بعد مرحلة طويلة من الاتصالات والمقايضات، صدر كتاب باتريك سيل: «رياض الصلح والنضال من أجل الاستقلال العربي»، في حملة دعائية ضخمة لم يسبق لها مثيل، وذلك لمجرد صدور كتاب. نقول المقايضات لأن مموّلي الكتاب من أقرباء الصلح اتصلوا أولاً بكمال الصليبي لإنجاز المهمة وحصل خلاف بين الجانبين حول النص الذي كتبه الصليبي. وانتقلت الاتصالات إلى أحمد بيضون وكانت النتيجة الفشل. أيضاً توجه أصحاب فكرة الكتاب غرباً بحثاً عن مستشرق يكتب للأجيال العربية الصاعدة عن «النضال من أجل الاستقلال العربي»، فوقع الاختيار على الفرنسي جان لاكوتور الذي أنشأ دراسة عرضها على المموّلين فرفضوها رفضاً قاطعاً
حدد باتريك سيل هدف كتابه الجديد «رياض الصلح والنضال من أجل الاستقلال العربي»، في كلمته ليلة الاحتفال بصدوره في بيروت. قال الكاتب آنذاك إن علياء الصلح ـــــ ابنة رياض ـــــ طلبت منه كتاباً «يصفّق لوالدها»، وهكذا كان. بالطبع لأقرباء الصلح حق الدفاع عنه، لكن المسألة تتجاوز موضوع الشعور العائلي بالخسارة، وهو أمر مبرر، إلى التزوير المبرمج للأحداث على يد كاتب غربي مدفوع الأجر. فهل نجح سيل في تحقيق هدفه وأقنعنا بأن نصفق؟
موقف سيل من سعاده
قبل البدء بقراءة الكتاب كنت أتوقع أن يتحامل سيل ومساعدوه على أنطون سعاده لتبرير جريمة «القتل الديموقراطي» لسعاده التي خطط لها وأصرّ على تنفيذها رياض الصلح وثلاثة آخرون من السياسيين اللبنانيين، يتقدمهم حبيب أبو شهلا محامي التابلاين، طبعاً بموافقة بشارة الخوري كما سنبين لاحقاً. إن بوصلة تقويم أي كتاب عن رياض الصلح تعتمد بصورة أساسية على كيفية مقاربة الجريمة التي ارتكبها الصلح والنظام اللبناني بحق سعاده ورفاقه. وهذه مسألة لا يستطيع تجنبها المؤرخون.
لا حرج في أن ينتقد سيل سعاده وحزبه، ولكن أن يعمد إلى التزوير وتقويل الرجل ما لم يقله فهذه أمور رأيت أن أفندّها أولاً وأن أضعها أمام القارئ لكي يكون هو الحَكَم.
لم أستطع أن أفهم، مثلاً، لماذا لم يوضح لنا الكاتب إصرار رياض الصلح «الديموقراطي بالفطرة» (ص 745) و«المعلم الملهم» (744) أسباب عدم سماحه بعودة سعاده إلى بلده بعد هجرة قسرية امتدت من 1938 حتى 1947؟ كيف اعتبر سيل أنه يحق لهذا «الديموقراطي الملهم» أن يمنع مواطناً من العودة إلى أرضه؟ لم يذكر سيل أن السلطات اللبنانية الممثلة بالسفير اللبناني في الأرجنتين يوسف السودا رفضت بأمر من رياض الصلح إعطاء سعاده جواز سفر. إذا كان سيل يعرف ذلك ولم يشر إليه فهذا ما يضفي على كتابه صفة التزوير وعدم الأمانة التاريخية، أما إذا لم يكن يدري فالمصيبة أعظم. هنا أود أن أشير إلى ما ذكره كمال جنبلاط في استجوابه الثالث الذي قدمه لحكومة الصلح بشأن مقتل سعاده. كان جنبلاط في أوائل 1947 وزيراً للاقتصاد. يقول متحدثاً عن تلك الفترة: «وحاول سعاده الرجوع إلى لبنان لكن وزارة الخارجية حجزت عليه مأذونية السفر مدة طويلة بأمر من رئيس الوزراء آنذاك رياض الصلح، وهو عمل محض اعتباطي لا يقرّه العرف الدولي والقانون اللبناني... وكان السيد رياض الصلح يشترط دوماً إقصاء سعاده عن دفة الإدارة في الحزب...» (أنطوان بطرس: «8 تموز قصة محاكمة أنطون سعاده وإعدامه»، بيروت 2002، ص 234). لقد عاد سعاده إلى بيروت بعد حصوله على جواز سفر باسم أنطون مجاعص، وهكذا أحبطت مساعي الصلح، إذ من المعروف أن عائلة سعاده هي أحد فروع عائلة مجاعص الشويرية، ولجأ سعاده إلى استعمال الاسم الجديد في جواز سفره للعودة إلى وطنه.
عاد سعاده إلى بيروت يوم 2 آذار 1947 الذي اعتبره «أسعد يوم رأيته في حياتي»، وألقى خطابه المشهور من على شرفة منزل مأمون أياس في الغبيري بحضور آلاف من أعضاء حزبه. ويوم 13 آذار، أصدر رياض الصلح مذكرة توقيف بحقه مدعياً أن السبب هو: «الدعوة إلى اقتطاع جزء من لبنان، والإخلال بالأمن، والتفرقة بين الطوائف». («النهار» 15 ـــــ 16/3/1947).
السؤال هنا: إذا افترضنا أن ما ادعاه الصلح صحيح، رغم أن الخطاب كان عكس ما ادعاه الصلح، فما الضرر في أن يؤمن أي مواطن بأي شيء؟ وهل مجرد إلقاء خطاب يستوجب إصدار مذكرة توقيف استمرت ما يقارب الستة أشهر؟ لكن بالعودة إلى ذلك الخطاب يتبيّن لنا أن شعور رياض الصلح وحكومته بخطر سعاده وحزبه لا يعود إلى الاتهام الذي ألصق بسعاده بل إلى مواضيع أخرى طرحها سعاده في خطابه لا علاقة لها بلبنان ـــــ الكيان الذي يخاف عليه الصلح.
إن ادعاء الصلح كان مجرد قميص عثمان، فإصدار مذكرة توقيف لسعاده له، في منظار الصلح، مردود إيجابي مع القوى المذهبية اللبنانية بحيث يبرز بطل «الاستقلال العربي» أنه يتجاوز التشكيلات المذهبية في عدائها لسعاده وحزبه، وهذا ما يعود عليه بالتمجيد.
الواقع أن رعب الصلح جاء من العبارات الآتية: «أنتم لستم كالفئات الأخرى التي عملت اعتباطاً متنافراً بعضه مع بعض... إن عملكم لم يكن انتهازياً، لم يكن تحت حماية الحراب البريطانية كما أنه في الماضي لم يكن تحت حماية الحراب الألمانية أو الروسية أو غيرها». وقوله أيضاً: «نحن أصحاب العروبة الحقيقيون، وكان غيرنا أصحاب العروبة الباطلة». وأخيراً، وهنا بيت القصيد، حين حدد بوضوح صارم لا لبس فيه «إن جهادنا يستمر، ويجب أن تذكروا دائماً أن فلسطين السورية، هذا الجناح الجنوبي، مهدد تهديداً خطيراً». وهنا لبّ الموضوع بالنسبة للصلح، حين يتابع سعاده القول: «ولعلكم ستسمعون من سيقول لكم إن في إنقاذ فلسطين حيفاً على لبنان واللبنانيين، وإنه أمر لا دخل للبنانيين فيه. إن إنقاذ فلسطين هو أمر لبناني في الصميم...» (جريدة «صدى النهضة»، بيروت، العدد 245 في 5 آذار 1947).
لقد عاد سعاده في آذار 1947 رغم معارضة قيادة حزبه آنذاك، تلك القيادة التي حاولت المستحيل لمنع عودته وتجاهلت الإجابة عن رسائله المتكررة، وعندما أُسقط في يدها أرسلوا إلى لقائه في القاهرة وفداً لإقناعه بتبديل مواقفه حين يصل بيروت. كانت القيادة الحزبية آنذاك قد حل عليها «الوحي» فآمنت بلبنان «الأبدي السرمدي». بعضها، مثل نعمه تابت، وثّق علاقاته بكميل شمعون والسفير البريطاني، والبعض الآخر كان من المعجبين بأفكار شارل مالك، أمثال يوسف الخال وغسان تويني. هذا للتاريخ. كتابات سعاده حول هذا الموضوع، فضلاً عن معاناته بضعة أشهر للحصول على جواز سفر، واضحة ومتوافرة وموجودة في الأسواق لا مكان للعودة إليها في هذا السرد السريع.
إذاً الأزمة مع رياض الصلح بدأت قبل وصول سعاده إلى بيروت واستمرت ما بين آذار 1947 وتموز 1949. مذكرة توقيف لمجرد إلقاء خطاب، تلاها تعطيل الصحف والمجلات الحزبية، ومنع النشاطات الحزبية العامة، ومراقبة دقيقة هاتفية ويومية لنشاطات سعاده كما تظهر وثائق مدير الأمن العام الأمير فريد شهاب، ثم اعتقالات وأخيراً تخطيط محكم من حكومة الصلح بالتنسيق مع تشكيلة الكتائب لقتل سعاده، ونجح المخطط في 8 تموز 1949 بتصفيته مع مجموعة من أعضاء حزبه انتُقيت بالقرعة وعلى أساس طائفي وفق الأسلوب الديموقراطي للراحل رياض الصلح الذي يكره جداً الطائفية كما يدّعي سيل. هذا هو مختصر سريع لمجرى الأحداث. ماذا عن الخلفيات وكيف عالج سيل في كتابه ظاهرة سعاده وحزبه؟ لنبدأ بما يلي:
1ــــ في الثلاثينيات يقول سيل: «وعندما واجه سعاده خطر الاعتقال مرة أخرى (اعتقله الفرنسيون ثلاث مرات 1935، 1936 و1937 بينما بطل الاستقلال يسرح ويمرح) بسبب تودده لألمانيا قرر مغادرة بيروت فجأة». (ص 667)
وفي مكان آخر يقول «إن سعاده كتب في 11 تشرين الثاني 1939 في صحيفة سوريا Diario Syrio في سان باولو مقالاً مؤيداً للنازيين». (ص 397).
بالنسبة للاتهام الأول، أتحدى السيد سيل أن يشير إلى المقال الذي كتبه سعاده في بيروت متودداً للنازية. ليتفضل سيل أو من ساعدوه، وربما كتبوا له، أن يشيروا إلى المقال الذي استندوا إليه. صحيفة الحزب آنذاك كانت «النهضة»، وكتابات سعاده موجودة، والأمانة العلمية تقضي أن يشار إلى المصدر.
أما في ما يتعلق بمقال سعاده في ساو باولو، فليس هناك من حيث الشكل على الأقل جريدة اسمها Diario Syrio، كان هناك صحيفة اسمها «سورية الجديدة» أصدرها سعاده بشراكة مع قوميين من آل البندقي، وبعد صدور بضعة أعداد توقف سعاده عن إمداد الجريدة بالمقالات وأعلن رسمياً عدم علاقة الحزب بها ودعا إلى مقاطعتها بسبب انحرافها إلى دول المحور، ورسائله وتوجيهاته بهذا الخصوص واضحة، والجريدة موجودة على شكل مايكرو فيلم في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، فليتفضل السيد سيل ومن عمل معه ويبرزوا لنا هذا المقال الذي استندوا إليه. أقل ما يقال في هذا الإطار إن سيل يكذب، وهذا أمر مقزز كي لا نقول أكثر. بالطبع ليس للقيم الأخلاقية والمعايير العلمية وجود في جو التصفيق.
2ــــ في عرضه لوضع سعاده وحزبه أثناء الوجود القسري للمؤسس في المهجر الأرجنتيني يقول سيل: «أمضى سعاده فترة الحرب في أميركا اللاتينية، في شيء من الأمن والراحة، وواجه أتباعه في لبنان أوقاتاً عصيبة». (ص 668). ثم يضيف في مكان آخر: «بادر بعد عودته إلى حل المجلس الأعلى وتعليق عضوية أعضائه الذين قدموا تضحيات كبيرة للحفاظ على استمرارية الحركة في أثناء غيابه. لا شك في أن سعاده أراد بصرفهم بهذه الطريقة الفظة، إعادة توكيد سيطرته التامة على الحزب»! (ص 672). ما يريد أن يقوله سيل هو أن سعاده كان مرتاحاً يعيش برغد في المهجر بينما المناضلون ـــــ الذين عملوا مع السفارة البريطانية في بيروت ـــــ تعرّضوا للأخطار. لن أستفيض في تكذيب هذا الادعاء المفرط في التزوير، أيضاً رسائل سعاده وكتاباته في تلك الفترة تبرز مرحلة صعبة جداً واجهها الرجل في المهجر حيث دفعه الفقر والعوز إلى العمل مع زوجته في متجر لبيع القرطاسية والورق من أجل لقمة العيش.
3ــــ التحامل المبرمج على سعاده لا يفارق صفحات الكتاب. يدرج سيل مجموعة من الاتهامات والأضاليل المتناقضة. مثلاً: «عاد عليه دفاعه عن آرائه [أمام المحكمة المختلطة سنة 1935 عندما اكتشف أمر الحزب] بإصرار وعناد ببعض السخرية» (ص 393)، «ولعله [لاحظ كلمة لعله] تأثر بأفكار الكاهن اليسوعي هنري لامنس» (ص 393) أو «عندما نودي عليه باسم أنطوان سعاده [في المحكمة الفرنسية] لم يجب إلا عندما أُبدل الاسم السرياني أنطون بالاسم الفرنسي أنطوان» (ص 394) ـــــ إنه أمر مثير للضحك والسخرية ـــــ رفض سعاده الإجابة عندما نودي عليه باسم أنطوان، لكنه أصر على اسم أنطون العربي، لكن الأمور اختلطت على السيد سيل بين العربي والسرياني، فهو أصلاً لا يتقن العربية ناهيك بالسريانية، على أية حال هذا تفصيل.
من ناحية أخرى، لننظر كيف يغمز سيل ومَن وراءه من قناة حزب الله في معرض تحامله على سعاده.
يقول السيد سيل إنه: «بعد المحاكمات الفرنسية لأنطون سعاده في الثلاثينيات، أعجب الناس بموقفه أمام المحكمة (عجباً! في المقطع السابق ادعى أن موقفه كان مدار سخرية) وأعجبوا بتنظيم الحزب الذي تمكن في أوقات الأزمات الاقتصادية من تأمين الخدمات العامة وعدد كبير من الوظائف (مثلما فعل حزب الله في وقت لاحق)». (ص 395).
هذا كلام لا يحتاج إلى تعليق. إنه مهين لصاحبه وقمة في الهراء. أولاً في تبريره السخيف لانتشار أفكار سعاده بين الناس، وبصورة خاصة في معاقل آل الصلح وتحديداً بين المثقفين والمهنيين من السنّة، على الأقل لم يعتمد سعاده على «قبضايات الأحياء» الذين هم مصدر قوة رياض الصلح كما يقول باتريك سيل في (ص 403)، لا بدّ أنها زلة لسان منه غير مقصودة طبعاً.
أما جوابنا على الوظائف التي أغرى بها سعاده أعضاء حزبه كما يدعي سيل فنقول إن سعاده اتهم بالكثير: يميني، نازي، عدو لبنان، عدو العرب، ولكن بعد مراجعة كل ما كتب من سلبيات بحق سعاده، أهنئ السيد سيل على هذا الاكتشاف، الذي لم يسبقه إليه حتى أكثر الفئات عداوة لسعاده.
لم ينتشر حزب الله بسبب الوظائف والخدمات الاجتماعية، على أهميتها، بل انتشر وانتصر لأن النظام السياسي الذي أرساه السيد الصلح لم ينشر سوى الموت والفقر والجوع والمهانة في «الأقضية الأربعة» التي ناضل آل الصلح لإلحاقها بلبنان الكبير في مؤتمر الساحل. لماذا لم يذكر سيل، مثلاً، أن كاظم الصلح الذي حضر مؤتمر الساحل في حديقة منزل أبو علي سلام في الدوحة هرب من الاجتماع بعدما قذف بالليمون لموقفه «الوطني»؟ لقد واصل الصهاينة عمليات القتل بدون أي رادع ضد اللبنانيين والفلسطينيين المقيمين على الأراضي اللبنانية، كي لا نقول بتواطؤ من هذا النظام. ورغم ذلك كان الانتصار على صهاينة فلسطين ومرتزقتهم في بيروت في سنوات 2000 و2006، وهذا الانتصار هو بحق من أروع الانتصارات في التاريخ العربي الحديث، وهو هو العروبة الحقيقية والاستقلال العربي الحقيقي.
عن الوحدة العربية والحركة الصهيونية
في موضوع فلسطين والحركة الصهيونية يدّعي سيل أن «ثمة مجالات أخرى اقترب فيها سعاده كثيراً من سلب مُثل رياض الصلح التي يتمسك بها. فقد دعا سعاده إلى إنهاء النظام الطائفي وقيام الأمة السورية الكبرى على أساس المواطنية المشتركة لا على أساس الانتماء الديني أو العرقي. وذلك هدف وضعه رياض نصب عينيه في لبنان، لكنه لم يستطع تحقيقه في ذلك الوقت» (ص 679). يريدنا سيل أن نعتقد أن همّ رياض الصلح هو إنهاء النظام الطائفي، لكننا نسأله عمّن أقام هذا النظام ومن تربع على عرشه؟ وما المشكلة في إنهائه؟ الحقيقة أن هذه النقطة نعتبرها قمة الذكاء من سيل الذي يريدنا أيضاً أن نعتقد أن الصلح يريد الوحدة السورية! عجباً! أترك للقارئ أن يستوعب هذا الأمر. ولكن لا بد هنا من الإشارة إلى ما ذكره يوسف سالم، صديق رياض الصلح، في معرض الإشادة برياض حين قال: «إن رياض يقول بأن لبنان ذو وجه عربي وليس بلداً عربياً». وإنه كان يردد: «لا وحدة سورية ولا انتداب». (يوسف سالم «50 سنة مع الناس»، دار النهار، بيروت 1898، ص 155).
رغم الكلام الموثق أعلاه يصر سيل على القول إن الصلح هو من دعاة الوحدة السورية. وهنا لا بد من التنويه بتحليل دقيق لمواقف الصلح من موضوع الوحدة أشار إليه كمال جنبلاط في استجوابه الثالث لحكومة الصلح بعد مقتل سعاده حين علق على خطاب الصلح بمناسبة رأس السنة 1948 قائلاً: «هذا الخطاب الغريب في بابه والذي لم يرد فيه ذكر للعروبة ولا للوجه العربي، كأنما كان يقصد التنقل فيها (والوجوه تلبس في أوقاتها). إذا لم نعتمد تذكير رئيس الحكومة بالماضي الذي كان يتنكر فيه حضرته للبنان (الشاطئ السوري) ويطالب بالوحدة السورية التامة، وبالإمبراطورية العربية إلى غير ذلك من الأنغام التي تعودناها من أكثر السلبيين خارج الحكم والتي كانت تطرب لها الجماهير اللاواعية...» (أنطوان بطرس، مصدر سبق ذكره ص 232). ويضيف جنبلاط: «إن العروبة الحقيقية تتنقل في الواقع من الساسة الممتهنين الذين غيروا أو بدلوا ألف مرة ومرة أفكارهم واتجاهاتهم السياسية. وفي كل مرة يعللون هذا التغيير بشتى الأعذار والأسباب والاعتبارات التي لا تدل إلا على وهن العقيدة في نفسهم وعلى رغبتهم في الوصول». (المصدر السابق، ص 233).
من ناحية أخرى، يدعي سيل كذباً (في ص 678) أن سعاده «أبلغ الصحافة أن على العرب القبول بتقاسم فلسطين مع إسرائيل كأمر واقع، في ذلك الوقت كانت هذه العبارة مثيرة للغضب [الآن قمة الوطنية بالنسبة إلى سيل] ورأى بعض الأشخاص أنها تؤكد صلة سعادة بالبريطانيين». ماذا يمكن المرء أن يرد على مثل هذه التفاهات وهذا التزوير؟
أين هو تصريح سعاده؟ في أية صحيفة أو مطبوعة؟ نورونا. إن موقف سعاده من المسألة الفلسطينية منذ عشرينيات القرن العشرين إلى آخر يوم في حياته واضح، فهو في ما كتب وفعل ليس بحاجة إلى شهادة حسن سلوك من أحد. وقد نعذر سيل لأسلوب التزوير الذي اعتمده فلذلك سبب معروف.
إن اتهام سعاده بالموافقة على تقسيم فلسطين يدحضه سيل شخصياً في الصفحة 697 من كتابه إذ يقول: «لم يكن سعاده يقبل النقاش، فهو منظّر أيديولوجي لا يؤمن ولا بتسوية.... وساد اعتقاد في بيروت أنه ديماغوجي وثوري خطير يجب التخلص منه». إذاً أوضح لنا سيل بدون أدنى شك أن النية في بيروت [بالتحديد لدى رياض الصلح والفريق الحاكم، كما سنوضح لاحقاً] تصفية سعاده. وعلى أساس قول سيل إن سعاده «منظّر أيديولوجي لا يؤمن ولا بتسوية»، كيف يفسر لنا ادّعاءه بقبول سعاده تقسيم فلسطين والتسوية؟ وهنا نود أن نشير إلى حقيقة موقف رياض الصلح من تقسيم فلسطين التي لم يشر إليها السيد سيل.
يقول الأمير عادل أرسلان وزير الخارجية السوري، وهو بالمناسبة كان على خلاف شديد مع سعاده، في مذكراته، إن الحاج أمين الحسيني كتب إليه يرجوه ألا تعترف سوريا بإسرائيل. ويذكر أرسلان بتعجب: «من قال له إننا نميل إلى ارتكاب خيانة كهذه؟» (ص 831)، ويضيف: «نزلت إلى بيروت وزرت رئيس الجمهورية [بشارة الخوري] فأخبرني أن الوفود العربية في لوزان، وهي وفود مصر والأردن ولبنان وسوريا، قد وقّعت بالتتابع بروتوكولاً على أساس التقسيم. فدهشت لهذا النبأ ثم سألت رئيس وزراء لبنان [رياض الصلح] حقيقته فقال لي: «لم أطّلع على شيء» وإن وزير الخارجية حميد فرنجية سافر اليوم إلى زغرتا». (مذكرات الأمير عادل أرسلان، الجزء الثاني 1946 ـــــ 1950 تحقيق يوسف ايبش، الدار التقدمية ـــــ بيروت، ص 831).
ويشير أرسلان في مكان آخر إلى مواقف حكومة رجل «الاستقلال العربي» بقوله: «حكومة لبنان تسمح بهجرة اليهود إلى فلسطين، وممثلها في اللجنة الأولى في الأمم المتحدة يغيب عن الجلسة ساعة الاقتراع على قضية ليبيا، وذلك من أجل إيطاليا...» (ص 834). أيضاً وفي سياق الادعاء بقبول سعاده بفكرة التقسيم، نسأل السيد سيل هل بإمكانه أن يفسر لماذا مَنعتْ حكومة الصلح المهرجان الذي دعا إليه سعاده في 2 تشرين الثاني 1947 في فندق نورمندي لرفض وعد بلفور؟
يختار باتريك سيل ما يناسبه ويخفي الكثير عن العلاقات والمفاوضات والحوارات بين رياض الصلح والصهاينة، بينما يستفيض في سرد وقائع المحادثات بين الصهاينة وجورج أنطونيوس وبعض قادة الكتلة الوطنية في دمشق وقادة فلسطينيين، ولكن رغم ذلك نسير مع باتريك سيل في خطاه وننقل عنه التالي، على طريقة من فمك أو قلمك أدينك.
يتحدث سيل عن ذكاء رياض الصلح وبراغماتيته في موضوع الاستيطان الصهيوني في فلسطين فيقول: «في العقد التالي [الثلاثينيات] كانت حجة رياض تقوم على أنه إذا تمكن من إقناع الصهاينة بوضع ثقلهم السياسي والمالي خلف قضية استقلال عربي يجمع سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن [لم نكن نعلم أن رياض الصلح كان يحاول إقناع وايزمن بالوحدة السورية لا الوحدة العربية] فإنه سيتمكن من التوصل إلى «وعد بلفور عربي» يمنح بموجبه اليهود وطناً داخل هذا الكيان العربي الواسع والواثق. فعرض ذلك على ديفيد بن غوريون وموسى شرتوك في عام 1934 وعلى حاييم وايزمن نفسه في عام 1936، معتقداً أن في وسعه إقناع عرب فلسطين بقبوله، لكن الصهاينة كانت لهم أهداف أبعد من ذلك» (ص 288).
السؤال هو: مَن خوّل رياض الصلح إعطاء «وعد بلفور عربي» يمنح بموجبه قسماً مهمّاً للهجرة الاستيطانية إلى فلسطين؟ وهل موضوع الحقوق الوطنية في فلسطين هو للمساومة والمقايضة في سوق الخُضَر كما يجري اليوم؟
أعود إلى نقطة ثانية وأخيرة، كي لا أطيل في هذا الموضوع على أهميته، إذ يقول سيل: «كان على رياض أن يعيش في صراع بين معارضته التامة لفكرة إقامة «وطن قومي لليهود» كما تملي عليه فطرته، واعتماد نهج أكثر حذراً وتعقلاً من الناحية السياسية، يقوم على حقائق القوة»، (ص 287).
الخلاصة هي: بما أن اليهود أقوياء يجب أن نوافق على شروطهم باعتماد البراغماتية والحذر والتعقّل. أليس هذا ما يفعله الآن دحلان ومحمود عباس؟
إن الفهم السطحي للحركة الصهيونية وأهدافها لدى الصلح وأمثاله هو السبب في ضياع فلسطين وفي قيام المستوطنين اليوم بوضع الأسس النهائية لابتلاع كل فلسطين، فمن قبل بالتفريط باللد والرملة وحيفا وعكا وسمسر لبيع الأراضي في الجليل (منها أسر لبنانية وطنية جداً) أوصلنا إلى ما لا نحسد عليه اليوم.
يخفي سيل حقيقة ما جرى بين كل من وايزمن وشرتوك وبن غوريون مع السيد الصلح. هنا أود أن أعيد نشر ما جاء في دراسة قيّمة كتبها أسعد أبو خليل في مجلة «الآداب» بعنوان «أقنعة الفرنكوفونية ـــــ بطلان الثقافة اللبنانية». فالمعلومات التي نشرها أبو خليل استناداً إلى مذكرات بن غوريون أخفاها سيل ولم يشر إليها. نقتطف من دراسة أبو خليل الآتي:
«إن الاتهام الأخطر هو حول علاقة الصلح بالمنظمة الصهيونية المركزية، ويمكن تدعيمه بالنظر إلى الأوراق الخاصة لحاييم وايزمن، أول رئيس دولة لإسرائيل. فقد ورد في هذه المذكرات خبر اتصال الياس ساسون برياض الصلح (والأول هو من الروّاد السبّاقين في تجنيد عرب لمصلحة الصهيونية ونجح أيما نجاح في ذلك مع حزب الكتائب بحسب كتاب Kristen E. Schulze «دبلوماسية إسرائيل السرية في لبنان» الصادر في نيويورك عن دار نشر سانت مارتين عام 1998) انظر ص280 من كتاب وايزمن، وقد صدر في القدس المحتلة عن «منشورات جامعات إسرائيل» عامي 1974 ـــــ 1975. ويورد محرر المجلد، واسمه برنارد واسرتين، معتمداً على وثائق إسرائيلية وصهيونية غير منشورة، وذلك في حديثه عن اجتماع سري في منزل المموّل الصهيوني روتشيلد مع وايزمن، أن الصلح كان «تحت واجب مالي من الصهاينة». أي إنه كان مدفوعاً مالياً من قبلهم، والعبارة بالإنكليزية: He was under financial obligation to the Zionists ، وقد تطوع الصلح في تشرين الثاني 1921، وبعد لقاء خاص مع وايزمن، لإقناع مجموعة من «السوريين» باللقاء مع الصهاينة بمن فيهم صديقه وايزمن نفسه، فتم الاجتماع في 18 آذار 1922 في القاهرة (وذلك أيضاً بحسب مذكرات وايزمن نفسها، المجلد 11، السلسلة A أيضاً الصادرة بين يناير 1922 ويوليو 1923 ـــــ الرسالة رقم 75) وفي بيان رسمي أمام اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية في أكتوبر 1921 ذكر وايزمن أن الصلح كان مستعداً «لقبول الصهيونية ووعد بلفور كأمر واقع، (انظر المذكرات نفسها، السلسلة B، المجلد I، أغسطس 1898 ـــــ يوليو 1931، وقد صدرت في نيو برونزويك عن منشورات كتب Transaction عام 1983، ص 234) وفي الصفحة نفسها أشار محرر هذا المجلد (وهو غير محرر المجلد الأول) إلى أن الصلح كان مدفوعاً من الصهاينة، وأنه كان في مهمة اتصال سلمي مع اليهود حين اغتيل. («الآداب» 9/10/2001).
ويشير مصدر آخر إلى أنه في المفاوضات التي جرت بين رياض الصلح ووايزمن في 2 تشرين الثاني 1921، سأل رياض وايزمن إذا كان «مستعداً للتخلي عن إقامة دولة يهودية في فلسطين، وكان الجواب أن ما من أحد يؤكد أن ذلك لن يحصل» (Aharon Cohen, Israel and the Arab world, New York, 1970, P.85).
رغم الجواب القاطع لوايزمن تواصلت مفاوضات الصلح ومحمد رشيد رضا صاحب «المنار» والصحافي اللبناني إميل الخوري مع القادة الصهاينة في 19 آذار 1922 وفي 2 نيسان 1922، والحوار كان يدور حول الاتفاق لتحقيق أماني الصهانية بالتفاهم (المصدر السابق، ص 86) وكان وايزمن في الاجتماع الثاني مرتاحاً وكان يعتبر أن رياض الصلح مدين مالياً للصهاينة» (المصدر السابق أيضاً).
واصل الصلح اجتماعاته بفريدريك كيش رئيس اللجنة الصهيونية التنفيذية في 3 نيسان 1923 وقام بعد الاجتماع بزيارة الأمير عبد الله الذي كان يتفق معه في الرأي. ( Frederick Kich, Palestine diary, London 1938, P. 47).
يمكننا الاستنتاج من كلام سيل أن عدم اعتماد زعماء العروبة، ومن بينهم الصلح، آنذاك، السياسة البراغماتية في التعامل مع الصهاينة أوصلنا إلى هذا الوضع. والواقع أن همّ زعماء ذلك الزمان (كزعماء اليوم) كان محلياً يستهدف تدعيم زعامتهم. وهذا ما لاحظه سيل حين قال (ص 403): «على الرغم من أن رياض لم يكن لديه حزب سياسي أو ميليشيا خاصة، فقد وفر له «قبضايات» الأحياء مصدراً للقوة. وكان رياض يعرف من هم في كل حي من أحياء بيروت، وكذلك في صيدا. وقد حرص كثيراً على صداقتهم وإشباع غرورهم وتنمية ولائهم من خلال الخدمات المتبادلة المادية والرمزية. واستعان بهؤلاء القبضايات في الانتخابات النيابية ـــــ وبخاصة انتخابات 1943 الحاسمة ـــــ «كمفاتيح انتخابية» لحشد الأصوات. ولم يكن هؤلاء حلفاء مهمين فحسب، بل ساهموا أيضاً في فرض سلطته السياسية عند الضرورة. لقد كانوا أصدقاءه الذين يمكن التعويل عليهم للجوء إلى القوة عند الحاجة. وأظهرت دراسة أجرتها السلطة اللبنانية عام 1943 وجود واحد وثمانين قبضاياً في بيروت: واحد وخمسون منهم مع رياض الصلح وتسعة مع عبد الله اليافي وسبعة مع أيوب ثابت».
ولكن لم يذكر لنا سيل كيف أن قائد القبضايات البراغماتي، الديموقراطي، الذي يعرف كل شاردة وواردة عن قبضايات الأحياء، لم يدرك أن محاولته إقناع وايزمن وبن غوريون بالوحدة العربية أو السورية أمر مستحيل! للأسف زعيم القبضايات الذي بنى سلطته على قوتهم لم يستطع بلف وايزمن وبن غوريون. وقد يكون السبب أن صهاينة ذلك الزمان لم يقيموا أي اعتبار للصلح وقبضاياته الواحد والخمسين في شوارع بيروت، لذلك أهملوا اقتراحاته ووعوده لهم، ونتيجة لذلك حلّت بنا المصائب. ولكن للإنصاف تغلب الصلح بعدد القبضايات على اليافي وثابت. ترى، كيف استطاع باتريك سيل تحديد عدد قبضايات رياض الصلح، وهذا موضوع مهم جداً لتحقيق الاستقلال العربي، ولم يستطع أن يعرف أو أن يشرح ماذا جرى بين الصلح وبن غوريون وغيره من القادة الصهاينة حتى بعد قيام دولة إسرائيل سنة 1948؟ هذا ما سأوضحه لاحقاً.
«وعد بلفور عربي» للصهاينة
لننتقل من موضوع الحركة الصهيونية وعلاقاتها مع الصلح التي يمكن تلخيصها وفق عرض سي بأن الرجل عرض عليهم اقتراح «وعد بلفور عربي» مقابل الذهب والاتصالات الدولية لمصلحة الوحدة العربية. رفض الصهاينة عرض الذهب والوعود مقابل الأرض، واليوم يرفض أيضاً الصهاينة عرض الأرض مقابل السلام. لكن ماذا عن هذه العروبة الزائفة، عروبة السمسرة التي هي بمثابة قميص عثمان التي كانت ترفع بوجه سعاده بين الحين والآخر، والتي يقول سيل عنها: «وفيما كان العرب سائرين نحو الهزيمة شكك سعاده في عدد من المقالات النازية بالعروبة ووصفها بأنها مبدأ فاشل وأنها مسؤولة عن هزيمة الجيوش العربية في فلسطين» (ص 678). يدعي سيل أن هذا الأمر كان بمثابة طعنة للسيد الصلح. لم يشكك سعاده بالعروبة بل كتب مقالاً بعنوان «العروبة أفلست»، وقال في مقال آخر أيضاً إن «الانعزالية أفلست». وكرر سعاده في أكثر من مقال وخطاب: «إننا حاربنا العروبة الوهمية لنقيم العروبة الواقعية». وأوضح: «في فلسطين أفلست عروبتكم إفلاساً كاملاً باهراً».
كيف يمكن وصف خسارة فلسطين وقبول التقسيم بأنه انتصار؟ أليس هو الإفلاس بعينه لعروبة الملك فاروق، وعروبة الملك عبد الله وغلوب باشا قائد الجيش العربي المظفر، وعروبة نوري السعيد والجيوش العربية المرسلة إلى فلسطين تحت شعار «ماكو أوامر»، ناهيك بالأسلحة الفاسدة؟
ولا بد، قبل اختتام الحديث عن تشكيك سعاده بالعروبة الذي أثاره سيل، من الإشارة إلى المقاربة التالية التي، باعتقادي، تمثّل خير تمثيل عروبة رياض الصلح والطبقة السياسية في ذلك الزمان. إنها عروبة المناسبات. لقد كان منافس الصلح على رئاسة الوزارة في لبنان خير الدين الأحدب من غلاة الداعين إلى العروبة والوحدة السورية، وعندما جاء به إميل اده عام 1937 إلى رئاسة الحكومة، تعجب أصدقاؤه وسألوه عن سبب تبديل موقفه والتعاون مع اده المعروف بمواقفه المعادية لأي فكرة وحدودية. وكان الجواب، كما يذكر اسكندر رياشي في كتابه «قبل وبعد»: «كنا نعرف خير الدين الأحدب بالأمس عربياً قحّاً، وأحد كبار الحركة الثورية العربية... وإذا بالأستاذ إميل اده يكتشف فجأة أن هناك أيضاً خير الدين الأحدب اللبناني الانفصالي عندما كلفه تأليف وزارته الأولى في كانون الثاني 1936. وكان الأحدب يقول في فطنته الغريبة: «إذا قرر العرب الوحدة، فليس وجودي في سراي لبنان يمنعهم من تحقيقها، وإني سأجد سبيلاً لأن أعود عربياً عند ذلك» (اسكندر رياشي «قبل وبعد»، دمشق، الطبعة الثانية، 2006 ص 151 ـــــ 152). وهذا بالضبط ما قام به لاحقاً رياض الصلح حين ترأس الحكومة اللبنانية.
سيل وإعدام سعاده
نفذ رياض الصلح وثلاثة آخرون من أركان النظام اللبناني أول إعدام سياسي في تاريخ لبنان، وذلك في غضون ساعات قليلة وبمحاكمة صورية لأنطون سعاده صبيحة الثامن من تموز 1949. ولا بأس من عرض خلفيات عملية القتل هذه ما دام السيد سيل قد أخرج الجريمة إخراجاً تبريرياً مغلوطاً، ملصقاً النعوت والاتهامات بسعاده على الشكل التالي: «سقوط سعاده ضحية أوهامه» (ص 698). و«لم يكن سعاده يمتلك أياً من الصفات التي يتمتع بها السياسيون الناجحون، لم يكن يتسم بالمكر، والبراغماتية، والقدرة على تقييم الأوضاع بواقعية، وروح التسوية». (ص 666 ـــــ 667).
إذاً، عيب سعاده بالنسبة إلى سيل أنه لم يكن ماكراً. ويصف سيل ما جرى في الجميزة من إحراق لمطبعة جريدة الحزب «الجيل الجديد» واعتداء الكتائب على القوميين الموجودين في المطبعة بأنه مجرد اشتباك بالصدفة، ويكذب حين يدعي أن القوميين شنّوا سلسلة من الهجمات المسلحة في وقت واحد بعد حادثة الجميزة. وسأستعرض في سياق هذا البحث المزيد من التبريرات والأضاليل التي جمعها سيل وصحبه بهدف تسويق عملية القتل. ولكن بالعودة الى ما كتبه سيل عام 1966 في كتابه «الصراع على سورية» يتبين لنا أن وصفه لجريمة قتل سعاده في ذلك الحين يتعارض مع وصفه للجريمة في كتابه الجديد بعدما تقرّب من العائلة. هنا أود أن أنقل ما ذكره سيل في كتابه الأول للدلالة على التلاعب الذي أقدم عليه.
يقول: «حل الحزب في 16 تموز واعتقل أعضاؤه. إن الطبيعة الحقيقية للصفقة التي خان بموجبها الزعيم (حسني الزعيم) سعاده لا تزال غير معروفة. لقد تم التداول في مصادر عدة أن رئيس الوزراء (رياض الصلح) «اشترى» أنطون سعاده من الزعيم وأنه تم الضغط على الديكتاتور السوري لتسليمه. وليس من قبيل الصدفة أنه خلال وقت قصير وقع الزعيم اتفاقاً اقتصادياً مع لبنان منهياً مرحلة طويلة من النزاع». ويضيف «من الممكن الافتراض أن الدول الكبرى لم تكن غير سعيدة بتدمير حركة يمينية متطرفة هددت مصالحهم وكذلك الاستقرار في المنطقة» ص 71 (Patrick Seale: The Struggle for Syria, Oxford University Press, 1966).
وبالعودة الى أحداث تلك الحقبة، يظهر بوضوح أنه تقرر في جلسة مجلس الوزراء برئاسة الصلح يوم 6 حزيران 1949 تصفية سعادة جسدياً. كان موضوع الجلسة الرئيسي نشاطات سعاده وحزبه. وقامت قيامة الصلح وبعض الوزراء وفي طليعتهم محامي التابلاين حبيب أبو شهلا، على سعاده. الجو كان معبّأً ضده وضد حزبه، واتخذ في ذلك الاجتماع قرار «بملاحقة الحزب وسعاده». هذه العبارة وردت حرفياً في الجلسة. ولتسهيل تنفيذ القرار تحمل رياض الصلح المسؤولية وتقرر إنشاء مجلس أمن قومي ترأسه الصلح، كما حدد ليل يوم 12 حزيران 1949 موعداً لبدء المداهمات. كان على سيل الإشارة إلى ذلك لكنه لم يفعل. إن التفاصيل التي سأوردها هنا مستقاة من مخطوطة كتبها أحد المسؤولين القوميين الذين كلفهم سعاده القيام بالاتصالات مع الصلح ورئيس الجمهورية آنذاك بشارة الخوري لتطويق مضاعفات ما جرى في الجميزة. هنا لا بد من الإشارة إلى أن مقررات مجلس الوزراء كانت قد وصلت إلى سعاده من أحد الوزراء الذي اتصل بالقومي المكلف القيام بمفاوضات مع أركان السلطة، إذ قال الوزير ما يأتي: «الليلة البارحة كان عندنا جلسة في مجلس الوزراء وقامت القيامة عليكم من رئيس مجلس الوزراء وبعض الوزراء فوقفت أنا أدافع عنكم فلم أوفق بتهدئة الحالة، وبالنتيجة اتخذ قرار إجمالي بملاحقتكم وإبادة فعلية للحزب. اذهب لعند الزعيم وأخبره بالأمر. وأرى من المناسب أن تتصلوا برياض الصلح وتدخلوا معه بمفاوضات للرجوع عن القرار المتخذ ضدكم». أبلغ سعاده بمعلومات الوزير كما أرسل فريد الصباغ لمقابلة خليل الخوري ابن رئيس الجمهورية الذي اطلع من الصباغ على قرار الحكومة المتخذ بملاحقة الحزب. بعد ساعتين اتصل الخوري بالصباغ وأبلغه «أن رياض الصلح متحمس لملاحقتكم والقضية تتعلق برياض الصلح، ووالدي ليس بيده شيء، والمراجعة يجب أن تكون مع رئيس الوزراء». أطلع الصباغ سعاده على موقف رئيس الجمهورية. وفي مساء التاسع من حزيران قصد سعاده مكاتب جريدة «الجيل الجديد» في الجميزة. وفي ذلك المساء هاجم الكتائبيون المطبعة وأحرقوها وجرحوا سبعة من القوميين بعد مغادرة سعاده مكاتب الجريدة بدقائق. يا للصدفة! كانت الكتائب عام 1949 مخلب قط لجأ النظام اللبناني اليه للتحرش بسعاده، ولعبت الدور نفسه في قتل الفلسطينيين بحادثة بوسطة عين الرمانة في نيسان 1975.
انتقل سعاده بعد وصول خبر الاعتداء على مكاتب الجريدة في الجميزة من منزله في رأس بيروت الى منزل منير الحسيني المشرف على باحة سجن الرمل. ومن هناك أوعز مجدداً بمواصلة الاتصالات مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بهدف تجنب المواجهة مع السلطة، وهو الذي يعرف أن المخطط الذي وضعه رياض الصلح قد بوشر تنفيذه بعد دهم منزله وبدء موجة من الاعتقالات في شتى المناطق.
في تلك الليلة تلقى سعاده اتصالاً من ادمون طوبيا يعلمه أنه «موجود في دار صهره خليل فضول، معنا هنا فخامة رئيس الجمهورية الشيخ بشارة نلعب الورق «بريدج» وحضرة الرئيس تلقّى مخابرة هاتفية من رياض الصلح يدعوه بسرعة ليترأس مجلس الوزراء في القصر الجمهوري، فأجابه رئيس الجمهورية: لماذا هذه السرعة يا دولة الرئيس؟ وكان الجواب: يجب حضورك حالاً لجلسة استثنائية لأن أنطون سعاده أعلن التعبئة العامة في حزبه وقرر القيام بانقلاب في البلاد، لذلك نرجو حضوركم بسرعة».
يضيف ادمون طوبيا: «عندما ترك فخامة الرئيس السماعة توجه نحوي وقال: يا إدمون إن زعيمكم سعاده قرر القيام بانقلاب وتسلّم الحكم. انهض حالاً واطلبه على الهاتف واستعلم منه عن صحة هذا الخبر وقل له ألا يفعل شيئاً من ذلك. عندئذ طلبنا حضرة الزعيم ورجوته أن يطلعني على حقيقة هذا النبأ بالضبط، الأمر الذي نفاه الزعيم جملة وتفصيلاً». وبعد مراجعة ثانية للشيخ خليل الخوري وشرح حقيقة الموقف له ليبلغه الى والده كان الجواب النهائي للخوري: «إن هذه القضية محصورة بمجلس الأمن ومجلس الأمن يترأسه رياض الصلح وعليكم مراجعة رياض».
وكُلِّف نجيب الصايغ الاتصال برياض الصلح والبحث معه لإيجاد طريقة سلمية ولعدم تطور الأمور، وكان الحزب يكلّف الصايغ عادة الاتصال برياض الصلح نظراً لصداقته معه، كما أنه كان منتمياً للحزب وساهم بدور فعال عام 1947 لإلغاء مذكرة التوقيف بحق سعاده. وبعد يومين من الاتصالات المكثفة مع الصلح، اقتنع الأخير بلقاء المندوب الحزبي الذي يشرح بالتفصيل الحديث الذي جرى مع رئيس الحكومة على الوجه الآتي:
«دخلنا بيت رياض الصلح فوجدناه في غرفة النوم، ثم استقبلنا على الفراندا. وبعد جلوسنا فترة وجيزة قال: ماذا تريد هذه المرة؟ قلت له: يا دولة الرئيس جئت لأبحث معكم عن الأسباب التي حملتكم على ملاحقتنا بهذا الشكل الذي لا مبرر له على الإطلاق، ولكي تذكر لي ما هي الذنوب التي ارتكبناها لتحملوا علينا هذه الحملة. إذا كانت حادثة الجميزة السبب يكون عملكم هذا بالمقلوب لأن الواجب يقضي بملاحقة الكتائب لأنهم هم المعتدون علينا واعتداؤهم ظاهر. فضحك وقال: إن قضية الجميزة قضية ثانوية جداً بالنسبة إلى الأشياء التي اكتشفناها عليكم. قضية الجميزة نعتبرها قضية جزئية عادية والتحقيق سيأخذ مجراه واللعبة ستقع على المعتدين، لكن أريد أن أصارحك بشيء له أهمية كبرى، وهو أنه من ستة أشهر ونحن نراقب رفاقكم وزعيمكم عن كثب والنتيجة اتضحت لنا وهي علاقتكم مع دولة أجنبية وعدوة. فقلت له من تقصد بهذه الدولة؟ أجاب: إسرائيل، وعندما تأكدنا ولمسنا لمس اليقين وتثبتت العلاقة الخطرة قررنا ملاحقتكم».
إن دور الصلح واضح في عملية القتل، ولعدم الاستفاضة في المزيد من التفاصيل أقول إن المذكرات والمقابلات التي نشرت، سواء لبشاره الخوري وسامي الصلح وعادل ارسلان وفريد شهاب وحسين الحكيم وخالد العظم ويوسف سالم وفريد صباغ وغيرهم من شهود العيان الكثيرين، تلتقي عند نقطة واحدة وهي ضلوع رياض الصلح في عملية القتل، وخاصة بعدما وقّع على مرسوم الإعدام بوصفه أيضاً وزيراً للعدل، وهذا بالطبع لا يعفي غيره من المسؤولين الذين وقعوا على المرسوم بدءاً برئيس الجمهورية بشارة الخوري ووزير الدفاع مجيد ارسلان. وحده شذّ عن هذه القاعدة زهير عسيران صديق رياض الصلح الذي نفى في مذكراته التي نشرها له غسان تويني أن يكون للصلح علاقة بإعدام سعاده بينما بشّرت جريدته «الهدف» المواطنين بأن سعاده سيُعدم.
ويواصل سيل التعمية واختيار ما يناسبه من أحداث في محاولته الفاشلة لتغطية دور رياض الصلح الحقيقي الذي يلصقه بحسني الزعيم وحده فيقول: تم نقل (سعاده) تحت الحراسة الى الحدود اللبنانية في ليل 6 ـــــ 7 تموز/يوليو. وهناك سلم الى الأمير فريد شهاب، المدير العام للأمن العام ـــــ «شرط» أن يقتل في أثناء رحلته الى بيروت. كانت شروط الزعيم أن يقتل سعاده عند «محاولته الهرب» لحماية العقيد دون شك من تهمة الخيانة ولإخفاء تفاصيل أسرار تعاملاته معه» (ص 692). يستند سيل في ما قاله إلى تقرير دبلوماسي بريطاني صادر من بيروت يوم 7 تموز 1949. الواقع أن ما ذكره صحيح ولكن على طريقة لا إله فقط. ما لم يذكره سيل اطّلع عليه بالتأكيد في مصدر سبق أن استند اليه في كتابه، وهو وثائق الأمير فريد شهاب المتعلقة بسعاده والحزب السوري القومي الاجتماعي. يقول الأمير شهاب في مقابلة صحافية أجريت معه: «الساعة الثانية ليلاً وصلت إلى حدود المصنع وكانت وقتها مفتوحة لا وجود لأمن عام أو جمارك. انتظرنا ربع ساعة، عندها وصل 12 أو 15 مخبراً باللباس المدني في سيارات عديدة وكان معهم الزعيم. سلموني إيّاه وسلمته بدوري الى الضابط العسكري الكبير (رفض فريد شهاب البوح باسمه لأن ذلك من موجبات المهنة كما قال) وسرت أنا بسيارتي أمامهم. عندما وصلنا إلى قرب عنجر أشار لي الضابط العسكري الكبير بالتوقف. توقفت فترجل الضابط من سيارته واقترب مني قائلاً: «معي أوامر بتصريفو، شو رأيك؟» أجبته مباشرة وبحدة: «أنا أمانع بشدة، نحن لسنا قَتَلَة، وهذا التصرف ليس تصرفاً سليماً بحق الدولة»، فأجابني على الفور: «أنا كمان من رأيك» (أحمد أصفهاني: «أنطون سعاده والحزب السوري القومي الاجتماعي في أوراق الأمير فريد شهاب»، دار كتب، بيروت 2006، ص 180).
بالطبع كانت أوامر التصفية إلى الضابط الكبير قد أتت من رياض الصلح الذي يبدو أنه فوجئ بما جرى إذ لم يكن ضمن حساباته، لذلك كان الارتباك والدعوة إلى عقد محكمة عسكرية سريعة كانت نتيجتها الإعدام.
عن اتهام سعاده بالعمالة لإسرائيل
كم من الموبقات والخيانات والجرائم ارتكبت باسم فلسطين. رياض الصلح يتهم سعاده ويقتله بتهمة العمالة لإسرائيل بينما صديقه الذي تحالف معه منذ 1933 المطران اغناطيوس مبارك يصرح علناً ويومياً بتأييده لقيام وطن قومي لليهود في فلسطين ويتعامل علناً مع الصهاينة ولا يحرّك بطل الاستقلال ساكناً.
هل كان أمر المطران مبارك خافياً على الصلح؟ الجواب كلا، تصريحاته وخطبه كانت تنشر في الصحف اللبنانية والصهيونية، والفضيحة الكبرى التي تدين الصلح والنظام اللبناني هي ان وزارة الأنباء اللبنانية التي نشرت كتاباً عن مقتل سعاده بعنوان «قضية الحزب القومي» وسُحب لاحقاً من الأسواق، جاء فيه نص الرسالة التي بعث بها منفذ عام عكا محمد جميل يونس إلى سعاده بتاريخ 13 أيار 1949 يقول له فيها: «إن منظمة الفالانج اللبنانية والمطران اغناطيوس مبارك على اتصال ومفاوضة مع إسرائيل لقلب نظام الحكم وإنشاء الوطن المسيحي واضطهاد الفئات (الطوائف) الأخرى. وقد اطلعت على كتب توصية من المطران مبارك لإسرائيل وسأحاول الحصول على نسخ منها». (وزارة الأنباء، قضية الحزب القومي، بيروت 1949، ص 174).
يبدو أن الصلح وحكومته والسيد سيل لم يطّلعوا على هذه الوثيقة، لكن رد سعاده على اتهام الصلح له كان حاسماً، ففي آخر مقابلة صحافية في جريدة «العلم» الدمشقية أجريت معه قبل اغتياله قال: «... إن الوثائق التي في حوزة الحزب تخوّله إبدال التهمة باتهام المتحكمين بالتعامل مع اليهود وبمساعدة الأهداف اليهودية ضد مصلحة لبنان والأمة السورية» (العلم 21 ـــــ 6 ـــــ 1949).
الصلح وإسرائيل بعد تأسيسها
إن ارتدادات قيام إسرائيل عام 1948 وجريمة تموز 1949 لاحقت الصلح طيلة ما بقي من حياته. ومن المؤكد أن أطرافاً عرباً وقوى سياسية لبنانية محلية ساهمت بالإطباق على سعاده وتصفيته جسدياً. وسياق الأحداث والتطورات التي سبقت وتلت عملية القتل تؤكد ذلك، سواء من الاتفاقات السرية بين حسني الزعيم وموشي شرتوك أو الاجتماعات بين الصلح وقادة الحركة الصهيونية حتى بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948. وتظهر الوثائق الإسرائيلية حتى تشرين الثاني 1948، أي بعد قيام إسرائيل، أن رياض الصلح كان لا يزال، كما ذكر سيل في الصفحة 743، يواصل القيام «بمحاولات متكررة على مر السنين للتوصل إلى اتفاق مع الصهاينة، بل عرض حشد الدعم العربي لإقامة كانتون يهودي في كيان عربي واسع!».
أخفى السيد سيل عن عمد تلك الاتصالات بين الصلح والصهاينة، بدليل أن سيل استعمل العديد من الوثائق الموجودة في ملف وزارة الخارجية الإسرائيلية والمعنون «رياض الصلح» لكنه لم يشر إلى ما قام به الصلح في باريس في تشرين الأول 1948. سافر رياض الصلح وغيره من الزعماء العرب إلى باريس أوائل تشرين الأول 1948 لمتابعة اجتماعات أعمال اللجنة السياسية حول القضية الفلسطينية التابعة للأمم المتحدة. وفي فندق البريستول بالعاصمة الفرنسية عقد اجتماع بين الصلح ويولندا هامر المسؤولة في الاستخبارات الإسرائيلية، وكانت تنشط في القاهرة وعلى علاقة وطيدة، كما تقول هامر، مع ابن عم رياض، تقي الدين الصلح الذي كان يعمل مساعداً للأمين العام للجامعة العربية. وتضيف هامر في تقريرها المرفوع إلى الحكومة الإسرائيلية أنها نجحت مع رياض في البحث في تفاصيل عملية سلام بين العرب وإسرائيل. (تقرير يولندا هامر بالعبرية مؤرخ 12/11/1948 في المحفوظات الإسرائيلية رقم 70/3771).
وفي تقرير آخر، حديث على انفراد في فندق البريستول بين الصلح وطوبيا أرازي المساعد لإلياهو ساسون والذي كانت للصلح معرفة سابقة به نظراً لوجود أقارب لأرازي في بيروت. استقبل الصلح أرازي «بلطف» كما يقول التقرير، وجرت عملية جس نبض والعمل مع الصلح من أجل سلام بين إسرائيل والمعسكر العربي. (تقريران من إلياهو ساسون بتاريخ 11/11/1948 و12/11/1948، الأرشيف الصهيوني، ملف رقم 70/3771).
إذاً رغم النكبة في فلسطين والتداعيات الرهيبة التي جرّت الويل والتشريد على الشعب الفلسطيني، واصل «بطل الاستقلال العربي» مساعيه السلمية مع العدو. كل ذلك تجاهله سيل.
سيل واغتيال الصلح
لا بأس من الانتقال إلى الحلقة الأخيرة من هذه السيرة وعملية اغتيال رياض الصلح على الطريق إلى مطار عمان عندما كان عائداً إلى بيروت بعد أربعة لقاءات اتسمت بالود بينه وبين من اعتبره الصلح خائناً، أي الملك عبد الله، ولعلّ هذا الأمر الوحيد الذي نوافق الصلح عليه. لن أخوض في التفاصيل والاستنتاجات بشأن لقاءات الصلح مع الملك عبد الله، ولكن أريد فقط أن أفنّد ما ادعاه باتريك سيل وغيره والإشارة إلى ما يأتي:
1 ــــ يذكر سيل في أكثر من صفحة من الكتاب أن الصلح كان يعتبر عبد الله خائناً للقضية الفلسطينية وأنه رفض الحديث معه مرات عدة عندما حاول عبد الله الاتصال به، ونتيجة لإلحاح عبد الله عليه بضرورة زيارته لأمر مهم قرر زيارة عمان. بعد الانتهاء من هذا السرد المشوّق يفسر سيل بطريقته البائسة سبب زيارة الصلح إلى عمان قائلاً: «حاول رياض رغم يأسه المتزايد، إنقاذ ما يمكن من حطام القوة والكرامة العربيتين. لم يكن لديه جيش خاص يزج به في المعركة، لكنه حاول جاهداً، مستخدماً دبلوماسيته الشخصية، جمع العرب للقيام بهجوم أخير على الجبهة الفلسطينية بغية استعادة قسم من الأراضي التي انتزعت بسرعة مذهلة» (ص 702). وكانت خطة رياض الصلح في الذهاب إلى عمان تقضي بإقناع الملك بدمج «الفيلق العربي مع الجيش العراقي الذي لم يُهزم بعد، بحيث يتمكنان من استئناف القتال معاً». لقد ذهب رياض الصلح إلى عمان في ظروف سلبية جداً بالنسبة لنفوذه السياسي في لبنان حيث تواصلت تداعيات الزلزال الذي أحدثه قيام دولة إسرائيل، وتعاظم العداء بينه وبين الرئيس بشارة الخوري بحيث فقد سيطرته على الآلية الحكومية وخسر منصب رئاسة الحكومة في شباط 1951. ولم يكن الخلاف بين الخوري والصلح بسبب السيطرة الواسعة لشقيق رئيس البلاد الفاسد الشيخ سليم الخوري الملقب بالسلطان كما يحاول سيل تفسيره، بل إن الصلح كان آخر مَن اعترض على تصرفات «السلطان سليم» بدليل أنه عندما كان يلام على عدم تحركه لوضع حد لتصرفات شقيق الرئيس كان يقول: «إني أفضّل أن يشتغل هؤلاء بالاستثمار وألا يقفوا في صف الاستعمار». (منير تقي الدين، «الجلاء»، دار النهار، بيروت 1997، ص 70، الحاشية الثانية).
2ـ ـــ إن التبدلات السياسية في دمشق والانقلابات التي أطاحت أصدقاء الصلح من السوريين ومجيء خالد العظم إلى رئاسة الوزارة السورية والقطيعة والكره الشديدين بين الرجلين أسهما أيضاً في دفع الصلح إلى مهمة أخرى مع الملك عبد الله. لقد ذهب الصلح إلى عمان ولم يقع في شرك أعده الملك عبد الله كما يدّعي سيل، فالملك كان يعتبر في قمة الخيانة، وخاصة بعدما نشر المقدم عبد الله التل الضابط في الفيلق العربي بقيادة غلوب باشا في آذار 1950 الوثائق التي تدين عبد الله بالتعاون مع الإسرائيليين ومنع الفيلق العربي من الاشتباك مع الصهاينة. ولكن رغم ذلك ذهب الصلح إلى عمان لا للسعي إلى عمل عسكري عربي مشترك ضد إسرائيل كما افترض سيل الذي فسر اللقاء بين الرجلين «الاستقلاليين» بأنه لأجل فلسطين، وبشّرنا بأنه كان ناجحاً «وخلاصته أن عبد الله طلب مساعدة الصلح لدعم خطة عبد الله عربياً» والقاضية بنوع من الاتحاد والأردن والعراق وكل ذلك في سبيل فلسطين (ص 724). ويكرر سيل رواية أن الصلح أسرّ إلى صحافي كان برفقته بتفاصيل ما دار في لقاءاته مع عبد الله ونجاح مهمته، حتى أنه اتصل بزوجته فرحاً بنتائج اللقاء. لكن السؤال البديهي الذي يعرض نفسه: هل الملك عبد الله بحاجة إلى الصلح وهو في أسوأ وضع سياسي في لبنان لكي يساعده في إقناع العرب؟ على الأرجح أن المحادثات تطرقت إلى إمكان سعي الصلح مع أصدقائه المصريين والسعوديين لتجاوز الاستمرار في إدانة عبد الله لخيانته بعد حرب فلسطين، على أن تعود الجامعة العربية إلى وضع جديد بحيث يتوقف عبد الله عن المطالبة بسوريا الكبرى، المشروع الذي يؤرق المصريين والسعوديين واللبنانيين والسوريين، مقابل الاعتراف بالسيادة الكاملة غير المشروطة للأردن على ما بقي من فلسطين، بما فيها القدس، والدخول في مفاوضات سلام مع إسرائيل، وبذلك يعود الصلح قوياً الى الواجهة اللبنانية. وهذا ما يفسر قول وايزمن في مذكراته إن «الصلح كان في مهمة اتصال سلمي مع اليهود حين اغتيل».
أما عن تفسيرات سيل لمقتل الصلح فهي تعتمد الأسلوب نفسه الذي اعتمده لتفسير أسباب الزيارة. والمشكلة التي واجهها سيل تتلخص في أن الرجلين عبد الله والصلح هما من جماعة بريطانيا. إذاً كيف يمكن تبرير قتل البريطانيين الصلح وهو من الرجال الأوفياء لهم طيلة سنوات عديدة؟ لا بد في هذه الحالة من سيناريو جديد لإسباغ الصفة الوطنية على نهاية «مناضلين من أجل الاستقلال العربي» فكانت فتوى سيل على الشكل الآتي: «ربما نفذ أعضاء الحزب القومي الجريمة، لكن عبد الله وغلوب باشا هما، دون ريب، اللذان وفّرا الوسائل والفرصة لارتكابها» (ص 732). يريدنا سيل أن نعتقد أن بريطانيا التي منح رياض الصلح مندوبها في لبنان الجنرال ادوارد سبيرس «الجنسية اللبنانية وشرف اعتباره مواطناً لبنانياً وأغدق عليه من التكريم ما لم يغدقه على أجنبي» (يوسف سالم «خمسون سنة مع الناس» ص 252) فيما منع جواز السفر عن مواطن لبناني هو أنطون سعاده، كافأت هذا الرجل بالاغتيال!
ننتقل إلى الرواية الثانية التي حاول فيها سيل أيضاً هذه المرة اتهام الإسرائيليين بأن لهم يداً في مصرع الصلح. يتحدث سيل بطريقة تدعو للشفقة ناقلاً عن حفيد رياض الصلح السيد رياض الأسعد أن سبيرو وديع، الذي شارك في قتل الصلح، «هرّبه البريطانيون إلى أميركا اللاتينية عبر إسرائيل» (ص 730). عجباً! كيف وصل هؤلاء إلى هذا الاكتشاف العظيم؟ لا مصدر ولا وثيقة، إنه علم الغيب على ما يبدو. نقول للسيد سيل وصحبه إنه كان عليهم قبل اعتماد هذه التهمة أن يطّلعوا على ما ذكره شقيق سبيرو وديع عن أخيه في مقابلة مع جريدة «الهلال» الأردنية الأسبوعية، وهو الآتي: إن سبيرو وديع نقولا موسى هو من مواليد قرية سمخ في الشمال الفلسطيني عام 1927، استقرت العائلة عام 1933 في الأردن، وكان سبيرو على علاقة جيدة برفيقه محمد أديب الصلاح، وكان هو صاحب سيارة الهدسون التي استعملها مع رفاقه في عملية مصرع الصلح. وإنه بعد مصرع الصلح هرب سبيرو ورفاقه إلى منطقة المحاجر المهجورة التي كانت تقع قبالة مستشفى ماركا العسكري. وفي تلك المنطقة حصلت مواجهة عنيفة مع أفراد الأمن، جرح خلالها محمد وميشال جروحاً خطرة. ويضيف شقيق سبيرو: «قال محمد وميشال لأخي «اهرب أنت ونحن نتصدى للمجابهة»، هذه المواجهة التي قتل فيها ميشال الديك. وحينها التجأ سبيرو إلى بدوي من قبيلة الدعجة يدعى فارس الهزاع الذي أمّن ملجأً لسبيرو مدة خمسة عشر يوماً في مغارة، وفي تلك الأثناء لم تترك قوات الأمن مكاناً إلا بحثت فيه عن سبيرو دون أن تستطيع القبض عليه». ويكمل: «ألقي القبض على والدي وأخي جول، الذي كان ملازماً أول، وسُجنا ما يقارب الأربعين يوماً. وخلال تلك الفترة تمكن سبيرو من الهرب مشياً عن طريق سيل عين غزال ووصل إلى الزرقاء عند صديقه إبراهيم أبو جوده فأودع لديه المسدس الذي استعمله في الاغتيال، وساعده بعض الأصدقاء على الهرب إلى سوريا، عبر الاختباء في صهريج بنزين فارغ. بقي في سوريا ما يقارب العامين، وحصل سبيرو على جواز سفر شخص متوفى يدعى سليم إبراهيم منصور، وتسمى سبيرو باسم صاحب الجواز، وغادر إلى البرازيل حيث عمل بالتجارة وتزوج برازيلية. وزارته شقيقته. وتوفي عام 1978. (الحديث في الموقع التالي:
www.alhilal.com.jo/111 ـــــ invest.htm)
هذا بعض من نماذج التزوير في كتاب السيد سيل. ولكن مهلاً وعذراً للتطويل. إذ أريد أن ألفت نظر سيل قبل اتهام البريطانيين أو الإسرائيليين بعلاقتهم بقتل الصلح، إلى ما كتبه هو شخصياً في الصفحة 621 من كتابه لنرى من كان يقدم المعلومات ويتبجح بقتل أبناء بلده ومحاربة الشيوعيين أمام السفير البريطاني في بيروت. يقول سيل: «عندما أصبح ـــــ الصلح ـــــ رئيساً للوزراء، أخذ ينظر إلى الحزب ـــــ الحزب الشيوعي ـــــ كقوة مثيرة للفوضى. في 18 تشرين الثاني 1947، على سبيل المثال، عندما هاجم متظاهرون في زحلة مخزناً للقمح احتجاجاً على نقص الطحين، استدعى رياض الجيش وأطلق الجنود النار على الحشود، فقتل ثلاثة أشخاص وجرح العديد غيرهم. دافع رياض عن نفسه في مجلس الوزراء، ودان الشيوعيين لأنهم حرّضوا على الاضطرابات... وقرر اتخاذ تدابير قاسية ضد الحزب، كما أبلغ إلى السفير البريطاني في بيروت، وليم هوستن بوزوال، في أوائل سنة 1948 أنه أقفل المقر الرئيسي للحزب الشيوعي، وجمعية الصداقة اللبنانية ـــــ السوفياتية، ونقابات العمال التي يقودها الشيوعيون برئاسة مصطفى العريس، الذي كان يعتبر محرضاً على الاضطرابات المتكررة».
ما علاقة السفير البريطاني بهذا الموضوع؟ سؤال بريء، والأدهى من ذلك أن سيل برر تصرف الصلح الديموقراطي جداً بقوله: «من الواضح أن قيام رياض الصلح باتخاذ مثل هذه التدابير القمعية غير المعهودة، يظهر تأثّره بمناخ الحرب الباردة في ذلك الوقت» (ص 621).
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق