تجمعات شعبية سورية ترحيبا بقدوم وزير الخارجية ومدير الإستخبارات الخارجية الروسية إلى دمشق قوات الأمن السورية تواصل ملاحقة الإرهابيين أوباما يقول أن التفاوض مع الحكومة السورية لا زال ممكنا الإضطرابات الشعبية في مصر متواصلة، وأحياء جديدة في القاهرة تشهد اضطرابات الإخوانيون والسلفيون يتهمون شباب الثورة في مصر بأنهم "بلطجية" اتفاق بين مشعل وعباس تحت "رعاية" أمير قطر على تشكيل حكومة مشتركة برئاسة عباس أنباء عن انقسامات في حماس وفتح بسبب اتفاق الدوحة الأسير الفلسطيني عدنان خضر يتحدى الإحتلال الصهيوني ويواصل إضرابه عن الطعام منذ 17 كانون الأول الماضي مسلحون يقتحمون مخيما للاجئين ليبيين في طرابلس ويقتلون عددا من المدنيين "إسرائيل" تقرر إنشاء سكة حديد تربط المتوسط بالبحر الأحمر أوباما يقرر إغلاق السفارة الأميركية في دمشق، وحكومة لندن تتبعه الشيخ حافظ سلامة : "الدنانير والدولارات والريالات التي تتدفق على مصر وراء تحريك العنف للنيل من الثورة" المعارضة البحرينية بدأت أسبوع احتجاج من أجل الإصلاح السياسي الحكومة الكويتية قدمت استقالتها عقب الإنتخابات النيابية، وحكومة جديدة خلال اسبوعين الجيش الإيراني أجرى مناورات لصد هجمات معادية وكشف عن اسلحة جديدة لديه تظاهرات في هولندا احتجاجا على زيارة بنيامين نتنياهو فيدل كاسترو نشر كتابا جديدا في هافانا عن "مرحلة حرب العصابات" روغوزين : مؤتمر ميونيخ فشل في إيجاد تسوية حول نظام الدفاع الصاروخي الأوروبي، وروسيا بناء نظام مماثل الشرطة الأميركية قمعت اعتصام حركة "احتلوا وول ستريت" في واشنطن وقامت بطرد المعتصمين وتدمير مخيمهم      
مصر والعرب وجدوى تجربة الصين : رد محمد السيد سليم على "مثقف نيوليبرالي"

الدكتور عبد المنعم سعيد، مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، مثقف لامع يتميز بوضوح واتساق أفكاره، والتعبير عن الأفكار ذاتها بصرف النظر عن اختلاف الجمهور. وهو أمر يحمد له، لأن هناك من المثقفين من لا يقول الا ما يجلب له التصفيق من الجمهور المخاطب. أما اللون الفكرى للدكتور عبد المنعم سعيد فهو واضح، ومحدد بصرف النظر عن اتفاقنا أم اختلافنا معه. فهو يؤمن بأن هناك استراتيجية عالمية وحيدة للتقدم، موجودة فى كتاب عولمي وحيد، لا بديل عن اتباعه.
كما أن تلك الاستراتيجية صالحة للتطبيق فى كل العصور والدول. وما على الدولة الا أن تفتح هذا الكتاب وتبدأ فى تطبيقه بحرفيته. وأساس هذا الكتاب هو التطبيق الفورى وغير المشروط للمشروع العالمي للقوة العظمى التى تقود عملية العولمة، بما فى ذلك اعطاء الأولوية لتطبيق الكتاب العولمي داخليا، وتأجيل القضايا الخارجية خاصة، اذا كانت تتعلق باحتلال الأراضي، والتطبيع الفوري مع قوى العولمة وتلك المتحالفة معها، وعدم اعتبار احتلال الأرض معضلة تعطل التطبيع الفورى.  
مشكلة الدكتور عبد المنعم سعيد هى أنه يقرأ كل شيء فى ضوء تلك الأفكار "وحدها". فهو يقبل ويحتفل فقط بالمعلومات والآراء التى تثبت، فى تقديره، صحة أفكاره، ويرفض المعلومات والآراء التى قد تشكك فى صحتها، ويحاول تطويعها بما يبرهن على صحتها.
وفى هذا السياق قرأ مقالى المنشور فى جريدة العربى يوم 28 سبتمبر/ايلول سنة 2008 بعنوان "الاستراتيجية الصينية الجديدة" [الحقول : http://www.alhoukoul.com/article/880]، الذى لخصت فيه بعض الاشارات التى جاءت فى كلمات المتحدثين الصينيين فى "منتدى شنغهاي للدراسات الصينية" المنعقد فى سبتمبر/ايلول سنة 2008. والذي حللت فيه عناصر الاستراتيجية الصينية.
فقد كتب عبد المنعم سعيد مقالا بالأهرام يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول سنة 2008 بعنوان "الاستراتيجية المصرية الجديدة"، أشار فيه الى مقالي، معتبرا أن ما ذكرته عن الاستراتيجية الصينية الجديدة، انما يعزز أفكاره التى سبق أن أشرت اليها أعلاه. وقد ركز الدكتور عبد المنعم سعيد على قسم معين من المقال، وقرأه فى ضوء أفكاره السابق الاشارة اليها، فسعى الى اعادة تفسير مقالي بما يخدم أفكاره عن مصر والعالم العربى، والتطبيع مع إسرائيل والتنازل عن الأرض، والدور الاقليمى المصرى. هذا فى الوقت الذى صرف النظر تماما عما جاء فى القسم الثانى من ذلك المقال، عن استعداد الصين لبناء عالم متعدد الأقطاب لأنه لا يخدم الأفكار التى يروج لها.
قال الدكتور عبد المنعم سعيد [راجع المقال أدناه في الحقول] "إن الصين لم تعد تتحدث عن عالم متعدد الأقطاب، أو تنتقد الهيمنة الأميركية،" وهو بذلك يوحى أننى قلت إن الصين قد قبلت القطبية الأحادية والهيمنة الأميركية. وقد قلت فى مقالى ان كلمات المتحدثين الصينيين خلت من تلك الأبعاد. ولكن لم أقل إن استراتيجية الصين قد خلت منها.
فمنذ الاعلان الصيني ـ الروسي الصادر فى 3 أبريل/نيسان سنة 1997، الذى نص صراحة على انشاء "عالم متعدد الأقطاب"، وبناء نظام عالمى جديد، تكرر التأكيد على التعددية القطبية فى الاعلان الروسي ـ الصيني فى 10 ديسمبر/كانون الأول سنة 1999. وكذلك، في الاعلان الروسي ـ الصيني الصادر في 1 يوليو/تموز سنة 2005. مع الحرص على الاشارة فى الاعلان الأخير إلى "أن انهاء القطبية الأحادية ليس موجها ضد أحد". بل انك اذا طالعت صفحة وزارة الخارجية الصينية ستجد فيها النص الكامل للبيان المشترك الصيني ـ الروسي الصادر فى 23 مايو/ايار سنة 2008، أى منذ أشهر فقط، الذى ينص صراحة على انه "لا يمكن وقف التوجه نحو انشاء عالم متعدد الأقطاب".
أظن أنه لا يمكن أن يكون الدكتور عبد المنعم سعيد، وهو الخبير الاستراتيجى، غير عارف بتلك الاعلانات، الى حد أن يعمم ما قلته عن مؤتمر شنغهاى على مجمل الاستراتيجية الصينية. وكان من واجبه أن يصححني، ويتحفظ على ما قلته فى مقالي، بصفته لا يعبر عن مجمل الاستراتيجية الصينية. ولكنه فعل العكس، اذ حاول الدفع في اتجاه الايحاء، بأن ما قلته يعكس مجمل الاستراتيجية الصينية، لأن ذلك يتفق مع رؤيته التى أشرت اليها سابقا.
تجاهل الدكتور سعيد ما قلته فى النصف الثانى من مقالي عن "المسكوت عنه" فى الخطاب الصينى، وهو أن الصين تعمل باتجاه بناء التحالفات الأوراسية مع روسيا ودول آسيا الوسطى فى اطار "منظمة شنغهاى للتعاون". وقلت بالحرف الواحد "ان الصين تعمل على ترويض النمر الأميركى، ولكنها فى نفس الوقت تتدرب على موازنة قوته". أي أن الصين لا تتحدث حكوميا فقط عن بناء عالم متعدد الأقطاب، ولكنها أيضا تعمل فى هذا الاتجاه. وأنها تعلم أن ذلك سيكون خصما من القطبية الأحادية الأميركية، وتحاول اقناع الولايات المتحدة بعكس ذلك، وهو الأمر الذى ترفض الولايات المتحدة قبوله، كما قلت فى مقالى. ولذلك فالصين ليست متأكدة من أن استراتيجية التوافق مع الولايات المتحدة ستنجح، ومن ثم فهى تتحسب لهذا الاحتمال.
اذا كان الأمر كذلك، فلماذا يحاول الدكتور عبد المنعم سعيد أن يوحى بعكس ما قلت فى مقالي؟.
فى تقديرى أن ذلك جزء من الرؤية التى نذر نفسه للترويج لها، وهى القبول بالهيمنة الأميركية دون تحفظات. وهو يقول ها هى الصين تقبل الهيمنة الأميركية، فلماذا لا يقبلها العرب؟.
المشكلة فى رؤية الدكتور عبد المنعم سعيد أنه فى ظل التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي، فان القبول بالهيمنة الأميركية يعنى بالضرورة القبول بالهيمنة الإسرائيلية. والمشكلة الأخطر، أنه رغم التنازلات الصينية، فهى لم تُجْدِ فتيلا مع الولايات المتحدة، التى تجهز المسرح الاستراتيجى الآسيوى للمواجهة مع الصين. وفى هذا الاطار نفهم الصفقة النووية الأميركية مع الهند، وقيام الولايات المتحدة فى هذا الشهر (أيلول 2008)، بعقد صفقة أسلحة مع تايوان قيمتها 6.5 بليون دولار، رغم كل ما فعلته الصين للتهدئة مع تايوان. وهو ما يقودنى الى الموضوع الثانى فى مقال الدكتور عبد المنعم سعيد.
فقد أضاف الدكتور سعيد أن الصين ترى أن "حل المعضلة التايوانية لا يكون الا من خلال التطبيع التدريجى مع للعلاقات بين تايوان والصين الشعبية"، وأكد بكل ثقة "ان مثل هذا المنهج فى السياسة الخارجية يكاد يكون غائبا تماما عن رغبة النخبة السياسية والفكرية المصرية التى لا ترى فى العلاقات والجسور مع إسرائيل أو الولايات المتحدة الا أشكالا مختلفة من الاستسلام". وأنه "آن الأوان لاتباع أساليب ناجحة للحصول على الحقوق بتوافق دولى بدلا من وسائل مدمنة للفشل."
اذن، يوصي الدكتور سعيد بتطبيق السياسة الصينية تجاه تايوان، على السياسة العربية تجاه الأرض العربية المحتلة. غير أن الباحثين يعلمون أن المقارنة لا تكون الا بين ظواهر متشابهة فى الأصول، ولكنها مختلفة فى الفروع. وأن الحالة التايوانية تختلف فى الأصول والفروع عن الحالة العربية. فتايوان ليست أرضا محتلة من دولة تقيم فيها مستوطنات وجدران عازلة تقطع أوصالها، وانما هي أرض صينية خارجة عن نطاق الوطن الأم، وبالتالى فان الانتظار عشرات السنوات لحل مشكلة تايوان، ممكن ولكنه ليس ممكنا لحل مشكلة الأرض العربية المحتلة.
لماذا؟
لأن "إسرائيل" تقيم فيها المستوطنات يوميا، ثم تعود أثناء التفاوض لتقول ان تلك المستوطنات "أمر واقع"، يجب الاعتراف بتبعيتها لـ"إسرائيل" خصما من الأرض المحتلة، حسبما قال الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن، فى وعده لرئيس الوزراء "الإسرائيلي" السابق أرييل شارون، بضم الكتل الإستيطانية فى الضفة الغربية المحتلة. وبالتالى، فالتطبيع مع "إسرائيل" قبل استعادة الأرض المحتلة، ليس طريقا لاستعادة الأرض، ولكنه طريق لتمكين "إسرائيل" من استيطان الأرض، فى الوقت الذى يبتسم فيه العرب لها، ويشدون على أيديها.
هذا هو ما تطالب به الولايات المتحدة و"إسرائيل" والدكتور عبد المنعم سعيد : الاستعمار الاستيطانى الهادئ الذى يباركه أصحاب الأرض، وهو ما لم يحدث فى تاريخ البشرية؟.
كذلك، فإن سيادة الدكتور سعيد، يتحدث كأن التطبيع لم يتم بالفعل. ألم يطبع محمود عباس وسلطته الفلسطينية مع "إسرائيل" الى حد أنهم أصبحوا درعا أمنيا  لـ"إسرائيل"؟
ألم تحضر الدول العربية مؤتمر أنابوليس امتثالا للأوامر التطبيعية الأميركية؟. فماذا كانت النتيجة؟. زادت معدلات الإستيطان الصهيونى للأرض المحتلة.
ما الذى فعلته "إسرائيل" والولايات المتحدة لتطبيق المرحومة "خريطة الطريق" الصادرة سنة 2003، التى اتضح أنها ليست الا أداة لتخدير العرب، رغم كل ما فعله عباس وسلطته؟.
ما الذى منع الولايات المتحدة من اقامة الدولة الفلسطينية كما تقول منذ سبتمبر/ايلول سنة 2001، رغم أن ثمة مُطبِّع من الطراز الأول على رأس السلطة الفلسطينية؟.
أين هو التوافق الدولى الذي يتحدث الدكتور عبد المنعم سعيد عن امكانية اقامته، اذا كانت الولايات المتحدة قد سحبت القضية الفلسطينية من الأمم المتحدة، وسلمتها للجنة تحث اشرافها وهى المسماة "بالرباعية" لتى لم تفعل شيئا، الا مراقبة مدى التزام السلطة الفلسطينية بحماية أمن إسرائيل؟.
ألم يعرض العرب على إسرائيل التطبيع الكامل فى اطار المرحومة "مبادرة السلام العربية" سنة 2002؟
وماذا كان الرد الإسرائيلى عليها؟ مذبحة جنين التى ارتكبت قبل أن يغادر القادة العرب مكان اجتماعهم في بيروت، لكى يعرفوا الرد العملي الإسرائيلى على عرض التطبيع. الدكتور عبد المنعم سعيد يتحدث وكأنه ليس لدينا ذاكرة تاريخية!.
اذا كان الأمر كذلك ، فلماذا يندب الدكتور عبد المنعم سعيد على النخبة السياسية المصرية، أنها لا تقبل التطبيع؟.
هل يمكن لسيادته أن يقارن بين تطبيع بين أبناء وطن واحد : صينيون، بالتطبيع مع من يحتل أرضنا؟.
وهل يمكن لسيادته أن يقدم لنا أمثلة لدول طبعت مع من يحتل أراضيها، باستثناء التطبيع المفروض بقوة الاحتلال على ألمانيا واليابان بعد ارب العالمية الثانية؟. وبالمناسبة فان هذين النموذجين هما النموذجان المحببان الى جورج بوش، كسوابق تاريخية يستدل بها، للتطبيع مع العرب، وفق ما ورد فى خطابه يوم 5 أبريل/نيسان سنة 2002.
ولنعد من حيث بدأنا الى حالة تايوان. ألم تهدئ أو "تطبع" الصين مع تايوان؟. فماذا كانت النتيجة؟. صفقة أسلحة أميركية لتايوان قيمتها 6.5 بليون دولار، أعلن عنها بعد اختتام "منتدى شنغهاي للدراسات الصينية" مباشرة، ما أدى الى أن تعلن الصين أن الصفقة دمرت سنوات من العمل لبناء الثقة مع الولايات المتحدة. فالتطبيع التايوانى أثمر صفقة الأسلحة ذات البلايين الستة والنصف، والتطبيع مع إسرائيل أثمر تسريع الاستعمار الاستيطانى. والمدهش أن الدكتور سعيد يلوم النخبة المصرية لأنها لا تطبع.
اقتبس الدكتور عبد المنعم سعيد من مقالي المنشور فى العربى [وفي الحقول : http://www.alhoukoul.com/article/880]، ما قاله الصينيون فى "منتدى
شنغهاي"، من أن "الصين يجب أن تتبع سياسة خارجية تتفق مع مقدراتها لأنها تواجه معضلات داخلية كبرى لا تمكنها من الاضطلاع بدور عالمى". ثم أضاف من عنده "أن هذا هو جوهر الموضوع ... فالحديث عن دور عالمي أو حتى دور اقليمي زائد عن الحاجة، يعد نوعا من عدم المراعاة لمقتضى الحال". ومن تلك النقطة انتقد "الفكر الذائع في مصر عن الدور الاقليمي المصري الذى يتحرك في دوائر ومجالات وقارات لو أخذت بجدية لكان الأمر متعلقا بقوة عظمى ... ولكن الكلام فى مصر ليس له ثمن كبير، حيث تختلط الأحلام بالأوهام، وتنفصل الفكرة عن القدرة". بذلك، فقد استعمل الدكتور عبد المنعم سعيد مقولة صحيحة، هى ضرورة التوازن بين القدرة والدور، ليصل منها الى نتيجة غير صحيحة، وهى ضرورة تحجيم الدور الاقليمى المصرى لكى يتفق مع المقدرة المصرية. وهذا الطرح يفترض أن المقدرات المصرية محدودة، كما أن الدور المصري هو دور عسكري أو اقتصادي فقط.
ونحن ممن يعتقدون أنه ليس لدى مصر مشكلة موارد، وانما لديها مشكلة عميقة فى توزيع وتوظيف الموارد المتاحة، وأن تلك الأخيرة تكفل لمصر بأن تضطلع بدور اقليمى قيادى ينعكس فى النهاية، ايجابا على الموارد والمصالح المصرية.
مشكلة مصر هي مشكلة صياغة سياسة عامة تمكنها من توظيف مواردها، التى أزعم أنها هائلة، ولكنها مهدرة، لكي تقوم بدور اقليمى يؤدي على الأقل الى ألا تسيطر قوة معادية على المحيط الاقليمى المصرى.
لقد فقدت مصر مليارات الجنيهات فى بناء صروح خرسانية فى الساحل الشمالي لا تستعمل الا نادرا. وفقدت مليارات الجنيهات التى نهبت من البنوك المصرية، وفقدت آلاف العقول النازحة إلى الخارج. وفقد الكثير مما يصعب حصره. وليس هذا كله بمثابة قضاء وقدر، ولكنه ثمرة سياسة عامة فاشلة، أدت الى اضعاف مصر، ثم استعمال هذا الاضعاف لتبرير انسحاب مصر من دورها الاقليمى، تماما كما يقومون بمنع الاستثمارات عن القطاع العام ما يؤدي الى تدهوره وخسارته، ثم استعمال ذلك كمبرر لبيعه.
وفي اعتقادي أن الدكتور عبد المنعم سعيد لا يقصد ألا تقوم بدور اقليمي على الاطلاق، ولكنه يقصد ألا تقوم بدور اقليمى معين هو دور المدافع الاقليمي، وقائد التكامل العربى، أى دور الاندماج فى المحيط العربى لمصر. وذلك، بدليل أنه لا يمانع فى أن تقوم مصر بدور اقليمى فى اطار ما يسمى محور "الاعتدال العربي" بالتعاون مع إسرائيل، وضد إيران. بل انه سبق أن كتب مقالين فى الأهرام في فبراير/شباط سنة 2003، يشجع فيه مصر على أن تقوم بدور اقليمى دعما للغزو الأميركي للعراق، لكي تشارك فى اقتسام الغنائم. وسبق أن تحاورت معه حول هذا الموضوع على صفحات جريدة العربي.
ولعل من أهم ما أشار اليه الدكتور عبد المنعم سعيد هو اقتباسه من مقالي، الاشارة الى مقولة الصعود السلمي الصينى، الصعود الصيني "سليى من جميع أوجهه"، ولكنه أضاف من عنده أن بعض المشاركين الصينيين فى مؤتمر حضره فى الولايات المتحدة، قالوا ان "الصين قدمت تنازلات جوهرية لحل مشاكل الحدود مع جيرانها".
قال الدكتور سعيد ذلك دونما تعقيب، بما يوحي بأن ما نقله هو أمر صحيح. ولكن الصورة الحقيقية تختلف تماما عما يقول. فالصين لم تقدم تنازلا واحدا لأي قوة فى مجال الأراضي والحدود. إن نزاعات الصين الحدودية هى مع الهند، وبوتان، وبعض دول جنوب شرقي آسيا حول جزر سبراتلي، ومع اليابان، وفيتنام، وكوريا الشمالية. وهذه النزاعات ما زالت قائمة حتى اليوم، وأخطرها النزاع مع الهند، حيث أن الصين تطالب بضم ولاية آرونشال براديش اليها باعتبارها جزءا من أراضيها.
كما أن الهند بدورها لا تعترف بضم الصين لاقليم أكساي شين، الذى احتلته الصين من الهند فى الحرب بينهما سنة 1962 ، وما زالت ترفض اعادته الى الهند. كل ما حدث بين الهند والصين هو تشكيل لجنة للنظر فى تلك القضايا الحدودية، دون أن يتنازل طرف عن ما يعتبره أراضيه القومية. والاتفاق الوحيد الذى تم بين الطرفين لم يكن على أراض متنازع عليها، وانما كان بمثابة صفقة اقليمية "غير معلنة" اعترفت فيها الهند بأن التبت جزء من الصين، واعترفت الصين بأن "سيكيم" جزء من الهند، علما بأن أي من الطرفين لم يكن يطالب الآخر بالاقليم الذى اعترف بتبعيته لهذا الآخر.
كذلك فالصين لم تتنازل لبوتان بعد عن المناطق المتنازع عليها حدوديا، كما أنها لم تسلم بمطالب الفيلبين وفييتنام وماليزيا فى جزر سبراتلي، بل إنها منعت فيتنام من التنقيب فيها. ولها نزاع مع فيتنام حول جزر بارسيل التى تسيطر عليها الصين، كما أن لها نزاعا اقليمىا آخرمع اليابان حول جزر سينكاكو شوتو دياويوتاي، وهي جزر غير مأهولة، ترفض الصين التسليم بتبعيتها لليابان، كما انها رفضت تبعية جزر معينة فى نهري يالو وتومين لها.
والنزاعات الاقليمية الوحيدة التى سوتها الصين كانت مع روسيا، حيث تم تسوية الخلاف حول تخطيط الحدود عند ملتقى نهري آمور وأوسوري، وفى نهر آرغون، طبقا لاتفاق سنة 2004، كما حدد خط الحدود طبقا لاتفاق سنة 2002. وفى كل ذلك لم تتنازل الصين عن أى أراض.
ورغم ذلك ينقل الدكتور سعيد عن غيره دون مناقشة، أن الصين قدمت تنازلات جوهرية عن أراضيها. فاذا كان ذلك لم يحدث، فلماذا ذكره فى مقاله؟.
معلوم أن الكاتب الدكتور سعيد يدافع بقوة فى العالم العربي، عن أن التنازل لـ"إسرائيل" عن الأرض العربية المحتلة مسألة عادية، تفعلها كل الدول فى عصر العولمة، وهو يسعى بقوة الى الايحاء بذلك، دون أى أساس معلوماتي.
هو يريد أن يقول ببساطة اتركوا الأرض لـ"إسرائيل" واهتموا بأكل عيشكم، عسى أن ترضى عنكم الولايات المتحدة، وتلحقوا بقطار العولمة. فاذا كانت الصين تفعل ذلك، فما الذى يمنعكم من التنازل؟.
ومعضلة الدكتور سعيد أن الصين لم تتنازل عن بوصة واحدة من أراضيها، ولكن المشكلة الأكبر أنه كمدير لمركز دراسات استراتيجية، اما أن هذه المعلومات فاتته، أو أنه يعلم عنها ولكنه تجاهلها، لأنها تتعارض مع أفكاره. وفى الحالتين نحن ازاء مشكلة لأننا نتحدث عن مصائر الشعوب، وليس عن الأهواء الذاتية؟.
بيد أنني أتفق مع الدكتور عبد المنعم سعيد فى ضرورة تطوير شبكة المصالح الصينية مع العرب، على أن يكون ذلك فى اطار مصرى وعربى فى آن واحد، وليس فقط فى اطار مصري كما ذكر في مقاله. فأنا اعلم أنه ممن يعتقدون أن وحدة التحليل الوحيدة الممكنة هى مصر، وأنا ممن يعتقدون أن تلك الوحدة لا تنفصل عن وحدة تحليل أكبر مرتبطة بها عضويا هى العالم العربى. ومن هذا المنطلق أيدت مشروع الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بانشاء المنتدى العربى ـ الصينى سنة 2004. صحيح، أن المنتدى لم يحقق الكثير، وصحيح أن الصين لا تولى القضايا العربية أولوية فى سلم اهتماماتها، ولكن ذلك ليس سببا لنفض اليد من الصين، والاتجاه غربا أو شمالا، ولكن للتفكير فى كيفية بلورة شبكة مصالح مع الصين تحقق مصالح الطرفين.
واذا عدنا الى الموضوع الرئيسى لهذا المقال، فاننا نجد أن الاستراتيجية المصرية الصحيحة التى يمكن أن تستفاد من كل ما سبق ليست هى تلك التي دافع عنها الدكتور عبد المنعم سعيد فى مقاله، ولكنها تلك التي تقوم على العمل الخارجي لدعم التعددية القطبية، لأنها فى صالح قدرة مصر على اتخاذ القرار المستقل، ووقف العربدة الأميركية في الدول العربية والعالم الاسلامى، دون أن يعنى ذلك بالضرورة المواجهة مع الولايات المتحدة. فهذه المواجهة هى ما يريده نخبة المحافظين الجدد فى الولايات المتحدة، وليس النخبة السياسية المصرية، كما قال الدكتور عبد المنعم سعيد فى مقاله.
أن الاستراتيجية المصرية الصحيحة التى يمكن أن تستفاد من كل ما سبق أيضا، هي تلك الاستراتيجية التى ترفض أي تطبيع مع إسرائيل حتى تنسحب الأخيرة من الأراضي المحتلة، وتقوم الدولة الفلسطينية بالفعل وليس بالوعد الوهمي. وهي تلك الاستراتيجية التى ترفض أى تنازل عن أي أراض عربية لـ"إسرائيل" أو غيرها، وهي الاستراتيجية التى تصوغ سياسة عامة رشيدة تضرب الفساد، وتوظف مواردها فى تجاه تحقيق التنمية، والقيام بدور اقليمي قيادي يحمي، فى التحليل الأخير، أمن مصر المهدد من السلاح النووي "الإسرائيلي"، وهو السلاح الذى فرطنا فى امتلاكه، بينما نجحت الصين و"إسرائيل" فى ذلك.كما أنها الاستراتيجية التى تسعى الى تنويع شبكة علاقاتها الخارجية مع القوى الدولية المختلفة، وليس الانضواء تحت المظلة الأميركية ـ الإسرائيلية.
وأخيرا فاننى لابد أن أشكر الدكتور عبد المنعم سعيد على اهتمامه بقراءة مقالي والتعقيب عليه، وان كنت قد اختلفت معه فى معظم ما قاله. ولكن الخلاف لا يفسد للود قضية، كما يقول العقلاء.

محمد السيد سليم، أستاذ العلوم السياسية، ومؤسس مركز الدراسات الآسيوية في جامعة القاهرة.

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.al-araby.com/docs/article2142178880.html
ــــــــــ
ملاحظات من المحرر :
1 ـ العنوان الأصلي لهذا المقال هو : الاستراتيجية المصرية الصحيحة : حوار مع الدكتور عبد المنعم سعيد.
2 ـ من اجل خدمة القارئ العربي، تنشر الحقول النص الكامل لمقال عبد المنعم سعيد، فيما يلي :

الاستراتيجية المصرية الجديدة ؟!
عنوان هذا المقال مقتبس من عنوان مقال للدكتور محمد السيد سليم ـ استاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية والمدير الاسبق لمركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة ـ بعنوان الاستراتيجية الصينية الجديدة ونشرته صحيفة العربي الغراء في 28 سبتمبر/ايلول المنصرم, [وكذلك الحقول : http://www.alhoukoul.com/article/880] . والمقال غني بتفاصيل كثيرة, ولكنه قدم خلاصة النتائج التي توصل إليها الكاتب اثناء مشاركته في المؤتمر الثالث لمنتدي شنغهاي للدراسات الصينية، لما يمكن اعتباره الاستراتيجية الصينية في التعامل مع العالم المعاصر. هذه الاستراتيجية يمكنها ان تكون مفيدة لمصر من جوانب كثيرة, بل لعلها تساهم في النقاش المصري العام الذي قد يحدث يوما ما لبناء استراتيجية جديدة لمصر، تحصل على توافق عام بين القوي السياسية المختلفة.
وبالطبع ودون ذكر الكثير من التفاصيل فان هناك فارقا هائلا بين الصين ومصر, ومن الناحية السكانية البحتة، فان هناك فارقا بين مليار و 300 مليون من المواطنين, ودولة عدد سكانها 80 مليونا. كما ان هناك فارقا بين دولة مساحتها تزيد على مساحة العالم العربي كله, أو تساوي مساحة الولايات المتحدة الأميركية, ودولة مساحتها مليون كيلو متر مربع. وبالتأكيد، فان هناك فارقا بين دولة نووية وذات مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي, ودولة ليس لديها أي من ذلك, ودولة لا تزل شيوعية من الناحية السياسية على الأقل, واخرى بعدت بها المسافات عن الاشتراكية.
ورغم ان الدولتين بدأتا معا طريق الاصلاح الاقتصادي والسياسي معا في نهاية سبعينيات القرن الماضي، فان الصين سارت في هذا الطريق بخطوات واسعة، محققة واحدة من أعلى معدلات النمو الاقتصادي المستقرة، طوال التاريخ. بينما تراوحت الاحوال المصرية بين سنوات قليلة من النمو، وسنوات أكثر من الانكماش. وبينما استقرت النخبة السياسية الصينية على ما سمته السوق الاجتماعي، لتمييزها عن السوق الرأسمالي، فان النخبة المصرية لا تزال مترددة، ومتراوحة ما بين السير في اتجاه اقتصاد السوق أو التراجع عنه كلما ظهرت المشكلات الناجمة عن الحراك الاقتصادي.
ومع ذلك فان هناك بعضا من انواع التشابه بين البلدين, فكلاهما بلد قديم له تراث كبير في التاريخ البشري, وبشكل ما لديه ثقافة تميل إلي الاعتقاد انه مركز العالم. وكلاهما في كل الاحوال يعد بلدا ناميا يعاني من معضلات التنمية ومكافحة الفقر والتعامل مع عالم يجري تكنولوجيا وماديا وحتى ثقافيا بسرعة الضوء. وبشكل من الاشكال فان كلاهما حاول خلال العقود القليلة الماضية التعامل مع عصره وعالمه, بوسائل متنوعة. ومن الناحية المصرية على الأقل، فان هناك ميلا قويا إلى التعلم من النموذج الصيني، نظرا للعلاقات المصرية ـ الصينية القديمة، ولاعتقاد ذائع ان التجربة الصينية هي الاقرب للتجربة المصرية. ومن هذه الزاوية الأخيرة فان مقال الاستاذ الدكتور محمد السيد سليم يقدم لنا قائمة مفيدة للغاية، كدليل لفهم ما يجري في الصين، وربما ما يجري في مصر ايضا.
فقد كان أول ما رصده من عناصر الاستراتيجية الصينية هو التأكيد المستمر على سلمية الصعود الصيني، بمعنى ان صعود الصين لا ينبغي له, ان يشكل تهديدا للقوى الأخرى بل انه يأتي في إطار الانسجام والتكامل معها. ومن ثم فان الصين لم تعد تتحدث عن عالم متعدد الاقطاب، أو تنتقد الهيمنة الأميركية أو حتى وجود خلافات جذرية تتعلق بالنزاعات الدولية القائمة.
وفي الحقيقة, انه منذ عامين شاركت في مؤتمر دولي، عقده مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن عن العلاقات الصينية ـ الأميركية. وكانت اغلبية المشاركين فيه من الباحثين والخبراء الصينيين والأميركيين, وكانت الرسالة الصينية الواضحة بشدة، هي ما جاء في الاستنتاج [الذي سجله محمد السيد سليم عن]، ان الصعود الصيني ليس على حساب احد, ولا حساب الولايات المتحدة أو غيرها, وهو سلمي في جميع أوجهه، حتى ان الصين قدمت تنازلات جوهرية لحل مشاكل الحدود مع جيرانها. ولفت النظر في الخطاب الصيني تقديره للدور الأميركي في منطقة الخليج، حيث تجري حماية منابع النفط من قوى متطرفة، وهو ما يحمي مصلحة صينية استراتيجية، نظرا لاعتماد بكين على بترول الخليج اكبر بكثير من اعتماد واشنطن عليه.
مثل هذا التوجه ليس موجودا لدى قطاع هام من النخبة السياسية المصرية، حيث ترى انه لا يمكن ان يكون هناك صعود للدور المصري، بدون ان يكون جوهر هذا الصعود هو المواجهة سواء مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة، وفي احيان مع الغرب كله.
ولا يعد ذلك ممثلا للفارق بين البلدين من حيث المشاكل الاستراتيجية. إذ ان الصين ليس لديها مشاكل استراتيجية مع جميع جيرانها فقط, بل ان بعضا من ارضها تم انتزاعها منها، مثل هونغ كونغ وماكَّاو. وعندما عادت هذه الأراضي للصين، فانها عادت بنظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الثقافي الخاص بها، في قيود عل السيادة الصينية، لو كان بعضا منها واقعا في مصر لكان الرفض الفوري نصيبه من النخبة السياسية المصرية.
ولكن هذا الموقف الصيني ليس منبت الصلة بالعنصرين التاليين في الاستراتيجية الصينية, كما توصل لهما الدكتور محمد السيد سليم، وهما ان هناك تحديات مشتركة تواجه العالم المعاصر، تجب انواع التناقض المختلفة بين القوى الدولية الكبرى، بما فيها حتى موضوع حيوي للصين مثل قضية تايوان. فالصين الحديثة لا تريد رهن قضايا مثل الإرهاب والاحتباس الحراري والايدز والغذاء والطاقة، لمسألة استعادة تايوان إلى الوطن الام، حتى ولو كان العالم كله لا يعترف إلا بوجود صين واحدة. والأهم من ذلك، ان حل المعضلة التايوانية لا يكون إلا من خلال التطبيع التدريجي للعلاقات والجسور بين تايوان والصين الشعبية.
مثل هذا المنهج في السياسة الخارجية يكاد يكون غائبا تماما عن رغبة النخبة السياسية والفكرية المصرية، التي لا ترى في العلاقات والجسور سواء مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، إلا اشكالا مختلفة من الاستسلام والتراجع، والتناقض مع علاقات تاريخية مع دول عربية وإسلامية. وبطرق مختلفة فان هذه النخبة المصرية, ووراءها نخبة عربية واسعة, لا تزال تتبني الاستراتيجية الصينية القديمة التي ترى ان المقاطعة والعزلة والصراع، هي الطريقة الوحيدة لاستعادة حقوق مسلوبة متمثلة في تايوان، التي كانت دوما جزءا من التراث التاريخي الصيني.
وفيما يبدو ان الصين ادركت ما لم تدركه النخبة العربية، بأن استعادة الحقوق في العالم المعاصر، لها قواعد مختلفة عما كان عليه الحال في عقود سابقة, أو أنه آن الأوان لاتباع اساليب ناجحة للحصول على الحقوق بتوافق دولي، بدلا من وسائل مدمنة للفشل، تقوم على تحقيق توافق دولي مضاد للحقوق المشروعة!. ولكن مثل هذا المنهج الصيني لم يأت من فراغ، وانما من عنصر ثالث في الاستراتيجية الصينية الجديدة، يقول ـ كما جاء في مقال الدكتور سليم ـ ان الصين يجب ان تتبع سياسة خارجية تتفق مع مقدراتها، لانها تواجه معضلات داخلية كبرى، لا تمكنها من الاضطلاع بدور عالمي. ولعل ذلك هو جوهر الموضوع.
فالحقيقة المتواضع عليها عالميا، هو انه لا توجد ما يسمى بالسياسة الخارجية للدول، وانما توجد سياسات داخلية. وفي البلاد النامية, حيث تنتشر مستويات متعددة من الفقر والجهل والمرض، وانعدام العدالة الاجتماعية, فان الحديث عن دور عالمي أو حتى دور اقليمي زائد عن الحاجة، يعد نوعا من عدم المراعاة لمقتضى الحال. وحينما قامت بعثة صحفية من الأهرام بزيارة الصين عام 1998، في وقت كانت فيه الصين تحقق معدلات للنمو قدرها 7,8 في المئة، حتى في زمن الازمة الاقتصادية الآسيوية، بمقابلة رئيس الوزراء رونغ جي، الذي قال ما كان لافتا للنظر ساعتها، انه مهما حققت الصين من معدلات مرتفعة، فانها سوف تظل وفق كل المعايير، بلدا فقيرا حتى منتصف القرن الحادي والعشرين.
قارن ذلك بالفكر الذائع في مصر عن الدور الاقليمي المصري، الذي يتحرك في دوائر ومجالات وقارات، لو أخذت بجدية لكان الأمر متعلقا بدولة عظمى، يتخطى نصيب الفرد فيها من الدخل القومي ما لدي إسرائيل أو تركيا على الاقل, ويكون جميع أهلها متعلمين تعليما راقيا, ولها نصيب وافر من انتاج التكنولوجيا العالمية.
ولكن الكلام في مصر ليس له ثمن كبير، حيث تختلط الأحلام بالأوهام, وتنفصل الفكرة عن القدرة, اما في الصين فإن الكلام له ثمن كبير, بل إن هناك حرصا على كلام أقل وفعل أكثر. وعلى طريق ذلك توجد تقديرات وأولويات، ربما يدلل عليها بشدة، ما أشار له الدكتور سليم بالنظرة إلى العلاقة العربية ـ الصينية. فعندما تتوافر مثل هذه الاستراتيجية الجديدة لدى الصين فانها لا بد أن تحسب بحسابات دقيقة عمق علاقاتها مع الأطراف الأخرى، تبعا لعمق المصالح والعوائد والتكاليف.
ووفق ذلك كله فان قيمة العالم العربي بالنسبة للسياسة الصينية محدودة. ولذلك فان التجارة والاستثمار والصلات مع العرب محدودة كذلك, بل ان منظمي المؤتمر المشار إليه في شانغهاي، لم يقوموا بنشر أعمال المشاركين العرب كما فعلوا مع بقية باحثي العالم. الدرس الذي نتعلمه من هنا هو ان تحسب مصر مصالحها مع كل الأطراف في المنطقة وفي العالم , وتبحث في المدى الذي تريد لهذه المصالح ان تتسع في المدى القصير والمتوسط, وبناء عليه ترسم سياستها, وتستخدم ادواتها. فالمسألة في البداية والنهاية هي المصالح , وقديما قال السلف الصالح اطلبوا العلم ولو في الصين، وقد جاءنا المقال المنشور في العربي الغراء بعلم غزير!.

بقلم : د . عبد المنعم سعيد
amsaeed@ahram.org.eg

رابط الخبر في المصدر التالي :
http://www.ahram.org.eg/Index.asp?CurFN=opin2.htm&DID=9727
 إطبع هذا المقال     أرسل إلى صديق

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
منتدى
> المنتدى الأورو متوسطي 2010 : أوروبا بين هاجس الانغلاق وحيرة الاندماج في المتوسط، وبرلسكوني يدعو المشاركين لإحضار نساء جميلات
> الأخطاء الإستراتيجية الأميركية في أفغانستان (تحليل ضابط فرنسي)
> مفكر عربي يكتب عن الاستراتيجية الصينية الجديدة