فلسطين هنا …

فلسطين هنا …

استعيد همتي هذه الايام، امام مشهد فتيان وفتيات فلسطين المحتلة، فأذهب للمشاركة في وقفة تضامنية من اجل القدس وعروبتها. 
امشي باتجاه البلد من مكان ليس ببعيد عنه، نحو مبنى "الاسكوا" حيث موعد اللقاء في وسط مدينة بيروت، وتحديدا في الحديقة المقابلة للمبنى: حديقة جبران.
نضيء اليوم الشموع من اجل القدس وفلسطينها، رداً على اعلان رئيس الولايات المتحدة : القدس عاصمة الكيان الغاصب.
امشي وتسبقني قدماي، كما في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، حين كنا نشد العزم للمشاركة في التظاهرات والمسيرات من اجل قضايا الوطن العربي وعلى رأسها فلسطين، ومن اجل قضايا الطبقة العاملة.
أحثّ الخطى، لهفة الى لقاء الجموع المُحبة لفلسطين، الرافعة الصوت من اجل الحق فيها.
اخترت الادراج الحجرية الطويلة الواقعة خلف مبنى المعهد الوطني للموسيقى. كانت السماء تُرسل عتمتها والجبال العالية البعيدة تضيئها بحلة ثلجية، باعثة إليّ برودتها بكبرياء.
الادراج تعلو الطريق المؤدية الى المكان، فبدأت في النزول ناظرة الى مقصدي، فما رأيت في الحديقة الا تجمعاً صغيراً، خجولاً. اعداد قليلة تضيء الشموع في الاسفل،  وكنت قادرة على تعدادها…
تذكرت: كم كنا من اجل فلسطين نحشد ونحتشد…
وصلت فالتقيت صديقتي التي لم تثنها السنين الستين وما بعد، عن السعي من اجل فلسطين.
بضعة نساء، بعض الشباب، رجال كبار، اطفال وفتيان. لكن العدد قليل قليل.
وهنا، هنا، كانت فلسطين، علمت من المجتمعين، انهم اتوا من صور من مخيم الرشيدية تحديدا في باصين متوقفين بمحاذاة الطريق.
وقفنا لساعة نحمل الشموع التي كان يُطفئها الهواء، فنعيد إشعالها.
استمعنا لكلمة اصحاب الدعوة: المؤسسات الاهلية والمنظمات الشبابية العاملة في الوسطين الفلسطيني واللبناني، التي تحدثت عن احترام "قرارات الشرعية الدولية".
استمعنا الى اغانٍ تبحث عن الملايين وعن الشعب العربي بصوت جوليا بطرس… وتأتي السيدة فيروز لتنقذ ماء الوجه، صادحة لزهرة المدائن: "عيوننا اليك ترحل كل يوم".
رجل تجاوز الستين، القى قصيدة من بنات افكاره، ثار فيها على الاحتلال واشاد بالاسرى والشهداء وحيّا عهد التميمي وراحة يدها، التي صفعت بها وجه الجندي الصهيوني، وقدمها التي ركلت بها جسد المعتدي…. 
لوحوا بالاعلام الفلسطينية ولوحنا بالشموع المُضاءة، ثم هتفوا : "زاحفين بالملايين" الى القدس!!!
بعض النسوة لم يجدن ضيراً من تدخين سيجارة…
افراد هنا وهناك انشغلوا بتصوير بعضهم البعض، وصبايا اعتمدن "السيلفي" لتأريخ اللحظة التاريخية. 
امرأة بملامح لا تشبهنا تدور بين الجمع تلتقط صورنا وصور المشهد الحي.
قالوا ان تلفزيوني المستقبل والقدس صورا الحدث. وقرأت في اليوم التالي ان التجمع كان من اجل عهد التميمي، ما يتنافى مع الدعوة المرسلة الى هاتفي: للتأكيد على عروبة القدس عاصمة فلسطين الابدية.
صوت ينادي على الجمع للصعود الى الباصين. انتهت الوقفة قبل الموعد المحدد لها. الحديقة معتمة.
ثوان لا اكثر وفرغ المكان.
اصرّت صديقتي على التقاط بقايا المناسبة من اوراق و شموع في الارض، ثم عدلت عن الامر، ملتزمة بقولي ان عمال البلدية يجب ان يجدوا ما يعملون عليه في صبيحة يوم الاربعاء.
غادرنا جميعاً عند الخامسة وسبعة واربعين دقيقة، هكذا تم الابلاغ عن نهاية الوقفة التضامنية للجهة المعنية…
جررت اقدامي عائدة في عتمة المكان، اتحسس كتاباً في جعبتي عن "الموريسك" لم انته من قراءته، واسئلة تجول في رأسي: هل نلقى نفس المصير؟ وما الذي اختلف منذ طرد الموريسكيين، مسلمي الاندلس، قبل اربعماية عام؟ من يُدافع عن فلسطين من العرب في سوريا والعراق والبحرين واليمن وليبيا؟
اجيب نفسي المتهالكة وراء اجوبة الخلاص: يكفيني انني رأيت فلسطين من هنا.

نجوى زيدان، مدير تحرير موقع الحقول، صحفية، كاتبة عربية من لبنان
بيروت، في 27 كانون الاول 2017

الشؤون العربية » Homepage Slides » أهم المقالات » مقاومة