دراسة تستعرض قروناً من فكر الجهاد وتحولاته
لعل المدخل المناسب لكتاب ماهر الشريف الخلاصة التي توصل اليها في مؤلفه السابق "رهانات النهضة في الفكر العربي" (2000)، وفيها أن ثمة
انقطاعاً بين فكر رواد الإصلاح الديني المشهورين الذين جهدوا في تلمس أسباب تخلف المجتمعات الإسلامية قياساً بأوروبا وكيفية اللحاق بها في ركاب
العلم والمدنية، وبين فكر الإسلام السياسي الحديث. ولكي يؤكد هذا الاستنتاج قام الباحث بأخذ مسألة الجهاد موضوعاً للمقارنة وللفحص. ووضع مساهمته
هذه في إطار دراسة تاريخ الأفكار معتمداً على منهج يميز بين الدين من جهة والفكر الديني من جهة أخرى، ويرى أثر الواقع في انتاج الفكر حيث "لا
وجود لفكر خارج الواقع".
بدأت كتب السّير في الظهور منذ القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، وهي تحدد سلوك المسلمين في علاقتهم مع الكفار من "أهل الحرب" أو من "أهل العهد"
وأشهرها كتاب الشيباني، كما للإمام الأوزاعي مساهمة في هذا المجال.
أما فقهاء الحجاز فقد كان اهتمامهم بمسألة الجهاد محدوداً واعتبروه "دفاعياً"، والمثال في ذلك الإمام مالك بن أنس في "الموطأ". ولم تتبلور "عقيدة الجهاد"
إلا على يدي الإمام الشافعي في "الرسالة" وفي "الأمر"، الذي عده "فرض كفاية" وحدد غايته في "إظهار دين النبي على الأديان".
هذا، ولم يقف علماء المسلمين على رأي واحد في مسائل الجهاد، وقد أظهر الطبري الأمر في "اختلاف الفقهاء". ويعود الى الإمام ابن تميمية الفضل في
إحياء عقيدة الجهاد في موقف جمع الدعوة اليه واتخاذ موقف متشدد من "المنشقين" داخل الإسلام، على خلفية الغزوات الصليبية وغزو المغول لبلادنا.
وبقي التنوع في المواقف السمة الغالبة على رواد عصر النهضة العربية الذين تناولوا ولو عرضاً مسألة الجهاد، فالسيد جمال الدين الأفغاني صاحب
الاقتناع بوحدة النوع الإنساني والنظرة الأنسية، بحسب الكاتب، دعا في مجلته "العروة الوثقى" (لسان حال الجمعية التي تحمل الاسم نفسه) الى الدفاع عن
أرض المسلمين مشدداً على الطابع الدفاعي، داعياً للابتعاد عن التعصب والاعتصام بالرابطة الدينية وإخضاعها الى "سطوة العدل".
وقد ندد بالحرب وميّز بين الحرب الاستعمارية الغربية الجارية في عصره وجهاد المسلمين الأوائل. أما تلميذة ومريده محمد عبده فقد ركز جهوده على
الإصلاح في شعبه الثلاث :
إصلاح فهم الدين وإصلاح الاعتقاد وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدين"، والنظر في مقتضيات الإسلام تجاه المجتمع الحديث كما يقول
الشريف. ما دفعه لتفسير القرآن بعيداً من "رؤية السابقين من المفسّرين"، والقرآن في جوهره كتاب دين، ويقف العقل مرجعاً في الأمور الدنيوية. وعدّ
عبده الجهاد بالنفس بمعنى القتال أو الجهاد بالمال محصوراً في "الدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها"، والجهاد بمعنى القتال هو "فرض
كفاية". وقد دافع عبده عن وجهة نظره في سجالات كثيرة (مع فرح انطوان والمؤرخ الفرنسي هانوتو) على الضد من الآراء التي ترى في الإسلام ديناً
جهادياً شرّع القتال. في حين ذهب علي عبد الرازق في "الإسلام وأصول الحكم" مذهباً مغايراً اعتبر فيه جهاد أوائل المسلمين هدفه "تثبيت السلطان
وتوسيع الملك" مميزاً مفهوم الرسالة من الملك. وقارب التونسي عبد العزيز الثعالبي قضية الجهاد بارتباطها بقضية التسامح في الإسلام وضرورة
مراعاة أسباب النزول وشدد على كون الرسول الكريم إنما خاض الحروب دفاعاً عن النفس.
والحال، طاول التغير الذي أصاب فكر محمد رشيد رضا، تلميذ عبده، والانقلاب على آراء معلمه التي عبرت عنها مجلة "المنار" في أعدادها الأولى،
وعلى توجهات تيار الإصلاح الديني أيضاً مسألة الجهاد. فبعد أن تبنى أفكار الأستاذ في الطابع الدفاعي له وتفضيل الإسلام للسلم على الحرب وخوضه
السجالات مع من يرون فيه ديناً حربياً، وبتأثير الحوادث السياسية بدءاً من عدوان ايطاليا على طرابلس الغرب عام 1911 قام رضا بطرح قضية "
الخلافة" وعدّها "من أهم المسائل الدينية الدنيوية" وطالب أهل الإصلاح بالتحضير لجهاد جديد، وشن هجوماً عنيفاً على المخالفين له وخصوصاً من
اتهمهم بالتفرنج ونشر الثقافة اللادينية، وقد أدرك رضا الحاجة الى جماعة منظمة "قوّامة على أمر الدين" لتجديده، فأنشأ جمعية "العلم والإرشاد" ورحب
بتأسيس "جمعية الشبان المسلين" عام 1927.
تجعل قراءة ماهر الشريف هذه من رشيد ارضا "أب" الإسلام النضالي أو "الجهادي" كما يسميه البعض.
فالشيخ حسن البنا، مؤسس حركة الاخوان المسلمين تأثر بفكر الشيخ رضا. و كانت منظمته أول تعبيرات هذا الانقلاب في الفكر. فبخلاف السائد عند
رواد النهضة، لم يرَ البنّا في الحضارة الغربية إلا مظاهر الإلحاد والشك في الله، وأنه على الإسلام أن يرفع راياته مستلهماً نموذج الدولة الإسلامية
الأولى، واعتبر القتال في سبيل الله "فريضة محكمة من فرائضه ولم يفرق بينها وبين الصلاة والصوم في شيء". ورأى أن الجهاد في زمانه بات "
فريضة محكمة وضرورة لازمة"، بيد أنه رأى أن مسؤولية إعلانه تقع على عاتق حكام المسلمين.
ثم أتى أبو الأعلى المودودي بفكرة "الحاكمية لله وحده" وخص الجهاد بكتاب عنوانه "الجهاد في سبيل الله" شدد فيه على أن الإسلام "فكرة انقلابية" و"
منهاج انقلابي" والمسلمون "أعضاء الحزب الانقلابي العالمي" والجهاد هو "الكفاح الانقلابي" بهدف بنيان النظام الاجتماعي الجديد.
ولكن الذي مارس التأثير الأكبر على التيار الجهادي بحسب الشريف هو سيد قطب، الذي جعل من مسألة الجهاد ركناً من أركان فكره الإسلامي، فعرفه
في كتابه "السلام العالمي والإسلام" ورأى أن الإسلام "لا يعرف قتالاً إلا في سبيل الله" ولا يقر إلا حرباً تهدف الى "تقرير ألوهية الله في الأرض" وأن
الإسلام "في جهاد دائم لا ينقطع أبداً لتحقيق كلمة الله على الأرض"، وقد حدد قطب أهداف الجهاد بثلاثة: دفع الأذى والفتنة عن المؤمنين، وضمان حرية
الدعوة وإقامة نظام الإسلام في الأرض وحمايته.
وجاء الشيخ الفلسطيني، عبد الله عزام تلميذ قطب، ليمارس الجهاد فعلاً في أرض أفغانستان ويكتب عنه "في الجهاد، آداب وأحكام" معتبراً إياه أهم "
فروض الايمان" وأنه شُرع في الإسلام في سبيل نشر الدعوة.
أما سعيد حوّى، السوري، فقد عد قيام الدولة الإسلامية فريضة، يقوم به جيل يحب الموت ويرفع "لواء الجهاد لتحرير الإنسان" ويجاهد في سبيل "تطبيق
شريعة الله".
ولإغناء البحث يستعين الكاتب بعدة مواقف فقهية مختلفة إزاء مسألة الجهاد، سنورد بلمحة هذه المواقف كما أوجزها الشريف نفسه: إذ
اعتبر علي بن نفيع العلياني، السعودي الإسلام ديناً قتالياً انتشر بالسيف، ومحمد سعيد البوطي رأى أن ساحة الجهاد الأولى هي الدعوة الى الله والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر. وابراهيم النعمة، العراقي، دعا الى الجهاد عند الضرورة القصوى في حالة صد العدوان، أما وهبة الزحيلي فقد أكد على
أن الصلح هو الأساس أو الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم، وأما يوسف القرضاوي داعي الوسطية فيرى الى الجهاد بعيداً عن "الإفراط" وعن "
التفريط". وثمة آراء لمفكرين أعادت النظر في فقه الجهاد الموروث في العصور الوسطى رافضة مفهوم العنف وممارسته وهم: الإمام محمد مهدي شمس
الدين والشيخ جودت سعيد والشيخ خليل عبد الكريم والمهندس محمد شحرور.
يمثل كتاب الشريف جولة أفق واسعة ومكثفة ومفيدة تعبر بنا قروناً من فكر الجهاد وتحولاته، وكلمة "التحوّل" تلائم في رأيي أكثر مضمون الدراسة من
كلمة "تطور" وما تحيل إليه من دلالات.
عفيف عثمان/أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية
ينشر النص بإذن من الكاتب |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق