عروبــة مصــر : غايات الشعب الأصيل يكشفها إحصاء ... رسمي
خاص ـ الحقول / لماذا يغيب الرأي العام في بلادنا عن المشاركة والتأثير في صنع القرارات المصيرية؟ وإلى متى يظل البعض يغتصب الحديث باسم الرأي العام دون استشارته أو الرجوع إليه؟ سؤالان يحتاجان لكثير من البحث الحر والنقاش المفتوح. في مصر مثلاً نجد أن الذين ينصبون أنفسهم أوصياء على عموم المصريين، لا يتورعون عن الحديث باسم الشعب، ويدعون أنهم ينوبون عنه في التعبير عن آلامه وأحلامه. أسامة أنور عكاشة ـ قبل أن ينتقل مؤخراً إلى رحمة الله ـ كان قد دأب على انتقاد صلة مصر بالعرب، وكل ما هو شرق البحر الأحمر، وزلف لسانه بسب عمرو بن العاص فاتح مصر العظيم، والصحابي الجليل، ووصفه بأنه "أفاق وأحقر شخصية في التاريخ الإسلامي". ولم يكن عكاشة ـ الذي عاش ناصرياً معظم سنوات حياته ـ أول من أعلن التبرم بعلاقة مصر بالعرب، ولا بالعروبة والإسلام، وإنما سبقه آخرون من أمثال توفيق الحكيم، ولويس عوض في السبعينيات، وطه حسين وسلامة موسى في الثلاثينيات من القرن الماضي، وباءت كل دعاواهم بالفشل والزوال، ولم يكتب لها بقاء إلا في صحائف أعمالهم.
هؤلاء وأغلبهم من العلمانيين السلبيين يدعون أن المصريين لا يهتمون بمحيطهم العربي، ولا يمثل لهم شيئاً، وأنهم سئموا من مشكلات العرب وأفاعيلهم معهم، وأنهم قد تخلوا عن أحلام الوحدة العربية، وعن دور مصر الريادي الذي يقع عليها عبء القيام به لتحقيق هذا الحلم الكبير. وهناك بالفعل من يرى هذا الرأي من المصريين، ولكن ما نسبتهم مقارنة بالذين يرون العكس؟
ليس أفضل من نتائج البحوث الميدانية ـ التي تتم وفق المنهجية العلمية ـ لمناقشة مثل تلك الأقاويل التي لا تستند إلا إلى ما يتصوره أصحابها، أو ما يتمنونه. وأحدث هذه البحوث الميدانية قمنا به في المركز القومي للبحوث الاجتماعية بالتعاون مع مركز المعلومات، ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري، وهو بعنوان: "بماذا يحلم المصريون" وقد أجريناه على عينة "ممثلة" للمصريين، قوامها 3000 مفردة، تم تصميمها وفق القواعد العلمية في تصميم العينات، بالاعتماد على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر. ومن بين ما تضمنته نتائج هذا البحث ثلاث مفاجأت:
المفاجأة الأولى هي أن 46.0% من المصريين يحلمون لمصر بمكانة قيادية في محيطها العربي، وأن تتصدى للقضايا العربية المصيرية، كما أن61.9% من المصريين يحلمون بأن تقوم مصر بتوحيد العالم العربي ضمن دولة واحدة قوية، تحتل مكانة تليق بها على مسرح السياسة العالمية. ووجه المفاجأة هنا هو أن مثل هذا التوجه يتناقض تماماً مع ما يزعمه دعاة انعزال مصر عن محيطها العربي، بل إن مقارنة هذه النتيجة، مع نتائج بحوث سابقة، تؤكد صحة وسلامة التوجه العام للمصريين نحو أشقائهم العرب.
فقبل ثلاثة عقود أجرى سعد الدين إبراهيم دراسة مسحية شملت عشر بلدان عربية (مصر. الكويت. قطر. اليمن. الأردن. فلسطين. لبنان. السودان. تونس. المغرب). وكان مما خلصت إليه تلك الدراسة: أن أغلبية الشعوب العربية تؤمن بوجود أمة عربية واحدة، وأن حوالي 80% قالوا عن أنفسهم إنهم عرب ينتمون إلى أمة عربية واحدة، بمن فيهم المصريون. وإذا أخذنا في الاعتبار أن تلك النتائج مضى عليها ثلاثون عاما، وأن كثيراً من المياه قد جرت تحت قنطرة العلاقات العربية/العربية عامة، والمصرية العربية خاصة باتجاهات ليست تعاونية بفعل سياسات حكومية لم تستشر الشعوب فيها في أغلبها، فإن نتائج بحثنا الراهن تصبح ذات دلالة بالغة الأهمية من حيث إنها تؤكد على مسألتين أساسيتين: الأولى هي تمسك المصريين بعروبتهم واعتزازهم بها، والثانية هي تمسكهم بحلم الوحدة العربية عامة، وتطلعهم إلى أن تتولى مصر تحقيق هذا الحلم رغم أن أغلب الظروف لا تشجع على هذا الاتجاه.
الجديد في بحثنا هو أن 61.9% من المصريين لا يزالون يحلمون بأن تتولى "مصر" تحديداً مهمة "توحيد العرب في دولة واحدة". وهذه نسبة أكبر من المتوقع بالنظر إلى جملة التراكمات السلبية في العلاقات المصرية العربية على امتداد العقود الثلاثة الماضية. وبقاء مثل هذا الحلم يعبر أيضاً عن تغيير جوهري في الطموحات التاريخية للمصريين التي اكتفت أغلب الأزمنة السابقة بأن تكون "مصر للمصريين" كما يزعم العلمانيون السلبيون، وأصحاب النزعات الانعزالية؛ دون التطلع لما وراء الحدود الجغرافية، أو الرغبة في ممارسة دور قيادي في محيطها، ناهيك عن أن يكون دوراً توحيدياً يجمع الدول العربية في دولة واحدة؛ الأمر الذي يفترض امتلاك قدرات مادية ومعنوية كبيرة تكفل إنجاز هذه المهمة الصعبة؛ فالدولة الموحدة ستكون ـ على الأرجح ـ تحت قيادة مصرية؛ بحكم المنطق، وبحسب تداعيات هذا الحلم، وهو ما يعني التطلع، أو الحلم بممارسة دور إقليمي أكبر بكثير من الدور الذي تقوم به مصر في الوضع الراهن. وهذه النتائج تفتح أبواباً جديدة للبحث فيما يفكر فيه المصريون ويتصورونه لمصر في محيطها العربي في المستقبل. وفي الصور الذهنية المتبادلة حالياً بين المصريين وبقية الشعوب العربية.
أما أن تبتعد مصر عن القضايا العربية فلم تتجاوز نسبة المصريين الذين قالوا بهذا الرأي 1.3%، وهي نسبة متدنية جداً، وتبرهن مجدداً على أن العلمانيين السلبيين وبقايا الماركسية وسواقطها الفكرية الذين يتحدثون باسم المصريين، هم لا يمثلون إلا أنفسهم، على الأقل بدلالة هذه النتائج الميدانية.
المفاجأة الثانية هي أن لدى المصريين أملاً كبيراً في حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً يرجع الحق لأصحابه الفلسطينيين. فاليأس لم يتسرب إلى نفوس أغلبية المصريين رغم كل المآسي التي ألمت بالفلسطينيين وبالعرب عموماً خلال العقود التي مضت منذ إنشاء الكيان الصهيوني المعادي للأمة، وبالرغم من الدعم اللامحدود الذي يتلقاه هذا الكيان من الدول الغربية عامة، ومن أمريكا خاصة. فإن اليائسين من أمثال العلمانيين السلبيين وسواقط الماركسية لا تتعدى نسبتهم بين المصريين 6.8%.
يحلم 58.1% من المصريين باليوم الذي "تزال فيه دولة إسرائيل علشان الحق يرجع لأصحابه الفلسطينيين" على حد ما تضمنته نتائج الاستطلاع. أما ما يعرف بحل الدولتين فأيده فقط 28.6%. وبمقارنة هاتين النسبتين يتضح أن حلم "حل الدولتين" الذي يتم الترويج له بشكل مكثف منذ بداية عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن يحظى بنصف التأييد الذي يحظى به حلم إزالة "إسرائيل". ونتوقع أن تقل نسبة المؤيدين لحل الدولتين في ضوء الفشل المحيط بالمفاوضات غير المباشرة أو المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تحت انحياز أمريكي فاضح للجانب الصهيوني. وقد يرجع السبب في ذلك إلى عمق شعور أغلبية المصريين بالظلم الفادح الذي تعرض له الفلسطينيون من جراء السياسات الإسرائيلية، فضلاً أن قيام الدولة الإسرائيلية جاء على حساب الشعب الفلسطيني وطموحاته في الحرية وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
أغلبية المصريين أيضاً وبنسبة 98.7% يرفضون التطبيع مع "إسرائيل"، ولم يوافق عليه سوى 1.3% منهم (وهؤلاء هم فقط الذين يتطابق موقفهم مع موقف دعاة سلخ مصر عن محيطها العربي وقضاياها، وأهمها قضية فلسطين). إن الوعي المصري الجمعي يدرك حقيقة موازين القوة الراهنة بين مصر و"إسرائيل" وحلفائها الغربيين، وخاصة أمريكا، وأن هؤلاء الحلفاء على أتم الاستعداد لدعم "إسرائيل" بكل ما تحتاجه في أي مواجهة عسكرية، وخاصة إذا كانت مع مصر.
المفاجأة الثالثة هي أن أغلبية المصريين بنسبة بلغت 71.2% يتطلعون إلى أن تصبح مصر أكثر اندماجاً في "الأمة الإسلامية"، وليس في الشرق أوسطية، ولا في شراكة أورومتوسطية، ولا غير ذلك من الأطروحات التي تنتجها الدوائر الاستعمارية، ويروج لها العلمانيون السلبيون في بلادنا. يلي ذلك ـ وبفارق كبير جداً ـ حلم الاندماج في "الأمة العربية" بنسبة 20.1%. أما الانتماء الإفريقي، والانتماء الشرق أوسطي، فلم يحظ أي منهما إلا بنسبة ضئيلة جداً من اختيارات المصريين لا تصل نسبتها إلى 1.0%.
بقاء مصر "وحدها" ـ بمعزل عن دوائر انتماءاتها المختلفة ـ لا يشكل حلماً لعموم المصريين، والأدق أنه يشكل كابوساً مزعجا لهم. هذا بخلاف ما يطنطن به بعض العلمانيين السلبيين وسواقط الماركسية؛ فنتائج الاستطلاع كشفت عن أن نسبتهم لا تزيد عن 1.4% فقط. ولاحظ أن هذه النسبة تكاد تتطابق مع نسبة الذين يوافقون على التطبيع مع "إسرائيل" (1.3%).
هكذا تفكر أغلبية المصريين، وتلك هي تطلعاتهم وأحلامهم المستقبلية. أما ما يقوله العلمانيون السلبيون وسواقط الماركسية فلا ظل له من الحقيقة، ولا سند من آراء الناس الذين يتحدثون باسمهم، أو نيابة عنهم.
إبراهيم البيومي غانم، باحث ومفكر وكاتب عربي من مصر
5 آب 2010 |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق