تنتمي روايات
مروان عبد العال الى ما يمكن تسميته "الواقعية الرومانسية". والواقعية هنا هي واقعية المكان والاشخاص، فالمكان هو المخيم، والاشخاص معروفون، الى حد بعيد، على الرغم من اسمائهم الروائية. أما الرومانسية فهي شحنة الغضب والاحتجاج التي تسربل حكايات المخيم ومصائر ابنائه. والمكان ايضا هو ثلاثة أمكنة معاً: المكان المتخيّل البعيد، اي فلسطين، والمكان الواقعي، اي المخيم، والمكان الجديد، اي المنفى الاوروبي او الاميركي.
رواية "حاسة هاربة"(1)، وهي الثالثة لمروان عبد العال، هي سيرة مخيم ما عاد موجوداً. إنها
سيرة مخيم نهر البارد (في شمال لبنان) الذي أمسى ركاماً، وصار الحي القديم فيه، حيث نشأ الراوي، مجرد مربع على خريطة اعادة البناء: صار يدعى Block B. والرواية ترصد التحول في حياة سكان المخيم، من مخيم مشحون بالوطنية الى مخيم يستدير الناس فيه، بقوة، نحو التدين والتفكيرالخرافي، وتستدير معهم عمائم المتدينين الجدد، وتتحول النسوة الى تمجيد غطاء الرأس الذي هو، في نهاية المطاف، احد وجوه الاعتداء الذكوري على الجمال الأنثوي.
المكان، لدى مروان عبد العال، لا يكبر، بل يظل طفلاً مهما كبر الروائي. انه "يتراكم بالأجيال... طابقا يعلو السطح القديم" (ص ٩). ما حصل ان ثمة روحاً شريرة تسللت الى المخيم فسربلت المخيم وأبناءه، وأورثتهم العته والخرافة والتعصب، وكان ما كان: سيطرت "فتح الاسلام" على مهد الكاتب بتواطؤ من بعض السكان، فاندثر المخيم، وبات المكان بلا سكانه، وتوحشت حتى الوداعة فيه كما حدث حينما "توحشت القطط من شدة الجوع فالتهمت جثة بائع الفلافل" (ص ١٢٢ـ ١٢٣)... هذا ما فعله التدين الجديد.
نوستالجيا
تتألف الرواية من سبعة فصول هي: ذات مغيب، ذات نار، ذات ماء، ذات روح، ذات حلم، ذات نهر، ذات تراب. إن كلمة "ذات" تشير الى الماضي مباشرة على طريقة "ذات يوم". فكأن كل شيء في المخيم كان "ذات يوم". وهذا الحنين الى الماضي يتكرر دائما. كان حنيناً الى المكان الاول المتخيل، اي فلسطين، فبات حنيناً الى المكان الواقعي المندثر، اي المخيم، وما عاد امام الفلسطيني، بعد هذا الدمار، غير معاودة التفتيش عن مكان جديد يهجع إليه... مكان لا يتسع لأكثر من سرير.
لا يعرف قيمة المكان إلا من فقده. ولا يعرف اهمية السرير إلا من بات ليال راعبة فوق الأرض العارية. في اثناء التقاصف الهمجي إبان الحرب الاهلية اللبنانية، والنوم على بلاط الملاجئ العفنة، كانت جملة تتردد باستمرار على شفاه الذاهلين: كم اشتقت الى سريري. والسرير في رواية "حاسة هاربة" هو المكان المتعدد الاستخدام. انه المكان الحاضن في زمن الموت. وهو مكان الشهوة. وهو مكان الإياب لزوج هجر زوجته لأنها اضاعت أوراقاً كان يخفيها في طيات السرير. وهو وسيلة عيش لرجل راح يؤجر سرير الزوجية لأزواج جدد قادمين من نهر البارد. انه، في بعض الحالات، الروح الشريرة التي حولت الموطن الى أداة استعمال، فاستعملته الجماعات المتطرفة دينياً، وحلت الكارثة، وطار هباء المكان والسرير وكل شيء.
السخرية ونقد التخلف
يبدو مروان عبد العال، في هذه الرواية، ساخراً وناقداً معاً. انه يسخر من الجموع المسيسة التي لا تمتلك عقلاً سياسياً، وينتقد، بقسوة، النفاق الاجتماعي ولا سيما نفاق المتدينين، ويروي كيف ان قادة المخيم كانوا يتصدرون التظاهرات ضد وعد بلفور، ويسير وراءهم الصف الثاني المؤلف من "كوادر" المنظمات، وخلفهم جموع الناس. وكان على كل صف ان يردد ما يقوله الصف الأمامي. وفي احدى المسيرات راحت الصفوف الامامية تردد: "يسقط وعد بلفور"، فتجيبها جموع الصفوف الوسطى "يسقط واحد بلفور". أما اولئك السائرون في الخلف فراحوا، على غرار ما يسمعون من الاصوات المتداخلة، يهتفون "يسقط واحد من فوق".
لم توفر هذه الرواية مظاهر النفاق الديني والاجتماعي من الهجاء ومن السخرية المرة في آن، فيكشف كيف كان صديقه ينام مع فتاة محجبة تأتي إليه دائما: "جسد يحترق بالشهوة، مغطى بجلباب يخفي تحته رائحة الاثارة (...) الحجاب لم يكن إلا قناعاً اخفت تحته مسرحاً من الشبق" (ص ٨١). وبائع قماش يدخن في رمضان خفية. وفي احد الحقول يراه شخص من خلف الاشجار فيصرخ به: "يا كافر. إرم السيجارة". ويقرّعه على إفطاره بالتدخين، ولا عجب، لان الله أنزل سخطه بالفلسطينيين لانهم لم يطيعوا أوامره. وعندما يزيح البائع القصب من امام عينيه ليستكشف مصدر هذا الصوت اللائم يجد رجلاً "يعاشر حماره" (ص ٣٠ـ٣١). وفتاة وحيدة مات والدها في الخليج العربي، وورثت عنه بعض الاموال التي حولتها والدتها الى عقار يحميهما غائلة الفاقة. وكانت الفتاة تحب احد الشبان من فوق السطوح، بينما أراد عمها جلبها زوجة لابنه طمعاً في الإرث. وفي احدى المرات وقعت احدى رسائل الغرام في يدي عمها، فكان ان اطلق ابنه الرصاص على ابنة عمه وقتلها، وجاء الى والده فرحاً وقال: غسلت العار. فقبله والده وقال: وأخذنا العقار )ص ٧٧). وصديق الراوي الذي نصحه احد المشايخ بالاستخارة قبل مغادرة المخيم، فجاءت الاستخارة لمصلحة بقائه. فبقي وراح ينام في تابوت. وفي احدى المرات رفع رأسه فإذا برصاصة تنخر جمجمته ويموت (ص ٢٧(.
هؤلاء اشخاص واقعيون، عاشوا في المخيم، وكابدوا ما كابدوه من عسف الأعيان وجور بعض المنظمات وفظاعة التدمير وانحطاط المشايخ وابتذال مروجي الخرافة.
هذه الرواية وفن الرواية
الرواية، بحسب أقرب الموارد والآراء، بنية معمارية تنمو عمودياً لا أفقياً. القرية تنمو أفقيا، بينما المدينة المعاصرة، على العموم، تنمو عموديا. لذلك قيل ان الرواية على شاكلة المدينة نفسها، لم تظهر، تاريخياً، إلا مع ظهور المدينة الحديثة. غير ان الرواية لم تبق عند هذا الحد، بل تطورت كثيراً، وتعددت طرائقها وبناها. ورواية "حاسة هاربة" تعصى على التصنيف، فهي واقعية، وتمتلك، في الآن الن نفسه، شحنة رومانسية. رواية لا حوارات فيها بل مونولوغات متتابعة. رواية لا تدع الاشخاص يفورون بما في دواخلهم، بل ان الكاتب هو من يتحدث عنهم، بدلا منهم. رواية مكتوبة بلغة شعرية ممتدة، ولعل هذه اللغة هي التي أزاحت امكانية البناء المعماري لهذه الرواية. رواية استخدمت طريقتين من طرائق السرد: الذاكرة والعين. فكانت الذاكرة تروي الماضي والحنين الى الأمكنة الأولى، وكانت العين ترصد الاحداث وتتعقب الافراد ومصائرهم. انها اقرب الى الكاميرا السينمائية التي تكتشف، من الخارج، ما يجري من وقائع، بدلا من المحلل النفسي الذي يفكك الشخصيات من الداخل ثم يعيد، بمهارة الروائي، جمعها من جديد.
انها رواية راصدة لكن من الخارج. ومتنقلة بين الماضي والحاضر من دون تمهيد على طريقة الكاميرا حقا. ولعل تداخل الازمنة هذا اجبر مروان عبد العال على الاستغراق في لغته الشعرية، فجاءت روايته قصيدة طويلة في رثاء الذكريات والمخيم معاً.
صقر ابو فخر، كاتب وصحفي عربي فلسطيني يعيش في لبنان.
(1) مروان عبد العال، "حاسة هاربة" (رواية)، بيروت، دار الفارابي، ٢٠٠٨.
ـــــــــــــ
المصدر :
http://www.assafir.com/Windows/ArticlePrintFriendly.aspx?EditionId=1059&ChannelId=24180&ArticleId=494
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق