دفاتر الطلاب
صدر العدد الثالث من مطبوعة "جدل فلسفي"(1) ، والحقول اختارت منها نصوصا لمجموعة من الأقلام الفلسفية اللبنانية الشابة، تتناول مسائل "العلمانية"، و"تحصيل السعادة"، وموضوع عن "هيغل الشاب".
النص الأول :
"العلمانية" / أحمد خليل القاق
من الطروحات المختلف عليها بين اللبنانيين هو مشروع تطبيق العلمانية كما في النظم الغربية للتخلص من النظام الطائفي. وقبل البدء بالتكلم عن العلمانية لا بد من توضيعح معنى الكلمة لازالة الالتباس الذي إعترى فهم الكثير في مجتمعاتنا. فكلمة علمانية بفتح العين تعني (العالم الدنيا) وهي مأخوذة من كلمة لاتينية وهناك كلمة تشتبه معها في العربية هي لفظة علمية (بكسر العين) وترجمتها Scientism والمنتسب للأولى هو علماني Secular والمنتسب للثانية هو علمي Scientice .
والعلمانية كما نفهمها ليست العلمانية الغربية التي كانت نتيجة لإنسلاخ المجتمع الغربي عن الدين، وإبعاد رقابة الله عن أعمال الإنسان وتحرره من الوصايا العشر التي جاءت في الناموس الإلهي وإعتبارها أسوأ الوصايا كما جاء في تعبير الفيلسوف الألماني كنط وإعتبار الدين لا يصلح الاّ لتنظيم الشعوب البدائية كما جاء على لسان(أوغست كونت) واضح علم الإجتماع الفرنسي وقد اعلن الفيلسوف الألماني (يتشه) موت الإله ودعا الناس لأخذ حريتهم بالتخلص من الدين من أجل تحرير ضمير الإنسان من عقدة الذنب التي يسببها الإيمان الديني فهذه العلمانية حذفت الله وتعاليمه من حياة الفرد والمجتمع وأخذ الإنسان حريته في السلوك والتشريح.
وإلغاء الطائفية لا يعني عندنا إلغاء الدين بل إنتصار لقيم الدين ومبادئه ونحن إذ ندعو الى إلغاء الطائفية ندعو في الوقت ذاته الى تعميق جذور الدين في نفوس المواطنين لقد التبس على الكثيرين في مجتمعاتنا التفريق بين الطائفية والدين وفهمت الطائفية على أنها الدين.
ومن نافل القول أن نذكر بأن القوانين اللبنانية المعمول بها في المحاكم المدنية هي قوانين وضعية والنظام اللبناني هو نظام علماني تشوبه الطائفية التي هي نزعة عنصرية بل نزعة قبلية تعصبية ورثناها من أصولنا الجاهلية.
والقوانين اللبنانية مستقاة بأكثرها من القوانين الفرنسية العلمانية وتشريعاتنا البرلمانية لا يشرعها رجال الدين بل يشرعها برلمانيون مدنيون. ونحن إذ نسعى الى إقامة نظام ديمقراطي سليم من شوائب الطائفية يعني أننا نسعى لإقامة مجتمع علماني لكنه لا يتنكر للدين وقيمته ولا يتنكر لرقابة الله على البشر بل يبقى سقف تشريعاته تحت سقف الشرائع الإلهية فلا يحلل ما حرم الله ولا يحرم ما أحل الله مع مراعاة خصوصية كل دين من الأديان التي يدين بها اللبنانيون.
فالعلمانية التي نسعى لتطبيقها هي إلغاء الطائفية وإقامة نظام ديمقراطي سليم ومن قوانين تنشد إقامة المساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات وتحقيق دولة القانون والمؤسسات.
وأخيراً الممارسة الديمقراطية الصحيحة سوف تنمي في شعبنا روح المواطنة وتكرس وحدته وتسمح بمجيء الحالكم الصالح وتقضي على الفساد المالي والسياسي والإداري وتبني لبنان الذي يطمح اليه كل لبناني مخلص.
النص الثاني :
"تحصيل السعادة" / ماري رن نجار
لا شك أن موضوع تحصيل السعادة إحتل حيّزاً كبيراً من أبحاث الفلاسفة العرب. فقد باتت "السعادة" واحدة من المقولات الرئيسية في الفلسفة العربية الإسلامية، وقد تترجم الإهتمام بموضوع السعادة بمجموعة من التأملات الفلسفية لعدد من الفلاسفة العرب المسلمين أبرزهم: الفارابي، الكندي، إبن سينا، أبو حسن العامري..
ما السبيل لتحصيل السعادة برأي هؤلاء الفلاسف؟ هل السعادة نتاج فردي أم جمعي؟
قبل الإجابة على هذه الأسئلة لا بد من الإشارة الى تأثر المسلمين العرب بالفلسفة اليونانية التي عالجت بدورها موضوع السعادة خصوصاً عبر تأملات أفلاطون وأرسطو.
يرى الكندي وهو أول الفلاسفة العرب أن " السعادة غاية الحياة البشرية" وهدفها. فإن مسيرة الإنسان بكل تحولاتها تتمحور حول نقطة واحدة وهي بلوغ السعادة. كما تبرز أهمية السعادة في حياة الإنسان في كتابي الفارابي " السعادة" و"تحصيل السعادة".
إذاً، فإن كمال الإنسان يقوم على السعادة، فهذان المصطلحان كمال وسعادة ـ مترادفان في القاموس الفلسفي.
لكن كيف يمكن الحصول على السعادة؟
إن الحصول على السعادة برأي الفلاسفة العرب يتم من خلال العلم والسيرة. فالعلم هو المعرفة بجوهر كل موجود من الموجودات أما السيرة فهي السيرة الفاضلة.
هنا، لا بد من الإشارة الى أن الفلسفة هي الصناعة النظرية التي تعطي العلم الحق بالموجودات أما السياسة فهي الصناعة العملية التي تقوم الأفعال وتسدد الأنفس نحو السعادة.
وليست جمهورية أفلاطون أو المدينة الفاضلة عند الفارابي سوى ترجمة نظرية لمفهوم السعادة ففي هذه المدن تلتقي الفلسفة. "فالإنسان الفيلسوف والإنسان الملك شيء واحد"، وحيث تتوفر السعادة تتوفر الفلسفة والسياسة.
من خلال ما تقدم، هل يمكنا القول أن السعادة هي نتاج جمعي أم إنها نتاج فردي؟
إنتهج الفلاسفة العرب في نظرتهم الى السعادة نفس المنطق الأفلاطوني والأرسطي، فقد إعتبروا كالفلاسفة اليونان أن السعادة نتاج إجتماعي يتأتى من تظافر جهود الناس. إذاً السعادة لا تولد إلا من رحم المجتمع. ولقد إتخذ الفلاسفة من هذه النظرية قاعدة لينطلقوا من خلالها الى البحث في الفكر الإجتماعي والسياسي أي للتأملات النظرية في المجتمع والدولة.
النص الثالث :
"هيغل الشاب" / لارا يوسف
عالج هيغل في مرحلة الشباب قضايا دينية. وكانت المفاهيم التي أحتلت الصدارة في هذه المرحلة ثلاثة: ـ الله ـ القيم الدينية ـ المسيحية. تنقسم مرحلة الشباب عنده الى أربع مراحل:
1ـ مرحلة شتوتغرت: وهي ذات فروض مدرسية ومذكرات شخصية.
2ـ مرحلة توبنغن: أهم كتاباته فيها: دين الشعب والمسيحية. هنا يعالج هيغل قضية تعنيه شخصياً لأنه كان يبحث عن السبل التي تجعل من الدين المسيحي ديناً يعني الشعب في كل مستويات حياته.
3ـ مرحلة بيرن: إهتمت بحياة يسوع ووضعانية الدين المسيحي.
4ـ مرحلة فرانكفورت: فيها مشروعه حول الدين والحب.
إختلفت تفسيرات العلماء حول مرحلة الشباب عند هيغل: فكان هناك تفسير ديني ينسب فيها دلثاي الحلولية الصوفية الى هيغل. وتفسير إجتماعي يعتبر بموجبه لوكاش أن هيغل هو فيلسوف ذاتي متطرف ملحد ثوري وجمهوري الميول.
البعض يعتبر أن هيغل من أتباع فلسفة الشعور في توبينغين ثم في بيرن تحول الى الفلسفة الكانطية وفي فرانكفورت إنتقل الى اللاعقلانية الرومنطيقية. أما البعض الآخر يبرز إهتمامات هيغل الإجتماعية فيجعل منه: إما سابقاً لماركس وإما من أتباع النظرية الإنكليزية الإجتماعية الليبرالية.
عندما تحول هيغل الى الفلسفة حلت مواضيع المنطق والميتافيزياء وفلسفة الروح محل مواضيع دين الشعب والمسيحية وحياة يسوع ووضعانية الدين المسيحي. هذا التحول الى الفلسفة لا يعني ان هيغل تخلى عن الدين في فلسفته.
ــــــــــــــــــــ
(1) مطبوعة تصدر عن اللقاء الفلسفي في الجامعة اللبنانية ـ الفرع الرابع |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق