خبير نووي عربي : هناك نشاطات عسكرية في مفاعل ديمونة "الإسرائيلي"
خاص ـ الحقول/ انتعشت سوق التكنولوجيا النووية في الدول العربية، بعد جمود طويل. وقد بدأ المقاولون الأجانب، وبعضهم من رتبة رئيس جمهورية، بتسويق عروض مغرية ماليا، لاستيراد مفاعلات يتم تخصيب وقودها في الخارج. لكن من غير المؤكد أن هذه العروض مغرية تكنولوجيا أو اقتصاديا. إذ من غير الواضح، ما إذا كانت شروط الإستيراد ستساعد على تعزيز استقلال العرب، وزيادة قوتهم في مواجهة "إسرائيل"، أم أن هذه الشروط ستكرس تبعيتهم للخارج، من دون أن تقلص الفجوة التكنولوجية مع العدو "الإسرائيلي". الحقول قابلت أستاذ الفيزياء النووية حسن الشريف*، وناقشت هذه المسألة الإشكالية.
بدأت بعض الدول العربية (الجزائر، الأردن، ليبيا، المغرب، اليمن، السعودية، الإمارات، بالإضافة إلى مصر) في الفترة الأخيرة، بتنفيذ أو تنشيط برامج إنشاء وتطوير مفاعلات نووية، بهدف توفير مصادر بديلة للطاقة الأحفورية، ما هي الآثار التكنولوجية والعلمية لهذا التحول؟.
حسب معلوماتي لم تبدأ أي دولة عربية في تنفيذ المشاريع. ما أعلن عنه هو عودة إلى تنشيط المشاريع القائمة، اكثر مما هو بدء مشاريع جديدة. في البداية مصر كان لديها مشروع وصل تقريبا الى مرحلة اختيار المنفد وبعد ذلك توقف. هذا الكلام عمره عشر سنوات او اكثر. ومصر كانت اكثر دولة متقدمة على غيرها من الدول العربية التي لم يكن لديها مشاريع جدية لبناء محطات لانتاج الطاقة.
بقية الدول العربية الجزائر، العراق، سوريا، كان لديها مشاريع مفاعلات نووية للبحوث. لكن لم يكن لديها أي مشاريع جدية لانتاج الطاقة. العودة الآن الى طرح هذا الموضوع، اعتقد انه سياسي اكثر مما هو اقتصادي. لأنه حتى الان، ورغم الارتفاع الملحوظ في اسعار النفط، فإن الطاقة النووية لم تصبح منافسا جديا من الناحية الاقتصادية للنفط، خصوصا في بلاد النفط.
هو اذن مشروع سياسي، ربما استراتيجي .. كما يطرح الآن .. بمعنى انه للمرحلة التي ستلي نضوب النفط. ولذلك، نبدأ من الآن بالاعداد الى مرحلة نضوب النفط.
هذا ما استطيع ان افهمه من تلك الخطوات. وهذا المنطق سليم، ربما باستثناء البلدان التي لا تمتلك النفط بل تستورده كمصر او الاردن.
كيف تقيمون الجدوى الإقتصادية والبيئية للمفاعلات النووية العربية المقترحة كمصدر للطاقة، على ضوء تجربة القوى الدولية الكبرى (أوروبا، روسيا، أميركا، الصين) والمتوسطة (البرازيل، الهند، اليابان) والصغيرة ("إسرائيل"، كندا، أوستراليا)؟.
الى الآن، بتقديري الموضوع اقتصاديا مطروح للنقاش. الطاقة الذرية لا تضاهي اقتصاديات النفط وخصوصا في منطقة فيها نفط. ولهذا السبب لم تنتشر الطاقة الذرية في معظم هذه البلدان. انتشرت فقط في دول اوروبا واميركا الشمالية، أولا، بشكل خاص لاسباب استراتيجية. ولانها تمتلك التكنولوجيا، وتمتلك كل متطلبات الصيانة والحماية وما الى ذلك. وهذه المتطلبات تكلف في مناطق مثل بلادنا اكثر بكثير من كلفة اقامة المحطة نفسها.
ثانيا، من الناحية البيئية هنالك بتقديري، تضخيم للفائدة البيئية من المحطات النووية. واقع الحال، ان المحطات النووية لديها ايضا تأثيرات بيئية سيئة. واكثرها تناقش الى الآن وبعمق، ولكن ربما، ليس لها حل. مثلا، ماذا نفعل بالوقود المستهلك. ماذا نفعل باليورانيوم. لان الاشعاعات التي تنتج من هذه النفايات النووية تستمر لآلاف السنوات، وليس لسنوات قليلة. ما زال الموضوع مطروح وليس له حل.
طبعا بالمقابل المحطات النووية لا ترسل غازات الانبعاث الحراري. هذه هي الفائدة الاساسية التي تميز الوقود النووي في هذه المحطات عن الوقود الاحفوري. لكن المقارنة الفعلية تحتاج الى المزيد من التحليل العلمي. يضاف هنا، طبعا المخاطر الناجمة عن تشغيل المحطات النووية. إذا لم تتوفر الوقايات السليمة الجيدة. ونحن نعرف أنه حصلت حوادث ضخمة مشهورة حتى في الولايات المتحدة. لكن حادث تشرنوبيل كان الاكبر. والآن، يقال ان معظم المحطات في الاتحاد السوفياتي السابق، ليس لها صيانة جيدة، وهي تحت خطر التفجر او تحت خطر الانهيار.
اذن موضوع الصيانة يحتاج الى تحليل ادق واكثر لاسباب عديدة. ربما اولها اننا في الدول العربية بالظرف الحالي، لا نمتلك القدرة البشرية اللازمة. فاذا كانت هذه المشاريع هي مشاريع استراتيجية للمدى المستقبلي، فيجب ان نعد من الآن لكل مستلزماتها.
طبعا، هي مشاريع منطقية لانه النفط سينضب في المدى الطويل، ولا بد ان يكون لدينا امكانيات توليد الطاقة من مصادر اخرى. انا من المتحمسين للطاقة الشمسية، فهي أفضل بما لا يقارن من كل مصادر الطاقة الأخرى. المخاطر فيها اقل. آثارها البيئية افضل بكثير. كما أنها متوفرة في بلادنا العربية اكثر من أي منطقة في العالم. وإمكانية تطوير الطاقة الشمسية وانتاجها اصبحت الآن متوفرة على نطاق واسع في كثير من الدول. صحيح أنها لا تشكل، حتى الآن، منافسا اقتصاديا جديا للطاقة الاحفورية، لكنها، بتقديري، ستصبح كذلك خلال سنوات قليلة.
يقال أن السوق النووية المفتوحة، حاليا، أمام بعض الدول العربية لا يباع فيها إلا مفاعلات من الجيل الأول وربما الثاني، بينما تستعد "إسرائيل" وعدد من الدول الكبرى لبناء مفاعل من الجيل الخامس. ومثلاً، دار جزء من النقاش بين المرشحين الرئاسيين، حينها، نيقولا ساركوزي وسيغولين رويال على الفارق بين الأجيال المتطورة والأقل تطوراً من المفاعلات النووية، حيث مال ساركوزي لتبني خيار الطاقة النووية مشروطاً بالأجيال الأكثر تقدماً من المفاعلات. فما هو الفارق بين الأجيال القديمة والحديثة من المفاعلات؟ وإذا صح أن البلدان العربية تشتري الأجيال القديمة (والمفارقة أن فرنسا هي من يبيعها، بينما لا ترضاها لنفسها) ، فكيف تنظر الى هذا الأمر؟
في الحقيقة هناك انواع متعددة من التكنولوجيا النووية، والتطوير فيها مستمر، كما في كل التكنولوجيات الموجودة. والتطوير يتم بالاتجاهات التالية :
اولا : نحو مزيد من الأمان وهذه القضية اساسية.
ثانيا : حول زيادة فعالية هذه المحطات، وبشكل خاص لجهة استغلال الوقود النووي.
ثالثا، واخيرا في كيفية ادماجها في دورة، ليستفاد منها ليس في انتاج الطاقة وحسب، وانما في انتاج الحرارة المتولدة لتستخدم في عدد من التطبيقات الاخرى.
من القضايا الاساسية التي تناقش لدى المفاضلة ما بين مختلف انواع المفاعلات، هناك امكانية ان ينتج المفاعل انواع من الوقود الذي يمكن ان يستخدم في القنابل النووية بشكل خاص البلوتونيوم. وهنالك نقاشات حول هذا الموضوع، إذ يمكن للدولة المستهلكة للوقود النووي أن تراكم كميات كافية من المواد المخصبة مثل البلوتونيوم، تستطيع استخدامها في إنتاج القنابل النووية. وطبعا هذا يمكن ان يتم في النوعين سواء كان في القديمة او الحديثة ولكن كما قلت بدرجات متفاوتة.. انما الفاعلية الاقتصادية هي التي تفرق اكثر من كمية الوقود المتفجر، زائدا الحماية.
هل يمكن أن تشرح العلاقة ما بين مستوى تطور المفاعلات (الجيل الثالث ـ الخامس)، ودرجة الأمان النووي؟
اعتقد انه بالمفاعلات الحديثة تدخل الكثير من نظم الامان التي تجعل امكانية حدوث التفجيرات، خصوصا لجهة تقادم المفاعلات، اقل بكثير من السابق. كل نظم الحماية قد تصبح اكثر عرضة للحوادث. الاجيال المتقدمة تعالج هذه الناحية وتعطي مؤشرات الى احتمال تقادم هذ النظم اكثر من الاجيال القديمة.
اقترحت بعض الدول الغربية وكذلك روسيا، تصديراً جزئيا للتكنولوجيا النووية، بمعنى فصل عمليات تخصيب اليورانيوم عن استعماله في استخراج الطاقة. وفي هذه الحال، ترى روسيا أنه يمكن أن يجري التخصيب على أرضها، ثم يصدر اليورانيوم المُخصب والمعد للاستعمال السلمي إلى الدول المستهلكة (مثل إيران والدول العربية). فكيف تُقوّم هذا الاقتراح؟
تكنولوجيا التخصيب تختلف بالكامل عن تكنولوجيا المفاعلات النووية. إذ أن بعض المفاعلات قد تعمل على اليورانيوم الطبيعي بدون حاجة الى التخصيب. ولكن طبعا المردود يكون اقل. وبالتالي، لا بد من دراسة هذا الموضوع من الناحية الاقتصادية. ما اود ان الفت النظر اليه، هو الاحتكار الحقيقي لعدد قليل من الدول في تطوير الوقود النووي، حتى في ابسط اشكاله. ما يعني أن معظم الدول لا تمتلك القدرة على تصنيع الوقود النووي المستخدم في المفاعلات، واهم من ذلك لا تملك القدرة على معالجة النفايات النووية التي تستخدم بعد ذلك.
هذه التكنولوجيا النووية ما زالت حتى الآن، محصورة في عدد من الدول وبالتالي كل الدول التي لا تمتلك هذه التكنولوجيا ستعتمد على استيراد الوقود النووي، وعلى الخدمة التي تقدمها الدولة المصدرة في معالجة النفايات بعد ذلك.
والاسعار المطروحة الآن للوقود النووي، هي اسعار لا يلعب فيها السوق الدور الاساسي. هنالك نوع من الهيمنة للدول الكبرى على سعر الوقود، بحيث انه لا يطرح في السوق بسبب احتكار التكنولوجيا النووية. ولهذا السبب نحن لا نقدر ان نعرف كيف يمكن اعادة تسعير الوقود النووي في المستقبل. وطبعا، حسب معلوماتي، ولا اقول انها مُحدَّثة كثيراً، فإنه حتى اليورانيوم موجود بكميات محدودة، وليس مطلقة كما يقال. وبالتالي، عندما يزيد الطلب عليه سترتفع الاسعار. والمقارنة بين الاقتصاديات للمفاعلات النووية واقتصاديات الوقود الاحفوري ستبقى مطروحة للنقاش. ومعظم الدول التي اعتمدت الوقود النووي حتى الآن، إنما فعلت ذلك لاسباب استراتيجية وليس لأسباب اقتصادية فقط.
هل تؤدي حيازة التكنولوجيا النووية السلمية إلى تغيير ميزان القوى الإقليمي؟كيف؟
اعتقد ان اقامة محطات نووية لتوليد الطاقة ليست في حد ذاتها امتلاك الطاقة النووية. اعتقد ان ما يتحدث به الاخوة الايرانيون، هو كلام سليم، بمعنى ان التكنولوجيا النووية لديها ابعاد متعددة ومتنوعة، وليست فقط اقامة او ادارة محطات توليد الطاقة.
ومن حق كل الدول ان تمتلك التكنولوجيا ليس النووية فقط، بل كل انواع التكنولوجيا المتطورة. وتقدم أي دولة يتعلق ويقاس بمقدرتها على امتلاك كل انواع التكنولوجيا. اعتقد ان التكنولوجيا النووية قد ترتبط وقد لا ترتبط بالاستخدام العسكري. لكن حتما بمقارنة الدول في ما بينها في التقدم التكنولوجي فإن امتلاك الطاقة النووية بكل ابعادها، يرفع من القدرات النووية في هذه الدولة. وشرط استخدام هذه التكنولوجيا يتطلب كل مستلزماتها بما فيها قضايا نظم الادارة يعني الحواسيب والبرمجيات وما الى ذلك، وبما فيها أيضا قضية نقل الطاقة والاستفادات المتعددة منها وغير ذلك. الطاقة النووية في حد ذاتها اذا عزلت لا تعني بالضرورة امتلاك كل القضايا المرتبطة بها. لكنها حتما من المقاييس المستخدمة في قياس تقدم الدول في امتلاك التكنولوجيا.
ما رأيكم في تقرير الهيئة العربية للطاقة النووية الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2007 عن النشاط النووي "الإسرائيلي" ومخاطره الإشعاعية على دول الجوار والأراضي المحتلة، الذي لفت إلى تداعيات مفاعل ديمونة "الإسرائيلي"، ووقوع حوادث نووية في "إسرائيل"، كما يشير إلى مخاطر دفن نفايات مفاعل ديمونة في صحراء النقب؟.
ليس لدي اطلاع كبير على ما يجري في اسرائيل من طاقة نووية، لكن من حيث المبدأ، علميا، فإن مخاطر مفاعل ديمونة لا تطال فقط الدول العربية، بل سكان اسرائيل أيضا. واعتقد أن السياسيين الاسرائيليين وحلفائهم من الدول الغربية يعون هذه المخاطر، وبالتالي قبل قلقهم على الدول العربية، سيقومون بما يلزم لحماية سكان اسرائيل. لا اريد ان اضخم من المخاطر. كما أن نفس الكلام ينطبق على موضوع النفايات النووية وهي مشكلة تعاني منها كل الدول بشكل كبير جدا. فأينما دفنت هذه النفايات في الارض، تبقى هناك امكانية تسرب هذه المواد اما الى الطبقات المائية وبالتالي انتشارها بشكل اوسع. وقد تقع حوادث طبيعية مثل الزلازل، خاصة اننا نحن في منطقة زلازل، او الى أي حادثة اخرى، قد تعيد نشر هذه النفايات في مواقع قد تكون خطرة. هذا الموضوع تعاني منه كل الدول، وهو مطروح على النطاق العالمي، وحتما صحراء النقب هي من المواقع غير المحبذة لدفن النفايات النووية لقربها من المواقع السكنية من جهة، ولانها قريبة أيضا من مواقع زلزالية من جهة ثانية .
هل نحن مقبلون على كارثة نووية في المشرق العربي، بسبب تقادم مفاعل ديمونة "الإسرائيلي"؟
لا اعتقد ذلك
لماذا تُمنع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الإطلاع على ما يجري في مفاعل ديمونة "الإسرائيلي"؟
لانه فيه نشاطات عسكرية.
كيف يمكن الوصول الى شرق أوسط خال من المخاطر النووية؟
هذا موضوع سياسي ليس له علاقة بالتكنولوجيا ابدا .. واعتقد انه مرتبط بشكل اساسي بحل القضية الفلسطينية.
أجرت المقابلة :
رغدة كركلاَّ، صحافية عربية من لبنان.
ـــــــــــــــــــــــــ
* حسن الشريف، لبناني، أستاذ الفيزياء النووية من جامعة كاليفورنيا ـ بيركلي، في الولايات المتحدة. يعمل حاليا، مع الأمم المتحدة. |
التعليقات
السلام عليكم
السلام عليكم ..
لا شك ان المقابلة والموضوع المطروح له تاثير كبير على منطقتنا ومن المهم ان تتقعم الشعوب العربية اهمية التكنولوجية لا سيما التكنولوجية التي تتعلق بالمفاعل النووي للأغراض السلمية .. لكن يجب ان لا يغفل البال عن الجانب الذي يتعلق بالصراع العربي الصهيوني وما يقوم به الكيان العصهيوني من استخدام لهذه التكنولوجية في عملية الصراع . ومن المفيد تسليط الضوء على هذه النقطة .
مقال ممتاز
السلام عليكم
مقال ممتاز اهنئكم على الاستضافة المثرة
شكرا
ملاك
علِّق