جنبلاط قلق من «حرب الكبار» ومن خبايا «العالم السفلي» للطوائف والمذاهب!
يختصر وليد جنبلاط حال كثير من السياسيين، فاحداث برج ابي حيدر، وما رافقها من شحن مذهبي واستثمار سياسي أعادت تحريك مشاعر الريبة والقلق التي لم تغادره أصلا منذ السابع من ايار.
هو كان يحذر دائماً من ان انهيار البنيان السني ـ الشيعي، قد يؤدي الى كارثة، لن يسلم من شظاياها او من حريقها احد، لا من يحرض ولا من ينفخ في نار الفتنة، ويقول: «لقد سبق وأطلقت تحذيرات كثيرة، ولكن مع الاسف لم يسمع مني احد، كأنك تتكلم في الصحراء وحدك»!
المشكلة الكبرى، يضيف جنبلاط، تكمن في ان لبنان بات مكشوفاً أمنياً وسياسياً بالمطلق، عملاء، شبكات، توترات سياسية، عصبيات طائفية ومذهبيات، قرارات دولية، وكل ذلك يفرض على اولي الامر السياسي والمذهبي مجتمعين بأن يتحركوا نحو محاولة انتشال البلد من حقل الألغام العالق فيه الى بر الأمان والسلام.
وعندما يُسأل عن الدور المطلوب منه، يجيب أنه محكوم ضمن حدود مساحة تحرّك ضيقة. ويقول بشيء من الأسف: «يمكن ان نعمل في حدود «الممكن»، لكن هذا «الممكن» وسط حرب الكبار، قد يكون غير ممكن. ان المسؤولية هناك لدى «السيد» (حسن نصرالله) و«أبو مصطفى» (نبيه بري) و«الشيخ سعد» (الحريري)، نعم الثلاثة يستطعيون ان يفعلوا كل شيء».
كان في الامكان ، يقول جنبلاط، تجنب إشكال برج ابي حيدر وكل ما رافقه او تلاه من تداعيات. ويسأل «لماذا لا يتركون الجيش يتصرف بحكمة. المؤسف انهم بدل تركه يقوم بمهمته، ذهبوا الى مهاجمته. أقول مجدداً لهؤلاء اتركوا الجيش يحقق كما سبق وحقق في حوادث اخرى، كالحادث الذي أودى بحياة لطفي زين الدين في 14 شباط 2008. اتركوا الجيش يحقق هناك داخل البنى التحتية للمذاهب، فلا احد يعرف ماذا يوجد في هذا العالم السفلي».
«لكأن في ما حدث في برج أبي حيدر، جاء رداً على القمة الثلاثية للملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد والرئيس ميشال سليمان، لكأن هناك من يريد أن يقول للقادة لستم انتم من يصنعون الحل»، يردد جنبلاط.
من هو الذي يحاول أن يخربط الأمور، يسارع جنبلاط إلى القول: «هناك مشروع كبير في المنطقة يهدف إلى زعزعة أمنها، فهذا هو العراق تعمه الفوضى، كما اليمن، وهذه فلسطين ذهبت، والسودان يحاولون تقسيمه، وهذا لبنان مهدد بالفوضى. والمستفيد هم الأميركيون والإسرائيليون والهدف إضعاف جبهة الممانعة من «حزب الله» إلى سوريا وإيران. الاميركيون يريدون ان يحاربوا ايران في لبنان، وهناك «دول اخرى» تريد ان تحارب سوريا في لبنان ولا تريد لدمشق دورا في لبنان».
وما يخشى منه جنبلاط في هذا السياق هو ان لبنان يشكل مرآة عاكسة لكل ما يجري من حوله، والمقلق ان الواقع السني الشيعي يتدهور على مستوى العالم الإسلامي، وذلك نتيجة السياسة الاميركية، واستبدال التركيز على الصراع العربي الاسرائيلي بالتركيز على الخلاف المذهبي التفتيتي، فقط انظروا ما تفعله الفضائيات، ألا تسمعون الفتاوى التي تطلقها؟
لا يستطيع جنبلاط ان يتجاوز ما حدث في برج ابي حيدر، فهو ليس قلقاً من حرب اسرائيلية على لبنان، بقدر ما هو قلق من الحرب الداخلية (المذهبية) انّى وقعت، فالحرب الخارجية ايًّا كان مصدرها، تبقى سهلة ويمكن ان يتوحد اللبنانيون في مواجهتها. الحرب الداخلية اخطر وأسوأ، ونموذج برج ابي حيدر اخطر من اية حرب خارجية».
يقول جنبلاط إن سوريا تستطيع ان تساعد كما السعودية، لكن بمقدور السيد حسن نصر الله والشيخ سعد الحريري ان يقوما بالكثير. صحيح ان الكلام الجميل والهادئ مطلوب، لكن ما هو مطلوب اكثر هو ان يترجم الكلام الجميل على الارض لتنفيس العصبيات والمذهبيات.
وأكثر ما أثار استغراب جنبلاط وريبته، هو مسارعة فريق الاستثمار السياسي الى رفع شعار «بيروت منزوعة السلاح». ويقول إنه حاول ان يجد معنى لهذا الشعار فلم يجده، كما انه لم يصل إلى نقطة تمكنه من الوقوف على كيفية وضع هذا الشعار حيز التطبيق، وعلى ما إذا كان أصحاب الشعار قادرين على تطبيقه.
ويضيف: «ان شعار بيروت منزوعة السلاح شعار غير قابل للتطبيق، وأنا ما زلت عند رأيي بضرورة المبادرة من دون تأخير او تردد الى تشكيل لجان احياء، تلتقي وتتواصل باستمرار، في هذا الحي او ذاك وتجري مصالحات على مستوى عامة الناس، فالمصالحات لا تتم فقط من فوق أي على مستوى القيادات، بل من تحت ايضاً على مستوى المواطنين العاديين، وهنا الاساس الذي يمكن من خلاله إطفاء الحرائق ونزع فتائل التوتير وصواعق التفجير الآخذة بالتراكم».
وأما المحكمة الدولية، فقد اردناها للعدالة والحقيقية، «لكنها لم تعد في يد لبنان واللبنانيين، كما يقول جنبلاط، بل اصبحت في الخارج، ولكن مع ذلك، المطلوب في هذا السياق تجنب كل ما يمكن ان يثير الشحن المذهبي، يجب التمييز بين المحكمة الدولية وبين القرار الظني، وهو يلتقي في هذا مع ما قاله رئيس المجلس النيابي نبيه بري في البيال لناحية دعوته الى التمييز بين المحكمة الدولية والقرار الظني، ويقول «هذا موقف مسؤول وممتاز جداً، لقد كان الرئيس بري موفقاً جداً في هذا الكلام، ويجب ان يقتدى به». ويضيف «إن التمييز بين المحكمة والقرار ضروري، وخصوصاً أن استهداف المحكمة بالانتقاد سيؤدي بالحد الأدنى الى إثارة النعرة لدى السنة. لنقل ذلك بصراحة. وهذا امر يجب ألا يحصل».
الا ان ما يخشى منه جنبلاط في سياق المحكمة، هو ان الدول الكبرى التي لها مآربها، والتي تريد ان تصفي حساباتها في لبنان مع ايران ومع «حزب الله» تحاول استخدام المحكمة لإصدار قرار ظني ضد «حزب الله». هم فشلوا في حرب تموز 2006 وقرروا ان يستخدموا المحكمة وهذا امر لا لبس فيه. وأما القرار الظني فإن جنبلاط لا يرى افقاً داخلياً لإيجاد حل له، فالحل كله في الخارج «وعلى حد علمي، اجتمع القادة (الثلاثة) وقرروا ان يحاولوا تأجيل القرار». ويقول ان ازمة القرار تكمن في انه لو صدر واتهم افرادا من «حزب الله» باغتيال الرئيس رفيق الحريري، فمعنى ذلك اتهام الشيعة بأنهم قتلوا زعيم السنة، وهذا الامر شديد الخطورة».
في جانب آخر، يُظهر جنبلاط مساحة تقدير لرئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي امضى معه نهاية اسبوع خاصة في بيت الدين والمختارة. ويقول «رئيس بلا صلاحيات، ماذا يستطيع ان يعمل.. من الجيد انه استطاع ان يحقق إنجاز الحوار، وادارة الحوار كالذي يحصل، يحتاج الى صبر ايوب، والى اعصاب ايوب. الحوار في كل الاحوال جيد ومطلوب، لولا بعض التشويش، كما حصل في الجلسة الاخيرة حينما عادوا واستحضروا حرب تموز 2006، ولولا مطالعات الجهابذة الجدد في علم الاستراتيجية والدفاع، وهم من غير شر صاروا كتار في هذه الأيام».
يؤكد جنبلاط على التواصل الدائم مع سعد الحريري وعلى تثبيت اللقاء الدوري بينهما كل يوم احد، «بذلك تتكرر الصيغة التي كانت متبعة سابقاً بيني وبين الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقد كان اللقاء الأسبوعي فرصة لتبادل الرأي»، وهذا ما يريد جنبلاط مواصلته مع الحريري الإبن.
نبيل هيثم
Thursday, September 02, 2010
المصدر :
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1635&ChannelId=38233&ArticleId=147&Author=%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84%20%D9%87%D9%8A%D8%AB%D9%85 |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق