لبنان : أسئلة عن مستقبل "الحريرية" وقراءة في عوامل تقهقر التيار "المحلي"
أمضى اللبنانيون أغلب العقدين الأخيرين تحت حكم "الحريرية". صعود هذه الوصفة المحلية للبرنامج النيوليبرالي "الدولي"، أحدث جدلا سياسيا داخليا، لكنه لم يجابه تحديات شعبية تعيقه. أولا، بسبب الإنهيار الداخلي الذي نتج عن الحرب الأهلية، وثانيا، لأن لبنان هو دولة عربية هشة يتهددها خطر وجودي إسمه "إسرائيل".
استفادت النيوليبرالية من أسباب كثيرة، تحتاج إلى دراسة خاصة، لكي "تخلق" لنفسها ركائز "شعبية" في لبنان. أبرز هذه الأسباب، هو صعود التيار "المحلي" على "أنقاض" التيار القومي في دول عربية "مركزية" مثل مصر، والمملكة العربية السعودية بعد حرب 1967، وتحديدا بعد وفاة الزعيم القومي جمال عبد الناصر عام 1970.
ما بين تحرير جنوب لبنان من الإحتلال الصهيوني في عام 2000، والغزو الأميركي للعراق واحتلاله عام 2003، تلقى التيار "المحلي" العربي دفعا قويا، أفاد "الحريرية" في لبنان. لكن فشل "البوشية" والمحافظين الجدد الصهاينة في تقرير المصير العربي وأخذ ناصيته، لا سيما في سوريا وفلسطين، والعراق، أضعف "المحلية" وأنعش "القومية" مجددا.
تماسك المقاومة الوطنية من لبنان إلى فلسطين والعراق في مواجهة الإحتلال "الإسرائيلي" والأميركي، والتفافها حول سوريا، قطب الصمود القومي، أسقط بيد "المحليين". استغلت جريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري، من أجل النفخ في نار "المحلية" في لبنان. لم تنجح المحاولة كما كان تمنى المخططون الأميركيون والأطلسيون والصهاينة. والآن، بات تيار المستقبل، الذي يعبر عن قوة وميراث "الحريرية" في مأزق واضح.
كيف يقرأ "الحريريون" في أزمة "تيارهم"، وكيف يكشفون بعض خفايا تقهقر "المحلية". وما هي ملامح هذا التقهقر؟.
تحت عنوان "المؤتمر التأسيسي لتيار المستقبل: مناقشات ومواقف"، نشرت جريدة النهار اللبنانية، عددا من النصوص، إرتأى موقع "الحقول" أن ينشر إثنين منها، لأهميتها.
النص الأول، هو رسالة موجهة إلى رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، زعيم تيار المستقبل، وقد كتبها أحد المسؤولين السابقين في هذا التيار، وهو صالح المشنوق، نجل النائب نهاد المشنوق، وهو من كتلة تيار المستقبل النيابية. والنص الثاني، كتبه الصحفي اللبناني طلال منجد، وهو من مدينة طرابلس الشام، ويركز على مستقبل تيار المستقبل.
إنها مرحلة تقهقر "المحلية" ...
النص الأول
العنوان : رسالة الى سعد رفيق الحريري
دولة الرئيس،
لم أتصور يومأً انني قد اخاطبك عبر رسالة علنية. أو أقله لم أعتقد انني قد أكتب لك أو عنك الا دفاعا وايمانا بالمشروع السياسي الذي تربعت على عرشه واعتبرته انا رسالة مقدسة شغلت افكاري ويومياتي عبر السنين الخمس الماضية. فأنا لم اكن يوماً من الداعين الى اظهار متاعبنا ومشاكلنا وسيئاتنا بشكل قد يستفيد منه الخصوم لمآرب لا علاقة لها بإصلاح بيتنا الداخلي والتطور بأهدافنا السياسية الى الامام. ولكن ما حصل في الاسابيع القليلة الماضية دفعني الى اخذ هذا الخيار الذي لا يأتي الا في اطار الحرص على نجاحك على اعتباره اساساً طبيعياً لنجاحنا جميعاً. والاسباب التي اوصلتني الى كتابة هذه الرسالة متعددة.
اولا فإن الكلام من داخل اطار "البيت الواحد" لم يعد متاحا. اقول هذا بعد ثلاث سنوات من المحاولات المتكررة لاظهار جوانب الخلل والتي لم تأتِ بأي نتيجة – بل توجت بفضيحة تمثلت في الطلب من قيادات التيار مراجعة نص النظام الداخلي المرتقب لتيار المستقبل المؤلف من مئة صفحة مدة سبع دقائق قبل الشروع في مناقشته مع الذين تولوا اعداده.
السبب الثاني هو ان المرحلة السياسية التي تمر بها البلاد اليوم لم تعد مرحلة لا يعلو فيها صوت فوق صوت المعركة، بل إن الاجواء الهادئة والاستقرار النسبي يجب ان يفتحا الباب امام مناقشة شاملة بل وحتى مراجعة متكاملة لكل تجربة السنوات الخمس التي مضت.
السبب الثالث هو ان الانتخابات البلدية الاخيرة – اي نسبة التصويت في بيروت وهزائم البقاع والشمال – قد كشفت معلماً من معالم حالة الانهيار التي يعيشها تيار المستقبل وجمهور رفيق الحريري.
اما السبب الرابع والأهم هو ما حصل اخيرا في مدينة رفيق الحريري في الشمال التي شهدت انتخابات فرعية على المقعد الذي شغر عند وفاة النائب هاشم علم الدين رحمه الله. لن اناقش في كم التصريحات الفارغة التي اطلقتها مجموعة من قيادات التيار التي اشادت بالانتصار العظيم الذي تحقق في الانتخابات. بل انني اريد ان اؤكد على الحقيقة الموضوعية التي تقول بأن تقريباً نصف جمهورك في تلك المنطقة صوّت للمرشح شبه الرسمي لـ"حزب الله" والذي عرف عنه وضعه لصورة السيد حسن نصرالله في منزله والذي أقام مجلس عزاء للقائد العسكري في حزب الله عماد مغنية عند استشهاده.
فأهالي هذه المنطقة الذين وقفوا الى جانبك منذ دخولك العمل السياسي وجدوا أن الكثيرين منهم قرروا إعلان الولاء السياسي لحزب الله إما اعتراضاً عليك أو على مرشحك أو على ما يظهر من رؤيتك السياسية. وبذلك يكون هذا الحدث أول إعلان رسمي عن امكانية إرتماء الجزء الاكبر من جمهورك في أحضان حزب الله ومشروعه السياسي بسبب حال الانهيار الذي يعيشه تيارك ومؤسساتك ونهجك السياسي. وفي هذا خطر استراتيجي وجودي علينا جميعاً يتعدى طبيعة النقاش الداخلي حول التفاصيل.
لذلك فإنني قررت أن أكتب لك - مع كل ما قد يترتب عليّ من تداعيات بسبب محبة الناس لك وضعفهم تجاهك - فاتحاً بذلك النقاش الداخلي وإن علنياً حول واقع ومستقبل جمهور رفيق الحريري ورؤيته الوطنية. لا ينبع هذا النقاش من أي خلاف لا على شخصك ولا على خياراتك الاستراتيجية الاساسية، بل على العكس، فإنه يهدف الى تمتين وانجاح هذه الخيارات وتحصين قيادتك لها. ولذلك فإنني - وباسم هؤلاء - أود طرح البعض فقط من العناوين المتصلة بالحالة التي نعيشها اليوم. لن أتطرق الى كل ما حصل قبل منتصف العام 2008، ليس لقلة أهمية الاخطاء التي ارتكبت آنذاك بل لأن هذه المراجعة تسعى حصراً الى تصحيح الخلل القائم اليوم وهي بدورها متصلة بشكل مباشر بالاحداث التي بدأت في أوائل ذلك العام.
إن العناوين الواردة في نص هذه الرسالة لا تمثل كل الملاحظات او الاعتراضات الموجودة عند جمهور رفيق الحريري. ولا هي مدرجة وفق ترتيب الاهمية او مصنفة تبعاً لطبيعة موحدة بل انها أكثر العناوين المنتشرة في ذهن وعلى ألسنة مناصريك.
1- احداث أيار او اتفاق الدوحة.
2- وجودك في رئاسة الحكومة.
3- تيار المستقبل كمؤسسة؟
4- ادارتك للملفات الاستراتيجية الاساسية.
5- ادارتك للمؤسسات المؤتمن عليها.
6- الفساد والمال السياسي.
7- مستوى التمثيل النيابي والوزاري والسياسي.
(جزء من نص أطول)
النص الثاني
العنوان : أي "بيريسترويكا" ... في "تيار المستقبل"؟
ايام معدودات ويعقد مؤتمر تأسيسي لتيار "المستقبل" في لبنان تقرر ان يكون مكاناً في قاعة المعارض في "البيال" غربي الوسط التجاري في العاصمة بيروت وزماناً في 24 و25 تموز الجاري وذلك بعد عام على تشكيل لجنة خماسية لإعادة هيكلة التيار كما قيل يومها وكما تأكد على لسان مقرر اللجنة احمد الحريري من خلال مؤتمر صحافي عقد في مقر التيار في شارع كليمنصو.
في الشكل والاساس
في الشكل، انقسم المؤتمر الصحافي الى شقين: الشق الاول نص مكتوب قرأه الحريري، والشق الثاني اسئلة من قبل الاعلاميين وأجوبة لم تشف غليلاً واعتمدت الإغماض اكثر من الافصاح وخصوصاً بالنسبة للبنية الداخلية للهيكلة الموعودة.
اما في الاساس والمضمون فتحدث المقرر الحريري عن عدة مسائل اهمها:
- ان تيار المستقبل الموعود هو "تيار ميثاقي ديموقراطي عروبي، وسيحمل على عاتقه هم المواطن في حياة حركة كريمة وهم المواطن وحمايته".
واستطراداً وبالاسترسال، يتبين ان ثمة توجهات سياسية سيتم الاعلان عنها ثم نظام داخلي فآلية انتخاب ديموقراطية للمكتب السياسي للتيار، وما لم يقله الحريري صراحة وتوصيفاً يمكن اختصاره بمصطلح "البيروسترويكا" الذي اعتمده آخر زعيم شيوعي سوفياتي (غورباتشوف) اي "اعادة البناء" وترجمة ذلك حرفياً وفق المؤتمر الصحافي "اعادة بناء تنظيمي وفق معايير الكفاءة والعمل المنتج".
وبعبارة رجال الاعمال والمؤسسات الاقتصادية فان ثمة "ايزو" اي "شهادة الكفاءة والجودة" فكيف سيتم حل التناقض هنا ما بين المعيار الفوقي وما بين آلية الانتخاب الديموقراطي؟
- المسألة الثانية التي تتضح من خلال المؤتمر الصحافي اياه هو اعتماد التقسيم الاداري للجمهورية: عاصمة ومحافظات اي مركز وملحقات. وبالتعبير الحرفي كما صاغه المقرر الحريري: "سيكون هناك مندوبو المناطق اي الكوادر الوسيطة في المناطق، ان كانوا في القطاعات الموجودة في التيار او في المحافظات المقسمة". والمدى الجغرافي هنا يتحدد حصراً، وبالترتيب: بيروت، صيدا، طرابلس، عكار، الضنية والمنية ثم البقاع الغربي. وطبعاً يلحق اقليم الخروب هنا بمدينة صيدا. لكن التركيز يبقى اولاً واخيراً في العاصمة باعتبار ان المؤتمر التأسيسي سيستمد رمزيته من انعقاده في قاعة المعارض في "البيال" وليس في قاعات المعرض الدولي في طرابلس على سبيل المثال.
التيار والعائلة والتراكم
سئل المقرر الحريري اذا كان التيار هو حزب العائلة فأجاب بالنفي، معتبراً ان النظام الداخلي للتيار قابل للتطور في المستقبل، نافياً صفة "السرية" عنه (اي عن النظام الداخلي) على الرغم من قوله "ان الترشيحات لها نظام معين لا اقدر الآن الافصاح عن هذا النظام لأن جلسة الانتخاب ستكون مغلقة وليست عامة". واسترسل في الموضوع العائلي: "انا لم استلم اللجنة الخماسية لانني احمد الحريري بل استلمتها بعد تراكم من العمل الاجتماعي الذي وعيت عليه في منزل كان منفتحاً على هذا العمل، وهذا التراكم ادى الى انجاز هذه المرحلة التي قمنا بها، وبرأيي فلننتظر ماذا سيصدر عن المؤتمر من خلال الانتخابات التي ستحصل داخله وبعدها نستطيع ان نحكم على هذا الموضوع".
الليبيرالية
باستثناء ما هو آني في المؤتمر الصحافي (اليونيفيل والاداء الحكومي) فان المقرر الحريري ابرز طاقات كلامية لم ترتق الى مستوى المرافعة السياسية ولم تنحدر الى مستوى المهاترات واللغة العامية، على عكس الاطلالات الاعلامية السابقة له وخصوصاً اثناء مرحلة الانتخابات البلدية في طرابلس ثم الاداء المتعثر الذي ظهر عليه اثناء الانتخابات النيابية الفرعية الاخيرة في الضنية – المنية.
واذا كان الحريري سيكون نجم المؤتمر المرتقب فهذا يعني ان جيلاً جديداً سيتسلم مقاليد الامور حزبياً في حين ان الدفة الفعلية سيمسكها رجال المؤسسات الاقتصادية، كما هو حال الليبيرالية المعاصرة، على الرغم من تأكيده الدائم الانتماء الى مفهومها. وجديد الحديث هنا هو "المشاركة" و"المجتمع المدني" و"وضع الاهداف السياسية"، و"انجازها" اي جملة المفاهيم العصرية للحركات السياسية في المجتمعات الغربية، من دون التصنيف المسبق فيما اذا كان "تيار المستقبل" سيكون حزب الطائفة او العائلة او الدولة او سيكون حزباً احتجاجياً او معارضاً او حزباً حديدياً وسرياً.
ثلاثية شعاراتية
العنوان العريض لهذا التيار بعد اعادة الهيكلة هو الميثاقية والديموقراطية والعروبة: ثلاثية شعاراتية جديدة لطالما استهوت جيل مطلع القرن الماضي واحزابه، مع فارق اساسي ان صخب تلك الايام كان يستمد "ثلاثيته المقدسة" من تراث الثورة الفرنسية الثلاثي، مع اختلاف المضامين، اما تيارات اليوم والاحزاب المعاصرة فقد استبدلت شعاراتها "باللوغو والسلوغان" وما الى هنالك، من دون اي احتساب لخيبات الامل المريرة والاحباط العام المتفشي على كل الصعد.
يشار هنا الى ان مؤسسة ابحاث اميركية شهيرة قد نصحت قبل اسابيع بتحويل تيار المستقبل الى مؤسسة مدنية وتحاشي نزعة العمل السياسي المباشر. كان هذا قبل اخفاقات "المستقبل" في الانتخابات البلدية وقبل تسجيل خط التراجع الانحداري الذي اظهرته الانتخابات النيابية الفرعية في معقل المستقبل الحصين: الضنية – المنية.
النهار، الاربعاء، 21 تموز، 2010
|
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق