أفول "المصراوية" ـ 2 : موروثات في سياسة مصر الخارجية (جميل مطر)
كانت الانتخابات درسا لقادة النظام الحاكم في مصر، ودرسا لأهل البلد، ناخبين أو متفرجين، وهم الأكثرية، وبينهم من كانوا مشاركين وضاقت بهم سبل المشاركة فتحولوا إلى متفرجين. هؤلاء المتفرجون هم أنفسهم الذين تضيق بهم الآن سبل الفرجة أو صاروا يملُّون منها، غير معروف تماما إلى ماذا يتحولون؟ ولكن حتما سيتحولون.
بالانتخابات وما جرى فيها وما أسفرت عنه وبأحداثها العالمية، وبعاصفة نشر موقع ويكيليكس لآلاف الوثائق الدبلوماسية الأميركية، دخلت مصر دائرة حرجة اجتمع فيها عنصران، عنصر السلوك الداخلي للنظام في مصر، وهو السلوك الذي يعكس بوضوح فلسفة الحكم في مصر ونظرته إلى الشعب وإلى نفسه وإلى العصر الذي يعيش فيه.. كان سلوك الحزب الحاكم في الشأن الداخلي محيطا لأنصار التغيير وكاشفا عن نظرة متعالية إلى قيم هذا العصر وأفكاره وعلومه وواضعا الأمن الداخلي في اهتماماته أسبق على التحضر والتقدم.
يأتي الشأن الخارجي عنصراً ثانياً في الدائرة الحرجة التي تنحشر فيها مصر الآن.
نعرف ويعرف كثيرون في الغرب وفي إسرائيل أن السياسة الخارجية المصرية الراهنة تقوم على ثلاثة أركان، يكاد صانع السياسة المصرية يضفي عليها صفة القداسة. وقع الإعلان عن الأركان الثلاثة في عقد السبعينيات في خضم أو أعقاب أحداث خطيرة كانت مصر سببا لها وساحة. بمعنى آخر، ورث القادة السياسيون الحاليون هذه الأركان، ضمن ما ورثوه عن الخطاب السياسي الذي ساد في مرحلة السبعينيات ولم يغيروا فيها شيئا. أما الأركان فهي:
أولا ـ أن معظم أو 99% من أوراق اللعبة في أيدي الأميركيين. كان الظن وقتها أن المقصود باللعبة هو قضية الشرق الأوسط إلى أن ثبت بمرور الوقت، أن بعض، إن لم يكن معظم توجهات مصر الخارجية، هي أيضا ضمن هذه اللعبة. أعود لأذكر بمرحلة سنوات الإعداد لحرب 1973، ولم تكن مصر قبل تلك المرحلة قد أغلقت الأبواب كافة في وجه تطوير العلاقات مع أميركا. فحاولت مرارا، وكانت أبرز المحاولات، المفاوضات في عهد روجرز والمباحثات السرية مع كيسنجر. خلال تلك المحاولات كانت الشروط الأميركية قاسية، وكان من بين ما اشترطت واشنطن، شرط التوقف عن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، والامتناع عن شراء السلاح السوفياتي والتوقف عن الاستعانة بمستشارين سوفيات.
نشبت الحرب وقدمت أميركا دعما عسكريا قويا لإسرائيل واستمر كيسنجر يفرض الشروط، ويقدم وعودا مهدت لاتفاقية صلح. تعهدت بتقديم عون مادي طويل الأمد وقدمت مصر تعهدات لا تزال سارية وسلمت بأن أميركا سيبقى من حقها أن تحتفظ بكل أوراق اللعبة في الشرق الأوسط وفي بعض خياراتنا الداخلية والخارجية..
تغيرت أمور كثيرة منذ ذلك الحين. سقط نظام القطبين وكاد يتحقق حلم «أميركا القطب الأوحد»، ولكنه لم يتحقق. اختفى القطب السوفياتي وفي أعقاب اختفائه بدأ انحدار القطب الأميركي وصعود قوى أخرى كثيرة. وتقلص نصيب أميركا من أوراق اللعب في أقاليم عديدة باستثناء الشرق الأوسط، حيث رفضت أميركا الاعتراف لأي قوة أخرى صاعدة بحق في المشاركة في تسيير الإقليم. ورفضت إسرائيل أن تفوض قوة أخرى لتلعب في الإقليم. وللحق كانت كل من إسرائيل ومصر وفية لالتزاماتها لأميركا، إذ قاومتا بوسائل متعددة ومتباينة محاولات دول أجنبية النفاذ إلى دائرة الصراع العربي الإسرائيلي.
تغيرت أمور كثيرة، وبقيت سياسة مصر الخارجية محكومة بقيد الارتباط بالخطوط الرئيسة للسياسة الأميركية. لم يؤثر في هذا القيد أن العالم تغير، ولم تعد توازنات القوة كما كانت عليه في عصر القطبين. ولا يخفى أن العدد الأكبر من الدول صار يتعامل مع الولايات المتحدة منذ التسعينيات على أساس أن حلم أميركا أن تصبح القطب الأوحد، لم يتحقق. نحن وعدد من الدول العربية رفضنا التعامل مع أميركا والعالم على هذا الأساس، فاحتفظنا بنظام القطب الواحد حصريا للشرق الأوسط، وأخضعنا جانبا كبيرا من حركتنا الدولية لإرادة هذا القطب الذي تخيلناه أوحد. صحيح أن الولايات المتحدة ما زالت الأقوى، ولكنها ليست الأقوى على الإطلاق أو الأقوى بلا قيود أو حدود. ولما كان تمسكنا بأن نعاملها كقطب أوحد قد أضر بمكانة مصر الدولية والإقليمية، كان يجب النظر في تغيير هذا الفهم القاصر للعالم، ووضع أسس سياسة خارجية، تستعيد لمصر بعض مكانتها وسمعتها كدولة تدير سياستها باستقلالية..
ثانيا ـ ورث النظام الحاكم كذلك شعارا تحول مع الوقت والممارسة فصار ركنا من أركان السياسة الخارجية المصرية. أما الشعار فكان «حرب 1973 آخر الحروب». الخطأ والخطر ليسا في الشعار، بقدر ما هما في استغلاله أو سوء استخدامه. ففي الوقت الذي يحق فيه لإسرائيل، في ظل هذا الشعار، أن تتدخل بكل حرية وبكل أساليب التدخل حتى العسكرية، في مناطق تقع ضمن دائرة الأمن القومي المصري مثل العراق ولبنان وغزة وسوريا ومثل السودان وإثيوبيا ودول حوض النيل، لا يحق لمصر، في ظل الشعار نفسه، أن تتحالف مع دول غير حليفة لإسرائيل. بل أكاد أصدق ما يتردد على ألسنة معلقين أجانب من أن السنوات الأخيرة منذ رفعت مصر وإسرائيل هذا الشعار، شهدت حلول النفوذ الإسرائيلي محل النفوذ المصري حيثما انحسر.
وبسبب كثرة ترديد هذا الشعار تكونت قناعة لدى إعلاميين ومسؤولين عديدين بأنه لا يجوز أن يصدر من مصر ما يوحي بنية للتقارب مع إيران أو إصلاح العلاقة مع سوريا تفاديا لإثارة شكوك إسرائيل في التزامنا الشعار.. وفي وقت من الأوقات ساد الإحساس بتوجس بعض الإعلاميين من الإشادة بإنجازات حكومة أردوغان في تركيا، وبخاصة موقفها من العدوان الإسرائيلي على غزة وقافلة الحرية. وقد علق صحافي أجنبي على ظاهرة التوجس الإعلامي والدبلوماسي المصري، بأنه يكاد يعكس حالة خوف مصري شديد من إسرائيل الشريك في السلام لم تكن قائمة قبل حرب 1973 وخلالها .
لا أجد وصفا لحال السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه بعض الدول العربية ومصر بخاصة، أكثر انطباقا من الوصف الذي يطلق على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. يصفون الاحتلال بأنه احتلال خمسة نجوم. إسرائيل تدخل المدن الفلسطينية وتخرج منها وقتما تختار وفي حماية الأمن الفلسطيني ورضاء السلطة الفلسطينية. وإسرائيل تتدخل في الشؤون العربية وتعتدي عسكريا وتؤلب الإعلام العالمي على العرب والمسلمين ولا تجد من ينهرها أو يؤلب عليها شعبه، بل على العكس تقيم حكومات عربية معها علاقات خاصة، وتراعي حساسياتها وتتفهم قلقها الأمني وتستجيب لطلباتها وتقف معها ضد كل أشكال المقاومة: هي فعلا علاقات خمسة نجوم، تتمنى دول عديدة ناهضة مثل الصين والبرازيل، أن تنعم بمثلها مع مصر وغيرها من الدول العربية.
ثالثا ـ ورثنا كذلك أفكار «الاستثنائية المصرية». ورثنا عبارتي شعب عمره سبعة آلاف سنة وحضارتنا فوق الحضارات. توهمنا أن حضارة السبعة آلاف سنة يمكن أن تلعب دور القوة الرادعة في مواجهة الغير والرصيد الأعظم في سياستنا الخارجية. ورثنا الوهم بأن تاريخنا يحمينا من أعدائنا ويعوض خسائر الجغرافيا في النقص المتتالي في الأرض الزراعية وتدهور البيئة والعجز في المياه وصعوبات التعامل مع سيناء أرضا وشعبا واتفاق سلام، ورثنا من سياسة مصر الخارجية في عقد السبعينيات أن لا نفع يرجى من العرب ولن نبذل فيهم أو معهم جهدا دبلوماسيا أو اقتصاديا في أفريقيا باعتبار أن مستقبل مصر وأمنها مرهونان لشمال متقدم وليس لجنوب متخلف.
لا يعني التفكير في ضرورة إعادة النظر في تطبيقات هذه الموروثات رفض شعار أن لا حرب بعد حرب 1973، ولا يعني التفكير في أهمية تطوير سياستنا الخارجية كما طورت دول عديدة في الشرق والغرب سياساتها الدعوة إلى شن حرب ضد إسرائيل. المطلوب الآن استعادة ثقة العرب والأفارقة وشعوب الدول الصاعدة في قدرتنا على تطوير موروثاتنا السياسية والانضمام إلى ركب الناهضين.
جميل مطر
16 كانون الأول، 2010
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1724&ChannelId=40413&ArticleId=1617&Author=%D8%AC%D9%85%D9%8A%D9%84%20%D9%85%D8%B7%D8%B1
|
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق