تطورت مهنة الفَكَّاكْ في غرب البحر المتوسط خلال القرن الثالث عشر على إثر تطور المواجهات البحرية والقرصنة بين المسلمين والأمم الأوروبية في تلك المنطقة. ويكشف احتكار اليهود في زمن المرابطين مهنة أو خُطَّة "الفُكاكة"، عن الدور الدولي الذي لعبوه في منطقة غرب المتوسط.
والفكاكة التي أصبحت كلمة متداولة في اللغات الأوروبية Alfaqueque) )، كانت تعني فك وافتداء أسرى المسلمين بالمال، عبر التجوال في الممالك الأوروبية وفي دار الإسلام، وخاصة الأندلس، لفك قيود الأسرى وعودتهم إلى أهلهم.
وتتضمن كتب الأحكام[1]بابًا كبيرًا يشرح شروط هذه العقود الموقعة بين الفَكَّاكْ وأهل الأسير أو السلطة السياسية العليا في الأندلس. فكان اليهود من أوائل من مارس المهنة، من غير العٌبَّاد والنبلاء في المحيط الإسلامي والمسيحي على السواء، بداية من القرن التاسع والعاشر، وذلك لاختصاص اليهود الردادنة بالتجارة في ممالك الشمال.
وقد ذكر دور اليهود في هذه المهنة، غير واحد من المؤرخين وحتى الأدباء كالجاحظ. ثم دخل في هذ المهنة التجار المسلمون، والمستعربون، حتى آل الأمر إلى أن يتنافس فيها القساوسة، والشركات، والجمعيات الدينية[2]. وكثيرًا ما كان التجار اليهود يتحولون إلى فكاكين للأسرى، كما رأينا حال يهود طليطلة، في نوازل محمد بن الحاج[3].
ولكن كيف أمكن أن لليهود أن يصلوا إلى هذه السطوة ومثل هذه المراكز؟. قد تكون الإجابة بسيطة عند جل المؤرخين، وهي التسامح. ذلك أن هؤلاء الذين بلغوا إلى أعلى المهن السياسية التنفيذية في عهد ملوك الطوائف، كانوا لا يملكون دولة، وما كان لأحدهم أن يطمع أحدهم بأقصى من أمنية الجاه والسلطان والثروة، الأمر الذي أتيح لهم من خلال توليتهم جباية الأموال للمسلمين في عصر الطوائف وفي مملكة ألفونسو السادس أيضًا؛ حيث كان لملوكها وأمرائها، حسب الدراسات التاريخية، نفس مبررات ملوك الطوائف، أي عدم طمع اليهود في القيام بانقلابات سياسية على عروشهم وإماراتهم.
أدى استحواذ اليهود واستبدادهم بالسلطة والنفوذ إلى ثورة، وسخط تأجج في صدور الرعية ضد حكامهم وسياستهم المتخاذلة. نتيجة استئثار اليهود في عصرهم بالمناصب الكبرى، أمثال شموئل بن نكديلا الذي أصبحت له حظوة كبرى عند حبوس وباديس وملوك غرناطة. ويوسف ابنه الذي أصبح وزيرًا لبلكين بن باديس. فأثروا وأثروا معهم غيرهم من اليهود[4].
كان لدى حكام الأندلس في العصر الأموي وفي عهد بني عامر وعهد الطوائف عامة، حافزًا قويًّا، دفعهم للاعتماد على اليهود في الأمور الدبلوماسية والمالية والإدارة العامة. ذلك أن اليهود لم يكن بمقدورهم أن يطمحوا إلى السلطة السياسية العليا، ولذا فخطرهم على النظام القائم كان أقل من خطر المسلمين الذين قد يطمحون إلى تولي الحكم بأنفسهم[5].
كانت الأندلس في العصر الإسلامي مركزًا تجاريًّا دوليا هامًّا، كما كانت تصلها بضائع الشرق والغرب، حيث كانت المدن الأندلسية أسواقًا للتجار الأندلسيين والأجانب، يقومون فيها بأعمال التجارة البعيدة أو الدولية. وبقيت التجارة الأندلسية شديدة الارتباط بمناطق أخرى من عالم المتوسط الإسلامي طوال غالبية العهد الإسلامي، من أواسط الفترة الأموية في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، حتى ذروة الانتصارات المسيحية في أواسط القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي.
كان التجار وبضائعهم ينتقلون بحرية على امتداد الخطوط البرية والبحرية التي تصل الأسواق الأندلسية بأسواق المغرب والمشرق. وكانت مدن مثل المرية وإشبيلية ومالقة تقوم بدور مخازن التصريف التجارية، حيث كان يقوم بأعمال الاستيراد والتصدير تجار مسلمون ويهود ومسيحيون[6].
وإذا كان حظ اليهود كبيرًا في هذه التجارة، بسبب ما كشفته وثائق جنيزة في القاهرة، فكذلك كان حظ المسيحيين كبيرًا أيضا، بسبب المعلومات التي توفرت من أرشيفات الكنائس والأديرة التي فتحت في السنوات الأخيرة. بالمقابل، فإن حظ المسلمين الأندلسيين من مثل هذا الإهتمام التوثيقي، يكاد يكون نادرًا مع شهرتهم وكثرة تجوالهم في العالم. ذلك، أن كتب السلاسل والطبقات ما كانت لتهتم إلا بالعلماء والصلحاء. فإذا كانوا من فئة العلماء ـ التجار فحظهم، من اهتمام واضعي هذه الكتب يكون أكبر، عندئذ، إذ يتم تدوين سيرتهم. ولكن إن كانوا من فئة التجار فلا يُذكَرون إلا عرضًا، ولهذا فإن معرفة حظهم في التجارة الدولية في غياب الوثائق، يترك المؤرخ في حيرة من أمره. فما هو طاغ في النصوص التاريخية الخاصة بالمعاملات التجارية، لتلك الفترة، يخص اليهود دون غيرهم، من بقية عناصر ومكونات المجتمع الأندلسي[7].
إن الوثائق المتوفرة ذات المعلومات المحدودة لا تتحدث إلا عن العالِم ـ التاجر, بيد أنه ثمة مصادر هامة أخرى، تتمثل كتب الحسبة وكتب النوازل العربية، وهي تتوفر على معلومات متفرقة، شأن كتب الجغرافيا والرحلات الحجية وغيرها من الكتب الأدبية/التاريخية، حيث نتبين كيف كان الأندلسيون أشد تجار المعمورة ارتباطًا بأبناء بلدهم وإقليمهم.
إنَّ روابط الولاء والهوية الظاهرة المستقلة كانت تسير في الاتجاهات العامة للمجتمع الأندلسي، لأن التعاون الاقتصادي يغلب أن ينمو في نفسيتهم حب الطائفة وأبناء الإقليم، من المسلمين والمسيحيين، وكذلك اليهود، حيث نجد مثالا على هذا الميل في رسالة كتبها موسى بن ميمون، ينصح فيها ابنه أبراهام أن يحذر من الغرباء في رحلاته، وألا "يصادق بإخلاص أية جماعة سوى إخوتنا الأحباء من إسبانيا، المعروفين باسم الأندلسيين".
ومن المعلوم أن أسرة ابن ميمون عاشت معظم حياتها بالأندلس المرابطية، ولم تهاجر إلى مصر إلا بعد أن تمكنت الدولة المـوحدية من إمساك الأندلس بقوة. وكان ابن ميمون يريد لابنه أبراهام أن يصاحب اليهود الأندلسيين، دون المسلمين أو المسيحيين من أهل الأندلس بالضرورة. وهذا الميل للارتباط الوثيق بين أبناء الجالية اليهودية يظهر بكثافة من خلال رسائل "كنيس القاهرة"، حيث نرى شبكة الشراكة بين التجار اليهود في الأندلس العاملين مع ثغور الشرق في العصر المرابطي[8]؛ وكيف ساد التعاون والتفاهم بين اليهود في جميع أنحاء العالم من أسبانيا غربًا إلى الهند والصين شرقًا.
كما تنطوي وثائق جنيزة القاهرة إلى تلميحات ومعلومات نادرة، عن أحوال المدن والبلدان التي عاش اليهود بين أظهر أهلها من المسلمين والمسيحيين والوثنيين[9]، ما يؤكد أهمية الاتصال في التجارة الدولية التي احتكرها اليهود، بما يملكون من خبرة في التفاوض، وهم الذين كانوا الوسطاء في التجارة الدولية، على حد قول موريس لومبار.
تواجد اليهود عند كل مفترق الطرقات الخاصة بالتجارة الدولية. وفي الأندلس المرابطية كانت المجموعة اليهودية نشطة في التجارة الدولية ومعظم الصناعات والحرف المهمة، تحت إشراف الحبر ابن يامين التُّطَيْلِي خلال القرن الثاني عشر. ويقول فرنان بروديل في عمله الكبير: المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني، "لقد حٌكم على اليهود أن يكونوا كبار حرفيي التبادل، فها هم حتى ما بعد القرن الثالث عشر، محترفو نقل الفكر والعلوم العربية إلى الغرب. أما في القرن السادس عشر، فقد صار اليهود نقلة تقنيات وصناعات كثيرة من الغرب إلى الدولة العثمانية، حيث حملوا إليها فن صناعة الطباعة، خلال فرارهم من المجازر والطرد الذي تسبب باضطراب حياتهم تحت الهيمنة الأوروبية المتصاعدة.
أن الجماعات اليهودية في الأندلس قد اختلطت واندمجت بالأرستقراطية، أكثر من اختلاطهم بالعامة. وكانت وحدتهم الأولية تتصل عن طريق التعليم والعبادة والانتقال الدائم للكتب ورجال الدين. واليهود لا يشكلون عرقًا، وهي حقيقة تاريخية، لأن جماعاتهم موزعة ومرتبطة بيولوجيا بالشعوب التي أقاموا في كنفها قرونًا طويلة، وعرفت تمازج الأعراق[10].
كما كان يهود الغرب الإسلامي على حدِّ تعبير ابن الأثير، يحلمون بيوم الخلاص، رغم ما هم عليه من نعيم بتلك المنطقة. قال : "وفي هذه السنة (487هـ/1084م) في ربيع الآخر، رأى بعض اليهود بالغرب رؤيا أنهم سيطيرون، فأخبر اليهود بذلك، فوهبوا أموالهم وذخائرهم. وجعلوا ينتظرون الطيران فلم يطيروا، وصاروا ضحكة بين الأمم"[11].
ولا نعدم المعلومات الهامة التي نستقيها من مراسلات يهود الأندلس مع يهود القاهرة، حيث تتحدث بعض وثائق جنيزة عن وصول تجار مشارقة إلى الأندلس، وتحديدًا إلى المرية، ما بين 1138 و1140م. فتسجل أخبارًا عن تجار مسلمين وصلوا الأندلس قادمين من الإسكندرية وليبيا. كما توجد نقوش قبور ثلاثة في نفس المدينة الأندلسية، حيث دفن أصحابها في سنوات 519هـ/1125م ـ 527هـ/1133م ـ540هـ/1145م، وهي شاهد على حضور تجاري في النصف الأول من القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي[12].
الخلاصة
إن البحث في وثائق جنيزة القاهرة، وما يفرزه مخزون سجلات مدن شقوبية (Ségovia) وشلمنقة (Salamanca) وطرخونة(Tarragona)، وجزيرة ميورقة، من مراسلات بين الأسرى وأهاليهم وحكامهم، وبينهم وبين السلطات الدينية والسياسية، قد تصحح هذه الوثائق والسجلات والرسائل، معلوماتنا عن العلاقات بين الجاليات اليهودية وبقية عناصر المجتمع الأندلسي، وبين العناصر الإسلامية وبقية عناصر المجتمعات الغربية، في إسبانيا النصرانية وبروفانس وإيطاليا. وأهمية هذه العلاقات تبدو واضحة في العلاقات العامة داخل المجتمع من خلال وثائق ذلك العصر، كما حاولنا تقديمها في هذه المحاولة وتبقى أرضية البحث قائمة؛ قيد التحقيق والتدقيق[13].
لقد كان اليهود، منذ القديم كما خلص إلى ذلك جُل الباحثين، يشكلون فئة من الوسطاء في التجارة الدولية التي ربطت بين سلع غرب إفريقيا وأوروبا، خلال هذه المرحلة من عصر المرابطين، ما أتاح لهم احتكار النقاط الحساسة ومراكز الطرق التجارية البرية والبحرية.
المصدر : هذه الدراسة وردت في كتاب "نظرات في تاريخ الغرب الإسلامي"، الصادر عن دار الخلدونية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1428 هـ/2007م. ومؤلف الكتاب هو الباحث محمد الأمين بلغيث،الأستاذ في جامعة الجزائر.
[1]من الأسر العالمة الشريفة العاملة بالغرب الإسلامي التي تلجأ إليها العائلات لفك أسراهم عائلة بني عشرة بسلا فهذا الشاعر محمد بن سوار الأشبوني ويكنا أبا بكر ، أسره الروم بمدينة قورية مدة من الزمن ثم فداه أحد بني عشرة أعيان سلا فأكثر من مدائحه فيهم.
[2]« الفكاكة » :الفكاك خطة من يتولى فك أسرى الجهاد الثغري، أو الجهاد البحري، أو القرصنة، من بلاد النصارى والعمل على إرجاعهم بعد فديتهم من دار الضلالة.انظر : الجزيري، المقصد المحمود، ورقة:80 وجه. اليعقوبي، في الفكاكة والفكاكين،ص :62. ميسوم، تأثير الموشحات في التروبادور،ص:182.أحمد مهدي الغزال، نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد"رحلة الغزَّال وسفارته إلى الأندلس"، حققه وقدم له إسماعيل العربي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1980م.ص:35. عبد الناصر جبار، بنو حفص والقوى الصليبيية فيغرب المتوسطفي القرنين الثامن والتاسع للهجرة، 14-15 للميلاد، رسالة ماجستير في الآداب مخطوطة، إشراف حامد زيان غانم، جامعة القاهرة، كلية الآداب، قسم التاريخ، 1411هـ/1990م.ص:157 وما بعدها.
[3] نوازل ابن الحاج، ص:293-294.انظر: الملحق رقم:10. من أطروحتنا.محمد الأمين بلغيث، المرجع السابق، المجلد الثاني.ص:698.ابن رشد، فتاوى ابن رشد، تقديم وتحقيق وجمع وتعليق المختار بن الطاهر التليلي، السفر الثالث، قطر، بيروت دار إحياء التراث الإسلامي، دار الغرب الإسلامي 1407هـ/1987م.، مسألة رقم:521. ص:1423 وما بعدها. النازلة سأل عنها الأمير أبو طاهر تميم بن يوسف بن تاشفين (ت.520هـ/1127م)
[6] أوليفيا ريمي كونستبل، التجار المسلمون في تجارة الأندلس الدولية، ترجمة، عبد الواحد لؤلؤة (الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس) الجزء الثاني، ص :1063.
[10]فرنان بروديل، صعود الإمبراطوريات،(مجلة الاجتهاد)بيروت، العدد السادس والعشرون، والسابع والعشرون، السنة السابعة، ربيع العام1415هـ/ شتاء1995م.ص:258-259.عطا علي ريّه، اليهود في بلاد المغرب الأقصى،ص:31.
[11]ابن الأثير، المصدر السابق، الجزء الثامن، ص:495.
[13] لومبار، المرجع السابق، ص:222.محمد الأمين بلغيث، الشيخ محمد بن عمر العدواني مؤرخ سوف والطريقة الشابية، جيجل، الجزائر، دار كتاب الغد للنشر والتوزيع، 1428هـ/2007م.ط.2.ص:71.
التعليقات
لا تعليقات حتى الآنعلِّق