“فن التجهيز: إشكالية العلاقة بين المبدع والمتلقي” (كتاب جديد)

“فن التجهيز: إشكالية العلاقة بين المبدع والمتلقي” (كتاب جديد)

يدرس الكتاب[1] توجَّه الفنان في عصر ما بعد الحداثة إلى تأليف لغة، غنية بمفرداتها، متجاورة في علاقاتها، متناغمة بقوة المعاني وعمقها، حيوية بأفكارها والمضامين الفلسفية، لإحياء لغة البصر والسمع واللمس، أو بالأحرى لتستنفر حواس المتلقي. فتحرَّرَت الفنون ومنها فنّ التجهيز من كافة القيود المُتوارثة، من خلال أعمالٍ فنيَّة تميزت بروح البحث والتجريب، وأظهرت رؤية جديدة للواقع والحياة، وتأثَّرت بالعلمِ والتكنولوجيا في نظرتهما للمكان، ممَّا غيَّر من طبيعة الفنون المكانيَّة، بعدما هجرت موقعها التقليدي إلى فضاءٍ أوسع، وبعد إضافة الزمان بوصفه بُعداً رابعاً للمكان.

كان لا بد في بداية الكتاب أن نمهّد لفن التجهيز من خلال مفهوم ما بعد الحداثة في الغرب، هذا الفن الذي يُعَد من صلب ما بعد الحداثة، ومن قلب نظرياتها الفلسفية النابضة بالتغيير، والتي قادت إلى تمرد الفنان في الغرب ومنه إلى الشرق. وأن نستعرض هذا الفن وخصائصه وتطوره بحيث سعى الفنَّان من خلال فنّ التجهيز للتعبير عن مختلف أوجه الحياة، وتمثيلها وإظهار أبعادها ومعانيها، حتى باتَ اليوم لغة عالميَّة، تُلامس حياة الإنسان اليوميَّة وتُحاكي تطلّعاته.

 إنَّ أيّ إنتاج فنّي لا يُمكن الإحساس به وتذوّقه من قِبل الآخرين إلَّا إذا كانوا قادرين على تلقّي رموزه، فهناك ما يُشبه الإرسال والاستقبال في عملية تلقّي الفنّ وتذوّقه. فكان في الكتاب محور خاص لتسليط الضوء على إشكالية التلقي والفنون المعاصرة في لبنان، هنا نتكلم عن عوامل وظروف ثقافيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة وسياسيَّة. فهذا التغيير في المفاهيم من خلال فنون ما بعد الحداثة وفن التجهيز، جاء إلى لبنان بشكل مفاجئ، من دون تسلسل تاريخي كما حصل في الغرب، بل كان نتيجة نقل الرؤية الغربية لفنانين عاشوا ودرسوا هناك، فأضافوا قيماً جديدة وتقنيات حديثة على المجتمع العربي، من دون وعي فني واجتماعي أو أكاديمي للمتلقي، مما شكّل موقفاً إذا لم نقل رافضاً بالكامل فهو بعيد عن التفاعل والتأمل والرغبة في التغيير.

إن المشكلة الجوهرية تبقى في أن حاضرنا اليوم، لا يمتلك أساس القوة الجذرية في مواجهة الغزو الفكري بثقافاته وتقنياته، ولذا فإنه من الضروري الوقوف قليلاً، ومعرفة كيف يمكن أن تتحوّل هذه التقنية إلى جزءٍ من ثقافتنا ومفردات لغتنا التشكيلية، وأن لا يبقى غالبية الجمهور المتلقّي على ضفاف النهر، إنما علينا الإمساك بيده ومساندته من أجل عبورٍ ممتعٍ يُغني فكره وبصيرته، ويحوّله إلى متلقٍّ يخوض غمار التجارب كما الفنان. إن بناء حضارة راسخة يستدعي المعاصرة، لأن القدماء لا يملكون حلاًّ لمشكلات الحاضر، فالثقافة المعاصرة تقتضي تبنّي القيم الجديدة، لتصبح أسلوب حياة، كي لا يبقى المتلقي رهن ما يرتضي الفنَّان وما يريده، بينما الأمر الصائب والحقيقي أن تدخل هذه الثقافة معرفة المُتلقّي وذهنه المُتّقد، مع مواجهة العمل الفني وما قصده الفنان.

وهذا قادنا، في الكتاب، إلى التعمق أكثر في النظريَّات الفلسفيَّة، لجعلِ المُتلقّي رُكناً أساسيَّاً في عملية الإدراك، واعتبار هذا الإدراك أساساً موضوعيَّاً وماديَّاً، فالمُتلقّي يملأ فراغات العمل الفني، في فن التجهيز، كما في عملية إدراك الظاهرة الأدبيَّة التي لا تتحقَّق إلا بوجوده. إنَّ مُهمَّة المُتلقّي لا تقتصر فقط على مهمة الدهشَة التي يسعى الفنَّان إلى إحداثها لديه، من أجل قبول العمل الفني، بل هي الخطوة الأولى لجذب انتباهه، لينطلق بعدها في مهمَّة الغوص فكريَّاً في رموز المبدع، واستحضار خبرته وذوقه الجمالي من أجل استكشاف عناصر الجمال والإبداع في العمل.

نحن لا نتكلم هنا عن متلقٍّ غير مثقف، فالخبرة والثقافة تُكتسب عبر التعليم، وتتزايد مع الوقت والاطلاع الدائم على تطوّر الفنون وتاريخ الفن ودوره ومراحله التي تتطوَّر بتطور الزمن والأحداث. لذلك فإن مسؤوليتنا في الوطن العربي تقديم بدائل مُناسبة لتحسين آفاق التفكُّر والتواصُل مع الفنون الجديدة، وجعل المُتلقّي مُتسلّحاً بالمعرفة، ومتمتّعاً بدرجةٍ عالية من الحسّ الفني والجمالي، من خلال تطوير المناهج التربوية ووجود كتابات نقدية مُبسَّطة تُقدم للجمهور المُتلقّي الأعمال الفنية بأسلوب سلس. وتدعو مؤلفة الكتاب إلى أن يكون للإعلام دور فعال في مواكبة تطوّر هذه الفنون الحديثة والمعاصرة، بالشكل الذي يجعلهم أكثر قُدرة على التفاعُل مع العروض التجهيزيَّة وباقي أنواع الفنون المعاصرة.

هناء عبد الخالق، فنانة تشكيلية لبنانية، أستاذة في الجامعة اللبنانية

الخميس، 22 آب / أغسطس، 2019 

 


[1]  فن التجهيز : إشكالية العلاقة بين المبدع والمتلقي. تأليف هناء عبد الخالق، منشورات دار المؤلف، بيروت، 2019.

الثقافة والفنون » Homepage Slides » أهم المقالات » كتب