كتاب أميركي (*) يعرض أساليب "حزب الله" وتكتيكات المقاومة خلال حرب تموز 2006
يركز ستيفن بيدل وجيفري فريدمان على السلوك العسكري لـ"حزب الله" خلال حرب تموز والذي تحول منذ أربع سنوات إلى قضية نقاش مهمة في وزارة الدفاع الأميركية، حيث يتطرق البعض الى هذه المسألة من خلال نظرته الى مستقبل الحروب ضد خصم غير دولتي يستخدم وسائل وأساليب غير معتادة، ويرى البعض الآخر في هذه الحرب نموذجا للتعامل مع لاعب غير دولتي دون الدخول في حرب تقليدية مع الدولة.
ويشدد الخبيران على ضرورة استخلاص العبر من "حرب تموز" وتطبيقها على الإستراتيجية العسكرية الأميركية التقليدية للولايات المتحدة "للتعامل مع أعداء من هذا النوع في المستقبل".
أجرى بيدل وفريدمان 36 مقابلة مع إسرائيليين من مختلف الرتب شاركوا في المعارك وكانوا في وضع يسمح لهم بمراقبة الأداء الميداني لـ"حزب الله" خلال الحرب.
يحتوي الكتاب على معلومات يومية تفصيلية دقيقة حول مجريات الحرب، بالإضافة إلى عرض الأسلوب القتالي لكل من "حزب الله" والجيش الإسرائيلي، وطريقة تعاطي كل منهما مع الظروف الميدانية. أنه كتاب يروي "إدارة حزب الله للإستراتيجية ومسرح العمليات في لبنان".
يرى بيدل وفريدمان أن حرب تموز 2006 كانت مختلفة جدا عن تلك المرتبطة بحرب العصابات والحرب النظامية التي يعتمدها الجيش النظامي للدولة، والحرب اللانظامية التي تلجأ إليها الجماعات المسلحة. فهي شكلت منعطفا أساسيا للحروب المستقبلية، ونقطة انطلاق لتغيير الكثير من المفاهيم والتكتيكات والأساليب العسكرية المعتمدة في الجبهات القتالية.
كما أنها أثارت جدلا حول الكيفية التي ستخوض فيها الجيوش النظامية مواجهات مسلحة مع تشكيلات عسكرية صغيرة على غرار المقاومة في لبنان، وصولا الى حد القول أن ليس هناك من خطورة في تحويل الجيش الأميركي باتجاه سلوك حرب العصابات، من أجل حماية الأمن القومي الأميركي.
1 ـ "التنظيم العسكري لمسرح الحرب"، الكيفية التي أدار بها "حزب الله" الحرب
استخدم حزب الله أساليب مختلفة جدا عن تلك الشائعة المرتبطة بحرب العصابات، والإرهاب والحرب اللانظامية من عدة جوانب هامة: أولا، بذل كثير من الجهد والاهتمام للإمساك بالأرض. ثانيا، سعى إلى الإخفاء بواسطة الرسم الدقيق للاماكن بدل ان يتم ذلك من خلال الاختلاط المدني (أي بالسكان). ثالثا، كانت قواته مركزة جدا.
ويضيف الكاتبان يبدو "أن الحزب عبّر عن مسرح عمليات مختلف ومميز بهدف استخدام الصواريخ في حملة قصف استراتيجية ضد المراكز الإسرائيلية في الداخل".
لم يقترب حزب الله من الحد التقليدي، فدفاعه البري كان مرنا جدا، اعتمد وبشكل واسع على إطلاق النار المرهق وعلى حقول ألغام مخفية، شدد كثيرا على القدرة على الإرغام لدفع إسرائيل لوقف هذه العملية.
دافع حزب الله عن مواقعه لوقت طويل جدا، ومن مسافات قريبة جدا أيضا، قام بهجمات مضادة في الغالب، لم يستغل إمكانية الاختلاط المدني بالسكان بالدرجة التي يتوقعها المرء من قوة تخوض حرب عصابات تقليدية.
يلفت بيدل وفريدمان الانتباه، إلى أن حزب الله نشر على الارض عددا من المقاتلين المدربين لإدارة مسرح الحرب بشكل اقل مما يفعله عدد من جيوش الدول التقليدية التاريخية. ويشيران إلى ان "القوة الدقيقة للحزب مجهولة، إلا أن بعض التقديرات تختلف من حد أدنى يبلغ حوالى 2000 مقاتل إلى احد أعلى مؤلف من 7000 آلاف.
يفترض المؤلفان تصورا وسطيا لعدد المقاتلين يبلغ 4500 مقاتل، وبالمقارنة مع مساحة جنوب الليطاني، فان هذا برأيهما يقتضي وجود كثافة وسطية من حوالى 6 مقاتلين في الكيلومتر المربع الواحد. بالمقابل نشر "ثوار فيتنام" في العام 1964 حوالى 106000 مقاتل على بلد مساحته 170000 كيلومترمربع أي بكثافة تبلغ واحد على عشرة مقارنة مع ما نشره حزب الله. وفي العام 1940 اكمل الفرنسيون "خط ماجينو" بنشر 75000 جندي على مساحة 1260 كيلومترا مربعا أي بكثافة تبلغ 10 اضعاف مع تلك التي لحزب الله. ونشر الجيش الاميركي في السعودية في العام 1990 عددا من الجنود بلغت الكثافة فيه حوالى 5،5 في كل كلم مربع، حيث كانت هذه الكثافة مساوية مع حزب الله.
أما الأهم فهو أن الحزب مارس درجة عالية من القيادة والسيطرة الهرمية والمميزة على شبه وحدات تعمل في مناطق أساسية خلال الحرب. فهو قد اتخذ قرارات واضحة لصالح بعض القطاعات على حساب أخرى، ممسكا على بعض المواقع ومرنا في أخرى. كما انه تميز بقدرته الفائقة على قيامه بهجمات مضادة في بعض المواقع وانسحابه من ثانية.
اتخذ عمله سلسلة قيادية رسمية أساسية من مراكز قيادة معينة ومجهزة جيدا، استخدمت أنظمة اتصالات ومعالجة فورية شملت: كابلات، خطوط أرضية، أجهزة لاسلكية مشفّرة، أوامر مصدرة وخطوط متغيرة. كما أن هذه القيادة عمدت أحيانا إلى تحريك وحدات النخبة لمسافات لا بأس بها من مناطق الاحتياط الخلفية لتعزيز المعركة الأساسية لشبكة الاتصالات في القطاع الأوسط.
تميز الأسلوب الدفاعي للحزب في الحرب بالثبات وعدم التحرك، أما تحركات الاحتياط فكانت على مستوى صغير جدا. كانت المهارة القتالية لحزب الله متباينة وغير متساوية تبعا لظروف ومحددات ومجريات المعركة على ارض الواقع. فبعض التكتيكات نفذها بشكل متميز، فاختيار وتجهيز المواقع القتالية على سبيل المثال كان فعالا بشكل كبير، نظاميا بنفس الوقت.
نادرا ما كانت الوحدات الإسرائيلية المهاجمة قادرة على تحديد المواقع العسكرية القتالية "لحزب الله" قبل استدراجها من قبل مقاتلي "الحزب" إلى مسافات قريبة جدا لتصبح في مرمى النار. في دير سريان مثلا اقتربت وحدات المشاة إلى مسافة ترواحت ما بين 50 و100 متر من مقاتلي الحزب من دون ان يتمكنوا من تحديد مواقعهم. وفي بلدة عيترون لم تتمكن طواقم دبابات "الميركافا" التي مرت مباشرة من تحت نوافذ الأبنية التي كان مقاتلو الحزب يطلقون النار من خلالها عليها، من رؤية المدافعين أولا.
أما في مدينة بنت جبيل، فان المواقع الدفاعية في المنازل كانت لا تزال غير مرئية ومعلومة لوحدات المشاة الإسرائيلية المتقدمة صعودا مباشرة تجاه الشوارع المجاورة والملاصقة لهذه الأبنية.
وفي بلدة الطيبة، فتح مقاتلو الحزب النار على الجنود الصهاينة من مسافة 50 مترا من دون أن يتمكنوا من اكتشافهم.
فمواقع حزب الله البديلة والمكمّلة الموجودة ضمن المباني، مكّنت المدافعين المقيمين فيها من البقاء متخفين حتى بعد فترة طويلة من إطلاق النار خصوصا تلك التي كانت توجد قرب الحدود الإسرائيلية، حيث قام الحزب بحفر الأنفاق ما بين المنازل لتسهيل حركة مقاتليه.
فهذه المواقع تم بناؤها بشكل يراعي الاعتبارات التكتيكية والعسكرية، حيث أن جدران هذه المنازل تميزت بأنها سميكة ومعززة من الجوانب التي كان من المرجح أن يتقدم منها الإسرائيلي. وبالنسبة للمواقع الأخرى الداخلية (المنازل) قرب الحدود، فكان يوجد فيها أكياس رمل إضافة إلى تعزيزات أخرى مخبأة لتمتين الجدران المطلة على مناطق الاشتباكات المحتملة.
أما المواقع الخارجية الموجودة في الطبيعة، فقد كانت مجهزة بشكل مدروس جيدا، فهي احتوت على مخابئ من الاسمنت الصلب المحفورة في باطن الأرض، وضمت حجيرات للذخائر ونقاطا للدخول وللخروج بشكل سري ومخفي، إضافة إلى مرابض ومواقع إطلاق نار مموهة بمهارة وعناية فائقة.
وفيما يتعلق بمواقع الصواريخ المضادة للدبابات خصوصا ("كورنيت" و"ساغر") فكان من الصعب جدا تحديد مواقعها، بسبب النطاق الواسع لاشتباكات (ATGM) أي الصورايخ الموجهة، ونجاح الحزب في إخفاء هذه القاذفات وطواقمها.
وبخصوص الدفاعات النهائية لمناطق إطلاق صواريخ الكاتيوشا من المناطق الزراعية والتي سماها الجيش الإسرائيلي (المحميات الطبيعية)، فكانت خصوصا معقدة ومتشابكة ومموهة جيدا ومجهزة بعناية. أحيانا تتضمن: أنابيب للقذف ترتفع وتنخفض هيدروليكيا، مستودعات مؤونة معززة بالاسمنت الصلب، أحواض استحمام للحاميات العسكرية، مداخل ومخارج متعددة، تحصينات خارجية متصلة ببعضها البعض للتحرك السري ضمن المنظومة.
كان عرض حزب الله الناري قويا، متسقا وثابتا. فالاشتباكات كانت تبدأ وبشكل نمطي من قبل حزب الله بإطلاق نار منسق ومركّز من مواقع عدة. فالمدافعون (في المقاومة) سمحوا وبشكل روتيني للصفوف الطليعية العسكرية الإسرائيلية بالمرور، مطلقين النار على العناصر التابعة بمجرد أن تكون التشكيلات الأكبر قد تقدمت إلى مناطق القتال. فنادرا ما كان يتم التخلي عن مواقع بسبب إطلاق نار من قبل أفراد متوترين قبل الأوان.
نسق حزب الله وبفاعلية، النيران المباشرة دعما لهجماته المضادة من اتجاهات متعددة. اما حواجز مواقع مراقبة الـ (ATGM) أي الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات،كانت مدمجة بمهارة على امتداد مسافة عدة كيلومترات.
ففي شرق قرية الغندورية تم وضع سلسلة من حقول الألغام في أماكن سيّرت الطوابير الإسرائيلية إلى داخل مناطق اشتباكات مكشوفة للصواريخ ("كورنيت") المخفية والموضوعة شمال نهر الليطاني على بعد 5 كلم، فتلقت الوحدات الإسرائيلية المهاجمة بشكل مشابه ومتزامن النار من صواريخ ATGM وقذائف المورتر (الهاون) التي تميزت بأنها دقيقة وسريعة الاستجابة بشكل ثابت ومتسق. وخلال التقدم الإسرائيلي في وادي السلوقي كان على العناصر تنظيفه من حقول الألغام في ظل تعرضهم لنيران الصواريخ الموجهة.
2 ـ عناصر المقاومة قاتلوا في مارون الراس من غرفة إلى غرفة
عمد الكاتبان إلى تدوين قيم ست متغيرات متصلة بالدرجة التي يتنافس فيها الفاعل ("حزب الله") على الأرض ويتقبل اشتباكا حاسما والأسلوب المستخدم للإخفاء وهي:
1 ـ فترة المعركة النارية.
2 ـ قرب المهاجمين من المدافعين.
3 ـ حدوث هجوم مضاد.
4 ـ النيران المزعجة وحقول الألغام المخفية.
5 ـ قرب المقاتلين من المدنيين.
6 ـ استخدام البزات العسكرية.
فترة المعركة النارية : يقارن ستيفن بيدل وجيفري فريدمان بين المدافعين والمهاجمين، فيعتبران انه على المدافعين التقليديين الساعين للإمساك بالأرض التي يحتلونها البقاء في مواقعهم طالما يتعرضون للهجوم. في المقابل، فإن أفراد حرب العصابات الكلاسيكيين الساعين فقط للتسبب بسقوط إصابات بأدنى حد من الكلفة والمخاطرة نادرا ما يبقون في مواقعهم لفترات طويلة، لان هذا الأمر يمكن القوات الحكومية من تحديد مواقعهم واستحضار قوة نارية لا يتحملونها.
ويضيف الكاتبان، تعتبر كمائن أفراد حرب العصابات مختصرة، ليتمكنوا من الهروب بعد إطلاق مفاجئ للنيران من جانب واحد على هدف غير مشتبه به. ويتابع الكاتبان، سيفشل المدافعون التقليديون المدمرون بسهولة الإمساك بموقع لفترة طويلة جدا، إذ انه بإمكان المهاجمين إنهاء الاشتباك بسرعة، وهنا يمكن ملاحظة معارك نارية مختصرة إما في الحد التقليدي أو العصاباتي للحرب.
ويطبق ستيفن وجيفري هذه المقارنة على حرب تموز 2006، مستذكرين الوقائع التالية:
اشتبك مدافعو "حزب الله" بمعارك نارية مطولة جدا، أكثر مما يتوقعه المرء من أفراد حرب العصابات لا نية لديهم بالإمساك بالأرض. فمثلا في موقع "شاكد" بمارون الراس، استمر موقع دفاعي (خندق) لـ"حزب الله" موجودا في مكانه على تلة حساسة، قرب الحدود الاسرائيلية بين مستوطنة افيفيم وبلدة مارون الراس، بتبادل إطلاق النيران مع دبابات الجيش الإسرائيلي ووحدات المشاة لأكثر من 12 ساعة قبل ان يتم تدميره. كما امسك مدافعو الحزب بمواقعهم داخل البلدة لفترة تتراوح ما بين 5 و7 ساعات من الاشتباكات مع الجيش الإسرائيلي.
ويتابع الكاتبان، وفي بلدة بنت جبيل، خاض مدافعو الحزب في 26 تموز سلسلة من المعارك المرتبة، القوية والعنيفة لأكثر من أربعة أيام، بما في ذلك معارك نارية منفردة طالت لثماني ساعات. فضلا عن ذلك، استمر القتال المتقطع داخل البلدة حتى نهاية الحرب في 14 آب.
أما في بلدة الغندورية، فقد دام القتال في 12 و14 آب أكثر من يومين بما في ذلك معارك نارية ما بين 7 و8 ساعات في وقت واحد. وفي بلدة الطيبة، دامت المعركة في 29 و30 تموز مدة 24 ساعة بما في ذلك 4 و5 ساعات من القتال العنيف خصوصا عند المراكز العسكرية القريبة. وشهدت القنطرة قتالا لمدة 4 ساعات.
وفي وادي السلوقي، تلقت فرق الصواريخ الموجهة ATGMG التابعة لـ"حزب الله" والمحتلة لسلسلة مواقع في العمق، نيرانا مضادة من دبابات الميركافا الإسرائيلية بعد قيامهم بإطلاق صواريخهم عليها، لكنهم صمدوا في أرضهم واستمروا بإطلاق 10 صواريخ إضافية على الأقل. ويشير الكاتبان إلى أن بعض الاشتباكات كانت اقصر، لكن عددا منها تحمل واستمر لعدة ساعات أو أيام.
قرب المهاجمين من المدافعين : يقول الكاتبان، ان المخاطرة باشتباك حاسم تتزايد ما أن يقترب المهاجم من المدافع، فالسماح للمهاجم بالاقتراب كثيرا من مكان المدافع يعني المخاطرة بأن يكون الأخير عاجزا عن كسر الاحتكاك والهروب.
ويقارب بيدل وفريدمان هذا المبدأ مع سلوك أفراد المقاومة خلال المعارك، بتأكيد ان "مقاتلي "حزب الله" امسكوا بمواقعهم بشكل متواتر واستمروا بإطلاق النار حتى بعد أن اقترب منهم الجنود الإسرائيليون إلى مسافات قصيرة جدا، كانت في الغالب ضمن حدود اشتباك حاسم بالنسبة للمدافعين. فالموقع الدفاعي لـ"حزب الله" "شاكد" في بلدة مارون الراس اغرق بهجوم إسرائيلي، إذ استشهد مقاتلو الحامية جميعا دون أي محاولة للإنسحاب او الاستسلام على مدى 12 ساعة من المعارك.
ويلفت الكاتبان، الانتباه إلى أن دفاعات "حزب الله" في مارون الراس وبنت جبيل ممسوكة بشكل مشابه إلى حين تدميرها في قتال عن قرب بعد تقدم واسع لمسافات بلغت حتى 120 و100 متر دون أي محاولة لكسر الاحتكاك او الانسحاب. وفي بلدات مارون الراس وعيترون ومركبا، أوقف مدافعو الحزب إطلاق النار إلى حين قامت وحدات المشاة الإسرائيلية المتقدمة بتمرير مجموعاتها العسكرية المتمركزة بالقرب من القوة الرئيسية لحمايتها من هجوم مفاجئ، حتى اصبحوا ضمن مرمى النظام الدفاعي نفسه، وهو ما جعل الانسحاب أمرا مستحيلا.
وفي بنت جبيل، فتح مقاتلو الحزب نيران أسلحتهم الصغيرة من مسافة اقل من 20 مترا على قادة الآليات الإسرائيلية الواقفين في فتحة (حجيرة الآليات المفتوحة)، بعد أن سمحوا لها باجتياز الشارع تحتهم. ويعود الكاتبان إلى بلدة مارون الراس، فيشيرون إلى أن "مدافعي "حزب الله" قاتلوا (حرفيا) من غرفة إلى غرفة داخل المنازل بعد أن دخلها الجيش الإسرائيلي".
ويضيف الكاتبان، في الغندورية، كان المدافعون فيها مطوقين من الجيش الإسرائيلي لكن الذين حافظوا على طرق هرب محتملة (أي طرق انسحاب)، بقوا في مواقعهم، ولم تتمكن وحدات الجيش الإسرائيلي المهاجمة من التقدم سوى لمسافة 600 متر فقط في يوم من القتال الشديد.
ويقول الكاتبان، انه في عيترون، انسحب المدافعون فقط عندما ادركوا أن موقعهم أصبح عديم الأهمية من الناحية التكتيكية، فالجيش الإسرائيلي كان قد تجاوزهم ووصل إلى مارون من المنطقة الجنوبية الغربية. وفي بلدة حداثا، بقي حوالى 30 مقاتلا من الحزب في مواقعهم حتى يوم الهدنة، بعد أن احتلها الجيش الإسرائيلي اسميا.
ويرى الكاتبان، انه كان هناك حجم واقعي لا يستهان به من حرب المراكز العسكرية عن قرب في حرب 2006، فربما بعض المدافعين المشتركين في الحرب قد توقعوا إبادة المهاجمين، بشكل آمن عن طريق المفاجأة ومن مسافة قريبة جدا من الهدف بحيث لا يمكن اخطاؤه، لكن في كثير من هذه الحالات كان هؤلاء المدافعون يتقبلون اشتباكا حاسما في سياق حرب نارية مطولة، وهو أكثر ترابطا وتوافقا من النية من الإمساك بالأرض.
3 ـ في مارون وبنت جبيل حصل اشتباك بالأيدي .. وهجوم للمقاومين
لم تكتف عناصر المقاومة طوال فترة الحرب باعتماد التكتيك الدفاعي خلال الهجوم الإسرائيلي على لبنان، بل عمدوا إلى القيام بهجمات مركزة على المواقع والمنازل العسكرية التي كان يتخذها الجنود الإسرائيليون كنقاط استراتيجية لكشف عناصر المقاومة واستهدافهم.
يرى الكاتبان أن من واجبات المدافعين التقليديين الساعين للإمساك بالأرض، القيام بهجوم مضاد بشكل دوري لاستعادة مواقعهم المفقودة. ويعتبران أن الاقتراب من العدو بشكل مدروس خلال الهجوم، يشتمل على درجة من الانكشاف أكبر من الدفاع المحضر جيدا. فرجال العصابات الساعون لاستنزاف العدو من جانب واحد، وليس استعادة الأرض، يقومون باستخدام هجوم مدبر جيدا عن طريق المناورة.
يبرز بيدل وفريدمان عدة وقائع لهجمات قامت بها المقاومة على الإسرائيليين المتمركزين داخل أحياء القرى والبلدات الجنوبية خلال الحرب.
ففي بلدة مارون الراس، قام ما بين 15 و30 مقاتلا من "حزب الله" بهجوم مدروس في 20 تموز على موقع لكتيبة عسكرية إسرائيلية احتلت مجموعة مبان على قمة تلة 951. المهاجمون انقسموا إلى مجموعتين مدعومتين بقوة نارية من مبنى المدرسة شرق التلة، ليضربوا عن طريق المفاجأة الكتيبة في آن معا، فاتحين النار من مسافة 40 مترا، موفرين الدعم لمحاولات متعددة بعد تعرضهم للقصف والإخفاق مبدئيا، ليتوصلوا في النهاية إلى قتال مباشر بالأيدي مع المدافعين الإسرائيليين.
ويتابع بيدل وفريدمان أنه في بلدة بنت جبيل، قامت وحدة عسكرية تابعة لـ"حزب الله" يتراوح عددها ما بين 40 و60 مقاتلا بمهاجمة الدفاعات الإسرائيلية على "تلة 850"، مرة أخرى انقسم المهاجمون إلى مجموعتين، رئيسة وثانوية، مع دعم لوحدات الصواريخ الموجهة ATGM من اتجاهين، إضافة إلى دعم ناري غير مباشر بعيد ومتفرق من وحدات الهاون المتموضعة بعيدا، واقترب المهاجمون إلى مسافة 10 أمتار من المواقع الإسرائيلية. وفي الحي القديم لبلدة عيتا الشعب، هاجم ما بين 15 و20 مقاتلا من "حزب الله" مجموعة من المباني المحمية اتخذها الجنود الإسرائيليون مواقع لهم ونجحوا في الدخول إليها.
ويخلص بيدل وفريدمان إلى أن جميع هذه الاشتباكات كانت مدروسة، وهي محاولات لا لبس فيها للاقتراب من الجنود الصهاينة في المواقع التي استولوا عليها من اجل استرجاع الأرض المحتلة.
النيران المزعجة وحقول الألغام المخفيّة : ويفند الكاتبان تكتيك استخدام النيران المزعجة وحقول الألغام المخفيّة كجزء من الوسائل الدفاعية في الحرب. ويشيران إلى أن المدافعين التقليديين الساعين للإمساك بالأرض عن طريق وقف تقدم المهاجم المصمم، يتوقون الى نيران مصوبة نحو الهدف بحجم ثقيل، فيما تشكل حقوق الألغام عاملا مساعدا لأي مدافع، غير ان قدرتها على وقف المهاجمين تنخفض كثيرا إذا لم تكن محروسة بشدة بنيران مباشرة للتدخل لتصفية المهاجمين والحؤول دون تقدمهم.
ويلفت الكاتبان إلى أن "حزب الله" قام باستخدام معتبر ومهم للنيران غير المباشرة في الميدان، خصوصا قذائف الهاون، كما لغّم مناطق اساسية في جنوب لبنان. في بلدة مركبا، تلقت وحدة من الجيش الاسرائيلي حوالى 120 جولة من قذائف الهاون عند قيامها بالهجوم، فضلا عن ذلك كانت صواريخ "حزب الله" على الأهداف الإسرائيلية شديدة ومستمرة.
ويرى بيدل وفريدمان أن معظم استخدام قذائف الهاون في الميدان جعلها دقيقة، ضئيلة في حجمها متغيرة في استهدافاتها. وكان توظيف "حزب الله" لحقول الألغام مرتبطا بأنظمة نيران مباشرة دفاعية بطريقة منهجية، وأحيانا غير منهجية. في بلدة الغندورية، تضمنت هذه الدفاعات ألغاما وعوائق تمت حراستها بشدة بالأسلحة النارية. فالطريق الرئيسية المؤدية صعودا من وادي السلوقي إلى نهر الليطاني كانت ملغمة ومراقبة بشدة من مواقع الإسناد الناري التابعة لـ"حزب الله" والمخفيّة جدا، وهو ما فرض على الجيش الإسرائيلي الشروع بعملية تطهير هجومي مدروس من قبل فرق الهندسة، والدبابات والمدفعية.
وفي بلدة مارون الراس، كانت دفاعات "حزب الله" منسقة من خلال تلغيم مدروس للطرق الرئيسية عند تقاطع الـ8، وقد أدى تفجيرها من قبل "حزب الله" في 20 تموز الى اشتعال النيران المباشرة للدفاع عن البلدة. وفي جنوب نهر الليطاني كانت الألغام منظمة كي تشق الآليات الإسرائيلية المتقدمة طريقها داخل أراضي مفتوحة ضمن نطاق ومرمى مواقع الإسناد الناري شمال النهر.
4 ـ الجيش الإسرائيلي والتشابه في الميدان مع المقاومين
حاولت إسرائيل أثناء الحرب وبعدها تشويه صورة المقاومة من خلال نسب بعض الأعمال العسكرية التي يحظرها القانون الدولي العام اليها، وبالتالي الإيحاء للرأي العام الدولي بأنها لا تختلف عن المنظمات الإرهابية الأخرى خصوصاً من ناحية استخدام المدنيين كدروع بشرية. فاستنفرت مراكز الدراسات والمعاهد الأكاديمية وخبراء القانون الدولي في إسرائيل من اجل إدانة "حزب الله". كما نشرت عشرات الصور على مواقعها الرسمية وغير الرسمية لإثبات ان المقاومة لم تتورع ان استخدام المدنيين لتنفيذ أعمالها العسكرية.
ومن ابرز ما قامت به إسرائيل في هذا المجال، الدراسة التي أعدها مدير مركز المعلومات حول الاستخبارات والإرهاب في "مركز تراث الاستخبارات" الكولونيل احتياط الدكتور رؤوفين ارليخ، وكانت بعنوان "استعمال المدنيين اللبنانيين كدروع بشرية". وقد نشرها في 11/12/2006.
غير ان ستيفن بيدل وجيفري فريدمان، يدحضان في كتابهما بشكل غير مباشر هذه المزاعم، ويبرئون عن غير قصد ساحة المقاومة من أي استخدام للمدنين كدروع بشرية، فضلا عن أنهم يظهرون حرص المقاومة على المدنيين وذلك من خلال استعراضهم لأمرين، الأول "قرب المقاتلين من المدنيين"، والثاني، "استخدام البزات العسكرية لتمييز المقاتلين من المدنيين".
اختلاط المقاومين بالمدنيين : يشير بيدل وفريدمان الى نقطة أساسية، تقول إن أفراد حرب العصابات الكلاسيكيين يتخذون المدنيين الأبرياء كغطاء ووسيلة للتخفي بالاختلاط بهم. في حين تتجنبهم الجيوش التقليدية الكلاسيكية قدر الإمكان.
ويشيران الى أن "حزب الله" غالباً ما وصف بأنه استخدم المدنيين كدروع بشرية أثناء الحرب، فضلا عن الاستخدام الواسع لمنازلهم كمواقع نقاط قتالية يطلقون منها النيران المباشرة، ويخفون فيها قاذفاتهم لإطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي. ويلفتان الانتباه الى أن القرى والبلدات التي نشر فيها الحزب نظامه الدفاعي في جنوب لبنان، كانت خالية إلى حد كبير في الوقت الذي عبرت فيه القوات الإسرائيلية الحدود في 18 تموز. ويضيف بيدل وفريدمان أن ميادين المعارك الرئيسية في منطقة جنوبي نهر الليطاني كانت بمعظمها خالية من المدنيين، حيث لم يذكر المشاركون في الحرب بتقاريرهم بشكل متماثل ومترابط، اختلاطاً يحمل معنى لمقاتلي "حزب الله" مع المدنيين.
ويتابع الكاتبان انه لم يكن هناك أي تقرير نظامي لاستخدام الحزب لمدنيين في مناطق القتال كدروع بشرية. فالقتال كان مدينياً أي في مناطق حضرية من القرى والبلدات الصغيرة أو المتوسطة الحجم النموذجية للمنطقة. لكنه لم يكن مختلطاً بشكل بارز مع سكان مدنيين، لأنهم كانوا قد فروا عندما بدأ القتال البري. ويذكر بيدل وفريدمان، أن الحزب استخدم بشكل فعال أسلوب التمويه والاستتار، وذلك باللجوء إلى المناطق الطبيعية التي صنعها الإنسان.
تقوم الجيوش التقليدية الكلاسيكية باستخدام البزات العسكرية وأو علامات فارقة أخرى كشارة عسكرية او غيرها لتمييز المقاتلين عن غير المقاتلين، بالمقابل يسعى افراد حرب العصابات التقليديين الى الاندماج والاختلاط بالمدنيين، وذلك من خلال ارتداء ثياب مدنية.
يشدد بيدل وفريدمان على ان أكثرية عناصر المقاومة ارتدوا بزات عسكرية، حيث كانت ثيابهم وتجهيزاتهم بالواقع مشابهة بشكل لافت لتلك التي تعتمدها الكثير من الدول أي: البزات الخضراء المرقطة أو الرملية والتي تسمى البزة الصحراوية، خوذات الرأس، الدرع الواقية للرصاص والشظايا، سترات الامان، سلاسل العنق المعدنية التي تعرف على هوية المقاتل من خلال رقم خاص، إضافة إلى شارات الرتب.
ويذكر الكاتبان أن وحدات الجيش الإسرائيلي ترددت بإطلاق النار على وحدات من "حزب الله" كانوا ظاهرين في الهواء الطلق، لأن حقائبهم وأمتعتهم كانت تشبه عن بعد كثيراً تلك التي يحملها الجيش الإسرائيلي. ويروون حادثة مفادها أن الجنود الإسرائيليين في بلدة العديسة اخطأوا بهوية 7 مقاتلين من عناصر الحزب، إلى أن لاحظ احد الجنود أن عنصراً من المقاومة كان يرتدي حذاءً رياضياً.
ويشير بيدل وفريدمان الى بعض الاستثناءات في بلدة مارون الراس، حيث شوهد معظم عناصر "حزب الله" مرتدين بزات عسكرية، لكن بعض المقاتلين كانوا في ثياب مدنية.
وفي الطيبة عثر بحسب الراوية الإسرائيلية التي اعتمدها بيدل وفريدمان، على جثة شهيدين كانا يرتديان ثياباً مدنية من أصل 20 شهيداً بثياب عسكرية. وفي بلدة فرون شوهد مقاتلون من الحزب بثياب مدنية، فضلاً عن بضعة آخرين في بلدة القنطرة. وفي الطيري لوحظ عناصر من المقاومة في سراويل عسكرية من دون قمصان، ويضيف الكاتبان، أن الأكثرية من مقاتلي الحزب كانوا خلال حرب 2006 يرتدون بزات عسكرية وكان بالإمكان تمييزهم عن المدنيين.
وفقاً لبيدل وفريدمان، فقد تمكن "حزب الله" في هذه الحرب من التسبب بسقوط قتلى إسرائيليين مقابل سقوط كل مقاتل عربي، أكثر مما فعلته أي دولة معادية لإسرائيل في الحروب العربية ـ الإسرائيلية المتبادلة في الاعوام 1956ـ 1967ـ 1973ـ و1982، ويشيرون إلى أن مهاراته في القتال الحربي التقليدي كانت تشوبها العيوب، لكن بالمقابل كان جيداً ضمن الحدود الملحوظة لمقاتلين نظاميين آخرين، أي جيوش نظامية في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، ومتفوقاً بشكل بارز وهام بالنسبة لعدد من هذه الدول.
علي دربج، صحفي وكاتب عربي من لبنان
المصادر :
ـ السفير اللبنانية، 25/08/2010
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1628&ChannelId=38053&ArticleId=2424
ـ السفير اللبنانية، 26/08/2010
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1629&ChannelId=38077&ArticleId=2595&Author=%D8%B9%D9%84%D9%8A%20%D8%AF%D8%B1%D8%A8%D8%AC
ـ السفير اللبنانية، 30/08/2010
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1632&ChannelId=38149&ArticleId=2952
السفير اللبنانية، 31/08/2010
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1633&ChannelId=38173&ArticleId=3048&Author=%D8%B9%D9%84%D9%8A%20%D8%AF%D8%B1%D8%A8%D8%AC
* عنوان الكتاب هو "حرب لبنان 2006 ومستقبل الفكر العسكري: تحديات أمام الجيش والسياسية الدفاعية"، للمؤلفين ستيفن بيدل وجيفري فريدمان وهو صادر عن "معهد الدراسات الإستراتيجية في الولايات المتحدة الأميركية"، في أيلول 2008.
ـ ستيفن بيدل : محاضر أساسي حول السياسة الدفاعية في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، درّس في الكلية العسكرية للجيش الاميركي، إضافة إلى مؤسسة التحاليل العسكرية. من أبرز مؤلفاته "القوة العسكرية: شرح للانتصار والهزيمة في الحروب الحديثة". قدم عدة شهادات أمام الكونغرس الأميركي عن حرب العراق وأخرى حول مراقبة التسلح في أوروبا. مثّل الولايات المتحدة في مركز أبحاث يدعى "مجموعة الأبحاث العسكرية في حلف الناتو".
ـ جيفري فريدمان : يعمل باحثا في السياسة الدفاعية لدى مجلس العلاقات الخارجية. شغل مناصب عدة في البنك الدولي ومعهد جون اولين للدراسات الإستراتيجية.
ملاحظة : أعاد "مركز الحقول للدراسات" تحرير هذا النص، قبل نشره على موقع الحقول.
|
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق