أوكرانيا “أطلسية” وليست “إسلامية” : لكي لا ينتقل العرب من “لندنستان” إلى “كييفستان”؟!

أوكرانيا “أطلسية” وليست “إسلامية” : لكي لا ينتقل العرب من “لندنستان” إلى “كييفستان”؟!

تنعقد الدورة الرابعة والأربعون لمجلس وزراء خارجية دول "منظمة التعاون الإسلامي" في ساحل العاج، يوم الإثنين القادم في 10 تموز الجاري. وتعترض هذا الإجتماع قضية شائكة. فوزير خارجية أوكرانيا بافيل كليمكين بعث إلى الأمين العام للمنظمة، رسالة يطلب فيها منح بلاده وضع العضو المراقب بين دول "التعاون الإسلامي".    
أتى هذا الطلب بعد أقل من شهرين على اصطفاف أوكرانيا مع "إسرائيل" في أكبر معركة ديبلوماسية خاضها كيان العدو الصهيوني ضد فلسطين المحتلة، داخل هيئات الأمم المتحدة إبان العقود الأخيرة. إذ وقفت حكومة كييف ضد المشروع العربي الذي قدم إلى منظمة الثقافة والتربية والعلوم التابعة للأمم المتحدة/ يونيسكو، لرفض احتلال النظام الصهيوني لمدينة القدس وإجراءاته لتهويدها وإلغاء هويتها العربية، وطمس طابعها الديني الإسلامي ـ المسيحي.  
لم يكن موقف حكومة كييف المعادي للقضية الفلسطينية مفاجئاً. لأن الهدف المعلن لنظام بيترو بوروشينكو الحاكم في أوكرانيا، هو "تحقيق معايير حلف شمال الأطلسي/ ناتو بالجيش الأوكراني حتى العام 2020 وأنها تعد جزءا من الفيلق الشرقي لحلف الأطلسي". ويصرح أركان هذا النظام، بأن "الأطلسة" هي "ضالة أوكرانيا في حفظ أمنها الدولي".
تعرض العرب والمسلمون لطعنة غادرة من أوكرانيا في يونيسكو. حيث نفذت كييف أُمْنِيَةَ رئيس وزراء العدو "الإسرائيلي" بنيامين نتانياهو، التي "عرضها على حسابه الشخصي بموقع فيسبوك". كتب هذا المجرم : "قلت عن قرار يونسكو بشأن القدس إنه قرار سخيف، وسنخفض عدد الدول الداعمة له إلى الصفر، لأنه ينبغى ألا يكون هناك تصويت من هذا القبيل في الأمم المتحدة".
إن أوكرانيا الأطلسية ليست دولة إسلامية. فإجمالي عدد سكانها 46 مليوناً، يبلغ عدد المسلمين بينهم أقل مليونين، أي نحو 4,3 بالمئة. وهم متحدرون من أصول قومية مختلفة، أبرزها تتار القرم. يتميز "مسلمو وسط وغرب أواكرنيا بأنهم يميلون لصالح الموالين للغرب (الأطلسي، في نظام بوروشينكو)، بينما نجد أن "مسلمي شرق أوكرانيا، وأعدادهم تقدر بنحو 300 ألف نسمة، يميلون لصالح الأحزاب والقوى الموالية لموسكو".
إن تركيا أردوغان التي تحافظ على علاقة وثيقة مع الكيان الصهيوني، تدعم طلب أوكرانيا المقدم إلى وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، خلال اجتماعهم في أبيدجان بعد أيام. وليس سرّاً أن كلا الطرفين على تنسيق مشترك، لتحدي السيادة الروسية في شبه جزيرة القرم. حتى إن أجهزة الحكم “الإخواني” في تركيا دفعت بعميل آخر للإستخبارات التركية، هو مصطفى جميلوف، من "مجلس تتار القرم" ومقره كييف، لتنفيذ محاولة اغتيال مفتي مسلمي القرم الحاج ايميرالي ابلايف.
يجب أن تتم دراسة الطلب الأوكراني وفق هذه الوقائع. تركيا بالتحديد امتنعت عن التصويت في المعركة التي شهدتها يونيسكو حول القدس في شهر أيار الماضي. وهذا الإمتناع كان رسالة قوية من "الحكم الإخواني" في أنقرة إلى الحكومة الصهيونية في تل أبيب، بأنه لا يعترض على خططها لتهويد القدس المحتلة. 
حاول نظام أردوغان أن يكذب بشأن موقفه من التصويت حول قرار يونسكو بشأن عروبة القدس المحتلة. لكن مواقع عربية أكدت أن مندوب تركيا لدى يونسكو السفير أحمد ألتاي جنجزار، امتنع بالفعل عن التصويت، أسوة بممثلي فرنسا والسويد وسلوفينيا. وقالت إن الدول التي صوتت مؤيدة للقرار هي : فلسطين وبقية الدول العربية، بالإضافة إلى البرازيل، والصين، وجنوب أفريقيا، وبنغلادش، وفيتنام، وروسيا، وإيران، وماليزيا، وموريشيوس، والمكسيك، وموزمبيق، ونيكاراغوا، ونيجيريا، وباكستان، والدومينيكان، والسنغال. كما عدَّدَ موقع إخباري "إسرائيلي" بارز، عشر دول صوتت ضد القرار هي : الولايات المتحدة، بريطانيا، ايطاليا، هولندا، لتوانيا، اليونان، البارغواي، اوكرانيا، توغو، والمانيا.     
تتحرك تركيا، الآن، خلف طلب أوكرانيا إلى اجتماع وزراء خارجية التعاون الإسلامي، لتحقيق مصالحها الخاصة. لأن نظام أنقرة يسعى إلى توريط دول عربية في النزاع الروسي ـ الأطلسي الناشب على الأراضي الأوكرانية وفي شبه جزيرة القرم الروسية. وهو يريد "أسلمة" هذا النزاع، لتسهيل التدخل الأميركي ـ الأوروبي في الشؤون السيادية لروسيا وأوكرانيا ودول الحوض الغربي للبحر الأسود.
إن النخب الأوكرانية الموالية للغرب التي قسمت المجتمع والبلاد بخطوط الحرب الأهلية، تجهد لمزيد من التدويل للأزمة. قبل نحو أسبوع أقدم السفير الأوكراني في لبنان ايهور أوستاش على تنظيم احتفال في مقره الديبلوماسي، اسماه "عيد علم تتار القرم"، ووعد الصحفيين الحاضرين بـ"تحرير القرم من الإحتلال الروسي".
ومن الواضح أن هذه الخطوة الدعائية التي واجهت تعليقات ساخرة في الأوساط السياسية والديبلوماسية في بيروت، تعكس قناعة دوائر الحكم العليا في كييف. فقد أطلق الرئيس بوروشينكو نفسه، وعوداً "تحريرية" مشابهة يوم أمس (أول تموز /يوليو). كما أن البرلمان الأوكراني الذي يسيطر عليه أتباع واشنطن وبروكسل، قد سنَّ قانوناً يوم 8 حزيران / يونيو الماضي، "يعتبر تعزيز تعاون كييف مع حلف شمال الأطلسي، بهدف الانضمام إليه، أحد أسس السياسة الخارجية والامن الداخلي" لأوكرانيا.

إن مطالبة نظام بوروشينكو بالعضوية في منظمة التعاون الإسلامي، غرضها حرف نظر الجمهور العربي ودول العالم الإسلامي، عن الفائدة التي تجنيها "إسرائيل" والدول الغربية من "الدولة المسلمة" المزعومة. فالغدر بالعرب من هذا النظام لم يقتصر على فلسطين المحتلة، بل طال لبنان نفسه. والتقارير الديبلوماسية في بيروت، خلال السنوات الماضية، ألمحت إلى تنسيق الإستخبارات الأوكرانية مع الإستخبارات "الإسرائيلية" في تنفيذ عمليات أمنية في أوكرانيا، معادية للمصالح الإستراتيجية اللبنانية.
ويأتي طلب الوزير كليمكين المرفوع إلى اجتماع أبيدجان الإسلامي، لتسريع عملية "أطلسة" أوكرانيا. ولكي يوفر لحكومة كييف أدوات استخدام مجموعات "الجهاد الإسلامي" ضد مواطني شرق أوكرانيا وضد روسيا التي تتصدى لتوسع حلف شمال الأطلسي شرقاً، كما ضد الدول الأوروبية التي لا تبدي حماساً لهذا التوسع. وهناك دلائل أولية على أن بعض الأجهزة الأوروبية، خصوصاً بريطانيا، وكذلك أجهزة الولايات المتحدة وتركيا، تعمل لاستبدال "لندنسنان" بـ "كييفستان". ومن هذه الدلائل التسامح الأوكراني الرسمي مع النشاط الدعوي "الإخواني" والسلفي المنفلت في كييف ومدن أوكرانية أخرى. 
يجب أن يتمعن وزراء التعاون الإسلامي في اجتماعهم يوم الإثنين المقبل، في ساحل العاج، بهذه المعطيات السياسية. وتقع على الدول العربية وبعض الدول الإسلامية مسؤولية خاصة. لبنان الذي يعتمد سياسة النأي بالنفس عن الأزمات العربية. وفلسطين التي تحتاج إلى كل دعم ومؤازرة ضد الإحتلال الصهيوني، ومصر والجزائر والعراق الذين يكتوون بنار التكفير والإرهاب. وحتى السعودية والإمارات التي تكافح المنظمات "الإخوانية". وكذلك، إيران التي يعتدي حلف شمال الأطلسي على حلفائها في سوريا ولبنان وفلسطين واليمن، ويهيئ مسرح القتال للعدوان عليها. ونيجيريا التي صارت بعض مقاطعاتها نهباً لمجرمي المنظمات الإرهابية مثل بوكو حرام وغيرها. كل هذه الدول مطالبة برد "الطلب الأوكراني" … فوراً. 
مركز الحقول للدراسات والنشر
الأحد‏، 08‏ شوال‏، 1438، الموافق ‏02‏ تموز‏، 2017 
        

الشؤون الدولية » Homepage Slides » أهم المقالات » رأي