تجمعات شعبية سورية ترحيبا بقدوم وزير الخارجية ومدير الإستخبارات الخارجية الروسية إلى دمشق قوات الأمن السورية تواصل ملاحقة الإرهابيين أوباما يقول أن التفاوض مع الحكومة السورية لا زال ممكنا الإضطرابات الشعبية في مصر متواصلة، وأحياء جديدة في القاهرة تشهد اضطرابات الإخوانيون والسلفيون يتهمون شباب الثورة في مصر بأنهم "بلطجية" اتفاق بين مشعل وعباس تحت "رعاية" أمير قطر على تشكيل حكومة مشتركة برئاسة عباس أنباء عن انقسامات في حماس وفتح بسبب اتفاق الدوحة الأسير الفلسطيني عدنان خضر يتحدى الإحتلال الصهيوني ويواصل إضرابه عن الطعام منذ 17 كانون الأول الماضي مسلحون يقتحمون مخيما للاجئين ليبيين في طرابلس ويقتلون عددا من المدنيين "إسرائيل" تقرر إنشاء سكة حديد تربط المتوسط بالبحر الأحمر أوباما يقرر إغلاق السفارة الأميركية في دمشق، وحكومة لندن تتبعه الشيخ حافظ سلامة : "الدنانير والدولارات والريالات التي تتدفق على مصر وراء تحريك العنف للنيل من الثورة" المعارضة البحرينية بدأت أسبوع احتجاج من أجل الإصلاح السياسي الحكومة الكويتية قدمت استقالتها عقب الإنتخابات النيابية، وحكومة جديدة خلال اسبوعين الجيش الإيراني أجرى مناورات لصد هجمات معادية وكشف عن اسلحة جديدة لديه تظاهرات في هولندا احتجاجا على زيارة بنيامين نتنياهو فيدل كاسترو نشر كتابا جديدا في هافانا عن "مرحلة حرب العصابات" روغوزين : مؤتمر ميونيخ فشل في إيجاد تسوية حول نظام الدفاع الصاروخي الأوروبي، وروسيا بناء نظام مماثل الشرطة الأميركية قمعت اعتصام حركة "احتلوا وول ستريت" في واشنطن وقامت بطرد المعتصمين وتدمير مخيمهم      
الميول الاستراتيجية في قضايا الأمن الدولي لعام 2010 (رؤية ألمانية) 1-3

نظرة شاملة على العالم في عام 2010: كان عام 2009 عامَ أزمة. وهذا ينطبق على التحديات المالية بقدر ما ينطبق على التحديات في مجالات الطاقة وانتشار الأسلحة وغيرها من القضايا الأمنية الملحّة. وبالانتقال إلى عام 2010، نلاحظ أن هناك تبايناً متزايداً بين حجم الأزمات العالمية والردّود السياسية التي أفرزتها هذه الأزمات. فالأفكار المبتكرة إما أنها غابت كما في حالة السياسة الخارجية الأمريكية، أو أنه تبين أن تنفيذها عملية صعبة. ومع انتقال القوة من الغرب إلى الشرق بالتدريج، بات التوصل إلى حلول ناجعة للمسائل التي تتعلق بالحكم على الصعيد العالمي معقداً أكثر من أي وقت مضى.

برز ميلان أساسيان في صياغة الشؤون العالمية مؤخراً (عام 2009). الميل الأول هو الأزمة المالية والتراجع الاقتصادي الدولي الذي طال دولاً وتوازنات القوى الإقليمية في مختلف أنحاء المعمورة. وفي حين تباينت هذه التأثيرات بدرجة كبيرة، بيد أن أخطر عواقب الأزمة المالية من وجهة نظر استراتيجية هو تأثيرها المتسارع في انتقال القوة على المدى البعيد من الغرب إلى الشرق، وإلى الصين على الخصوص. صحيح أن قضية الإرهاب الإسلامي والردّ الأمريكي عليه استحوذ على أغلب الانتباه في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لكنّ الأزمة المالية كشفت وجود تشتت جاري ومتنامٍ للقوة نتيجة للعولمة. ولا بدّ وأنه سيكون لهذه العملية وقع عميق على العالم. وستصبح الحاجة إلى تكيّف النظام الدولي بحيث يستوعب الصين والاقتصادات الناشئة الأخرى ملحّة على نحو متزايد مع تحوّل المكاسب الجيوسياسية إلى رأس مال جيوسياسي على المدى البعيد.

والميل الثاني هو أن السياسة الخارجية الأمريكية شهدت عملية إعادة صياغة هامة في ظل باراك أوباما الذي تولّى الرئاسة في كانون الثاني 2009.

صحيح أنه لا يزال للإرهاب الإسلامي والحربين اللتين خلّفهما الرئيس السابق جورج بوش أولوية قصوى في الأجندة الأمنية لأوباما، لكنّه تخلى عن مفهوم "الحرب على الإرهاب"، وبذل جهوداً للتواصل مع العالم الإسلامي، وحوّل الانتباه من "الحرب بالاختيار" في العراق، إلى "الحرب العادلة" في أفغانستان. وفيما يتعلق بانتشار الأسلحة النووية، اقترح أوباما مقاربات جديد أيضاً، مركّزاً على سياسة قائمة على الحوار مع إيران، والسعي لتعزيز ضوابط منع الانتشار من خلال التزام أمريكي قوي بنزع الأسلحة النووية. كما أنه بنعته نفسه بأنه "أول رئيس لأمريكا من الباسيفيك"، يكون قد شرع في إكمال شبكة حلفاء الولايات المتحدة التقليدية التي يهيمن عليها الغربيون بعلاقات أقوى مع الصين ومع القوى الناشئة الأخرى في الشرق، مع تجسير العلاقة مع روسيا في الوقت نفسه. وبدرايته الجيدة بمحدودية قوة الولايات المتحدة في العالم الناشئ المتعدد الأقطاب، جعل من حل المشكلات بطريقة تعاونية ركيزة سياسته الخارجية. على أنه برغم أن أوباما أطلق العديد من العمليات والتطورات الجديدة خلال سنته الأولى في الحكم، لم تحقق استراتيجياته نتائج جوهرية تتناسب مع المصالح الأمريكية.

ينبغي أن نشير إلى تطورات رئيسية أخرى تجاوزت هذين الميلين الرئيسيَّين وتأثرت بهما جزئياً، ثلاثة منها تتعلق بالتحديات التي تواجه ممارسة الحكم على الصعيد العالمي:

1
فلا يزال أمن الطاقة يكتسب أهمية في الأجندة السياسية، مع اتساع الهوة بين المنتجين والمستهلكين، وكذلك داخل كل من هذه المعسكرين.
2
وبات هناك اعتراف متنامٍ بالتغير المناخي باعتباره قضية عالمية خطيرة، لكن مع غياب أي نظام دولي فاعل للتعامل معه على المدى المنظور بسبب اختلاف القوى الرئيسية على الأولويات والمسؤوليات والتدابير الملموسة.
3
ثالث هذه التحديات هو "أزمة إدارة الأزمات" المتفاقمة في سياق التعامل مع الصراعات العنيفة. فضعف الإرادة السياسية، والعجز المؤسساتي، ونقص الإمكانات العملانية هي المشكلات الرئيسية. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن تلمّس تطورات إقليمية معيّنة ستبقى على الأرجح في صدارة الأجندة السياسية في سنة 2010 في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وآسيا.

سنستعرض في هذا الفصل مراجعة موجزة لكافة هذه التطورات. ثم نعاين في الفصول التالية بمزيد من التفصيل الميول الاستراتيجية الرئيسية الخمسة في سنة 2010 كما حددها مركز الدراسات الاستراتيجية. يحلل الفصل الثاني التأثيرات الجيوسياسية للأزمة العالمية، ويستعرض الفصل الثالث سياسة أوباما الخارجية في أفغانستان وفي الشرق الأوسط، ويقيّم الفصلُ الرابع الصلة بين منع انتشار الأسلحة ونزع الأسلحة، ويعاين الفصل الخامس الشعور القومي المتفشي الذي يجتاح أجزاء واسعة من العالم، ويتحدث الفصل السادس أخيراً عن أزمة إدارة الأزمات. [المترجم: الترجمة كانت انتقائية من هذا الكتاب فتم ترجمة كل من الفصل الأول والثالث والسادس فقط .]

يُظهر هذا الاستعراض الشامل والفصول التالية أن الصورة الاستراتيجية الحالية متلازمة في الأغلب مع حسّ عميق بوجود أزمة. لكن في حين يوجد الكثير من الكلام عن الحاجة إلى التغيير، من النتائج التي توصل إليها هذا الكتاب أن الحكومات تتبنّى ردوداً سياسية تقليدية في الأغلب. فالأفكار المبتكرة إما أنها غائبة كما في حالة السياسة الخارجية الأمريكية، أو تبين أن تنفيذها عملية صعبة بطرق تغيّر الوضع الراهن فعلاً. ومع تزايد تعقيد السياسات العالمية، ازدادت القوة تشتتاً، وهو ما يجعل التوصل إلى استراتيجيات مقنعة للتعامل مع أزمات سنة 2010 أكثر تطلباً.

 

الميلان الرئيسيان في عام 2009

يمكن القول بأن الأزمة المالية وإعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية شكّلا المَيلين الاستراتيجيَّين الحديثَين الأكثر بروزاً. ذلك أنه منذ أن أطلقت وال ستريت شرارة الأزمة المالية، يمكن المجادلة بأن الولايات المتحدة تقف في صلب كِلا المَيلين. وهذا يفسر جزئياً سبب وجود مستوى عالٍ من التفاعل بينهما. لكن قبل أن نعاين الأزمة المالية والتغيرات في السياسة الخارجية الأمريكية بمزيد من التفصيل، يجدر بنا إلقاء نظرة خاطفة على هذا التفاعل أولاً.

كان للأزمة المالية من ناحية تأثير كابح للسياسة الخارجية لأوباما. صحيح أن الرئيس الأمريكي الجديد وضع أجندة طموحة للسياسة الخارجية، بيد أن معالجة الأزمة المالية والشروع في إصلاحات داخلية استحوذت على جزء كبير من اهتمامه خلال سنته الأولى في الحكم. وبالإضافة إلى ذلك، تعمل نتائج الأزمة المالية، مثل العجز المالي المتفاقم، وانشغال الناخبين بالقضايا المحلية، والتحولات المتسارعة للقوة نحو الشرق، على إضعاف قدرة الولايات المتحدة على مواصلة العمل كضامن للأمن العالمي. وقد نتج عن كل من التوجه نحو مزيد من التعاون وتبنّي سياسة خارجية أمريكية جامعة قرار استراتيجي بزيادة سريعة في عدد الجنود في أفغانستان، لكنّ البدء بسحبهم في وقت مبكر في منتصف سنة 2011 يعكس جزئياً على الأقل إدراك أوباما للمحدودية المتأصلة في قوة الولايات المتحدة اليوم.

ومن ناحية أخرى، كان للطريقة التي عالجت بها الولاياتُ المتحدة الأزمةَ المالية دور كبير في عدم تحوّل التباطؤ الاقتصادي إلى ركود عالمي شديد، حيث أدت إجراءات تثبيت الاستقرار عملها بشكل جيد. ولو أن وال ستريت استعدت من بداية الأزمة المالية، للعبت واشنطن دوراً كبيراً في تخفيف حدتها. لكنّ حزم الإنقاذ المالية التي خُصصت للمصارف والرزم التحفيزية الضخمة التي بلغت 787 مليار دولار، إلى جانب الرزم التحفيزية الضخمة التي أُنفقت في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاقتصادات الناشئة، حققت عائدات على صعيد النمو في العديد من الاقتصادات مع نهاية سنة 2009. ولا يزال السؤال مطروحاً عن مدى مساهمة هذا التطور الإيجابي في حمل الولايات المتحدة والحكومات الأخرى على اختيار تجاهل تطميناتها السابقة بإعادة كتابة القواعد التي تفصل بين السياسة والسوق وإعادة هيكلة النظام المالي العالمي

الأزمة المالية

شهد العالم في السنتين المنصرمتين أعنف أزمة مالية منذ الكساد الكبير. فبعد أن انطلقت شرارة الأزمة بفعل فورة سوق الإسكان بالولايات المتحدة، وقعت أزمة خانقة طالت سوق الائتمان، والرساميل، والثقة في القطاع المصرفي، وهو ما زاد من حدّة التراجع الاقتصادي الذي كان قد بدأ أصلاً. وكانت النتيجة ركوداً عالمياً تميّز بتراجع ملحوظ في النشاط الاقتصادي، وارتفاع نسبة البطالة، وتراجع حادّ في التجارة العالمية، وانخفاض شديد في ثروات المستهلكين وطلبهم. وبحسب تقديرات حديثة، انكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 8 في المئة بسبب الأزمة، وهو التراجع الأشد منذ الحرب العالمية الثانية.

عكست الأزمة المالية والتراجع الاقتصادي مدى ترابط الاقتصاد العالمي في مستهل القرن الحادي والعشرين والمخاطر ونقاط الضعف التي تصاحب النظام الاقتصادي العالمي المتحرر من القيود. تجدر الإشارة إلى أن العديد من الدول الفقيرة التي لم تملك القدرة على التخفيف من تأثيرات الأزمة كانت الأشدّ تضرراً. وعلى الرغم من أن أغلب الاقتصادات الناشئة عانى من بعض الرضوض، فقد أثبتت أنها كانت أكثر مرونة منها في أزمات الركود السابقة. وهنا، يبرز الاقتصاد الصيني بتعافيه السريع على الخصوص من الأزمة، بحيث يُتوقَّع أن يقفز معدل نموه فوق عتبة التسعة في المئة وأن يشكل أكثر من 25 في المئة من النمو الاقتصادي العالمي في سنة 2010

تميّزت الدول الغربية على الخصوص بنشاطها في إدارة الأزمة وفي توظيف المال العام لكبح التراجع الاقتصادي. على أن العديد من هذه الدول يواجه مستقبلاً مروّعاً بما أنها تواجه الآن عجزاً كبيراً في الميزانية وارتفاعاً شديداً في مستويات الاستدانة في حين يبقى الطلب الاقتصادي هشاً ومعتمداً على التدخل الحكومي. لذلك، تعزز الأزمةُ المالية الميل البعيد المدى لتحول القوة الجيوسياسية من الغرب إلى الشرق. وباتت الصين مهيأة لمواصلة ارتقائها بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً، بشرط أن تتمكن من التعامل مع تحدياتها الاجتماعية الاقتصادية المحلية الهائلة. وبرغم أن الصين لا تزال بعيدة جداً عن تخطي الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، فسوف تتجاوز اليابان لتصبح صاحبة أكبر اقتصاد في العالم في سنة 2010. ويُتوقع أن تحقق اقتصادات آسيوية ناشئة أخرى، مثل الهند وإندونيسيا، المزيد من المكاسب على حساب الغرب أيضاً. كما ستواصل قوى مثل البرازيل زيادة حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مما يدفع العالم أكثر نحو اقتصاد متعدد الأقطاب في المستقبل.

يوجد حاجة إلى تكييف المخططات التوجيهية العالمية العائدة إلى القرن العشرين مع الحقائق الجيواقتصادية والجيوسياسية المتغيرة. وما من شك في أن البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي ومجلس الأمن الدولي سيرزحوا تحت مزيد من الضغوط للتغيير، لكنّ التحول الحقيقي الذي نشهده إلى الآن هو من مجموعة الدول الثماني إلى مجموعة الدول العشرين بوصفها المنتدى الاقتصادي العالمي المهيمن. وبرغم أن مجموعة الدول العشرين لا تزال حيوية في تنسيق الردّ قصير المدى على الأزمة، فقد فشلت في التوصل إلى إجماع على إصلاح النظام المالي الدولي. وبما أنه يُستبعد أن تُترجَم الشرعية الكبيرة إلى فاعلية كبيرة، من المحتم أن تلعب مخططات توجيهية أخرى، ذات عضويات متباينة تميل إلى التركيز على قضايا معيّنة، دوراً هاماً. وتقدم لنا المشاورات التي جرت بين الدول الخمس وهي الولايات المتحدة والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا حول السياسة المناخية مثالاً جيداً على ذلك. وبالمقابل، تبدو المحادثات الثنائية غير الرسمية بين واشنطن وبيجين، التي احتلت الصدارة في التوجيه العالمي، سابقة لأوانها.

إعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية

كان الميل الرئيسي الثاني لتحول السياسة الخارجية الأمريكية أكثر تأثراً بالدول منه بالأزمة المالية. لقد فاز باراك أوباما بالرئاسة بناء على برنامج سياسي يعِد بالتغيير. وعندما تولّى الحكم، بادر إلى إعادة توجيه السياسة الخارجية الأمريكية، مكيّفاً إياها مع بيئة متغيرة، ومعلناً القطيعة لإرث سيء السمعة تركه سلفه جورج دبليو بوش.

يواجه أوباما تحديات عويصة في السياسة الخارجية. فعلى صعيد الحربين اللتين ورثهما من بوش، يتميز العراق بتحسن وضعه الأمني، لكن بمستقبل سياسي محفوف بالكثير من الشكوك، في حين أن الوضع في أفغانستان تدهور بشكل خطير في السنين الأخيرة.
 
ولا يزال الإرهابيون الإسلاميون يشكلون تهديداً خطيراً لأمن الولايات المتحدة بعد أن أثبت تنظيم القاعدة مرونة في العثور على ملاذات آمنة جديدة وبعد أن نجح في تحويل نفسه من تنظيم إلى حركة إيديولوجية قوية تُلهم الشبكات الجهادية الأخرى بالإضافة إلى الإرهاب المحلي.

والمحاولة التي قام بها "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، وهي جماعة تتخذ من اليمن والسعودية قاعدة لها، لتفجير طائرة ركاب أمريكية في المجال الجوي الأمريكي في كانون الأول 2009 مؤشر على الخطورة الباقية للتحدي الإرهابي وعلى الصعوبات المستمرة التي تواجهها الولايات المتحدة في محاولة إقرار سياسات فاعلة لمكافحة الإرهاب.

وفيما يتعلق بانتشار الأسلحة النووية، حافظت إيران وكوريا الشمالية على موقفهما المتحدي للدعوات التي أطلقها مجلس الأمن الدولي لوقف كافة النشاطات النووية، ولنزع الأسلحة النووية في حالة بيونغ يانغ. وفي هذا الصدد، واصلت طهران تخصيب اليورانيوم، وشيّدت سراً منشأة معالجة أخرى تصدّرت عناوين الأخبار الدولية في أيلول 2009.
 
كما أجرت مزيداً من التجارب الصاروخية. وجددت كوريا الشمالية التأكيد على مكانتها كدولة تملك أسلحة نووية في كانون الثاني 2009 ورفضت بعد ذلك أي ربط بين مسألة تطبيع العلاقات الدبلوماسية الأمريكية- الكورية الشمالية ونزع الأسلحة النووية، لكنها عادت وتراجعت عن هذه السياسة ودعت إلى إجراء مفاوضات جديدة في مستهل سنة 2010.
 
وفي هذه الأثناء، أطلقت صاروخاً بالستياً متعدد المراحل في نيسان 2009، وأجرت تجربة نووية ثانية في أيار، وأطلقت صواريخ قصيرة المدى في تشرين الأول. القاسم المشترك بين إيران وكوريا الشمالية هو أن كلتا الدولتين تقدّم تنازلات بين الحين والآخر لكسب مزيد من الوقت، لكنها تعمد إلى التخلي السياسي عن هذه الاتفاقات لكسب موقع أفضل.

 
جدول رقم 1: تأثير أوباما: تصنيف تقدير الولايات المتحدة بالنسب المئوية

 

 2002

 2005

2007 

 2009

 بريطانيا

 75

 55

 51

 69

 فرنسا

 62

 43

 39

 75

 ألمانيا

 60

 42

 30

 64

 إسبانيا

 -

 41

 34

 58

 روسيا

 61

 52

 41

 44

 تركيا

 30

 23

 9

 14

 الأردن

 25

 21

 20

 25

 فلسطين

 -

 -

 13

 15

 إسرائيل

 -

 -

 78

 71

 الصين

 -

 42

 34

 47

 باكستان

 10

 23

 15

 16

 نيجيريا

 79

 -

 70

 79

المصدر: بركز بيو للبحوث

ورث أوباما أيضاً توترات شديدة في العلاقات مع روسيا، فالعلاقات مع الصين لم تكن خالية من التوتر هي الأخرى باعتبار أن بوش رأى في بيجين منافساً استراتيجياً وأزعج القيادة الصينية على نحو متكرر بتعليقاته الخاصة بتايوان والديمقراطية وحقوق الإنسان. وعلى رأس كافة هذه التحديات، وصلت سمعة الولايات المتحدة إلى الحضيض عندما تولى أوباما الرئاسة.

سعى أوباما لمواجهة كافة هذه التحديات باعتماد أسلوب جديد في السياسة الخارجية وتبنّي العديد من الاستراتيجيات الجديدة. على صعيد الأسلوب، يتبنّى في السياسة الخارجية مقاربة تعاونية جامعة تشدد على قيم الدبلوماسية والمسؤولية المشتركة. فبدلاً من فرض الحلول على الآخرين، كرر الدعوة إلى "مرحلة جديدة من المشاركة مع العالم بناء على المصالح المتبادلة وعلى الاحترام المتبادل"، مصوّراً الولايات المتحدة كشريك بدلاً من قائد متسلّط. وبتبنّيه موقفاً واقعياً براغماتياً، دعا إلى محاورة الأنظمة العدائية عازماً على منحهم بديلاً عن العزلة.
 
كما زاد في التشديد على المؤسسات متعددة الأطراف، باعتباره أول رئيس أمريكي يترأس اجتماعاً لمجلس الأمن الدولي في 24 أيلول 2009، وإعلانه انضمام الولايات المتحدة إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ودعوته إلى استئناف مشاركة الولايات المتحدة في التعددية الإقليمية في شرق آسيا. كما أنه طرأ تغيير على النبرة وعلى الرمزية. فقد استبدل الرئيسُ الأمريكي عبارة "الحرب على الإرهاب" الباعثة على الاستقطاب بخط يميل إلى مزيد من التصالح، وتطلّع إلى تقويم انتهاكات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة فيما يتعلق بطرق الاستجواب. وتقرر إغلاق معتقل غوانتنامو في غضون عام، برغم أن عقبات قانونية وأخرى سياسية أخرت إغلاقه إلى سنة 2011 على أقل تقدير.

وفيما يتعلق باستراتيجيات السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة التي أوضحها أوباما في سلسلة من الخطابات الممنهجة في براغ والقاهرة وطوكيو وكلّية وست بوينت، كان سريعاً في الوفاء بوعدين انتخابيَّين هامّين هما إعادة تركيز الجهود الأمريكية في مكافحة الإرهاب على قتال القاعدة، وإعطاء الأولوية لأفغانستان وباكستان بدلاً من العراق.
 
وكانت الزيادة في أعداد الجنود في أفغانستان أهم قرار يتخذه حتى هذه الساعة، لأنه وضع قتال طالبان والقاعدة في هندوكوش في قلب السياسة الخارجية الأمريكية وجعل منه أكبر خطر يعترض سياسته الخارجية. وفي حين تميّزت سياسة أوباما في العراق بالاستمرارية بدلاً من التغيير مقارنة بفترة بوش السابقة، تبنّى دوراً أكثر حيادية وحزماً كوسيط في الصراع العربي الإسرائيلي، على الرغم من القدرة المحلية المحدودة على صنع السلام في كل من إسرائيل وفلسطين.

وفيما يتعلق بتحدي الانتشار النووي، عوّل أوباما كثيراً على طرح سياسة جديدة قائمة على محاورة إيران. لكنّ أفق التقدم في المسألة النووية ضاق مجدداً في الشهور الأخيرة في أعقاب أعمال الشغب التي اندلعت في إيران بعد إجراء الانتخابات هناك، وإصرار قيادتها على التشدد في مسألة برنامج تخصيب اليورانيوم. وفي حين أولت الإدارة الأمريكية قدراً ضئيلاً من الاهتمام لكوريا الشمالية إلى الآن وأنها بدت في حالة عدم اليقين حيال الطريق الذي ينبغي سلوكه بعد أن انسحبت بيونغ يانغ من محادثات الأطراف الستة، تمكنت الإدارة بصعوبة من فرض عقوبات أممية أشد في حزيران 2009.

وفي نفس الوقت، تركت الباب مفتوحاً أمام المفاتحة مع الشروع في محادثات ثنائية أولية رفيعة المستوى في عهد أوباما بتاريخ كانون الأول 2009.

تلقت الجهود الرامية إلى تقوية نظام منع انتشار الأسلحة النووية دفعاً قوياً بإعادة أوباما مسألة نزع الأسلحة النووية إلى الأجندة الدولية وجعلها حجر الزاوية في سياسة منع الانتشار الأمريكية. ربما كانت تدابير مثل المعاهدة الجديدة المقترحة مع روسيا لإجراء مزيد من التخفيضات للترسانات النووية الاستراتيجية، وإعلان أوباما عن الرغبة في مصادقة الولايات المتحدة على معاهد الحظر الشامل للتجارب النووية، ومساندته لحظر كافة الأسلحة النووية التي قد لا تشجع على تغيير في سياسات إيران أو كوريا الشمالية وربما لا يكون لها تأثير فوري في الأمن النووي. لكنها ستوفر مزيداً من المصداقية للجهود الأمريكية الرامية إلى تعزيز معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في مؤتمر الاستعراض الذي سينعقد بنيويورك في أيار 2010، وربما تساعد واشنطن على حشد دعم دولي واسع النطاق لاتخاذ إجراءات أشدّ في حقّ طهران وبيونغ يانغ.

تجدر الإشارة أيضاً إلى تغييرين في السياسة يتعلقان بالصين وروسيا. تسعى السياسة الجديدة التي تتبعها إدارة أوباما مع الصين، والتي أُطلق عليها "الطمأنة الاستراتيجية"، للتعامل مع بيجين كشريك عالمي وتشدد على مزايا بروز الصين وعلى الأفق الاقتصادي للتعاون الصيني الأمريكي. ربما لا زلنا بحاجة إلى الانتظار ريثما تظهر حسنات "الحوار الاستراتيجي والاقتصادي" الثنائي، وما من شك في أن اللغة التصالحية التي اعتمدها أوباما أثناء زيارته للصين في تشرين الثاني 2009 قوبلت بالترحيب في بيجين.
 
كما أنه يتم "إعادة ضبط" العلاقات مع روسيا بناء على عدة لقاءات ثنائية عقدها الرئيسان أوباما ودميتري مدفيديف، وعلى المفاوضات المتجددة على ضبط التسلّح، وعلى قرار الولايات المتحدة بإلغاء المكونات الأوروبية الشرقية في خططها الخاصة بالدرع الصاروخي. لكن وكما العلاقات الصينية الأمريكية، لا زلنا في حاجة إلى معرفة مدى تحوّل الأجواء المتحسنة مع موسكو إلى تعاون سياسي ملموس في القضايا الدولية الرئيسية مثل الانتشار النووي ووقف الصراعات الإقليمية، حيث تبرز إيران وأفغانستان كاختبارين رئيسيَّين في سنة 2010.

إن تقييماً عاماً لسياسة أوباما الخارجية بعد مرور سنة على تولّيه منصبه يشير إلى تحقيق نتائج مختلطة. فما من شك في أنه نجح في تحسين صورة الولايات المتحدة إلى حدّ بعيد وفي تعزيز مقدّرات "القوة اللينة" لضمان قدرة واشنطن على ممارسة قيادة فاعلة في معالجة المشكلات العالمية. لكن على الرغم من الاستراتيجيات الواعدة الرامية إلى المواءمة بين مصالح الولايات المتحدة وقدراتها الفعلية، فشل في تحقيق نتائج ملموسة. وما من مثال يمكن أن يتجلّى فيه ذلك مثل الشرق الأوسط وأفغانستان وباكستان، وهي المناطق التي تظلّ مقاييس حاسمة في قياس نجاح سياسة أوباما الخارجية قبل استطلاعات الرأي التي ستُجرى في منتصف ولايته، وفي الانتخابات الرئاسية القادمة بالطبع (راجع الفصل الثالث). وستُظهر الشهور القادمة إن كان في استطاعة أوباما تطبيق بعض من مفاهيمه التي فاز بجائزة نوبل للسلام بناء عليها. لكنّ العقبات التي تعترض التقدم تبقى منيعة.

الميول الاستراتيجية في قضايا عالمية

إلى جانب الأزمة المالية والتحولات الاقتصادية الهيكلية التي تلتها والتغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية الأمريكية، أمكن تمييز ميول أخرى هامة في السنة المنصرمة فيما يتعلق بكل من القضايا العالمية والتطورات الإقليمية. وسنبدأ بالقضايا العالمية حيث برزت ميول ثلاثة تجدر الإشارة إليها وتتعلق بالعجز المتنامي في التوجيه العالمي في ميادين أمن الطاقة، والتغيّر المناخي، وإدارة الأزمات في الصراعات العنيفة. فيما يتعلق بسياسة الطاقة، أصبحت أسواق النفط شديدة التقلب إلى حدّ بعيد مؤخراً، ملحقة أضراراً جسيمة بالمصدّرين والمستهلكين على حدّ سواء. فالانقسامات حول "قواعد" الوصول إلى مصادر الطاقة وحول توجّه الأسواق في الشرق وفي الغرب تزداد حدّة في معسكر المستهلكين.

والمنتجون منقسمون فيما بينهم أيضاً حيث يشكل السعر العنصر الأساسي في النزاع. وربما الأهم من ذلك أن تأميم الموارد عاد إلى البروز من جديد بعد تمكّن المنتجين من الإمساك بالسلطة عندما هوت أسعار النفط. وسيرغبون الآن في التأكد من أن الكلفة الجيواستراتيجية لاستخراج النفط متوافقة مع الحقائق المصاحبة للكلفة السياسية للبقاء. ربما سيتطلب وصول الأسعار إلى مستويات مرتفعة بعض الوقت، لكن "الأسس" السياسية لا تبشرّ المستهلكين بالخير.

يبقى العنصر الأساسي في سياسة الطاقة وهو توفير الاستقرار اللازم لكي يوظّف القطاعُ الخاص استثمارات كبيرة. وهذا ينطبق على أسواق الطاقة الأوروبية التي يُفترض أنها متحررة، لا على أسواق النفط الآسيوية الرئيسية فقط. وما من مرّة سعى فيها الاتحاد الأوروبي لتنويع مصادر الطاقة بهدف التقليل من الاعتماد على روسيا، كما في حالة خط الأنابيب نابوكو "الذي لا يزال في طور الإنشاء"، إلاّ وتمكنت موسكو من التدخّل بين الدول الأعضاء وبروكسل عبر استمالتهم إلى التوقيع على عقود إمداد طويلة الأجل. وخط الأنابيب نورد ستريم، الذي صُمم ليلتفّ حول بولندا عن قصد من أجل إمداد الأسواق الألمانية، آخر الأمثلة على هذه المقاربة وأشدّها حساسية.
 
وبعد أن يكتمل بناؤه، سيسهّل على روسيا أيضاً قطع إمداداتها انتقائياً عن أوكرانيا بدون أن يؤثر ذلك في الإمدادات المتجه إلى الدول الأوروبية الأخرى. فلا عجب إذن من أن شركات الطاقة والدول الرئيسية المنتجة لا تزال تتطلّع إلى أكبر العطاءات السياسية لكي تضع رهاناتها بدلاً من مجرّد التركيز على بيانات ميزانياتها.

جدول رقم 2: التغيّر المناخي: الالتزامات بخفض الانبعاثات

 الدولة

 الالتزام المعلَن عنه بحلول سنة 2020

النسبة المئوية
للانبعاثات
الكربونية في
العالم عام 2007

الصين

تخفيض مستويات شدّة * الكربون لسنة 2005 بنسبة 40-45 في المئة

 20.97%

الولايات المتحدة

 تخفيض مستويات الانبعاثات الكربونية لسنة 2005 بنسبة 17 في المئة

 19.92%

الاتحاد الأوروبي

 تخفيض مستويات الانبعاثات الكربونية لسنة 1990 بنسبة 20 (أو حتى 30) في المئة

 13.56%

روسيا

 تخفيض مستويات الانبعاثات الكربونية لسنة 2005 بنسبة 25 في المئة

 5.48%

الهند

 تخفيض مستويات الانبعاثات الكربونية لسنة 2005 بنسبة 20-25 في المئة

 4.57%

اليابان

 تخفيض مستويات الانبعاثات الكربونية لسنة 1990 بنسبة 25 في المئة

 4.27%

كندا

 تخفيض مستويات الانبعاثات الكربونية لسنة 1990 بنسبة 3 في المئة

 1.98%

كوريا الجنوبية

 تخفيض مستويات الانبعاثات الكربونية لسنة 2005 بنسبة 4 في المئة

 1.69%

جنوب أفريقيا 

 تخفيض مستويات الانبعاثات الكربونية بنسبة 34 في المئة 

 1.2%

البرازيل

 تخفيض مستويات الانبعاثات الكربونية (بدون تحديد سنة مرجعية) بنسبة 36.1-38.9 في المئة

 1.2%

سويسرا

 تخفيض مستويات الانبعاثات الكربونية لسنة 1990 بنسبة 17 (أو حتى 30) في المئة

 0.15%

المصدر: وكالة الطاقة الدولية ومصادر إخبارية متنوعة.

ملاحظة
: هذه التزامات معلًنة وليست تعهدات رسمية يراد تسجيلها في الملحق 1 من اتفاقية كوبنهاغن. وهذه اللائحة ليست مسهبة وقد أُعدت في 5 كانون الثاني
2010.
*
شدة الكربون تعني مقدار الكربون المنبعث بالنسبة إلى الإنتاج.


*
تقدم محدود في التعامل مع التغيّر المناخي

ربما كانت الناحية الوحيدة الأكثر إلحاحاً في سياسة الطاقة التي يقترحها القطاع العام، ولكنها غائبة بشكل مطلق ولها علاقة بالتغيّر المناخي، هي توجيه الاستثمارات نحو تكنولوجيات ذات انبعاثات كربونية أقل. شارك أكثر من 100 قائد وطني في مؤتمر كوبنهاغن في كانون الأول 2009، حيث كافحوا للتوصل إلى اتفاقية متابعة لبروتوكول كيوتو الذي سبق أن وضع أهدافاً لخفض الانبعاثات الغازية من البيوت الدفيئة بمشاركة 37 دولة صناعية بين عامي 2008 و2012. وجاءت ثمرة هذه الجهود مختلطة في أحسن الأحوال.

بدلاً من التوصل إلى اتفاقية شاملة وملزمة قانوناً، انتهى مؤتمر كوبنهاغن بإعلان نوايا سياسي اكتفت 193 دولة مشاركة "بالاستماع إليه". وبدلاً من تحديد أهداف محددة لتخفيضات الانبعاثات وإعداد جدول زمني لذلك، لم يوفر اتفاق كوبنهاغن سوى ملحق يمكن للدول أن تسجّل تعهداتها وأعمالها الأحادية الخاصة بخفض الانبعاثات فيه، في انتظار استعراضه وفقاً لطرق لم تُحدَّد بعد. صحيح أنه تضمن إشارات بالفعل إلى تمويل قصير ومتوسط الأجل للتخفيف والتكيّف في الدول النامية، لكنّ هذه الالتزامات ضعيفة ودون مستوى التوقعات.

بالنظر إلى التباين في المصالح بين الدول المتقدمة والدول النامية، وإلى تعددية القضايا التي على المحك، ربما يتبين أن مقاربة كيوتو القائمة على إجراء مفاوضات عالمية على مستوى الأمم المتحدة وإعداد تشريعات انطلاقاً من الأعلى إلى الأسفل لم تعد تشير إلى المستقبل. صحيح أن نموذج تعهدات كوبنهاغن ضعيف، لكنه ضمِن مشاركة الدول النامية على الأقل في محاولة السيطرة على التغيّر المناخي، والتي يُرجّح أن تتطور أكثر من حيث الجوهر في السنين القادمة. ومن المهم أن نشير أيضاً إلى أن الولايات المتحدة ملتزمة الآن بفكرة خفض الانبعاثات الكربونية والترويج للطاقة النظيفة، برغم أن أوباما ربما يواجه صعوبة في إقناع مجلس الشيوخ بالموافقة على قانون لبناء نظام برامج تحفيزية لخفض الانبعاثات الملوِّثة. وكما أدرك الاتحاد الأوروبي، فإن وضع أهداف جذابة من الناحية السياسية في خطة "20/20/20" لخفض الانبعاثات وزيادة مصادر الطاقة المتجددة ورفع الكفاءة شيء، وتحقيق هذه الأهداف شيء آخر.

أزمة إدارة الأزمات

يمكن كذلك أن نلاحظ التعقيدات التي تصاحب إيجاد نظام لحكم دولي قابل للنجاح في ميدان معالجة الأزمات. فبفعل المشكلات المستمرّة في أفغانستان والأزمة المالية التي قلّصت القاعدة التمويلية للعمليات الجارية، بات استجماع الإرادة السياسية للتوصل إلى الردود المناسبة على أزمة إدارة الأزمات المزمنة أصعب من أي وقت مضى. لكنّ الحاجة إلى معالجة هذه الأزمة باتت ملحّة على ضوء الزيادة المستمرّة في طلب إدارة الأزمات في العقد الماضي. وتوظف الأمم المتحدة حالياً نحو من 83000 شخص (عسكري ومدني) في 16 عملية حفظ سلام، في حين يعتبر نشر الناتو لأكثر من 70000 جندي في أفغانستان أكبر عملية وحيدة في العالم. وفي أفريقيا، التي أصبحت محطّ التركيز الجغرافي لإدارة الأزمات، تنشر منظمات إقليمية ودولية حالياً أكثر من 80000 جندي.

وكما سنناقش في الفصل السادس، يمكن التعرّف على ثلاثة تحديات أساسية تواجه إدارة الأزمات بطريقة فاعلة اليوم:

1. 
التحدي الأول هو أن التحول العالمي للقوة نحو الشرق يُطلق ديناميات جديدة في الجدال حول مستقبل إدارة الأزمات، مما يجعل التوصل إلى رؤية استراتيجية واضحة تجاه كيفية التصدي للأخطار التي تهدد السلم والاستقرار حاجة ملحّة.
2. 
التحدي الثاني هو أنه يلتزم توافر تنسيق أكثر فاعلية بين المشرفين المؤسساتيين على إدارة الأزمات من أجل التغلب على مشكلات التداخل، وفقدان الانسجام الاستراتيجي، وهدر الموارد.
3. 
وأخيراً، أضحى بناء قدرات عسكرية ومدنية مناسبة أمراً لا غنى عنه لأن التجهيزات المتوافرة للعديد من العمليات أسوأ من أن تُنفذ في البيئات المعقدة.

الميول الإقليمية في 2010

شهدنا تطورات هامة متعلقة بمناطق معيّنة في العالم. من ذلك أن أهم حدث جرى في أوروبا كان إقرار معاهدة ليزبون في 1 كانون الأول 2009. كانت ذروة عملية مطولة تميّزت بالتوقيع على دستور الاتحاد الأوروبي في سنة 2004، والتصويت ضدّه في كل من فرنسا وهولندا في سنة 2005، والتوقيع على معاهدة معدّلة في ليزبون في سنة 2007، والتصويت ضدّها في أيرلندا في سنة 2008، والتصويت من جديد لصالحها في دبلن. وكانت مصادقة بولندا وجمهورية التشيك في خريف العام 2009 العقبة الأخيرة التي توجب التغلب عليها.

توفر معاهدة ليزبون إصلاحات مؤسساتية تهدف إلى جعل عملية صنع القرار أكثر فاعلية وإلى تقوية دور أوروبا في العالم. لكن يُرجَّح أن ينشأ عن ذلك تشابه دستوري في أدوار كل من الرئيس الدائم الجديد للاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية الجديد للاتحاد، والرئاسة التناوبية للاتحاد بين الدول الأعضاء. وباختيار هيرمان فان رومباي وكاثرين أشتون لشغل المنصبين الرفيعَين الجديدن في الاتحاد، بالكاد أشارت أوروبا إلى نيتها في أن تكون على قدم المساواة مع القوى الدولية الدبلوماسية الرئيسية بالنظر إلى افتقارها إلى الحنكة في السياسة الخارجية.

برغم التوقيع على معاهدة ليزبون، يرجَّح أن يتطلع الاتحاد الأوروبي إلى الداخل ويركز على انتعاشه الاقتصادي في السنين القادمة. وبعد انقسام الدول الأعضاء بشأن كيفية علاج الأزمة المالية، برزت مشكلات جديدة تتعلق بتطابق إجراءات إعادة الاستقرار على المستوى الوطني مع قانون الاتحاد الأوروبي، وبكيفية التعامل بمرونة مع السقف المحدد للعجز في الميزانية البالغ 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ولمّا كان بعض الدول أصيب بأضرار جسيمة على الخصوص بسبب الأزمة، مثل بريطانيا وأيرلندا واليونان ولاتفيا، ظهرت تحولات داخلية في القوى ضمن الاتحاد الأوروبي ربما تضعف الوحدة الأوروبية. وبما أن تبلور حس بالغاية الاستراتيجية المشتركة يظل تحدياً رئيسياً يواجه الاتحاد، على الأرجح أن يواصل التركيز في سياسته الخارجية على مناطق مجاورة له تعاني من أزمات، مع بروز حاجة ملحّة إلى إعطاء زخم جديد لمشاريع هامة مثل الاتحاد المتوسطي والشراكة الشرقية (الذي انطلق في أيار 2009).

الاتحاد الأوروبي بعد معاهدة ليشبونة: بعض التغيرات الهامة
-
انتخاب رئيس جديد للمجلس الأوروبي لمدة ولاية مقدارها سنتان ونصف السنة (يمكن إعادة انتخابه مرّة واحدة).
-
ينبغي لتشكيل مفوضية عليا جديدة للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية وانتخاب نائب رئيس المفوضية الأوروبية تقوية تماسك العلاقات الأوروبية الخارجية وبروزها.
-
تشكيل خدمة العمل الخارجي الأوروبية الجديدة لتوفير الدعم والمساندة للمفوضية العليا.
-
تمديد تصويت غالبية مؤهلة ليشمل نواحي سياسية جديدة وتحديد غالبية مضاعفة مقدارها 55 في المئة للدول التي تمثل 65 في المئة على الأقل من السكان (بدءاً بسنة 2004). وتبقى ترتيبات صناعة القرار الخاصة بسياسة الأمن والدفاع الأوروبية.
-
تمديد العمل بطريقة اتخاذ القرار المشترك بوساطة البرلمان الأوروبي ومجلس الوزراء.
-
إلغاء هيكلية الركائز.


أطلق الناتو عملية إعادة صياغة مفهومه الاستراتيجي في قمته التي انعقدت في ستراسبورغ/كيهل في نيسان 2009 في الذكرى الستين لتأسيسه. وهو سيخوض نقاشات عسيرة في سنة 2010 مع بقاء الانقسامات على حدتها بشأن أولوياته (إدارة الأزمة العالمية في مقابل الدفاع الجماعي)، والعلاقات مع روسيا، وتقاسم الأعباء، وغيرها من القضايا.

 
وربما تتزايد حدة التوترات بشأن المهمة الصعبة في أفغانستان أيضاً، بما أن بعض الدول الأعضاء شرع في صياغة استراتيجيات خروج في حين تطالب الولاياتُ المتحدة بإرسال مزيد من جنود الناتو. وعلى الرغم من أن عودة فرنسا إلى هيكلية القيادة العسكرية المتكاملة للحلف وانضمام ألبانيا وكرواتيا إليه مؤشرات على بقاء أهمية تمسك الدول الأوروبية بالناتو، ستكون الصدوع في أساس الناتو أعمق من أن تلتئم في المستقبل القريب.

برز تطور وطني هام له ارتدادات على أوروبا ويتعلق بالتغيير الحكومي في ألمانيا في نهاية أيلول 2009. وبرغم أنه كان يُتوقع على نطاق واسع أن تؤدي هذه التغييرات إلى زيادة قدرة ألمانيا على التحرك بعد سنين من تسويات "الائتلافات الموسعة"، بدأت الحكومة الجديدة المؤلفة من "الديمقراطيين" و"الديمقراطيين الأحرار" متعثرة. ومع انضمام بعض "الديمقراطيين الأحرار" إلى الدعوات التي أطلقها "الديمقراطيون الاجتماعيون" للانسحاب من أفغانستان، أو الحدّ من المشاركة الألمانية هناك على الأقل، ربما تهيمن هذه القضية على السياسة الخارجية الألمانية في سنة 2010.

يشكل التطور الديناميكي للسياسة الخارجية التركية ميلاً وطنياً آخر في أوروبا تجدر الإشارة إليه. فبعد أن خفت هواجس أنقرة حيال عضويتها في الاتحاد الأوروبي، بدأت بتنويع سياستها الخارجية بالسعي للعب دور أكبر بكثير في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى، معلنة عن افتتاح 26 بعثة دبلوماسية جديدة في سنة 2010. ومع تزايد أهميتها بوصفها أحد شرايين الطاقة، تميّزت مكانة تركيا الجديدة بازدياد الثقة بالنفس وبالطموح. وهذا يتجاوز المحاولات التي بُذلت مؤخراً لحلّ صراعاتها الإقليمية مع أرمينيا والأكراد، برغم أن انفتاح رئيس الوزراء أردوغان على الأكراد واجهه معارضة محلية شديدة.

إذا كانت تركيا تنظر نحو الشرق على نحو متزايد، فهذا لا يرجع إلى توافر فرص الطاقة هناك وحسب، بل وبسبب التحديات الأمنية التي تنبعث من المنطقة. فهناك صراعات سياسية عديدة في شمال القوقاز طغى عليها النشاط الإرهابي الإسلامي، فيما تبدو روسيا في حيرة من أمرها بشأن كيفية التعامل مع انعدام الاستقرار المتزايد على حدودها الجنوبية. كما يبقى الوضع في جنوب القوقاز متوتراً أيضاً، وبخاصة فيما يختصّ بالصراع الجورجي الروسي المستمر. وفيما يتعلق بآسيا الوسطى، ازدادت المنافسة الجيوسياسية في هذا المنطقة الغنية بالطاقة حدة مع الأضرار الشديدة التي لحقت ببعض الدول مثل طاجيكستان وقرغيزستان من جرّاء الأزمة المالية واعتمادها المتزايد على المساعدات الخارجية. ويبقى الإرهاب الإسلامي مشكلة أيضاً برغم أن الحكومات الاستبدادية تضع الجهات المعارضة لها والحركات الانفصالية في سياق الإرهاب لتبرير القمع المتزايد الذي تلجأ إليه الدول باسم الوحدة السياسية.

*
أفريقيا

هزّت الأزمةُ الاقتصادية افريقيا بعنف، حيث تجاوزت في حدّتها أزمة الوقود والغذاء في سنة 2007/2008 والتأثيرات السلبية المتنامية للاحتباس الحراري، كما برز في الإجمال انعدام استقرار محدود نسبياً على صعيد الاقتصاد الكلّي مقارنة بالأزمات المالية السابقة، مما يشير إلى تزايد المرونة الهيكلية في العديد من الدول الأفريقية.
 
وفي حين لا زلنا نجهل إن كانت الاقتصادات الغنية بالموارد في المنطقة ستستأنف معدلات نموها الكبيرة التي حققتها قبل الأزمة ومتى سيكون ذلك، يوجد أسس تدعو إلى التفاؤل. ولهذا الأمر علاقة أيضاً بحقيقة أن الصين توظف استثمارات في أفريقيا أكثر من أي وقت مضى، وأن روسيا والاقتصادات الناشئة مثل الهند تعمل على إيجاد موطئ قدم لها بسرعة في القارّة أيضاً.

وبرغم أن هذا التطور جعل المساعدات المشروطة التي عرضها الغرب أقل جاذبية، تظل كافة مصادر الدخل مهمة لدول تتخبط في أزمات ميزانيات مدفوعاتها.

إن تعاظم الأهمية الاستراتيجية لأفريقيا لا يأتي من ثروة مواردها الطبيعية فقط، بل أنه مدفوع باعتبارات أمنية أيضاً بما أن الإرهاب الإسلامي وعمليات القرصنة آخذة في الازدياد في القارّة. وقد انعكس ذلك في تشكيل الولايات المتحدة قيادة جديدة لها في أفريقيا وفي الزيادة المتسمرة في برامج المساعدة الأمنية الأمريكية للدول الأفريقية. وأصبح للصين تواجد بحري الآن في خليج عدن لحماية الخطوط الملاحية من عمليات القرصنة فيما يشكل عمليتها البحرية الأولى خارج المحيط الهادئ. حتى إن بيجين أشارت إلى أنها ربما تبني قاعدة دائمة لها في المنطقة لتعزيز مشاركتها فيها على المدى الطويل.

وعلى صعيد آخر، اِنخفض عدد الصراعات الدائرة في أفريقيا في السنين الأخيرة. لكنّ اثنين من أسوأ الصراعات في العالم لا يزالان دائرَين في دارفور وفي الصومال. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا تزال رحى الحرب الأهلية دائرة وهي التي راح ضحيتها نحو من أربعة ملايين شخص بين عامي 1998 و2004.

وقد استطاعت الحكومة تحقيق بعض المكاسب عقب عملية غير مسبوقة ضدّ الثوار شاركت فيها رواندا في المنطقة الشرقية في مستهل سنة 2009، وإن يكن على حساب كلفة إنسانية باهظة جداً. وبالمثل، أصبحت زيمبابوي أكثر استقراراً بعض الشيء بعدما وافق الرئيس روبرت موغابي على تعيين منافسه مورغان تزفانغراي في منصب رئيس الوزراء في اتفاقية تقاسم السلطة التي أُبرمت في شباط 2009.
 
لكن يلوح المزيد من عدم الاستقرار في غينيا في أعقاب الانقلاب العسكري الذي نُظّم هناك في أواخر سنة 2008. كما يرجّح أن تتفاقم حدة التوتر في السودان فيما تستعد البلاد لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في سنة 2010 بينما لا يزال الرئيس عمر البشير مطلوباً للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية بسبب اتهامات بارتكاب "فظاعات" في إقليم دارفور.

الشرق الأوسط

لم تكن الأزمة المالية في الشرق الأوسط قضية رئيسية مقارنة بالعديد من المناطق الأخرى. لكن يتعين القول بأن الشرق الأوسط عانى من تراجع الأداء الاقتصادي العالمي ومن تراجع تدفق الرساميل الذي أعقبه، كما عانى من خسائر في صناديق الثروة السيادية ومن تقلبات أسعار النفط. ومن بين البلدان التي تأثرت بشدة نذكر الكويت والبحرين وإيران، وعلى رأس القائمة دبي. ومع ذلك، كان تأثير الأزمة محدوداً على العموم، ومن جملة أسباب ذلك أن السعودية ودولة الإمارات طرحتا رزماً تحفيزية تجاوز قيمتها 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

بقيت السياسات التقليدية تتصدر العناوين الرئيسية في الشرق الأوسط. وهذا ينطبق على الصراع العربي الإسرائيلي والأزمة الإيرانية (النووية والمحلية)، فضلاً عن الوضع في العراق (راجع الفصل الثالث). كما أن اليمن بقعة ساخنة لأزمة كبيرة أيضاً حيث تدور رحى حرب أهلية في الشمال، وتنشط حركة انفصالية في الجنوب، ويعمل تنظيم القاعدة على توسيع رقعة تواجده فيما تظل الحكومة ضعيفة وفاسدة. ويمكن لمزيد من تدهور الوضع في اليمن أن يكون له تداعيات استراتيجية من منظور الوضع في خليج عدن لا من منظور مكافحة الإرهاب فقط.

أمريكا اللاتينية

كانت الأزمة المالية قضية أعظم شأناً بكثير في أمريكا اللاتينية. لكن وكما في أفريقيا، أثبتت مرونة الاقتصاد الكلي أنها أقوى منها في الأزمات السابقة. ذلك أنه لم ينتج عن الأزمة تداعيات سياسية خطيرة سواء في دول معسكر الاشتراكيين الشعبوي مثل فنزويلا وبوليفيا وإكوادور، أم في المعسكر المعتدل، مثل البرازيل والتشيلي والمكسيك. ولا يزال كافة قادة تلك الدول في مناصبهم، غير أنه حدث انقلاب عسكري ضدّ رئيس هندوراس مانويل زيلايا، بسبب أشد أزمة سياسية عصفت بأمريكيا اللاتينية منذ سنوات بعد محاولة الرئيس إعادة صياغة القواعد الدستورية بموازاة الخطوط "البوليفارية".

وفيما يتعلق بالتوتر المتصاعد بين كولومبيا وبعض جيرانها، يوجد صلة كبيرة لهذا التوتر بالانقسام الذي تعاني منه حكومة ألفارو أوريبي بشأن السماح بزيادة حجم التواجد العسكري الأمريكي على أراضيها دعماً للعمليات التي تخوضها في الحرب على المخدرات. وأعربت فنزويلا عن احتجاجها بصوت عالٍ حيث أمر شافيز جيشه بالاستعداد لحرب محتملة في تشرين الثاني 2009. حتى إن البرازيل والتشيلي أعربتا عن مخاوفهما، طالبتين ضمانات بألاّ تعمل الولايات المتحدة خارج الأراضي الكولومبية

شرق آسيا وجنوب شرق آسيا

لا يزال تصاعد الصين التطور الجيوسياسي الأبرز في شرق آسيا. وهناك قضية أخرى تؤثر في الواقع الاستراتيجي الإقليمي وهي البرنامج النووي لكوريا الشمالية. وهناك تطور مثير للاهتمام يعكس جزئياً هاتين القضيتين تمثل في التحولات الأخيرة في المواقف السياسية الخارجية لكل من اليابان وتايوان، اللتين تعتبران أن موقعهما الاستراتيجي في شرق آسيا آخذ في التدهور.
 
ففي اليابان، أهدى الناخبون في آب 2009 انتصاراً كاسحاً إلى الحزب الديمقراطي الليبرالي الذي شكك في تحالف البلاد مع الولايات المتحدة داعياً بالمقابل إلى استقلال وطني أكبر وإلى إعادة التوجه نحو آسيا. وفيما يتعلق بتايوان، حدث تقارب مع الصين في ظل الرئيس الجديد ما ينغ جيو، تميّز باستئناف الحوار عبر المضيق.

وبعد أن رأت تايوان أن الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولويات تعاونها مع الصين، باتت ترغب بشكل واضح في ضمان رهاناتها بسياساتها القائمة على الانفتاح، وإن يكن التعامل مع مسألة "إعادة توحيد الأراضي الصينية" السياسية الأساسية في مقابل الاستقلال أمراً مستبعداً في المستقبل القريب.

وفي جنوب آسيا، تتملك الهند هواجس مماثلة باعتبار أن اشتداد أواصر العلاقات بين واشنطن وبيجين يمكن أن يكون مؤشراً على إضعاف علاقتها بالولايات المتحدة. كما لاحظت نيودلهي أن باكستان أضحت محور اهتمام السياسة الأمريكية في جنوب آسيا باعتبار أن إسلام آباد تواجه المزيد من عدم الاستقرار على المستوى المحلي فيما تضطلع بدور رئيسي في الاستراتيجية الأمريكية بأفغانستان. وسيبقى الإرهاب بشقيه الإسلامي والعلماني قضية رئيسية في جنوب آسيا عام 2010، كما هي الحال مع فقدان حماية الأسلحة النووية في باكستان. وفي هذه الأثناء، انتهت الحربُ الأهلية التي أنهكت سريلانكا طوال 26 سنة بإلحاق الهزيمة العسكرية بنمور التاميل عام 2009 وإن لم تكن الحكومة قد أطلقت بعدُ عملية مصالحة وطنية.

التغيّر والاستمرارية

كانت سنة 2009 سنة أزمة. وهذا ينطبق على القطاع المالي بقدر ما ينطبق على قطاع الطاقة، مما زاد من حدة الصراعات السياسية، ومن القلق من انتشار الأسلحة النووية، وما إلى ذلك من التحديات الأمنية الملحّة التي في حاجة إلى معالجة.

وهذه القضايا تقتضي ردوداً سياسية هامة، لكن مع إطلالة سنة 2010، بات الانفصام كبيراً بين حجم الأزمة العالمية والردود السياسية التي أثارها. فعلى النقيض من الحديث في كل مكان عن التغيير، جاءت الردود السياسية مألوفة جداً لغاية الآن.

برغم توفير مقادير هائلة من الأموال لمعالجة الأزمة المالية وتراجع الأداء الاقتصادي، عانى العالم أجمع مع تزايد حجم الديون، سواء في قطاع المال أم الغذاء أم الطاقة، من الأسواق المفلسة. ولا زالت الأجوبة المقنعة غائبة حول كيفية امتصاص الميزانيات العمومية السيادية للدَّين الخاص بدون توافر فترة مستمرّة من النمو الاقتصادي. وهذه المشكلة مؤرقة للولايات المتحدة على الخصوص في ضوء الصعوبات التي تعاني منها ميزانيتها.

وعلى المستوى الخارجي، لم تتجسّد إلى الآن سياسات أوباما المتعلقة بالتغيير على الأرض في الشرق الأوسط أو في جنوب آسيا أو في العلاقات مع الصين وروسيا. وبالمثل، ربما يؤدي تحويل الدعوة إلى نزع الأسلحة النووية إلى حجر زاوية في السياسة الأمريكية الخاصة بمنع الانتشار إلى تعزيز نفوذ واشنطن في هذا المجال، لكنّ تحقيق نجاح سياسي حاسم أمر مستبعد.

شهدنا أيضاً استمرارية في الافتقار إلى سياسات توجيهية عالمية في مجال الطاقة، والتغير المناخي وإدارة الأزمات. وقد عادت سياسة تأميم الموارد بقوة على ضوء ارتفاع الأسعار، فيما لا تزال المفاوضات الدائرة حول المناخ تراوح مكانها. وإذا كانت هاتان الأزمتان البعيدتا الأجل تقتضيان حلولاً بعيدة الأجل، إذاً هناك حاجة ملحّة إلى تعزيز كفاءة إدارة الأزمات في التصدي للعنف السياسي.

إن الوصول إلى سياسة حكم أفضل في سائر هذه القضايا يقتضي قيادة قوية من جانب الولايات المتحدة لضمان لحاق الآخرين بها. صحيح أننا شهدنا بعض الابتكار في السياسة بوجه عام في سنة 2009، بيد أن التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي ستكون الحافز الرئيسي للتغيير، بصرف النظر عن القرارات التي ستتخذها الحكومات في المستقبل.

نهاية الجزء الأول
 

 إطبع هذا المقال     أرسل إلى صديق

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
تحليل
> آفاق "الربيع العربي" بين الفوضى والنهضة؟
> السعودية وتهديد إيران بالحرب : التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي يصبح ثلاثياً؟
> اضطرابات أسواق المال تهز العالم والإستثمارات السعودية في أميركا معرضة للضياع!؟
> الثورة وعلاقات القاهرة بواشنطن : متى التدخل الأميركي لهدم الثورة المصرية؟
> ستيفن هاربر يرمي كندا تحت أقدام "إسرائيل"؟
> قول الحقيقة لحلف شمال الأطلسي / "ناتو" (افتتاحية "نيويورك تايمز")
> المغرب "الخليجي" هل يقايض التغيير بالمال ؟
> ماذا تفعل حكومة عصام شرف؟ مصر مهددة بالإفلاس بنهاية العام!
> الصين تختصر الطريق نحو القوة : الإستيلاء على التقنية الغربية لتسريع وتيرة التصنيع
> "الإفتراضي يغير الواقعي" : ظاهرة الاعتراض الرقمي في السعودية؟