بعد “غروزني” : مؤتمر موسكو يبحث “من هم أهل السُنَّة والجماعة”؟

بعد “غروزني” : مؤتمر موسكو يبحث “من هم أهل السُنَّة والجماعة”؟

تستضيف موسكو أعمال المؤتمر الدولي لتقريب المذاهب الإسلامية وبحث الأصداء التي ترددت بعد صدور “فتوى غروزني” التي حددت من هم السنة وأقصت السلفية من أهل السنة والجماعة.

وحررت الإدارة الدينية لمسلمي روسيا رسالة مفتوحة علقت من خلالها على “فتوى غروزني”، ونشرتها وكالة “نوفوستي” الروسية جاء فيها: “نشهد منذ القرون الأولى للهجرة تعاظم الفرقة بين المسلمين والتي خلصت إلى طعن فرق مسلمة في إسلام فرق أخرى.

الفرقة التي دبّت بين مسلمي العالم توسطت الأسباب التي حالت دون طرح المسلمين الرد المناسب على التحديات التي أبرزتها الحضارة الأوروبية بين القرنين الـ18 والـ20، كما كانت بين مسببات الأزمة الفكرية والدينية التي تمخضت عنها تنظيمات على شاكلة “داعش”، و”القاعدة”، و”جبهة النصرة”.

وأكدت الإدارة الدينية لمسلمي روسيا في رسالتها أن “مؤتمر موسكو المنعقد الثلاثاء 18 أكتوبر/تشرين الأول يسعى إلى تلمّس الأساس المشترك بين مختلف المذاهب الإسلامية”، وسوف يركز على “إيجاد أسس شرعية أعمق للحوار وسبل صياغة المعايير القانونية والدينية لتحديد صفة “المؤمنين”.

مجلس المفتين في روسيا من جهته، أصدر بيانا خاصا أوضح فيه موقفه تجاه “فتوى غروزني” التي وصفها بـ”غير المكتملة”، مشيرا إلى أن “الفتاوى من قبيل تلك الصادرة عن مؤتمر غروزني لا يمكن الجزم المطلق في تقييمها والبت بصددها بنعم أو لا”.

وحث مجلس المفتين استنادا إلى ذلك على “ضرورة حوار علمي يشمل سائر مسلمي روسيا وكافة الأطراف المعنية وذات الشأن”.

يشار إلى أن جمهورية الشيشان الروسية نظمت في أغسطس/آب الماضي برعاية رئيسها رمضان قديروف مؤتمرا دينيا بعنوان “من هم أهل السنة”، شارك فيه لفيف من علماء الدين الإسلامي بمن فيهم شيخ الأزهر أحمد محمد الطيب، وأثار حفيظة الكثير من الأوساط الإسلامية، وحمل الأزهر على إصدار بيان خاص وضح فيه ما بحثه المؤتمر.

وورد في بيان الأزهر: “لقد تابع شيخ الأزهر ما أثير على بعض المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي حول توصيف من هم أهل السنة والجماعة، وأبدى اهتمامه بردود الأفعال التي أثارتها توصيات المؤتمر”.

وأكد الأزهر في البيان، أن الطيب أشار في كلمته للأمة خلال المؤتمر إلى أن مفهوم أهل السنة والجماعة يطلق على الأشاعرة، والماتريدية، وأهل الحديث.

وأضاف: أهل السنة ثلاث فرق هي الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري، والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي، وعن العلّامة مرتضى الزبيدي قوله: “والمراد بأهل السنة هم أهل الفرق الأربع: المحدثون والصوفية والأشاعرة والماتريدية، معربا بذلك عن وضوح موقف الأزهر في هذه القضية.”

هذا، ويشارك في مؤتمر موسكو المكرّس لفتوى غروزني والذي سيستمر حتى الـ20 من هذا الشهر، ممثلون عن الهيئات الإسلامية في روسيا وإيران وتركيا وبلدان أوروبا ورابطة الدول المستقلة والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

مؤتمر غروزني : “من هم أهل السنة والجماعة”
وكان مؤتمر «من هم أهل السنة والجماعة.. بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقادًا وفقهًا وسلوكًا وأثر الانحراف عنه عن الواقع» المنعقد في مدينة غروزني، المنعقد في عاصمة الشيشان، في نهاية شهر آب الماضي، بحضور أكثر من 200 عالم ومفتٍ من مختلف الدول العربية والإسلامية والغربية، قد دعا العالم الإسلامي إلى التوقف عن الجدال والتنظير والانشغال بصغائر الأمور والقضايا، لتفويت الفرصة على الجماعات الإرهابية الذي تستغل ذلك لصياغة مناهجها التدميرية.

واعتبر المشاركون في مؤتمر غروزني إن هذا الحشد من العلماء المجتمع في الشيشان «سوف يسهم بشكل جاد في إطفاء الحرائق والحروب اللاإنسانية، التي تتخذ من أجساد العرب والمسلمين وأشلائهم فئران تجارب دموية، وتشعلها أنظمة استعمارية جديدة تقدم بين يدي نيرانها نظريات شيطانية مرعبة». وأكد المشاركون أن «خطط هذه الأنظمة الماكرة بدأت تزحف على ثقافات الناس ومعتقداتهم ومقدراتهم التاريخية والحضارية وتخضعها لمعايير ثقافة عالمية واحدة».

وقد شاركت مصر في فعاليات مؤتمر «من هم أهل السنة والجماعة..» بالعاصمة الشيشانية، بوفد رفيع المستوى من علماء الأزهر ترأسه الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر. وتوجه الدكتور الطيب، الذي يرأس أيضاً «مجلس حكماء المسلمين»، إلى فعاليات المؤتمر قائلاً : أن اضطراب مفهوم «أهل السنة والجماعة» أطمع آخرين من المتربصين بهم بتصويب سهامهم نحو هذا المفهوم وتشويه سيرته، والافتراء عليه بأنه المسؤول عن الجرائم الإرهابية التي تقترفها الجماعات التكفيرية المسلحة.. وهؤلاء المفترون هم أول من يعلم أن هذه الجماعات التكفيرية بتصرفاتها البشعة المنكرة لا تمت إلى «أهل السنّة والجماعة»، وأغلب الظن أن هذه الفئة قد اتخذت من هجومها على مفهوم أهل السنّة والجماعة غطاء لتحقيق أغراض سياسية ومكاسب طائفية وأطماع توسعية لإذكاء نوازع الفرقة بين المسلمين، وبعث لفتن طواها الزمن وأصبحت في ذمة التاريخ، ونشر لثقافة الحقد والكراهية.

وقال الدكتور أسامة الأزهري مستشار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووكيل اللجنة الدينية بالبرلمان المصري، أن «مؤتمر الشيشان هدفه إلقاء الضوء على المشكلات التي تحيط العالم الإسلامي في مسائل العقائد والأفكار التي يتم استغلالها من التيارات الإرهابية المتطرفة في صياغة مناهجها التدميرية»، مشددًا على أن التكفير والتفجير يسيران على قدم وساق.. وفى المقابل المؤسسات الدينية المعنية لم تدرك اللحظة الفارقة، مما أنتج فراغا زمنيا فارقا في مسيرة التكفير، وملاحقته من المختصين بنشر الدين الوسطى وصحيح العقائد.

وأوضح شيخ الأزهر أن مفهوم «أهل السنة والجماعة» حسب منهج التعليم بالأزهر، يُطلق على أتباع إمام أهل السنّة أبي الحسن الأشعري، وأتباع إمام الهدى أبي منصور الماتريدي، وأهل الحديث، ولم يخرج عن عباءة هذا المذهب فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والمعتدلون من فقهاء الحنابلة، وهذا المفهوم بهذا العموم الذي يشمل علماء المسلمين وأئمتهم من المتكلمين والفقهاء والمحدثين وأهل التصوف والإرشاد، وأهل النحو واللغة أكده قدماء الأشاعرة أنفسهم منذ البواكير الأولى لظهور هذا المصطلح بعد وفاة الإمام الأشعري، ثم هو ما استقر عليه الأمر عند جمهرة علماء الأمة عبر القرون التالية، وهذا هو الواقع الذي عاشته الأمة لأكثر من ألف عام، حيث عاش الجميع في وحدة جامعة استوعبت التعدد والاختلاف المحمود، ونبذت الفرقة والخلاف المذموم.

وألقى قادة وعلماء الشيشان والقوقاز كلمات خلال مؤتمر غروزني أعلنوا فيها عن سعادة جموع الشعب الشيشاني بزيارة وفد الأزهر، مؤكدين أن شيخ الأزهر هو إمام أهل السنة والجماعة، وخطب الدكتور إبراهيم الهدهد رئيس جامعة الأزهر، خطبة الجمعة، وتحدث عن أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورحمته مع المسلمين وغير المسلمين، بل حتى مع أعدائه الذين آذوه ثم عفا عنهم بعد تمكنه منهم في فتح مكة، مضيفا أن «هذه الأخلاق حددت مسلك الوسطية والاعتدال في الدعوة إلى الله عز وجل، وهو النهج الذي سار عليه علماء المسلمين على مختلف العصور».

وأكد المشاركون في المؤتمر، أن هناك بعض القوى الإقليمية والدولية تحاول خلق صراعات طائفية ومذهبية في الدول العربية والإسلامية، لخدمة أعداء الأمة ومصالحها الضيقة. وقال الدكتور علي جمعة، مفتي مصر الأسبق، عضو هيئة كبار العلماء بمصر خلال مشاركته بمؤتمر الشيشان، إن أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم الأزهر، هم أهل الحق الذين لم يكتفوا بإدراك النص، بل اهتموا بإدراك الواقع، ولم يكفّروا أحدا من أهل القبلة، ووفقوا بين العقل والنقل وتعايشوا مع الآخر.

وكالات، 18 تشرين الأول/ أوكتوبر 2016

الشؤون العربية » Homepage Slides » أهم المقالات » الدين الحنيف