الميول الاستراتيجية في قضايا الأمن الدولي لعام 2010 : التطورات الرئيسية في القضايا العالمية (رؤية ألمانية) 3-3
أزمة إدارة الأزمات لدى القوى الدولية : يبقى الطلب على إدارة الأزمات مرتفعاً في سنة 2009/2010. على أن إدارة الأزمات نفسها تعاني من أزمات ثلاث:
- الأزمة الأولى هي عدم توافر إرادة سياسية كافية لتكوين رؤية استراتيجية تجاه كيفية التعامل مع الصراعات العنيفة في عالم تزداد فيه الأقطاب عدداً.
- الأزمة الثانية هي غياب التنسيق المؤسساتي بين القيّمين الرئيسيين على إدارة الأزمات.
- الأزمة الثالثة هي أن العديد من العمليات يكافح، بسبب النقص في القدرات، من أجل النجاح في بيئات الصراع المعقدة التي نشهدها اليوم.
يتعيّن إصلاح هذه العيوب على اعتبار أن إدارة الأزمات تبقى أداة لا غنى عنها للمحافظة على السلام والاستقرار.
إن أزمة إدارة الأزمات ليست شيئاً جديداً، ولكنها تطور مستمرّ واجه تحديات ضاغطة جديدة في سنة 2009. ولهذه الأزمة أبعاد سياسية ومؤسساتية وعملانية. وهي تعكس المصاعب والإخفاقات في التكيّف مع التحوّلات الجيوسياسية ومع الطبيعة المتغيرة للصراع منذ انتهاء الحرب الباردة.
كانت عمليات السلام التي أشرفت عليها الأمم المتحدة، في ظل النظام الدولي ثنائي الأقطاب الذي كان سائداً قبل سنة 1989، تهدف إلى مراقبة الحدود وتسيير دوريات في المناطق العازلة بعد التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار في الصراعات الدائرة بين الدول.
اشتملت هذه البعثات في العادة على جنود حفظ سلام مزودين بأسلحة خفيفة، واستندت إلى مبادئ توجيهية ثلاثة: موافقة الأطراف المشاركة في الصراع، وحياد جنود حفظ السلام، وعدم استعمال القوة إلاّ في حالة الدفاع عن النفس. ولئن كان هذا النوع التقليدي من عمليات حفظ السلام غير مثير للجدل نسبياً، لكنّه جمّد الصراعات بدلاً من أن يحلّها.
تغيّر سياق حفظ السلام بعد انتهاء الحرب الباردة. فقد زادت الفرص والحاجة إلى بعثات حفظ سلام دولية، مما أدى إلى زيادة حادّة في عمليات حفظ السلام. وبات من المستبعد الآن أن تنظر القوى الكبرى إلى الصراعات الدائرة في مناطق نائية على أنها جزء من المنافسة الجيوستراتيجية فيما بينها. ولذلك أصبحت على استعداد أكثر من أي وقت مضى لرؤية الردّ على الأزمة صادراً من داخل أروقة الأمم المتحدة.
وبات التوصل إلى سلسلة من اتفاقات السلام الإقليمية في أفغانستان وأنغولا وناميبيا وكمبوديا وأمريكا الوسطى متيسراً، مما يستوجب توافر مساعدة دولية. وفي نفس الوقت، اندلعت أزمات جديدة مع انهيار اتحادين شيوعيَّين هما الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا.
ومع انتقال الصراعات بين الدول إلى الواجهة بعد سنة 1989، تطوّر مفهوم حفظ السلام، وتشكلت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في كل من يوغسلافيا سابقاً (يو أن بروفور) والصومال (يونوسوم 2) بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وبدون الاعتماد على موافقة الأطراف المشاركة في الصراع بالقدر نفسه الذي كان في الأزمات السابقة. كان ذلك بمثابة نقطة تحوّل في مفهوم حفظ السلام، حيث ألغى بالتدريج مبدأ الموافقة وطرح عمليات تفويض أشدّ قوة لفرض السلام.
على أن إخفاقات الأمم المتحدة في البوسنة والصومال ورواندا أظهرت أن الأدوات المتاحة وآليات الردّ كانت قاصرة. واستجابةً لتغيّر سيناريوهات الصراع، يتكيف الناتو بشكل متزايد مع عمليات الانتشار خارج أراضيه، وتشكلت في سنة 1999 السياسة الأمنية والدفاعية الأوروبية (باتت تسمى السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة في معاهدة ليزبون). وعلى الرغم من أنه بدا أن هناك إجماعاً أساسياً على وجوب زيادة القدرة على التدخل، سرعان ما بدا واضحاً أنه لا يوجد اتفاق على تحديد متى ينبغي استخدام القوة وتحديد المنظمة التي ستستخدمها.
في مقابل خلفية "الحرب الأمريكية على الإرهاب" التي أضحت سمة محورية في الأجندة الأمنية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أضيفت "مكافحة الإرهاب" و"مكافحة التمرّد" إلى مجموعة مهمات إدارة الأزمات. وكما تُظهر حالتا العراق وأفغانستان، أدى ذلك إلى زيادة طمس الحدود الفاصلة بين عمليات السلام وخوض الحروب وإلى زيادة التوتر بين الجهات الغربية، وكذلك بين هذه الجهات والأطراف المحلية. كما أضحت عمليات السلام أكثر اندفاعاً في العقد الماضي من حيث تحولها من "حفظ السلام" إلى "بناء السلام"، وهذا يشتمل على إصلاح الهياكل والمؤسسات السياسية والاجتماعية-الاقتصادية في الدول الضعيفة لتأمين سلام أكثر بقاءً. على أن الترويج للديمقراطية وللإصلاحات الليبرالية للسوق، مواضيع مثيرة للجدل ولا تتمتع بدعم محلي دائماً. فقد يتبين أن جهود إحلال الديمقراطية غير ناضجة وتؤدي إلى زعزعة الاستقرار من جديد كما حصل في ليبيريا وأنغولا. كما يوجد خلاف بين الجهات الغربية حول مدى اعتقادهم بإمكانية فرض هذه المفاهيم من الخارج.
تميزت مهمات إدارة الأزمات أيضاً بتحوّل جغرافي في العقد الماضي أيضاً. اشتملت عامّة هذه المهمات على نشر قوات في بعثة أسفور (التي ضمّت نحواً من 25000 جندي في سنة 1999) وكايفور (التي ضمّت نحواً من 42500 جندي في سنة 1999) التابعتين للناتو في جمهورية يوغسلافيا سابقاً. ومع إنهاء بعثة أسفور في سنة 2005 واختزال كايفور بنسبة 70 في المئة تقريباً في نهاية العام 2008، بات أغلب العمليات في أوروبا اليوم أصغر من حيث الحجم، ومدنية من حيث الطابع، وتشرف عليها منظمات إقليمية بدلاً من الأمم المتحدة. وعلى النقيض من ذلك، ازدادت البعثات في أفريقيا بنسبة 400 في المئة خلال العقد الماضي. فبعثات الأمم المتحدة لوحدها زادت بمقدار عشرة أضعاف.
وبوجود خمس بعثات كبيرة تضم أكثر من 9000 مستخدم، تستحوذ أفريقيا على أكبر عدد من البعثات إلى الآن. وفي آسيا، ينتشر أكثر من 90 في المئة من العاملين في البعثات في أفغانستان ضمن بعثة إيساف التي تُعتبر أكبر عملية إدارة أزمات في العالم. وإذا كان التحول عن أوروبا يعكس الاستقرار المتنامي في البلقان، فهو يبرز مشكلات جديدة للحكومات الغربية التي تصارع لإقناع شعوبها بأن التهديدات الصادرة عن الصراعات الدائرة في الأماكن البعيدة يمكن أن تقوّض الأمن في الداخل.
زاد تعقيد إدارة الأزمات بشكل مذهل على ضوء كافة هذه التطورات. من الناحية المفاهيمية، باتت إدارة الأزمات تتضمن مرحلة إعادة إعمار بعد انتهاء الصراع، وليس مرحلة منع الصراع الابتدائية ومرحلة إدارة الأزمة الفعلية فقط. ولذلك فهي تشتمل على مجموعة أوسع من الإجراءات والأدوات المدنية والعسكرية. كما أن نطاق الجهات الفاعلة المعنية آخذ في الاتساع أيضاً.
وبعيداً عن المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، حلف الناتو، الاتحاد الأوروبي، منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، الاتحاد الأفريقي والائتلافات متعددة الجنسيات التي تعترف بها الأمم المتحدة، توجد مشاركة هامة من قبل السلطات والحكومات المحلية، الشركات الأمنية الخاصة، الميليشيات، وسائل الإعلام، المنظمات غير الحكومية والجهات الفاعلة الأخرى في المجتمع المدني. ومن شأن مشاركة هذا العدد الكبير من الجهات زيادة شرعية عملية حفظ السلام، لكنها تزيد تحديات التنسيق.
الحصيلة هي أنه برغم استمرار زيادة الطلب على عمليات السلام، تواجه إدارة الأزمات نفسها أزمة متنامية. فالإرادة السياسية تضعف، والتعاون الدولي الفاعل يزداد صعوبة، والموارد والقدرات مستغَلَّة إلى الحدّ الأقصى. وتأثيرات الأزمة المالية والوضع الصعب في أفغانستان يزيد هذه المشكلات حدّة. وهناك حاجة ملحّة إلى التصدي للتحديات السياسية والمؤسساتية والعملانية التي تواجه إدارة الأزمات.
الأزمة السياسية في إدارة الأزمات
يقع البُعد السياسي في قلب أزمة إدارة الأزمات. ولهذا البُعد نواحٍ عديدة. في البداية، هناك حاجة متنامية إلى إشراك القوى الصاعدة في إدارة الأزمات. فصعود القوى الإقليمية منذ انتهاء الحرب الباردة والتحولات في القوة الاقتصادية نحو الشرق تعني أنه يتعين على جهات مثل الصين والبرازيل وإندونيسيا وجنوب أفريقيا أن تعرّف دورها السياسي والعملاني في إدارة الأزمات الدولية. لكنّ تحويل السلم والاستقرار إلى مسؤولية عالمية مشتركة مسعىً صعب.
|
|
النفقات الدفاعية بملايين
الدولارات (2007)
|
النفقات الدفاعية كنسبة
مئوية من الناتج المحلّي
الإجمالي (2007)
|
العدد الإجمالي للقوات
المسلحة (بدون احتساب
قوات الاحتياط) (2009)
|
الانتشار
الفاعل للجنود
(2009)
|
الجنود المنتشرين
في بعثات الأمم المتحدة
(2009)
|
|
الولايات المتحدة
|
552568
|
3.99
|
1540000
|
176267
|
22
|
|
الاتحاد الأوروبي
|
288625
|
لا يوجد
|
2014000
|
63252
|
9189
|
|
فرنسا
|
60662
|
2.37
|
353000
|
15281
|
2393
|
|
ألمانيا
|
42108
|
1.27
|
244000
|
6484
|
285
|
|
المملكة المتحدة
|
63258
|
2.28
|
160000
|
12983
|
281
|
|
البرازيل
|
20559
|
1.56
|
326000
|
1269
|
1269
|
|
الصين
|
46174
|
1.42
|
2185000
|
1953
|
1953
|
|
الهند
|
26513
|
2.32
|
1281000
|
8564
|
8164
|
|
إندونيسيا
|
4329
|
1
|
302000
|
1088
|
1088
|
|
جنوب أفريقيا
|
3753
|
1.42
|
62000
|
2885
|
1774
|
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، الميزان العسكري 2009
زادت الصين مشاركاتها في عمليات حفظ السلام الأممية مؤخراً بوصفها قوة عالمية صاعدة. وهي أكبر مساهم في الجنود من بين الدول دائمة العضوية الخمس في مجلس الأمن الدولي حالياً. تشارك بيجين حالياً بعناصر من الشرطة المدنية، ومراقبين عسكريين، وضباط أركان، ووحدات غير مقاتلة في عمليات الأمم المتحدة.
وأكبر عدد من الأفراد الصينيين منتشر في السودان كجزء من بعثة الأمم المتحدة في السودان وبعثة الاتحاد الأفريقي-الأمم المتحدة الهجينة في دارفور.
كما تنتشر أعداد كبيرة من الجنود الصينيين في مونوك في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفي يونميل في ليبيريا، وفي اليونيفيل في لبنان.
وينتشر أغلب عناصر الشرطة المدنية الصينية في بعثة مينوستاه في هاييتي. توفر المساهمة الصينية دعماً هاماً لعمليات الأمم المتحدة في وقت شاع فيه النقص في الأفراد والمعدات. بالنسبة إلى الصين، يمكن أن تساعد المشاركة المتزايدة في الإدارة متعددة الأطراف للأزمات على تلميع صورتها الدولية وعلى زيادة نفوذها في مجلس الأمن. لكنّ مبدأي عدم التدخل والمساعدة غير المشروطة الصينيَّتين يبقيان مثاراً للإشكاليات لأنهما يتعارضان مع ممارسات بناء السلام الغربية. فمن الواضح أن إحلال الديمقراطية والإصلاح الليبرالي للسوق ليسا على أجندة الصين.
أصبحت المقايضة السياسية أكثر تعقيداً أيضاً مع صعود قوى إقليمية. وإشراكها في القرارات السياسية لا بدّ وأن يجعل العملية أشدّ صعوبة. ولئن كانت مطالب هذه القوى بتمثيل سياسي أكبر مشروعة، فإن التحدي سيكون في إشراكها من أجل كسب قيمة مضافة حقيقية على صعيد الفاعلية والقدرات المطلوبة بشدّة، لا من أجل جعل العملية أكثر شمولاً.
* الشرعية
غالباً ما يُشار إلى أن ضمّ مزيد من القوى، لا سيما القوى الصاعدة، سيساعد على تعزيز شرعية عمليات إدارة الأزمات. وهذا يرجع إلى تآكل شرعية القوى الغربية في أجزاء معيّنة من العالم. على أن الأمر ليس بمثل هذه البساطة. ذلك أن أية كوكبة من الجهات الخارجية ذات المصالح المتنافسة تهدد بإمكانية تبديد الدعم المحلي.
ومثال القرن الأفريقي الأوسع يوضح ذلك. تعتبر المنطقة التي تمتدّ من جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد، مروراً بالسودان وانتهاءً بإريتريا وإثيوبيا والصومال، إحدى أكثر المناطق تفجراً ونزاعات في العالم. وهي تستقطب بالتالي أعظم عدد لقوات حفظ السلام في العالم. وأدّى هذا العدد الكبير من القوى الخارجية ذات الأجندات السياسية والتجارية المتنافسة إلى تعقيد مهمة البحث عن سلام إقليمي العسيرة أصلاً بشكل دائم.
فرهانات الصين على الموارد الطبيعية، ونفوذ فرنسا في مستعمراتها السابقة، وسياسات مكافحة الإرهاب الأمريكية تداخلت جميعها مع السياسات في المنطقة. كما أن العلاقات الصعبة بين الأطراف الخمسة وجهات قوية في الاتحاد الأفريقي زادت تنفيذ عمليات السلام في المنطقة إرباكاً.
تعتمد الشرعية في بيئات الصراع المعقدة على تأمين موافقة محلّية قبل كل شيء. لكنّ تأمين هذه الموافقة بات أصعب بما أن سيناريوهات الصراع ودور القوات الدولية بات متعدد الوجوه أكثر منه في العقدين الماضيين. وباتت عملية الإعمار بعد الصراع تعتبر الآن جزءاً مكمّلاً لإدارة الأزمات، وترى بعض الدول أن التطبيق العاجل والمُنصف لعملية إعادة الإعمار بعد الصراع يمكن أن يولّد رضىً محلياً وبالتالي يخدم كمصدر بديل بعد الصراع للشرعية العملانية في حال تعذّر تأمين موافقة مسبقة على التدخل.
وهذا هو النهج الذي تبنّته على الخصوص قوات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في تدخلها في العراق وأفغانستان على سبيل المثال. لكنّ هذه المقاربة يمكن أن تواجه صعوبات بسهولة. ذلك أنه يبرز سؤال عما سيحصل إذا تبيّن أن مرحلة إعادة الإعمار طويلة وثقيلة أو إذا كانت الجهود غير مثمرة. إن تعاون الأطراف المحلية شرطٌ أساسي لعملية إعادة إعمار ناجحة بدلاً من أن يكون ثمرة لها. على أن السؤال يبقى معرفة من يجب الحصول على موافقته في دولة فاشلة.
يمثّل ما تقدم مأزقاً عملانياً: فمن ناحية، يتعيّن تأمين دعم محلّي في أقرب فرصة ممكنة وتمرير "المُلكية" إلى المجتمع المحلي لتفادي نشوء وضع يُنظَر فيه إلى الوجود الدولي على أنه احتلال. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي نقل سابق لأوانه للسلطة إلى جهات محلية غير ديمقراطية إلى انزلاق سريع نحو عدم الاستقرار، على أن انحسار الموافقة المحلّية ليس سوى أحد وجهي مشكلة الشرعية التي تواجه الدول المتدخلة، والوجه الآخر هو انحسار الدعم الشعبي داخل الدول المتدخلة نفسها.
* انحسار الدعم الشعبي
يشهد الدعم الشعبي للعمليات العسكرية في الأماكن البعيدة انحساراً سريعاً في الدول الأوروبية على الخصوص. والتجربة الأفغانية على وجه الخصوص أخضعت الدعم الشعبي للاختبار.
والسؤال المطروح حول تحديد متى ينبغي استعمال القوة وإلى متى ينبغي للمجتمع الدولي أن يبقى في دولة مزّقتها الحرب لضمان الاستقرار يظلّ محلّ جدال ساخن حالياً في هذا السياق. وبحسب المسح السنوي Transatlantic Trends الذي أجرته مؤسسة مارشال فاند الألمانية في صيف العام 2009، شعر نحو ثلث الأوروبيين فقط بتفاؤل حيال آفاق إحلال الاستقرار في أفغانستان، وتبين أنه يوجد انقسام واضح بين جانبي الأطلسي بهذا الشأن، إذ أن الشعب الأمريكي ينظر إلى أفغانستان بمزيد من التفاؤل، وتشعر أغلبية (56 في المئة) بتفاؤل حيال مستقبل ذلك البلد. وفيما يتعلق بنشر القوات، النظرة السائدة لدى الأوروبيين، وهي مستقلة بدرجة كبيرة عن ميلهم السياسي، هي تفضيل خفض حجم تلك القوات أو سحبها بالكامل.
ويريد أكثر من نصف الأوروبيين الغربيين (55 في المئة) وثلثا الأوروبيين الشرقيين (69 في المئة) خفض أعداد قواتهم أو سحبها من أفغانستان. ولو نظرنا إلى الولايات المتحدة، نجد أن نشر القوات في أفغانستان مسألة ميول حزبية. ذلك أن 46 في المئة من الديمقراطيين و43 من المستقلين، و22 في المئة فقط من الجمهوريين، يريدون خفض القوات الأمريكية أو سحبها من أفغانستان.
تفاقمت مسألة انحسار الدعم الشعبي لإدارة الأزمات الدولية بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية. وكما تُظهر استطلاعات الرأي التي أُجريت مؤخراً، لا يشكّل إرساء الاستقرار في أفغانستان أولوية لدى كل من المستطلعين الأمريكيين والأوروبيين في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية.
وعلى سبيل المثال، يعتقد 7 في المئة فقط من الأمريكيين و4 في المئة من الأوروبيين أنه ينبغي أن تنال أفغانستان الأولوية لدى الرئيس الأمريكي والقادة الأوروبيين. وهذا يثير أيضاً سؤالاً عن حجم الدعم الذي سيتوافر للعمليات المستقبلية في أفغانستان. كما أن الأزمة الاقتصادية العالمية ستشكل عبئاً إضافياً على الميزانيات الدفاعية لدى الدول في السنوات القادمة. فعندما تشحّ الموارد، تميل الأولويات السياسية إلى القضايا السياسية التي تتمتع بقدر أكبر من البروز المحلي.
والسؤال السياسي الكبير المطروح يتعلق بالدور الاستراتيجي الذي يُوجِد لدى الدول الغربية قدرةً واستعداداً للاضطلاع به في المستقبل وبمقدار التزامها المتوقَّع بإدارة الأزمات الدولية.
تدلّ كافة هذه المؤشرات على وجود حاجة ملحّة إلى إشراك الشعوب في نقاش جادّ حول مستقبل السياسة الأمنية وإدارة الأزمات، بحيث يتولّى القادة السياسيون مهمة توضيح المصالح الأمنية القومية والمسؤوليات الماثلة بعبارات يسهل فهمها. على أنه لا يوجد تواصل شعبي كافٍ حول السياسة الأمنية في أغلب الدول الأوروبية. من ذلك أن الحكومة الألمانية رفضت طويلاً التحدث عن "حرب" في أفغانستان.
وفي نهاية العام 2009، كشفت فضيحة سياسية أن وزارة الدفاع حجبت معلومات عن الإصابات التي لحقت بالمدنيين إثر غارة جوّية أمر الألمان بتنفيذها في قندوز في أيلول 2009. وبالمثل، يرجَّح أن يكون للتحقيق العلني الجاري في القرار الذي اتخذته الحكومة البريطانية بالمشاركة في حرب العراق في سنة 2003 تأثير مضرّ بثقة الشعب في حكومته.
الأزمة المؤسساتية في إدارة الأزمات
تنعكس الأزمة السياسية في إدارة الأزمات على المؤسسات الدولية أيضاً بوصفها الجهات الرئيسية القيّمة على إدارة الأزمات. فهي لا تفتقر إلى الموارد وحسب، بل وتعاني من تنافر استراتيجي وسياسي بين الدول الأعضاء.
إنها لمهمة الدول الأعضاء صياغة رؤية استراتيجية مشتركة للمؤسسات المناظرة. وعندما تواجه هذه الدول أزمة مستجدّة، يمكنها التوصل إلى قرار مشترك يحدد الردّ المناسب، ويتعين عليها أن تتيح لهذه المؤسسات الموارد اللازمة لتنفيذ ذلك القرار بفاعلية. لذلك، يكمن تعقيد إدارة الأزمات بدرجة كبيرة في الطبيعة الحاكمة للمؤسسات التي تقدّم مساعدة في الصراع.
إننا نجد في الأمم المتحدة وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي أمثلة توضيحية على ذلك. فلمّا كانت هذه الجهات الثلاث الرئيسية القيّمة على إدارة الأزمات، تعمل إلى جانب مجموعة من المنظمات الإقليمية، فقد شهدت جميعها زيادة هائلة في عمليات الانتشار العملاني في العالم.
وعلى سبيل المثال، شهد العام 2009 ست عشرة عملية حفظ سلام متوازية رعتها الأمم المتحدة؛ والوجود الحالي للناتو الذي يقدّر بنحو 70000 جندي في أفغانستان هو الانتشار العملاني الأكبر في تاريخ المنظمة الذي يمتدّ ستين عاماً؛ ونفّذ الاتحاد الأوروبي أكثر من 20 عملية منذ أن أصبحت السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة عملانية في سنة 2003. وتكافح هذه المؤسسات كافّة من أجل الوفاء بمقتضيات الإدارة الفاعلة للأزمات اليوم.
* الأمم المتحدة
الأمم المتحدة هي القيّم العالمي الأول على عمليات السلام، وهي تتمتع بشرعة دولية لا تضاهى في هذا الدور، وتستحوذ على أكثر من نصف عمليات نشر المستخدمين في عمليات السلام في شتى أنحاء العالم. لكن مع نشر نحو من 83000 مستخدم (عسكري ومدني) حالياً، لا تزال عمليات حفظ السلام التي ترعاها الأمم المتحدة تعاني من الإفراط في التوسع. تبلغ ميزانية الأمم المتحدة المخصصة لعمليات حفظ السلام نحواً من 7 مليارات دولار حالياً.
وهذا يعني أنها لا تشكل سوى 0.5 في المئة من الإنفاق العسكري العالمي، مما يجعل عمليات حفظ السلام التي ترعاها الأمم المتحدة أداة عالية المردودية على نحو فريد في حوزة الإدارة الدولية للأزمات. ومع ذلك، تكافح هذه الهيئة الدولية للحصول على أموال تكفيها من الدول الأعضاء فيها.
أُطلق العديد من المبادرات على مدى العقد الماضي لإصلاح نظام حفظ السلام في الأمم المتحدة. فقد رفع أمين عام الأمم المتحدة (الإبراهيمي) في سنة 2000 التقرير الخاص بعمليات حفظ السلام، الذي يعتبر أهم وثيقة في هذه العملية الإصلاحية، شدد فيه على الحاجة إلى المزيد من الموارد، وإلى قرارات تفويضية واضحة وواقعية، وإلى التخطيط الاستراتيجي العام للعمليات.
كما وفر التقرير الركيزة الأساسية لتشكيل لجنة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة في أواخر سنة 2005، وهي هيئة استشارية حكومية تهدف إلى استنباط استراتيجيات لجهود بناء السلام بعد الصراع. كما يشكل هذا التقرير ركيزة تشكيل لجنة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة، وهي هيئة استشارية حكومية تهدف إلى استنباط استراتيجيات متكاملة لجهود بناء السلام بعد الصراع. على أنه انقضت عشر سنوات ولا يزال الإصلاح المنسجم مع تقرير الإبراهيمي محدوداً. ولا تزال الأمم المتحدة تكافح من أجل دمج المكونات العسكرية والسياسية والإنسانية لعمليات السلام بطريقة أكثر فاعلية.
كما تنقسم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على نحو مثير للإشكاليات إلى ثلاث فئات مختلفة: تضم الفئة الأولى تلك الدول التي تسهم بغالبية قوات حفظ السلام لكنها تتمتع بنفوذ سياسي محدود (جنوب آسيا وأفريقيا).
وتضم الفئة الثانية تلك الدول التي توفر غالبية التمويل (الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، واليابان). وتضم الفئة الثالثة أخيراً تلك الدول التي يجري تنفيذ عمليات الانتشار واسعة النطاق على أراضيها (في أفريقيا أساساً). وهذا التقسيم يحدث توترات سياسية في مجلس الأمن وتناقضاً بين المساهمات بالجنود والتأثير السياسي.
المشكلة الأخرى التي تعاني منها الأمم المتحدة هي إيجاد جنود أكثر عدداً وأفضل تدريباً. صحيح أن عمليات الأمم المتحدة قد لا تشتمل على خوض معارك عنيفة، لكنها تقتضي امتلاك قوات حفظ السلام طائفة عريضة من المهارات التقنية والسياسية والثقافية. ومع ذلك، شاركت الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية بأقل من 20 في المئة من المستخدمين العسكريين في عمليات الأمم المتحدة.
ولا يوجد واحد من الأطراف الخمسة في عداد المساهمين العشرة الأُول بالجنود في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. ويجادل العديد من الدول الأوروبية الآن بأنها منهمكة في أفغانستان إلى حدّ أنها لا تستطيع التعهد بمساهمات كبيرة في الأمم المتحدة. كما يرى العديد منهم في الأمم المتحدة جهازاً بيروقراطياً هو من الحجم بحيث لا يمكنه توفير إدارة أزمات بطريقة فاعلة.
لذلك هناك قلق جدّي حيال إمكانية الحصول على عدد كافي من الجنود لعمليات الأمم المتحدة المستقبلية وحيال إمكانية مساهمة الدول الغربية بالجنود وليس بالمال فقط. سيبقى هناك طلب على عمليات الأمم المتحدة في مناطق الصراع المتنوعة الجديدة. لكنها لن تستطيع المشاركة بل ولا ينبغي لها ذلك إذا كانت لا تملك القدرات الكافية. ولذلك فالتحدي الرئيسي هو الموازنة بين قرارات التفويض والموارد العسكرية.
* حلف الناتو في ذكراه الستين
الناتو هو الجهة الأقوى عسكرياً، وهو يشارك، بخلاف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، في صراعات عالية الشدة. وقد كان العام 2009 فترة صعبة على الحلف بسبب المشكلات المستمرّة التي يعاني منها في تثبيت الاستقرار في أفغانستان (راجع الفصل الثالث). وقد ارتفعت حصيلة القتلى في صفوف قوات التحالف إلى أعلى مستوى منذ بداية الحملة العسكرية عام 2001. تدهورَ الوضع السياسي وامتدّ انعدام الاستقرار إلى المنطقة الحدودية الباكستانية. وبالإضافة إلى ذلك، لم تحرز قوات الناتو سوى تقدم ضئيل في المساعدة على بسط سيطرة الحكومة الأفغانية خارج كابول.
إن المشاركة واسعة النطاق في أفغانستان تمنع من قيام الناتو بتدخلات واسعة النطاق في هذه الفترة. على أن السيناريو الأسوأ لفشل يُمنى به الناتو في أفغانستان يمكن أن يثير الشكوك حيال أية عملية لبناء دولة في المستقبل المنظور. وسيؤدي الفشل في أفغانستان بالتأكيد إلى بحث ذاتي معمّق حيال الغاية من الناتو ويؤدي إلى مزيد من التردد من جانب الولايات المتحدة في "تحويل التحالف إلى أزمة". لذلك، يمكن وصف أفغانستان بأنها "فحص لحقيقة" ما يمكن للناتو تحقيقها وما لا يمكنه تحقيقه خارج المنطقة الأوروبية الأطلسية.
كما أنه غالباً ما يُنظر إلى الناتو على أنه منظمة عسكرية تدافع عن المصالح الغربية. وهناك مناطق في العالم ربما يكافح الحلف فيها من أجل الحصول على دعم الجهات المحلية والإقليمية والعمل كمدير فاعل للصراع. كما أنه بافتقاره إلى الأدوات المدنية، أقرّ بحاجته إلى تطوير علاقات أفضل مع المنظمات والجهات الدولية الأخرى لكي يبقى فاعلاً. وفي هذا المجال، يعتبر الاتحاد الأوروبي شريكاً هاماً، على أن التنسيق بين المؤسستين تكتنفه صعوبات على المستويين المؤسساتي والعملاني كما يوضّح الوضع في أفغانستان.
بالإضافة إلى التحديات العملانية التي يواجهها الناتو، لا يزال يكافح من أجل تحديد غاية استراتيجية جديدة منذ العقد الماضي. وفي القمة التي انعقدت في الذكرى الستين لتأسيس الحلف في ستراسبورغ وكيهل في نيسان 2009، أطلق قادة الناتو عملية مراجعة جديدة للمفهوم الاستراتيجي. فالتغييرات التي طالت البيئة الأمنية بعد هجمات 11 أيلول 2001، وتطور العلاقات عبر الأطلسي، والتحديات العملانية التي يواجهها الناتو في أفغانستان تحتّم على الحلف تعديل نظرته الاستراتيجية.
وطوال العقد الماضي، صرف الحلف الكثير من الوقت والطاقة على التحوّل العسكري، محاولاً تكييف القوات المسلحة لدى الدول الأعضاء مع مهمات إدارة الأزمات الحديثة. وأطلق مبادرة قدرات، طارحاً مفهوم قوة ردّ سريع للناتو، ومعدّلاً هيكليته القيادية. على أن أياً من هذه الجهود لا يمكنه التعويض عن الافتقار إلى عملية سياسية يحدد الحلف من خلالها متى يستخدم قدراته ومكان استخدامها وكيفية استخدامها.
ظهرت انقسامات بين الدول الأعضاء على صعيد قضية تبنّي نظرة استراتيجية شاملة والغاية من الحلف. فلا يزال البعض يُؤثر بقاء الناتو حلفاً دفاعياً جماعياً يُركز على التهديدات في المناطق المجاورة لأوروبا. ويدعم البعض الآخر صورة الناتو كلاعب أمني عالمي. كما أن هناك خلافاً بين الدول الأعضاء على الاستراتيجية المُثلى في التعامل مع روسيا، مما سيؤدي على الأرجح إلى إعياء عملية توسيع الحلف بعد انضمام ألبانيا وكرواتيا إليه هذا العام. وفي هذه الأثناء، تظل مسألة العلاقة المستقبلية مع جورجيا وأوكرانيا بدون حل.
* الذكرى العاشرة للسياسة الأمنية والدفاعية المشتركة
تصادف سنة 2009 الذكرى العاشرة لولادة هيئة السياسة الدفاعية والأمنية المشتركة الأوروبية. تهدف الهيئة إلى إتاحة قدرة إدارة أزمات عملانية للاتحاد الأوروبي اعتماداً على توليفة فريدة من الأرصدة المدنية والعسكرية.
يغطي المدى العملاني للهيئة ما يُطلق عليه مهمات بيترسبرغ، وهي تتضمن عمليات إنسانية وعمليات إنقاذ وحفظ السلام وإدارة أزمات، وباتت تتضمن مؤخراً عمليات نزع أسلحة مشتركة، ومهمات تقديم مشورة عسكرية ومساعدات، ومحاربة الإرهاب.
أشرفت الهيئة إلى الآن على نشر إجمالي لنحو 70000 مستخدم في أكثر من 20 عملية، لا يزال 12 منها جارياً في مستهل عام 2010. تتميز كافة هذه العمليات بصغر الحجم وتدنّي الشدة، مما يشير إلى طموح متواضع في الوقت الحاضر. كما أن التركيز الجغرافي إقليمي وليس عالمياً.
وإلى جانب عمليات الانتشار في البلقان، تتحول منطقة العمليات الرئيسية للهيئة صوب أفريقيا. على أن هذا التحوّل مثار جدل بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ذلك أن الدفاع المتكرر من جانب فرنسا وبلجيكا عن إرسال بعثات إلى مستعمراتهما السابقة مثل تشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية يُزعج بلداناً لا تربطها بالدول الأفريقية مثل هذه الالتزامات، كألمانيا.
لطالما كان التحدي المؤسساتي الرئيسي الذي يواجه الاتحاد الأوروبي ضمان الانسجام وتجاوز التباينات في العلاقات الخارجية للاتحاد بين مفوّضية السياسة الخارجية والأمن المشتركة، التي تُعتبر الركيزة الأولى، وهيئة السياسة الدفاعية والأمنية المشتركة التي تُعتبر الركيزة الثانية. على أن هذه الهيكلية الركائزية لا تتناسب مع تطوير مقاربة متكاملة فاعلة لإدارة الأزمات.
ومع بدء سريان معاهدة ليزبون في 1 كانون الأول 2009، يُؤمَل بأن يتم إزالة بعض التباينات السابقة. وبموجب المعاهدة، سيتم إلغاء الهيكلية الركائزية، وستَجمع الهيئة التمثيلية العليا الجديدة للسياسة الخارجية مكاتب الهيئة التمثيلية العليا السابقة "للسياسة الخارجية والأمن المشتركة" والمفوض الخاص بالعلاقات الخارجية. والمراد من "خدمة العمل الخارجي الأوروبية" الجديدة مساندة الهيئة التمثيلية العليا، لكنّ وظائفها الخاصة وقدراتها لم تُحدَّد بعد. ويبقى أن نعرف إن كانت الابتكارات المؤسساتية التي طرحتها معاهدة ليزبون ستبسّط عملية صنع القرار فعلاً، وتعزز قدرة الاتحاد الأوروبي على العمل، وتسهل الوصول إلى مقاربة متكاملة، أم أن الأمر سيقتصر على حلول مؤسسات جديدة محل المنافسات القائمة والوظائف المتكررة القديمة.
يضاف إلى ما تقدم أن "السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة" لا تزال تعاني من الافتقار إلى رؤية استراتيجية. من ذلك أن الدرجة النهائية للتكامل الدفاعي الذي تنشده الدول الأعضاء تبقى غير محددة. ومفهوم ليزبون الخاص "بالتعاون البنيوي الدائم"، الذي يسمح لمجموعة من الدول الأعضاء التي لديها استعداد للتقدم بشكل أسرع وأعمق في مجال الدفاع، يبقى محلّ خلاف بما أن العديد من الدول يعارض فكرة ما يسمى "أوروبا متعددة السرعات".
وفي حين أن "التعاون البنيوي الدائم" يملك القدرة على تطوير المخرجات للسياسة الأمنية والدفاعية المشتركة وعلى توفير مزيد من الموارد لإدارة الأزمات في الاتحاد الأوروبي، لم يُثبت الأوروبيون إلى الآن أنهم مستعدون وقادرون على الذهاب خطوة إضافية في التعاون الدفاعي بعد أن تمت المصادقة على معاهدة ليزبون.
* الحاجة إلى تعاون أوثق بين المؤسسات
إلى جانب الحاجة إلى تحسين أداء المؤسسات الدولية في إدارة الأزمات، برزت مهمة أخرى ملحّة هي دمج الجهود المشتركة للمجتمع الدولي وتنظيمها في هذا الجانب. وهذا يعني تجنّب تكرار المؤسسات وتداخل المهمات، وكذلك تعزيز التعاون بين المؤسسات. على سبيل المثال، كان في الإمكان التنسيق بين عمليات مكافحة القرصنة التي يقوم بها الاتحاد الأوروبي والناتو ودول إفرادية، مثل الولايات المتحدة، قبالة السواحل الصومالية على نحو أفضل لتوفير المال والموارد. وبالمثل، يبقى غياب التعاون بين بعثات تدريب الشرطة الأوروبية والناتو/الولايات المتحدة في أفغانستان مشكلة عالقة.
إن التعاون بين الاتحاد الأوروبي والناتو في إدارة الأزمات مسألة نظرية، حتى وإن شهد عام 2009 بعض التطورات الإيجابية. وعلى الرغم من أنه لا يوجد إجماع استراتيجي على تقسيم العمل بين المنظمتين، حظي قرار فرنسا بإعادة تكاملها العسكري مع الناتو في عام 2009 ترحيباً واسعاً.
فقد خفف حدة التوتر مع الولايات المتحدة وبالتالي أتاح إمكانات جديدة لتعزيز "السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة" نفسها والتعاون الأمني بين جانبي الأطلسي. وعلى النقيض من ذلك، من غير المرجّح أن تنضمّ تركيا، وهي إحدى الدول الرئيسية التي تعرقل إقامة روابط مؤسساتية متينة، إلى الاتحاد الأوروبي قريباً وعلى الأرجح أن تواصل إعاقتها لتعاون رسمي بين الناتو والاتحاد الأوروبي. وعلى صعيد آخر، يوجد مجال واسع لزيادة الفاعلية والانسجام في إتاحة القدرات العسكرية من خلال "قدرة التطوير" التابعة "للسياسة الأمنية والدفاعية المشتركة" و"عملية التخطيط الدفاعي" في الناتو.
وفي حين استعان الاتحاد الأوروبي بأرصدة الناتو بموجب اتفاقية "برلين بلس"، لا يزال يتعين معالجة العيوب الناتجة عن القدرة المتداخلة التي برزت بفعل عمليتين منفصلتين في الاتحاد الأوروبي وفي الناتو بطريقة بنّاءة.
وفيما يتعلق بالعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والناتو، كررت المنظمتان التأكيد على أهمية تطوير التعاون بينهما. ذلك أن كلتا الجهتين تشارك على التوازي في مسارح عملانية في كوسوفا وأفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وغيني بيساو والصومال وجورجيا. وبناء على ذلك، تم تسليم بعثة يوفور في تشاد إلى مينوكارت في آذار 2009.
على أنه برغم زيادة كثافة الاتصالات على صعيد المؤسسات، يتعين إدخال مزيد من التحسينات على المخرجات العملانية. وفي هذا السياق، يبرز عنصر يكتسي أهمية خاصة وهو تحسين التخطيط للبعثات المشتركة.
وإذا استطاعت المؤسستان الاتفاق على توزيع واضح للمهمات أثناء التخطيط الاستراتيجي لعملية ما، فسوف تتحسن فرص النجاح بدرجة كبيرة. وبصرف النظر عن أية عملية خاصة، يمكن للاتحاد الأوروبي والناتو المساهمة بالتخطيط المشترك للحالات الطارئة. وهذا سيرعى تطوير ثقافة تخطيط أكثر تنسيقاً ويعزز الفهم المتبادل "لطريقة الطرف الآخر في أداء الأعمال".
سيكون من الحكمة بالنسبة إلى المنظمات الثلاث تشكيل فريق من المُستخدمين المدنيين يقيم في مراكز متبادلة بينها. سيسهل هذا الفريق الاتصالات بين المؤسسات وبين الحكومات، وهو ما سيساعد على إيجاد فهم وثقة متبادلة ويجعل التعاون بالتالي أكثر فاعلية.
الأزمة العملانية لإدارة الأزمات
تتطلب الإدارة الفاعلة للأزمات في سيناريوهات الصراع المعقدة اليوم قدرات متحركة وقوية وفائقة التطور. غير أن كلاً من الأمم المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي يعاني من نقص خطير في القدرات مما يؤثر في المخرجات العملانية لهم.
من ذلك أن الأمم المتحدة واجهت مشكلات كبيرة في نشر 3000 جندي إضافي أجاز مجلسُ الأمن ضمّهم إلى مونوك على ضوء تدهور الوضع في جمهورية الكونغو الديمقراطية. ويكافح الناتو من أجل جمع مزيد من المساهمات على صعيد القوات لأفغانستان من دوله الأعضاء.
وما اعتماد الاتحاد الأوروبي على الطائرات العمودية الروسية في تنفيذ مهمته في تشاد سوى دليل مقْنع على وجود نقص في المعدات لدى "السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة". ولذلك فإن تحديد كيفية الحصول على القدرات المناسبة والقوات لنشرها على الأرض بالوقت المناسب، وهو الأهم، يمثّل تحدّ أساسي يواجه الإدارة الفاعلة للأزمات.
تعتمد معالجة حالات النقص في القدرات بدرجة كبيرة على إرادة الدول وعلى قدرتها على تحديث قواتها المسلّحة وإتاحتها لعمليات الانتشار العالمية. ففي أوروبا على الخصوص، يوجد عدد هائل من القوات ذات الكلفة المرتفعة والتي لا يمكن نشرها.
فمن بين نحو مليوني عنصر ينتمون إلى القوات المسلّحة المشتركة للاتحاد الأوروبي، "يمكن نشر" 10 في المئة منها فقط بالمعنى الأعم للكلمة. وتبين أن نشر القدرات داخل تخوم هيئة "السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة" بطيء جداً ويبقى أحد عيوبها الرئيسية.
شكل: الانتشار العالمي للجنود المنتظمين في مؤسسات أمنية دولية

وهناك أسباب عديدة لذلك منها الميزانيات الدفاعية الشحيحة والطبيعة بعيدة المدى للتخطيط لتطوير القدرات، بدءاً بالتخطيط التصوري وانتهاءً بمرحلة طرح المبادرة. كما ترجع المشكلات الخاصة بالتعاون على صعيد القدرات إلى رغبة الدول الأعضاء في المحافظة على سيادتها في مجال الدفاع. ولا توفر معاهدة ليزبون علاجات لأوجه النقص المزمنة في القدرات أو إغراءات للدول الأعضاء بتنفيذ الإصلاحات العسكرية التي هي في أمسّ الحاجة إليها.
تهدف مبادرة "المجموعات القتالية" التابعة للاتحاد الأوروبي ومبادرة "قوة الرد السريع" للناتو إلى تعزيز التحوّل العسكري في الدول الأعضاء. يعاني المُخطَطان من بعض المشكلات المشتركة.
ففي حين أن التحليل المنطقي الأساسي لهما هو إصلاح القوات المسلحة الأوروبية، يبرز سؤال حول كيفية وفاء الدول الأعضاء بالتزاماتها تجاه هذه التشكيلات إذا لم يكن يجري استخدامها في الواقع. ولا يوجد إجماع استراتيجي على الظروف التي تستدعي نشرها.
وفيما يختصّ بمهمات تحويل القوات وتعزيز قابليتها للانتشار، كان النجاح متواضعاً في أحسن الحالات، حتى إن لدى بعض الدول الأعضاء في كل من الناتو والاتحاد الأوروبي وحدات مخصصة لكل من المجموعات القتالية التابعة الأوروبية وقوة الرد السريع للناتو.
وفيما يختصّ بأوجه النقص في القدرة العسكرية، يوجد علاج بديهي وناجع يتمثل في إيجاد موارد مشتركة. على سبيل المثال، يمكن بناء مجموعة من الطائرات العامودية وغيرها من الأرصدة المتخصصة التابعة للأمم المتحدة والمخصصة للبعثات طويلة المدى في أماكن مثل دارفور وأفغانستان.
وداخل الاتحاد الأوروبي، يمكن تجميع الأرصدة العسكرية بحيث تشمل أهدافاً تتجاوز ذلك. والخطوة الأولى في هذا الاتجاه قام بها على سبيل المثال برنامج تكتيكات الطائرات العامودية التابع للوكالة الدفاعية الأوروبية، والذي سيصبح عملانياً في عام 2010.
كما أجريت مناورة تدريبية تمهيدية في فرنسا في آذار 2009. الهدف من هذه المبادرة هو تدريب أطقم الطائرات العامودية المنتمين إلى الدول الأعضاء والذين لم يعتادوا على التحليق في بيئات كثيرة المتطلبات. وهذه المناورات تعزز التشغيل البيني من خلال فهم الإجراءات، واللغة، والمهارات التكتيكية وأفضل الممارسات.
المثال الآخر هو برنامج النقل الجوي الأوروبي الذي يهدف إلى سدّ النقص الحرج في النقل الجوّي لدى هيئة "السياسة الدفاعية والأمنية المشتركة". تشجع هذه المبادرة على تجميع أرصدة النقل الجوّي.
وهذا التجميع يسمح بالملكية الثنائية الجنسية والمتعددة الجنسيات للمعدات العسكرية. وهذا بدوره يمنح الدول الأعضاء الصغيرة إمكانية استعمال هذه الطائرات وهو الأمر الذي لا يحصل في العادة بسبب قيود الميزانية.
وبالإضافة إلى ذلك، يسمح برنامج النقل الجوي للدول الأعضاء التي تملك معدات نقل جوّي بإتاحة قدراتها للدول الأعضاء الأخرى عبر شراء ساعات الطيران. ويمكن أن تساعد مبادرات أخرى موازية لهاتين المبادرتين على تعزيز القدرات وتحسين التشغيل البيني بين القوات المسلحة.
* القدرات المدنية
تتطلب طبيعة الصراعات المعاصرة ردوداً عسكرية وكذلك جهوداً مدنية متواصلة في إعادة الإعمار بعد الصراع، وحماية المدنيين، وجهود بناء الدولة.
ولذلك يشكل تعزيز التعاون المدني العسكري همّاً رئيسياً للجهات الضالعة في إدارة الأزمات الدولية. وفي انعكاس للتشديد المتزايد على تحويل الصراع وعلى بناء الدولة الذي تجلى في العديد من البعثات المجازة حالياً، ارتفع عدد عمليات نشر المستخدمين المدنيين إلى أكثر من الضعف في السنين الخمس الماضية. وقد بلغت الآن مستوى قياسياً ناهز 20000 مستخدم.
ومع ذلك، لا يشكل المدنيون سوى 12 في المئة تقريباً من المستخدمين العاملين في عمليات السلام الدولية. حتى إن العديد من بعثات الأمم المتحدة لا يملك حالياً سوى ثلثي حاجته من المستخدمين المدنيين، وهذه البعثات تواجه صعوبات جمّة في العثور على مستخدمين مؤهَّلين.
يكافح الاتحاد الأوروبي لمعالجة أوجه نقص مماثلة. فهو لا يملك أية قوات مدنية عاملة، ولذلك يعتمد على الدول الأعضاء في توفير المستخدمين لبعثاته. لكن العديد من حكومات الدول الأعضاء فشل في هذه المهمة. وقد صُمم ما يُطلق عليه "هدف العنوان المدني" الذي تمت الموافقة عليه في سنة 2004 لحمل الدول الأعضاء على تخصيص مدنيين من أجل سيناريوهات انتشار محتملة.
وبناء على ذلك، تعهدت كل دولة عضو بتقديم عدد معيّن من المدنيين، لكن لا يبدو أن عملية "هدف العنوان المدني" قد ساعدت الاتحاد الأوروبي على الحصول على ما يكفيه من المستخدمين على الأرض. وبالإضافة إلى ذلك، يشكل التدريب، والتجنيد، وإيجاز المعلومات، ومعايير التخطيط المختلفة لدى الدول الأعضاء عائقاً أمام امتلاك الاتحاد الأوروبي قدرة مدنية لإدارة الأزمات.
وأخيراً، يبدو أن بعض الدول الأعضاء أكثر جدّية في تحمّل مسؤولياتها تجاه هيئة "السياسة الدفاعية والأمنية المشتركة" من البعض الآخر مما يؤدي إلى تفاوت في عدد المستخدمين الذين يتم إرسالهم.
نتج عن هذا الوضع بقاء بعثة شرطة الاتحاد الأوروبي في أفغانستان في حدود نصف الحجم المجاز بانتشار ما يزيد قليلاً على 200 ضابط شرطة على الأرض. يحدث ذلك برغم حقيقة أن تدريب قوات الأمن الأفغانية يعتبر حاسماً في امتلاك القوات الأجنبية قدرة على تثبيت الاستقرار في أفغانستان والرحيل عنها في نهاية المطاف. ولذلك يجري انتقاد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بقوة على افتقارها المزعوم للعزم السياسي على إتاحة القدرات لكي يؤدي الاتحاد الأوروبي وظيفته على الوجه المطلوب.
وبرغم أنه يُعترف على نطاق واسع بالحاجة إلى تعزيز المكوّن المدني في إدارة الأزمات، لا يزال ينبغي القيام بمزيد من الخطوات لضمان وجود أعداد كافية من المستخدمين في حالة تأهب مع القدرة على إرسالهم على جناح السرعة عندما تدعو الحاجة. وبالإضافة إلى ذلك، سيكون إعداد معايير ونظام تدريبي مشترك للمستخدمين المدنيين الذين يراد إرسالهم في بعثات دولية تطوراً كبيراً.
المستقبل المتوقع
يوجد تحديات هائلة ماثلة في عام 2010. فإلى جانب الصعوبات المستمرّة في أفغانستان، يوجد أيضاً خطر متعاظم ناتج عن احتمال تزعزع شديد لاستقرار باكستان. وستشكل الدول الفاشلة أو الضعيفة مثل الصومال واليمن وغينيا مزيداً من المشكلات، وربما تستدعي القيام بعمل حاسم.
كما أن مستقبل السودان بعد الاستفتاء، المتوقع إجراؤه في مستهل عام 2011، غير مضمون. يضاف إلى ذلك أنه ربما تبرز حاجة إلى الردّ السريع على الأزمات المستجدّة التي لا يمكن توقّعها حالياً.
تُوضح سيناريوهات الصراع المثيرة للقلق أن الحاجة إلى إدارة أزمات فاعلة لن تزول، ذلك أن المشكلات تبقى هائلة. فالتحولات الجيوسياسية وصعود قوى جديدة يستدعي إعادة تعديل للسياسات وللديناميكيات المؤسساتية لإدارة الأزمات. وقد أدى التعقيد المتزايد للصراعات إلى توسيع مهمات إدارة الأزمات بحيث باتت تتراوح بين الإجراءات المدنية ومكافحة الإرهاب.
وهذا يطمس الحدود الفاصلة بين صنع السلام وخوض الحروب ويُسهم في إضعاف الدعم الشعبي. ولا تزال المؤسسات، بوصفها القيّم الرئيسي على إدارة الصراعات، تُعاني من غياب الإجماع الاستراتيجي للدول الأعضاء فيها. وعلى الأرجح أن يكون لتداعيات الانهيار الاقتصادي تأثير سلبي على قدرات إدارة الأزمات في السنوات القادمة.
لذلك يلزم توافر قدر كبير من العزيمة السياسية للتعامل مع القيود السياسية والمؤسساتية والعملانية المفروضة على إدارة الأزمات. وبما أن إدخال إصلاحات شاملة أمر مستبعد في هذه المرحلة، ينبغي أن ينصبّ التركيز على مقاربة متدرّجة وعلى اتخاذ تدابير عملية مهمة.
ومن الأهمية بمكان الدخول في حوار عام نقدي ومفتوح لإعادة الثقة بالحكومة واستعادة شرعية القوة العسكرية عندما لا يعود هناك مفرّ من استعمالها. وسيكون ضرورياً أيضاً التفكير بطريقة بنّاءة في إيجاد ترتيبات مؤسساتية جديدة تسهّل التعاون وتزيل المهمات المتكررة بين القيّمين الرئيسيين على إدارة الأزمات. كما يرجَّح أن يتضمن ذلك تجميعاً مهماً للقدرات على صعيد الأفراد والمعدات.
ومثل هذه التدابير سيكون خطوة في اتجاه التصدي لأزمة إدارة الأزمات الحالية والمساعدة على تطوير أداة لا غنى عنها في تأمين السلم والاستقرار في عالم معولَم.
المصدر: مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية - سلسلة تنبؤات استخبارية (30) - 22/3/2010
بطـاقـة التـعـريـف بالـتـرجـمـة
العنوان الأصلي للدراسة : الميول الاستراتيجية لعام 2010: التطورات الرئيسية في القضايا العالمية
المؤلفين: دانيال مُوْكلي، ماثيو هلبيرت، بريم ماهاديفان، ألكساندرا داير
جهة الإصدار: مركز الدراسات الأمنية في زيوريخ، سويسرا
تاريخ الإصدار: شباط/ فبراير 2010
جهة إصدار الترجمة: مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية
تاريخ إصدار الترجمة: 22 آذار/ مارس 2010 |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق