فرنسا تستبعد المخرج جود سعيد وفيلمه (إشكالية المثقف العربي والعلاقة بالغرب)
أصدر السينمائي السوري الشاب جود سعيد بياناً حول قيام «مؤسسة أفلام الفرنسية الكائنة في مرسيليا» باستبعاده وفيلمه الروائي الطويل «مرة أخرى» (2010) من التظاهرة التي تقيمها نهاية شهر أيار تحت عنوان «شاشات سينما عربية جديدة». الأسباب التي ذكرها سعيد في بيانه سياسية بحتة، وتأتي متزامنةً مع العقوبات السياسية الأوروبية على سوريا. حيث تظهر الرسائل الإلكترونية المتبادلة بين جود سعيد وشخص يُدعى مارسيل سيغوريه أنّ سبب الاستبعاد عائد لـ «بيان سينمائيي الداخل السوري» الذي وقّع عليه سعيد مع عدد من الممثلين والمخرجين والفنيين، رداً على النداء الذي وجّهه سينمائيون سوريون إلى سينمائيي العالم حول الأحداث التي تشهدها سوريا هذه الفترة.
وفي حديث صحفي يعلّق جود سعيد على نقطة الاستبعاد قائلاً: «إذا عوقبت كشخص فأنا أستطيع الدفاع عن نفسي، ويمكنني حتى أن أتفهم ذلك، ولكن الفيلم لا يمكنه أن يدافع عن نفسه إلا بعرضه أمام الناس، طالما أنّك وافقتَ على إدراجه باعتبار أنّه يقدّم طرحاً ما وفيه صنعة سينمائية. لارس فون ترير استُبعَد شخصياً من مهرجان «كان» بسبب تصريحاته، ولكن فيلمه بقي في المسابقة وبطلته نالت جائزة التمثيل، لأن الفن شيء والمواقف الشخصية شيء آخر تماماً. وما حصل ينافي أبسط القواعد والبروتوكولات في مهرجانات السينما، وفيه قمع فكري صارخ، وهو أشد من القمع الجسدي».
ويضيف صاحب الفيلمَين القصيرَين «مونولوج» (2007) و»وداعاً» (2008): «الموضوع لن ينقص أي شيء في إطار علاقتي بالفيلم أو بالسينما بل على العكس تماماً، ويبدو أنّ الأسهل اليوم في العلاقة مع الغرب ألا يكون للمرء موقف تحليلي ممّا يجري في البلاد. أي أن تطلق مواقف معارضة عامة قائمة على البديهيات كأن تقول أنا ضد القتل ومع الحرية وتريح رأسك!».
وحول بيان الداخل الذي كان ذريعة الاستبعاد، يقول خريج فرنسا: «بياننا ليس تخويناً للآخر، وإنّما فقط اختلاف معه بالرأي. هم اتجهوا لسينمائيي الخارج وبشكل علني، ولا نعرف فائدة هذا حقيقةً، ونحن قلنا بدون حرج وبشكل علني إننا ضد هذا التوجه، وضد كلّ من تسوّل له نفسه رفع السلاح في وجه أيّ مواطن سوريّ آمن ومع مطالب الشعب المحقّة وضد الشعارات الطائفية... إلخ. نحن توجّهنا للناس، وإذا قام جزء من الناس برفض ندائهم، فحري بهم أن يتقبلوا ذلك في إطار الديموقراطية. عموماً، لم نسمع أنّ أحداً منهم مُسّ بأدنى سوء بسبب بياننا».
لا يخفي سعيد شكوكه حول وجود «وشاية» من زميل أو همس في الخفاء أدّى لتحرّك كهذا، ويقول: «بياننا كُتبَ باللغة العربية ولم يُترجَم لأية لغة أخرى، ونشرَ فقط في وسائل الإعلام المحلية التي لا يتابعونها. أنا أعلم أنّهم لا يجيدون العربية. إذاً، هناك أحد ما همس في أذنه، أو أنهم استخدموا «غوغل» للترجمة. وهـــنا قد يتحول بياننا إلى تقرير أمني أو بيان قمعي. لأن «غوغل» يترجم على هواه».
البعض يخشى أن تكون هذه مجرّد بداية لمزيد من التصعيد بحق سينمائيي بيان الداخل السوري، خصوصاً أنّ من ضمنهم أسماء لا يمكن تجاهلها مثل عبد اللطيف عبد الحميد وريمون بطرس وسمير ذكرى وغسان شميط، وأن يؤدّي الوضع العام إلى فرز حاد بين سينمائيين ممنوعين من العمل في الداخل، وآخرين محظورين في الخارج. يقول جود سعيد: «لم يُمنَع أحد من موقعي النداء من العمل داخل سوريا، بدليل وجود بعضهم ضمن طاقم عمل فيلم «العاشق» الذي يخرجه حاليا عبد اللطيف عبد الحميد، وتنتجه المؤسسة العامة للسينما».
جود سعيد : انا ابن أبي وهذه وقائع المراسلات مع مارسيل سيغوريه
نقل المخرج السينمائي جود سعيد وقائع مراسلاته مع مارسيل سيغوريه، أحد المعنيين في مؤسسة افلام الفرنسية في البيان التـالي:
أثناء انعقاد مهرجان قرطاج في تشرين الأول 2010، اختارت «مؤسسة أفلام الفرنسية الكائنة في مرسيليا» فيلمي الروائي الطويل «مرة أخرى» (إنتاج المؤسسة العامة للسينما وسورية الدولية عام 2010) للمشاركة في التظاهرة التي تنظمها نهاية شهر أيار 2011، تحت مسمى «شاشات سينما عربية جديدة» بمشاركة مخرجين شباب من العالم العربي. وتمّ الاتفاق على العرض وبرمجة الفيلم ودعوتي لتقديمه في 30 أيار 2011.
بتاريخ 11 أيار تصلني رسالة إلكترونية من أحد المنظمين (من دون ذكر الإسم) يشرح لي فيها ماهية «الربيع العربي» ولا سيما في بلدي! وكيف أنّ توقيعي وقلّة قليلة من السينمائيين على بيان سينمائيي الداخل السوري ما هو إلا دعم للعنف!!! ومعارضتنا (حسب تعبيره) للنداء الذي وجهه سينمائيون سوريون لسينمائيي العالم والذين تضامنوا معه (المنظمون) ووقع عليه المئات والمئات في العالم ما هو إلا دعم للقمع!!! ولذلك فإنهم (أي المنظمون) لم يعودوا راغبين في دعوتي بسبب مواقفي ولكنهم سيعرضون الفيلم... ودوماً حسب الرسالة... علماً أن برنامج التظاهرة كان قد صدر وفيه فيلم «مرة أخرى» وبحضوري.
شكراً لسماحة نفسكم... ابتسمت وطويت صفحة هذه الرسالة، لم أشأ الرد والدخول في نقاشات ومهاترات حول شأن سوريّ بحت، وآثرت السكوت احتراماً مني لموقفهم بعدم الرغبة في مناقشتي، طالما أن فيلمي موجود فهو يعبّرعني أمام الجمهور. ولكن صديقنا لم يكتف بذلك ولربما اعتقد أن لي ولع بالسفر إليه لأشرب نبيذه وأخطب أمامه للحرية الحمراء «كما البعض»، كي يصفق لي وإني سأريحه وأحرد وأقوم بسحب الفيلم.
لم يطق صديقنا الانتظار، لأنه وفي تاريخ 21 أيار أي قبل بدأ التظاهرة أرسل رسالة إلكترونية بمثابة قرار ظني أورد لكم ترجمتها كما هي: «إن استمرار سياسة القمع في سوريا في الأسابيع الأخيرة (وسقوط عشرات القتلى يوم الجمعة 20 أيار) وبسبب انحيازك ومواقفك فقد قررنا أن نلغي مشاركة فيلمك في تظاهرتنا».. التوقيع... انتهت الرسالة.
كتبت له التالي: «أين رأيتم انحيازي؟ هل قرأتم تصريحات لي؟ أم شاهدتم مقابلة؟ أو شيئاً آخر؟ أم أن أحد الزملاء وشى بي؟ هل تملكون بعض الشجاعة لإخباري؟ أتمنى أن تملكوا بعضاً منها. في كل الأحوال، أشكركم... وأقول لكم إن الزمن كفيل بكشف حقيقة ما يجري في سوريا».
فيأتي ردّه بحكم مبرم كالتالي: «ببساطة لقد اطلعنا على نداء السينمائيين السوريين الموجّه لسينمائيي العالم، وعلى بيان سينمائيي الداخل الذي وقعته أنت. وهذا كاف بالنسبة لنا مع ما يجري في سوريا حالياً. أمّا الوشاية، فقد وشت بك الاعتقالات التي تحدث في سوريا. إنّه لمن غير الممكن أن يكون هناك مكان لك ولفيلمك في تظاهرتنا».
لم أستطع إلا أن أردّ: «يا سيد ... إن بيان سينمائيي الداخل السوري الذي وقعته يعبّر عن وجهة نظرنا في دعم عملية الإصلاح مع ضمان أمننا والحفاظ على تنوعنا الثقافي والديني. إن بياننا هذا موّجه للشعب السوري وباللغة العربية فقط.. أشكر من قاموا بترجمته لك.. وأتمنى لكم تظاهرة (ديموقراطية) طيبة».
وسكت السيد الديموقراطي ابن ثقافة الحرية والعدالة والمساواة من بعدها، السيد الديموقراطي الذي كان يأكل ويشرب على حساب مهرجانات السينما العربية القمعية بلا حرج.
ثلاثة دروس من كتاب القراءة في الديموقراطية الغربية الموعودة: حدود الاختلاف المسموحة في الرأي هي فقط في حروف الجر.
الحوار هو حديث بيني وبين من يماثلني في الرأي. أنت قاتل وعميل ومخبر لأنك ترى الحرية ليس كما نراها.
سيدي الديموقراطي جداً، سأبقى أقول رأيي بحرية وبلا حرج، سأبقى أصنع فيلمي كما أراه من دون ان أفكر فيك وستأتي لمشاهدته فأنت تعيش على ما أصنع.
سيدي «داعم السينما العربية التي تروق ديموقراطيتك» ما أصنع من سينما ينبت بين نعم ولا، هما ما يكونني. فنعم لما أنا ونعم لموقفي ونعم لبلادي ونعم لحريتي ونعم لمقاومتي، ولا لوهم ديموقراطيتك. وأنا أنا وابن أبي.
إن جميع المراسلات موجودة وموثقة باللغة الفرنسية.
علي وجيه، السفير، 27 أيار 2011
المصدر :
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1855&ChannelId=43687&ArticleId=2653&Author=%D8%B9%D9%84%D9%8A%20%D9%88%D8%AC%D9%8A%D9%87
جود سعيد، السفير، 27 أيار 2011
المصدر :
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1855&ChannelId=43687&ArticleId=2656&Author=%D8%AC%D9%88%D8%AF%20%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق