صور الأقمار الصناعية لا تكفي : كوريا الشمالية هدف استخباراتي صعب على أميركا!؟

"روبرت إيغان" لديه فكرة جيدة حول مدى يأس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي. آي. إيه" وتوقها الشديد إلى أي معلومات تتعلق بكوريا الشمالية. فـ"إيغان" يقوم بتقديم الشواء للدبلوماسيين الكوريين الشماليين في مطعمه في "هاكنساك"، بولاية نيو جيرسي، منذ 15 عاماً، وقد سبق له أن زار العاصمة الكورية الشمالية بيونغ يانغ عدة مرات. كما سبق له أن قدم معلومات حول زبائنه للسلطات الأميركية، بل وذهب إلى حد أنه قام بالتقاط شعرات من على بذلاتهم حتى يتمكن المسؤولون الأميركيون من تعقب حمضهم النووي. ولا غرو أنه وجد معدات مراقبة تابعة لـ"مكتب التحقيقات الفيدرالي" مخفية في مكتبه. ويقول "إيغان"، وهو رجل في الثالثة والخمسين من عمره انقطع عن الدراسة في المرحلة الثانوية، إن الاستخبارات الأميركية "تستعمل رجلا يكسب قوت يومه من شواء قطع اللحم" من أجل فهم كوريا الشمالية.
المسؤولون الأميركيون يقللون من شأن اهتمامهم بـ"إيغان"، ولكنهم لا ينفون تعطشهم لأي معلومات حول دولة تمتلك سلاحاً نووياً، وتعتبر أصعب بلد يمكن التجسس عليه في العالم ربما - ثقب أسود تقريباً بالنسبة لمعظم وكالات الاستخبارات- ولعل أحدث مؤشر على ذلك هو حقيقة أن المسؤولين الأميركيين لم يكونوا، في ما يبدو، على علم طيلة 51 ساعة بوفاة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ إيل في السابع عشر من ديسمبر، حيث لم يسمعوا الخبر إلا عندما أُعلن عنه على التلفزيون الكوري الشمالي. وهم اليوم يسعون جاهدين للحصول على معلومات حول أصغر أبنائه وخلفه المعين، كيم جونغ أون، وهو شاب في السابعة والعشرين يميل إلى السمنة ومعروف عنه ولعه بألعاب الفيديو.
ولعل الأهم من ذلك هو أنه على الرغم من المراقبة شبه الدائمة بواسطة الأقمار الصناعية التجسسية، فإن وكالات الاستخبارات الأميركية فوجئت عندما علمت من مسؤولين إسرائيليين في 2007 بأن علماء كوريين شماليين ساعدوا سوريا على بناء مفاعل نووي سري في الصحراء. وحينئذ، قامت طائرات حربية إسرائيلية بقصف الموقع عندما رفض الرئيس الأميركي جورج دبليو. بوش القيام بذلك.
وبالمثل، أُخذت الاستخبارات الأميركية على حين غرة في نوفمبر 2010 عندما أخذ مسؤولون كوريون شماليون عالماً أميركياً يزور بلدهم في جولة لمنشأة لتخصيب اليورانيوم بُنيت حديثاً تقوم بإنتاج وقود منخفض المستوى ولكن يمكن تحويلها لإنتاج يورانيوم عالي التخصيب لأسلحة نووية. وتعليقاً على هذا الموضوع، كتب العالم، "سيغفرايد هيكر"، وهو مدير سابق لمختبر "لوس ألاموس الوطني" يقول في رسالة عبر البريد الإلكتروني، إن الموقع "مثال جيد لمدى محدودية الصور التي تلتقط من فوق".
ويضيف "هيكر" الذي يقوم بالتدريس في جامعة ستانفورد: "هناك على الأرجح منشأة في مكان آخر تقوم ربما بصنع وقود القنابل".
ويشير المسؤولون الأميركيون إلى حدود التجسس في دولة ستالينية بالكاد تتوافر فيها وسائل اتصال حديثة، وحيث قلة قليلة من المواطنين فقط يُسمح لها بالسفر إلى الخارج، والأجانب ليسوا محل ترحيب. وفي هذا الإطار، يقول النائب مايك روجرز (الجمهوري عن ولاية ميشيغن)، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب: "إن المجتمع ككل ليس متصلا ومترابطاً بشكل جيد"، مضيفاً "والحكومة ليست مترابطة بشكل جيد إذ لا يتواصلون بشكل جيد بينهم".
"بروس كلينغنر"، كبير المحللين المتخصصين في كوريا الشمالية في "سي. آي. إيه" من 1996 إلى 2001، يقول إن فهم كوريا الشمالية يشبه تمييز صورة على "أحجية عندما لا يكون لديك سوى مجموعة صغيرة من القطع في وقت يقوم فيه خصمك بالتشويش عليك وإضافة قطع من أحجيات أخرى إلى الصندوق بشكل متعمد".
ولكن "كلينغنر" يرفض فكرة أن كوريا الشمالية جد فقيرة أو متخلفة لدرجة أنها لا تشكل خصماً مخيفاً، ذلك أنها لم تقم ببناء واختبار أسلحة نووية وصواريخ باليستية فحسب، ولكنها ماهرة أيضاً في العمل الاستخباري المضاد والحرب الإلكترونية إذ يقول: "لدينا تلك الصورة عن كوريا الشمالية باعتبارها بلداً يفتقر إلى الإمكانيات الإلكترونية، ولكن الحقيقة هي أنهم يركزون اهتمامهم على مجالات معينة"، مضيفاً "كوريا الجنوبية ترى أن قدرات كوريا الشمالية بخصوص هجوم إلكتروني تضاهي تلك التي تتمتع بها "سي. آي. إيه".
وهنا يشير بعض المراقبين إلى أنه في نيسان / أبريل الماضي لم يتمكن 30 مليون زبون لبنك "نونغهيب" الكوري الجنوبي من استعمال منافذ السحب الآلي أو النفاذ إلى حساباتهم على الإنترنت طيلة أيام عقب هجوم إلكتروني كوري شمالي مفترض على البنك.
والواقع أن التحدي بالنسبة لأجهزة التجسس الغربية كبير جداً، ذلك أنه خلافا لإيران، حيث قامت مجموعات بتسريب معلومات استخباراتية نووية قيمة إلى الغرب، فإن كوريا الشمالية دولة شمولية لا تسمح بأي معارضة سياسية ولو معتدلة. ويقول كلينجنر، زميل مؤسسة "هيريتدج فاونديشن" في واشنطن حالياً: "إن ثلاثة أجيال من أفراد عائلة أُرسلوا إلى معسكرات العمل" بعد أن تجرأ شخص على انتقاد كيم جونغ إيل.
ثم إن واشنطن ليست لديها سفارة في بيونغ يانغ وعمال المساعدات القلائل الذين يعيشون هناك يخضعون لمراقبة شديدة من قبل أمن الدولة. كما أن الدبلوماسيين الكوريين الشماليين الذين يُرسلون إلى الخارج، والذين قد تسعى وكالات التجسس الغربية إلى تجنيدهم، يرغَمون، حسبما يقال، على ترك أحد أقاربهم في كوريا الشمالية كوسيلة لضمان عدم خيانتهم للنظام.

كين دلانيان، "إم. سي. تي. إنترناشونال"
الأربعاء 28 كانون الأول 2011
 إطبع هذا المقال     أرسل إلى صديق

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.