المخرج الفلسطيني نزار حسن : المسألة هي من أنا، وما انتمائي
خاص ـ الحقول/ كبر نزار "على ضياع فلسطين وهزيمة العرب" فيها. لكنه كان يعلق على حائط غرفته "صورة الفدائي"، وكان يحلم بالسفر إلى أوروبا، بعد انتهاء دراسته الثانوية، لكي "يدخل بالعمل الفدائي". صار نزار حسن مخرجاً سينمائياً، ولكنه لا يرى نفسه "الآن، بعيداً عن الافكار التي كنت احملها". هكذا أخبرنا، حينما التقيناه في بيروت التي قدم إليها من فلسطين، ليعرض في مهرجان "سينما الفقدان" (22 ـ 24 حزيران/يونيو 2008) إثنين من افلامه : "استقلال"، 56 دقيقة، أنجز عام 1994، و"جنوب"، 58 دقيقة، انجز هذه السنة.
كيف يواجه المخرج الفلسطيني نزار حسن الاحتلال من خلال السينما؟
ما يسمى احتلالاً هو المشكلة. عليك أن تبدأ بتفكيك عناصر هذه الكلمة الكبيرة. أهم شئ أن تمتنع عن التفكير بأنك ضحية .. يعني عملياً أن تقول أنا مسكين، وتعالوا اشفقوا علَي. بدلاً من ذلك لا بد ان تؤمن بأنه لديك قدرة على التغيير، وأن تغيير الظرف الذي تعيش فيه يعني أن تنتهي من عقلية الضحية، وتبحث عن عقلية المقاومة. ولا يكون ذلك بالسلاح فقط، هناك اساليب كثيرة للمقاومة من ضمنها السلاح. هذه أول نقطة.
ثانياً، لا بد من الكف عن الاستجداء وعن اللجوء إلى القوي لتكون معه. عليك ان تبني خطابك .. أن تقول ماذا تريد، أن تعرف نفسك الى اين انت ذاهب، وأن تدرك أن عليك ثمنا يجب أن تدفعه. في الحقيقة، دفعنا الثمن : راحت فلسطين كلها. وبالتالي مما ستخاف، طالما كل فلسطين راحت.
هناك مسألة اخرى لا بد أن نفهمها، وهي أن هذا العدو مهما كانت قوته هو في نهاية الأمر، من صنف البشر، يعني أنه قابل للتغيير، ليس عن طريق الاعتراف بخطابه، ولا بأنه القوي، كلا، بل عن طريق ان تأتي بمشروع اكبر من مشروعه واهم من مشروعه وأقوى من مشروعه. واذا لم يقبل فليدفع الثمن، فهذه مسؤوليته لا مسؤوليتي. اذا كان يريد ان يشاركني بحلمي الخاص، انا اريد تغيير كل الدنيا، أهلا وسهلا، لكن بشرط ان يعترف هذا العدو أني أنا صاحب الوطن، من دون أي كلام أو حكي، ولا بأي شكل من الاشكال.
علينا ان نفرق بين الوطن والدولة، وهذا الامر إلى اليوم لم يتطرق اليه أحد. وخطابي السينمائي الخاص يحكي عن هذا الفرق . فالدولة شيء والوطن شيء آخر. فلسطين لم تكن فارغة ولا في فراغ، هم لم يأتوا بقطعة ارض من بولندا ووضعوها هنا وبنوا عليها مؤسسة. هم جلبوا بشرا ودفشوا بشراً آخرين إلى داخل العالم العربي، دفشوا الفلسطينيين العرب : المسلمين والمسيحيين والدروز، وجلبوا يهود عرب مكانهم وهذا ما يمكن اعتباره اول حركة طائفية في العالم العربي.
الطائفية في العالم العربي معناها الاول والاخير صهيوني. القومية والدين لدى الصهاينة لهما معنى واحد. و"إسرائيل" تشبه بالضبط، باكستان حيث لا فرق بين الهنود إلا بالدين. وهذا يذكرنا بما كان يحكي عن ان مشروع الدولة اللبنانية هو للموارنة. و"إسرائيل" هي اول دولة طائفية في المنطقة.
الا تعتقد تمويل إنتاج الافلام من مصادر أوروبية وإسرائيلية أيضا، يمكن ان يؤثر على مضمون أفلامكم. كيف تنظر إلى التمويل من هذه المصادر؟
نحن هنا امام إشكالية كبيرة. أول عناصرها من هو المخرج؟ من أين أتى؟ والى أين هو ذاهب؟ أنا لا أستطيع أن أعرف من هو المخرج الجيد ومن هو المخرج السيء، قبل معرفة قصة أو موضوع الفيلم، وذلك قبل الحديث عن التمويل. فهناك مخرج "يؤمن" بأنه يجب أن يحكي بالخطاب الأوروبي ـ الإسرائيلي، الذي يقول أنه "لازم نتعايش" (العرب والصهاينة)، وأن الفيلم يجب ان يبين كم "أننا (العرب والصهاينة) نحب بعضنا".
بنظري إن أهم تعايش هو التعايش العربي ـ العربي، سواء كان فلسطيني ـ اردني أو فلسطيني ـ لبناني. والأولوية لديَ هي لهذه التعايشات. أما الشخص الذي يقول لك، اليوم، "انه لازم علينا أن نتعايش مع إسرائيل وإلى اخره، فهو إسرائيلي حتى لو كان يعمل بتمويل عربي أو غير عربي". المشكلة، إذن، ليست في التمويل.
أما بخصوص التمويل الإسرائيلي، فاننا فكرنا في مرحلة ما، أن هذا جزء من حقوقنا. ولا يزال هناك ناس تؤمن بان هذا التمويل من حقنا، طالما أننا ندفع الضرائب والرسوم. طبعا عندما تعرفنا على العالم العربي، فهمنا الحساسيات الموجودة فيه، وكان علينا أن نختار. فالمسألة هي من أنا. وما انتمائي. "الإنتماء حلو"، وبالرغم من كوني أدفع ضرائب، فإنني أفضل مصدر آخر للتمويل، لأن التمويل يحدد تحت أي "علم بدك تنزل".
كيف تقدر على مواجهة الصهيونية مع هذه الإشكاليات التي ذكرتها؟
لقد توصلنا إلى ان المقاطعة ضرورية، كوسيلة سياسية للضغط على الوضع الحالي. انت تقرر. إذا كنت تريد ان تكون جزءاً من المقاطعة، عندئذ "بدك" تكوني فلسطيني وعربي وضدهم .. "بدك" تروح في المقاطعة الثقافية والاكاديمية إلى النهاية. "ما بتقدر تكون نص نص ...".
عندنا ناس يرفضون المقاطعة ليس فقط، من فلسطيني الداخل أو من الخارج، بل العرب أيضاً، إذ يعارضون اتخاذ المقاطعة وسيلة للضغط السياسي ...
ـ تقصد عملاء إسرائيل؟!
كلا. ليس قصة عملاء. العمالة كلمة فضفاضة...
نعني عملاء في المستوي الثقافي والأكاديمي ...
انا اتحدث عن شئ آخر. هناك خطين : خط مقاوم وخط استسلامي، ومن ثم كل شخص يقرر، اذا ما كان المستسلم عميل أم لا. أنا لا أريد توزيع شهادات عليهم، هم سيفهموا. اليوم هناك مشروع إسرائيلي ـ اوروبي اسمه Green house، يعمل فيه "كم واحد عربي". أدخل إلى موقع : com.Green house. www لكي تتعرف عليهم. هؤلاء تجدهم في السينما. رغم أننا منذ عام 2000 بدأنا في المقاطعة .. دخلنا في مرحلة المقاطعة، فأنك لا تزال ترى أن هناك إناساً "لا تفرق معهم وماشيين" ...
يقوموا بعمل Business ؟
ليس فقط Business ليته كذلك. ال Business هو بيع وشراء، لكن هؤلاء الذين يرفضون مقاطعة التمويل "الإسرائيلي"، ومنهم عدد من الإسماء الأكاديمية، إنما يفعلون ذلك عن قناعة، ويرفضون الحوار، يرفضون كل شكل من أشكال الحوار معنا.
قبل أن ننفتح على العالم العربي عام 2000، كنا نقول أنه لا يوجد بديل للتمويل "الإسرائيلي". حينئذ كنا خونة بنظر ثلاثة أرباع العالم العربي، فجأة صرنا أبطال. المسألة أننا لسنا خونة ولا أبطال. نحن متنوعون. لا يمكن تصنيفنا بين خونة وأبطال... يجب وضع معايير صحيحة لأننا "مخبوطين على رأسنا". لسنا وحدنا كذلك، اللبناني أو السعودي "مش مخبوط على راسه"؟. هناك انظمة عربية قامت بممارسات بشعة ضد العرب أنفسهم.
هل يرى الجمهور"الإسرائيلي" أفلامكم ويتفاعل معها. ام أن عرضها يقتصر على الجمهور العربي؟.
هناك جمهور "إسرائيلي" ممكن أن يتفاعل مع أفلامنا. لكن السؤال هو انك كمخرج إلى من تتوجه؟. أولاً، إلى جمهورك الفلسطيني، وبعد ذلك "يلي بدو يتفاعل يتفاعل"، أو انك تتوجه إلى جمهور "إسرائيلي" وأوروبي؟.
انا بإعتقادي، إذا عمل المخرج انطلاقاً من ان جمهوره هو "إسرائيلي" وأوروبي فلسوف ينجز أفلامه بأسلوب "أنظروا يا حبايب احنا مساكين واحنا ضحية واحنا ..." ولن يتطور بفنه ابداً. لأنه يصنع فيلما "لهم". هل هذا العمل صحيح أم خاطئ ؟ أعتقد أن السؤال هو هل أسير بالمفاهيم التي تخص الممول "الإسرائيلي" أو الأوروبي, أم أسير بالمفاهيم التي تخصني. ثم يأتي "الإسرائيلي" والأوروبي، ويجتهد لكي يفهم منطق عملي السينمائي. وساعتئذٍ قد يتغير.
من خلال مشاركتك بمهرجان "سينما الفقدان"، كيف كان انطباعك عن ردة فعل الجمهور، حيال الأفلام التي عرضت، وأفلامك بوجه خاص؟.
قبل أن أسأل عن الجمهور يجب أن أسأل عن نفسي، ما هي أفلامي وماذا احمل فيها؟ أنا أحضرت أفلاما تتناول وتعالج مسائل خطرة جداً. والهدف منها أن اطرح مسألة موجودة ومعروفة، ولكن بعض الناس يرفض طرحها واخرون يريدون مناقشتها. لذلك أقول انني لا أتملق للجمهور : "ما أحلاك وما أشطرك"، بل أعمل لكي يحرك الفيلم المشاهد، نحو تفكير نقدي بالواقع، الذي يعيش فيه.
ما هي الرسالة الإساسية السياسية التي أردت إيصالها من خلال فيلمك حول المسلمين الشيعة في جنوب لبنان ؟!
"أنا بدي أفهم". لا توجد رسالة سياسية، بل أريد القول أن النكبة لم تحل فقط في أرض فلسطين، بل في جنوب وشمال وشرق فلسطين ايضاً. أريد ان اوسع الجغرافيا الطبيعية. نحن نعيش في فضاء واحد، وجغرافيا واحدة، الحجر الموجود في بوابة فاطمة هو نفسه الحجر الموجود عندنا ولكن تم قطعه إلى نصفين.
هل تعتقد أنه اصبح مناسباً او ضرورياً العمل لمؤسسة فلسطينية للسينما .
لا، لا اعتقد ذلك. لكن أنا افكر ان تكون مؤسسة عربية للسينما.
هل هذا يصعب عليكم المواجهة في الداخل؟
كلا، اعتقد أن مواجهتي ومواجهتك واحدة. القوة في "سينما الفقدان" أننا كسينمائيين تفاهمنا مع بعض بشكل أو بآخر. على فكرة الشبه مذهل وكبير بين شمال فلسطين وجنوب لبنان . |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق