطن العربي حيث يوجد “تسونامي” تآمري لإلغاء الروح والثقافة العربيتين، فمثلا الهجوم على بحور الشعر اليوم ليس هجمة شكلية بهدف لتحديث القصيدة العربية لكن القول إن الأوزان هي قيود بهدف إلغاء المتنبي والمعري والشنفرى وامرئ القيس وأحمد شوقي والجواهري من الوجدان العربي وإلغاء سميح القاسم بالتالي، حين نتصدى لهذه الهجمة على ذائقتنا وأذننا وثقافتنا وإيقاع روحنا ووجدانا وتاريخنا وقصيدتنا فنحن الآن في حالة دفاع عن النفس.
هناك تراجع مرعب في أوليات اللغة العربية الصرف، والنحو، والبلاغة والصياغة، اعتقد أن هذا التراجع ليس بريئاً، فالفضائيات تطلق ألبومات مطربين عرب مكتوبة بالأحرف اللاتينية ولا استغرب أن تدخل العبرية على ما يسمى “كليبات الفنانين العرب” وهكذا في الأفلام السينمائية. كما أن هناك فضائيات تقدم أخبارا باللغة العامية كأنما من أجل الأمييّن، ولكن حتى الأميين يفهمون جيدا ما نقوله باللغة الفصحى.
ـ هل يخلو التشديد على الخطر الخارجي على العربية من “عقلية المؤامرة”؟
ـ “هناك هجمة على اللغة العربية هدفها محو الشخصية العربية وإفراغ العربي من ثقافته ومن جذوره وتحويله إلى كائن استهلاكي يمضغ “الهمبورغر” ويمتص “الكوكاكولا” ويشتري البضائع الأمريكية والأوروبية بلا كرامة وشرف وشهامة. هناك هجمة على العروبة كما أفهمها ببساطتها: الشجاعة، الكرم، الشهامة، عزة النفس، الذود عن الحياض حماية الأرض والعرض، إغاثة الملهوف ورعاية اليتيم وإكرام الضيف. هذه القيم التي تجسد العروبة ولسنا بحاجة لمشاريع أحزاب ولبيانات ودراسات فهذه هي العروبة ولاشيء سواها. وهذه القيم تحميها ثقافة ولغة وقصيدة ورواية ومقامة.
ولا تقتصر مواجهة هذا الهجوم على العروبة والعربية، علينا نحن هنا الموجودون في فم الذئب “الإسرائيلي” بل هي واجب العرب في كل مكان ولا يقولن أحد إن هذه هي عقدة المؤامرة أو هاجس المؤامرة إنما هذه حقيقة حيث يتعرض العرب إلى حرب إبادة روحية.. إما نتصدى لها بوعي وعنفوان وبشرف وشجاعة أو نوقع شهادة موتنا”.
ـ ألا ترى استخدام المفردات الأجنبية باللغة العربية في الحياة اليومية تعبيرا عن عجز العربية أو عجز أصحابها؟
ـ لا أبداً. لماذا نقول “تلفاز” بدل تلفزيون، فاللغة كائن حي وطبيعي وعفوي وطبيعي فإذا الأمة العربية لم تخترع الكمبيوتر فلماذا أطلب منها تقديم اسم شيء لم تخترعه. لا بأس من استخدام الباص والتلفزيون فلماذا “المرناة”.. ولماذا لا نقول “أوكي” بالقصيدة والرواية أيضا طالما نستخدمها في حياتنا اليومية وكلمة كمبيوتر فلماذا حاسوب سيما أنهما كلمتان غير متطابقتين بالمعنى ولا تنسى أن المئات من الألفاظ العربية دخلت اللغات الأجنبية والعبرية الفرنسية والإنجليزية. أنا قلق على العربية في الوطن العربي بسبب أجهزة التعليم التي يمعن الرئيس بوش بالضغط من أجل تغييرها. الحرب حرب أفكار يتم خلالها الهجوم على أداتها ـ اللغة”. وما يقلقني هو الشعور إزاء اللغة، أحاول في كل دولة في العالم أزورها الاستعانة بالقاموس الضئيل للتحدث بلغتها ولا بأس أن نعرف ونحب اللغات ولكن ليس على حساب لغتي وكرامتها.
ـ أنت قلق على الشعور حيال اللغة العربية لكنك مطمئن لبقائها وقوتها فكيف ذلك؟
ـ أرى أن حصانة اللغة العربية غير قابلة للانكسار بفعل القرآن أولا وثانيا بفعل الشعر العربي فليس من السهل كسر المتنبي مثلما لا تستطيع كسر “شكسبير” لدى البريطانيين. أنت لا تستطيع أن تكسر أم كلثوم بمادونا وفي كل الأجيال. الثقافة العربية أكبر وأعظم من أن تهزم ولا توجد قوة في التاريخ تستطيع الإجهاز عليها رغم الهجوم المغضب والمزعج والمقلق عليها. أخشى على الذائقة العربية من التراجع، فاللغة العربية ذائقة ومزاج وحالة نفسية لا أستطيع أن أعطي حديثاً صحافياً بالعامية. يندر أن استعمل كلمات عامية بمقابلة تلفزيونية وأفعل ذلك لأنني أحب العربية واعتز بها لا للاستعراض فهي لغة جميلة جدا. إذا فاخرت سيدة بعقد اللؤلؤ وبساعة ذهب وأقراط الماس فمن حقها أن تباهي باللغة العربية فعندها ستكون أكثر تألقا هذا هو إحساسي.
ـ كيف ترى خصوصية العربية مقارنة مع الفارسية والإنجليزية وغيرهما؟
ـ يتكون جمال اللغة من عنصرين أولهما: الشكل، والصياغة، وتركيب اللغة، والكيمياء، والبلاغة، والقواعد ومفاتن الصرف والنحو، فهناك جانب جمالي مدهش، والعنصر الثاني ـ الجمال الثاني ـ اللصيق للجمال الشكلي البنيوي هو جمال المضامين كالشعر العربي في كافة الحقب والقرآن وابن المقفع وابن خلدون وطه حسين. ما قدمته العربية من معان وقيم ومضامين يترك أثراً عظيماً بالنفس. هذا الامتداد والعمق الإبداعي الرائع من الشعر الجاهلي مرورا بالقرآن الكريم إلى نجيب محفوظ يستحق أن نحبه.
وقدر لهذا الإبداع في المضامين والمعاني أنه تحتويه لغة مدهشة في ثرائها وبهائها وفي رحابتها، فهي أرحب لغة في العالم وتشمل ملايين الاشتقاقات ربما تبلغ ثمانية ملايين وهذا غير متوفر في أية لغة أخرى في العالم تماماً كما يتحدثون عن العروض ويعتبرونها قيوداً، لكنني اعتبرها أجنحة حرية إذا استوعبتها تحلق بك في آفاق لا تحلم بها لا قصيدة النثر، ولا قصيدة التفعيلة فهذه أجنحة خارقة بجبروتها والسؤال ما هو مدى استيعابنا للبلاغة، للعروض وللصرف والنحو والشعر وإبداعات الفلاسفة إلى جانب القرآن الكريم. حتى تكتشف روعة هذه اللغة يجب أن تطلع على القرآن الكريم وعلى ابن رشد وابن خلدون وابن المقفع وفي هذا اللقاء الرائع بين الخيالي والواقعي وبين الروحي وبين المادي وبين الفلسفي والشعري والأسطوري فلا أتخيل ألف ليلة وليلة إلا باللغة العربية فقد ترجمت لكل لغات الأرض ولكن لن يكون لها سحرها العربي في أية ترجمة”.
ـ وما هو البلد العربي الذي يشعر به سميح القاسم بالراحة تجاه لغة المتحدثين به وحافظ على سلامة اللغة؟
ـ سوريا من دون شك، فقد اتخذت قراراً مهماً مؤخراً بتجنب اللافتات والملصقات المكتوبة بلغات أجنبية تكتب بحروف أكبر من الحروف العربية وبالفصحى وهذا ينسجم مع الروح الفصحى للشعب السوري، وفي لبنان أيضا توجد فصحى.
ـ أعلن عن نية نواب في الكنيست نزع الرسمية عن العربية في “إسرائيل” فهل ترجح نجاحهم؟
ـ للأسباب السياسية ذاتها التي دفعت مؤسسي “إسرائيل” لاعتبار العربية لغة رسمية لن يقدم البرلمان “الإسرائيلي” على خطوة حمقاء، متطرفة ومتشنجة بهذا المقدار لأن ذلك يعني اعترافاً رسمياً تشريعياً بعنصرية الدولة اليهودية. لا يعقل أن يحرم خمس السكان من اعتبار لغتهم لغة رسمية”.
ـ العربية تعتبر في “إسرائيل” اليوم لغة رسمية لكنها مغيبة في الحياة اليومية والمؤسسات والمرافق العامة؟
ـ من دون شك نحن للأسف الشديد ذهبنا أحيانا لمواقف استعراضية أحيانا كأن يلقي بعض نوابنا خطاباً في الكنيست بالعربية ولا بأس بذلك فهذه لسعة أو لفتة نظر لكن المطلوب أكثر من ذلك بكثير نحو تكريس رسمية اللغة العربية في الحياة اليومية في دوائر الحكومة وصناديق المرضى والمصارف والطرقات والأماكن العامة.
ـ هناك من يعتبر استخدام فلسطينيي 48 مفردات عبرية في تخاطبهم اليومي خطرا داهما على العربية اليوم؟
ـ يوم كنا أقوياء سمحنا بضخ دم جديد للغتنا الرائعة والمدهشة وفي أيام الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا مثلاً تشكل تهديد للوعي والروح العربية من خلال “فرنسة” التعليم والإعلام والحياة اليومية ولولا القرآن الكريم لكان وضعنا في شمال إفريقيا مأساوياً وغير معقول. هنا في بلادنا هناك هجوم على الثقافة العربية لأنه هجوم على الذاكرة العربية والانتماء والوعي أيضا لكن في الوقت نفسه لست مسكونا بحالة رعب “برانويا” لأن الثقافة العربية تبقى بعمقها وامتدادها أقوى بكثير من الثقافة “الإسرائيلية” وبمثل ما تدخل ألفاظ من العبرية إلى العربية هناك قواميس للألفاظ العربية التي دخلت العبرية. اعتقد أن الألفاظ العربية الداخلة للعبرية وأصبحت جزءا من قاموسها أكبر بكثير من المفردات العبرية الداخلة للحياة العربية وغير قائمة في قواميسنا على الإطلاق. لا يوجد خطر أن تقتحم كلمات عبرية القاموس العربي وحتى إن حصل ذلك فإن “الصودا الكاوية” التي اسمها اللغة العربية ستذيب كل شيء وتعربه لذا لست خائفا من هذه الناحية. لن تنشأ بين عرب هذه البلاد ولا في الوطن العربي لغة “لادينو” أو “الإيديش” أو “الجبريش” أي لغة ثالثة لا اليوم ولا بالغد
المصدر : دار الخليج |