المفكر حسن حنفي يكتب عن وثيقة التفاهم بين حزب الله والسلفيين الوهابيين في لبنان
صدرت الشهر الماضى وثيقة التفاهم بين حزب الله والتيار السلفى فى لبنان. وحزب الله لا يمثل كل الشيعة، والتيار السلفى لا يمثل كل السنة. ومع ذلك هى محاولة من بعض الشيعة والسنة للتفاهم المشترك، نزعا لفتيل الطائفية والعرقية الذى يهدد ليس لبنان وحده فقط، بل العراق والسودان وسوريا ومصر والمغرب العربى والصومال أيضا، وذلك للقضاء على وحدة الدول الوطنية وتجزئة المنطقة، لإعطاء شرعية جديدة لإسرائيل كدولة قومية لليهود تجمع بين العرق والدين.
شرعية جديدة واقعية، من طبيعة الجغرافيا السياسية للمنطقة، وليست من أساطير المعاد وشعب الله المختار الوافدة من الصهيونية الغربية فى القرن التاسع عشر. وبالتالى ـ مع التجزئة المطلوبة ـ تصبح إسرائيل وليدة المنطقة وليست مزروعة من خارجها.
وقد صدرت الوثيقة من أتون العمل الوطنى ضد مخاطر التجزئة والحرب الأهلية والخلاف السياسى والصراع على السلطة. صدرت باسم المواطنة وحقوق الإنسان أى اعتمادا على طرف ثالث يلتقى عليه السنة والشيعة ولا خلاف عليه، من اللبنانيين أنفسهم دون وساطة خارجية، ومن روحهم وتقاليدهم وتراثهم دون ما حاجة إلى مساومات على سلطة أو تنازلات عن مكاسب.
تبدأ الوثيقة بذكر التحديات الجسام التى تتعرض لها الأمة العربية والإسلامية وأخطرها إثارة النعرات الطائفية والمذهبية من أجل تجزئة المنطقة وتقطيعها كى تصبح نهبا للمشروع الصهيوني ـ الأمريكي، كما تم تقطيع الدولة العثمانية من قبل، وتقسيم ممتلكاتها بين القوى الغربية. إن مسلسل التقسيم ما زال قائما لتفتيت الدولة الوطنية، حصيلة حركات الاستقلال الوطنى.
ونظرا لصمود لبنان فى مواجهة المخططات الأجنبية، بل وبعد انتصارات المقاومة منذ حصار بيروت فى 1982 حتى تحرير الجنوب عام 2000، وانتصار يوليو/تموز عام 2006، بدأ الالتفاف حول المقاومة يتأثر بالنزاع الطائفى. فجاءت هذه الوثيقة من أجل سد الثغرة، والتذكير بوحدة الشعب والوطن.
صدرت الوثيقة بدافع الواجب الإسلامى، والإخوة والتضامن، ووحدة الأمة، وبروح علمية هادئة ضد التطرف المذهبى، والتعصب الطائفى. وضعها العلماء من الطرفين لتجاوز حدة العامة. وقامت على احترام عقائد ومواقف وخصوصية كل طائفة، حتى وإن بقيت بعض الخلافات السياسية. وتوصلت الوثيقة إلى ثمانية مبادئ تعبر عن روح الإسلام ومصلحة الوطن وهى :
1 ـ حرمة دم المسلم، وحرمة أي اعتداء من أي طرف على طرف آخر. فقد حرم الله دماء المسلم وعرضه وماله. بل إذا وقع اعتداء على طرف هب الطرف الآخر لنجدته ونصرته. وهو ما يوافق عليه كل المسلمين.
2 ـ الامتناع عن التحريض وتهييج العوام لعدم إزكاء نار الفتنة، وإبقاء التفاهم بين الطائفتين (السنة والشيعة) فى أيدي العقلاء والعلماء من الفريقين، خارج تناول العامة التى مازالت تعيش رواسب الماضى والخلافات التاريخية، وحديث الفرقة الناجية، والتكفير المتبادل، وهو امتناع يتمناه جميع المؤمنين.
3 ـ الوقوف فى مواجهة المشروع الصهيوني ـ الأمريكي لإثارة الفتن وتقسيم الشعوب وتجزئة الأوطان إلى فسيفساء عرقي طائفي، حتى تصبح إسرائيل أكبر دولة طائفية عرقية فى المنطقة، وحتى تصبح العولمة هى الرابطة الوحيدة بين الأقوام والطوائف، طبقا لقوانين السوق. وحتى تصبح الهيمنة الأمريكية والشركات المتعددة الجنسيات والدول الصناعية الثمانية هى المركز الدائم للعالم والقطب الوحيد فيه. وهو وقوف ما يسعى إليه كل الوطنيين.
4 ـ السعي بجد واجتهاد لإنهاء التكفير المتبادل بين الطائفتين. فالتكفير ليس من تقاليد السنة ولا الشيعة. ومن قال لأخيه أنت كافر فقد باء بها. والرسول شهيد على أن عباد الله إخوانا. وإذا احتمل قول الكفر من تسع وتسعين وجها، ومن الإيمان من وجه واحد فإنه يُحمل على الإيمان. ولم يشق أحد على قلوب الناس ليعرف ما فى ضميره. وكل من قال "لا إله إلا الله" فهو مسلم ينتمى إلى الأمة الإسلامية يتساوى مع كل المسلمين فى الحقوق والواجبات، الزواج والميراث والأمن والدفن. وطالما كتب الفقهاء قديما وحديثا فى حرمة تكفير المسلم. تكفى الشهادتان حتى ولو كانت تمتمة بالشفتين كما تقول المرجئة.
5 ـ إذا ما تعرض أى طرف لظلم ظاهر أو استبعاد أو تهميش فى الحياة العامة أو السياسية بوجه خاص، من واجب الطرف الآخر الوقوف بجانبه والدفاع عن حقوقه المدنية. وإلا دارت الدائرة عليه. هذا الطرف اليوم، وذاك الطرف فى الغد. وقد أكل كل منهما يوم أكل الثور الأسود. الكل مواطن، له نفس الحقوق ونفس الواجبات بصرف النظر عن طائفته ومذهبه. وهو ما تقتضيه وحدة الأمة.
6 ـ تشكيل لجنة من كبار القادة لكل من الطرفين للتقريب بين الطائفتين من أجل حصر الخلافات الطائفية والمذهبية وعدم انتقالها إلى الشارع. وهو ما سعت إليه الطائفتان منذ مؤسسة التقريب التى أقامها الشيخ القمى والشيخ شلتوت حتى رئاسة الشيخ التسخيرى لها اليوم، بندواتها ونشراتها ومجلتها وإسهاماتها فى العمل الإسلامى المشترك والزيارات المتبادلة بين إيران والعالم العربى.
7 ـ حرية الاعتقاد عند كل طرف دون أن يفرض أى طرف أفكاره وآراءه واجتهاداته على الطرف الآخر. فلا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة. والصواب متعدد عند الأصوليين. ومن أدبيات الحوار عدم تبرئة الذات واتهام الخصم، «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَلالٍ مُبِينٍ». وقد اختلفت اجتهادات الصحابة فى حضور الرسول. وكان يقول لأبى بكر "يا أبا بكر انزل قليلا". وكان يقول لعمر: "يا عمر اصعد قليلا" حتى يكتمل المنهجان، من النص إلى الواقع عند أبى بكر، ومن الواقع إلى النص عند عمر.
8 ـ قدرة التفاهم المشترك على منع وقوع الفتنة بين المسلمين، وتعزيز السلم الأهلى والعيش المشترك بين اللبنانيين جميعا. فاللبنانيون لبنانيون أولا ومسلمون وشيعة، وموارنة ودروز وسنة ثانيا. المواطنة هى التى تجمع اللبنانيين. والتوزيع الطائفى للمناصب السياسية فى الدولة يتنافى مع مبدأ المواطنة. والأعلام الطائفية تتناقض مع العلم الوطنى. والهويات الدينية تتنافى مع الهوية الوطنية. وهو ما تعلمته لبنان من تجربة الحرب الأهلية.
فلماذا يرفض فريق من السلفيين هذه الوثيقة التى تعتبر خطوة نحو الوحدة الوطنية فى لبنان؟
لماذا يتحمل فريق من أهل السنة تبعة استمرار الصراع الطائفى دون مراعاة للمصلحة الوطنية، من أجل صراع على السلطة، ودفاعا عن مصالح رجال الدين والتضحية بالمصالح العامة؟
لماذا تفضيل مصلحة الطائفية على مصلحة الوطن؟
لماذا إيثار الهوية الطائفية على الهوية الوطنية؟
لماذا الإضرار بمصلحة لبنان؟ وأين آيات الإخوة، «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ»؟
وإذا كان "الحوار" يتم من جانب البعض مع أمريكا والصهيونية، فالأولى أن يتم بين اللبنانيين، «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ».
* حسن حنفي، مفكر عربي بارز من مصر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للإطلاع على المصدر يمكن مراجعة الرابط التالي :
http://al-araby.com/docs/1127/vision/article2142178804.html |
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق